• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    باب فضل الزواج بنية العفاف
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {إذ تصعدون ولا تلوون ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    استغلال الفرص (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    وحدة الأمة في ضوء مناسك الحج (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    يوم عاشوراء يوم النصر للحق وأهله (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    في ختام السنة احذر الخاتمة (1)
    د. محمود حمدي العاصي
  •  
    تربية الأبناء في الإسلام (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    تخريج حديث: من مس ذكره فليتوضأ (2)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    تطهير النفس
    محمد ونيس
  •  
    تفسير: (ولا الظل ولا الحرور)
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    باب في فضل السواك
    د. خالد النجار
  •  
    حين يكبر معنى الرزق في قلب الإنسان (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    الحديث الثالث والأربعون: الأخلاق مع أسماء الله ...
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    خلق الإتقان وأهم صوره
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}
    بدر شاشا
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / عقيدة وتوحيد
علامة باركود

إضاءات منهجية من بعض مواقف الإمام مالك العقدية (3)

إضاءات منهجية من بعض مواقف الإمام مالك العقدية (3)
محفوظ بن ضيف الله شيحاني

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 15/6/2026 ميلادي - 29/12/1447 هجري

الزيارات: 60

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

إِضَاءَاتٌ منهجِيَّة

من بعضِ مواقفِ الإمام مالك العَقَدِيَّة (3)

نماذج من مواقف الإمام مالك العقديَّة والمنهجية

تابع باب توحيد الأسماء والصِّفات


النموذج الثَّالث:

ومن مواقفه الحكيمة- أيضًا- (رحمه الله):موقفه الصَّريح والواضح من صفة العُلوِّ والفوقيَّة لله تعالى؛ فإنَّه قد سُئِل عن ذلك، فقال: "إنَّ الله في السَّماءِ، وعِلْمُه في كلِّ مكانٍ، لا يخلو منه شيءٌ".

 

فعن عَبْداللَّهِ بن نَافِعٍ [الصائغ المدني]، قال: قال مالك بن أنس: "اللَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لا يَخْلُو مِنْهُ شَيءٌ"[1].

 

قلت: وهذا الجواب المحرَّر والموفَّق الذي قرَّر فيه الإمام مالك وصرَّح بإثبات صفة العُلُوِّ لله تعالى على خلقِه، وإثبات صفة مَعيَّة العِلم أيضًا؛ أجمعَ على مضمُونِه أهل العلم من أئمَّة السُّنة والحديث، ولم يخالف فيه أحد منهم.

 

فأئمَّةُ السَّلف الصَّالح- أهل السُّنَّة والجماعة- يعتقدونَ جميعًا أنَّ الله تعالى فوقَ جميع مخلوقاتِه، مُستوٍ على عرشِه، في سمائِه، عَالٍ على خَلْقِه، بائنٌ[2] منهم، يعلمُ أعمالَهم، ويسمعُ أقوالَهم، ويرى حركاتِهم وسكناتهم، فهو سبحانه وتعالى معهم بعلمِه في كلِّ مكان، لا يخلو مكان عن علمه، فهو مُطَّلِعٌ على العباد، لا تَخفَى عليه خافيةٌ منهم، قد أحاط علمه بكل شيءٍ.

 

وهذه الصِّفة العظيمة (صفة العلوِّ على الخَلْق) صفةٌ ذاتيَّةٌ ثابتةٌ لله (عزَّ وجلَّ) بالقرآن الكريم، والسُّنَّةِ المتواترةِ، والإجماع؛ ودلَّ عليها أيضًا العقل والفِطْرة.

 

ومِن أسمائِه الحسنى الثَّابتة- سبحانه-: (العَلِيُّ) و(الأَعْلى) و(المُتعالي)؛ قال أئمة اللُّغة: المتعالي هو المتفاعِلُ من العُلُوِّ، واللهُ تعالى عالٍ ومُتَعالٍ وعَلِيّ.

 

قال الإمام الذَّهبي في مقدِّمة كتابه النَّفيس "العَرْش": "الدَّليلُ على أنَّ الله تعالى فوقَ العرش، فوق المخلوقات، مُبايِنٌ لها، ليس بداخِلٍ في شيءٍ منها، على أنَّ عِلْمَه في كلِّ مكانٍ: الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الصَّحابة، والتَّابعين، والأئمَّةِ المهْدِيِّين ..."[3] ، ثم شرَع في تفصيل ذلك.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة (رحمه الله): "قال مالك بن أنسٍ الإمام فيما رواه عنه عبداللَّه بن نافع، وهو مشهورٌ عنه: "إنَّ اللَّه في السَّماء؛ وعلْمُهُ في كُلِّ مكانٍ لا يخْلُو من عِلمِه مكانٌ"؛ وقال الإمام أحمد بنُ حنْبَل[4] مثلَ ما قال مالكٌ وما قاله ابن المبارك[5]؛ والآثار عن النَّبِيِّ (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وأَصحابه وسائِر علماء الأمَّة بذلك مُتواتِرةٌ عند مَنْ تَتَبَّعَها؟ وقد جمع العُلماء فيها مصنَّفاتٍ صغارًا وكبارًا؛ ومَنْ تَتَبَّع الآثار عَلِم أيضًا قطعًا أنَّه لا يُمْكِنُ أَن يُنقل عن أحدٍ منهم حرفٌ واحدٌ يُناقضُ ذلك؛ بل كلُّهم مُجمِعون على كلمةٍ واحدةٍ، وعقيدةٍ واحدة، يُصدِّقُ بعضُهم بعضًا"[6].

 

وقال أيضًا: "وصفَ اللهُ نفسَه في كتابه وعلى لسان رَسُوله (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، بالعُلُوِّ والاستواءِ على العرشِ والفَوقِيَّة في كتابه في آيات كثيرة"، حتَّى قال بعض أكابر أصحاب الشَّافعي: "في القرآن ألفُ دليلٍ أو أزيد تدلُّ على أنَّ الله عَالٍ على الخَلْق، وأنَّه فوق عباده"، وقال غيره: "فيه ثلاثمائة دليلٍ تدُلُّ على ذلك"[7]؛ اهـ.

 

والعُلُوُّ عند أئمَّة السَّلف- أهل السُّنة والجماعة- على ثلاثة أقسامٍ:

1- عُلُوُّ شأنٍ وقَدْر؛ (أي معناه: أنَّ الله تعالى له أعلى صفات الكمال، فهو منزه عن كلِّ نقصٍ، ولا يماثله أحد في قدره وعظمته).

 

2- عُلُوُّ قَهْرٍ؛ (ومعناه: أنَّ الله تعالى قهرَ جميع المخلوقات، فلا يخرج أحد من خلقه عن سلطانه وقهره، كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: 18]).

 

3- عُلُوُّ فَوْقِيَّةٍ؛ (وهو: عُلُوُّ الله تعالى بذاتهِ فوقَ جميع المخلوقات؛ فهو سبحانه العليُّ الأعلى فوقَ كلِّ شيء).

 

وكذلك صفة المعيَّة لله تعالى عندهم- وقد قرَّرها الإمام مالك (رحمه الله) أيضًا في جوابه السَّابق وسارَ فيها على هدي وسَنَنِ السَّلف الصَّالح- على نوعين:

1- معيَّة عامَّة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، وهي إحاطة علمٍ وسمعٍ وبصرٍ واطِّلاع؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4].

 

2- معيَّة خاصَّة تقتضي التَّوفيقَ والإلهام، والنُّصرة، والتَّأييد، والعَون لعباده المؤمنين وأوليائه المتقين؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ ﴾[النحل: 128].

 

وإثبات هذه الصِّفة (صفة المعِيَّة) لا يَنْفِي عُلوَّ الله على خلقه واستواءه على عرشِه، بل هو سبحانه في عُلوِّه قريبٌ من عباده، ومعهم في آنٍ واحدٍ بعلمهِ المحيط؛ والآثار والأقوال المرويَّة عن سلف الأمَّة من الصَّحابة ومن بعدهم في الجمعِ بين صِفتي العُلوِّ والمعيَّة كثيرة.

 

قال الإمام أبو نصْرٍ السجزي في كتاب "الإبانة" الذي ألَّفه في السُّنة: "وأئمَّتُنَا؛ كالثَّوريِّ، ومالكٍ، وابن عُيَيْنَة، وحَمَّاد بن سَلَمة، وحمَّاد بن زيدٍ، وابن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد، وإسحاق: مُتَّفِقُونَ على أنَّ اللَّه فوق العَرشِ بِذاتِه، وأنَّ عِلْمَهُ بكُلِّ مكانٍ..."[8].

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "سلَفُ الأمَّةِ وأئمَّتُها: أئمَّةُ العِلم والدِّين من شيوخ العِلم والعبادةِ فإنَّهُم أثبَتُوا وآمنُوا بجميع ما جاء به الكتابُ والسُّنَّةُ كُلُّهُ من غير تحريفٍ للْكَلِمِ أثبَتوا أنَّ اللَّه تعالى فوْقَ سَمَوَاتِهِ، وأنَّه على عَرْشِهِ بَائِنٌ من خَلْقِهِ وهُم مِنْهُ بَائِنُونَ، وهو أيضًا مع العباد عُمُومًا بِعِلْمِهِ ومع أنبِيائه وأولِيائِه بالنَّصْرِ والتَّأييد والكِفاية وهو أيضًا قرِيبٌ مُجِيبٌ"[9].

 

وقد حُكيَ القول السَّابق للإمام مالك (رحمه الله) ونُقِلَ أيضًا عن بعض أصحابه المتَّقدمين، وعن بعض أئمَّة المالكية الكِبار من بعدهم، ومن بين هؤلاء الأعلام:

1- الفقيه أصبغ بن الفرج بن سعيد، وهو من أجلِّ أصحاب مالكٍ وأفقَهِهم، ومن كبار المالكية بمصر، حيث قال: "وهو مستوٍ على عرشه، وبكلِّ مكان علمُه وإحاطَته"[10].

 

2- الإمام ابن أبي زَيدٍ القيرواني شيخ المالكية في زمانه، وكان يلقَّب بمالكٍ الصغير، قال (رحمه الله) في خُطْبَة رسالته المشهورة والمعتمدة في الفقه المالكي: "وأنَّه فوقَ عرشه المجيد بذاته، وهو في كلِّ مكانٍ بعِلمِه"[11].

 

وقال أيضًا في كتابه: "الجامع في السُّنن والآداب": "وأنَّه فوقَ سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كلِّ مكانٍ بعلمه"- ثم ذكر كلامًا طويلًا إلى أن قال-: "وكلّ ما قدَّمنا ذكره فهو قول أهل السُّنة، وأئمَّة النَّاس في الفقه والحديث على ما بيَّناه، وكلُّه قول مالك؛ فمنه منصوصٌ من قوله، ومنه معلوم من مذهبه"[12].

 

3- الإمام أبو عمر الطَّلمَنكيّ الأندلسي المالكي، قال (رحمه الله): "أجمع أهل السُّنة على أنَّ الله تعالى استوى على العرشِ على حقيقته، لا على المجاز- ثم ساق بسنده عن مالك قوله-: "اللهُ في السَّماء وعِلْمُه في كلِّ مكان"- ثم قال-: وأجمع المسلمونَ من أهل السُّنة على أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4]، ونحو ذلك من القرآن: أنَّ ذلك عِلْمُه، وأنَّ الله فوق السَّماوات بذاتِه مُسْتَوٍ على عرشه كيفَ شاء"[13].

 

4- الإمام الحافظ المتقن أبو عمرو بن عبدالبرِّ القرطبي المالكي، فقد قال بعد روايته ذلك عن مالك، ورواية أثره الآخر الشَّهير: "الاستواء معلوم"، قال عن نُفَاةِ العلوِّ، للعليِّ سبحانه: "وأمَّا احْتِجَاجُهم بقوله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾[المجادلة: 7]، فلا حُجَّةَ لهم في ظاهرِ هذه الآية؛ لأنَّ علماءَ الصَّحابة والتَّابعين الَّذين حملْت عنهم التَّأْويلَ في القُرآن قالوا في تأْويلِ هذه الآية: هو على العَرْشِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مكَانٍ، وما خالفَهُم في ذلك أَحَدٌ يُحْتَجُّ بقوله"[14].

 

وقال أيضًا: "جماعةُ أهلِ السُّنَّة، وهم أهلُ الحديثِ ورُواتُه المتفَقِّهون فيه، وسائِرُ نقَلَتِه كُلُّهم يقول ما قال الله تعالى في كتابِه:﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، وأنَّ الله (عزَّ وجَلَّ) في السَّماءِ، وعِلْمُه في كُلِّ مكانٍ، وهو ظاهِرُ القُرآنِ في قولِه (عزَّ وجَلَّ): ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾ [الملك: 16]، وبقوله (عزَّ وجَلَّ): ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10]، وقوله: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾[المعارج: 4]، ومِثلُ هذا كثيرٌ في القُرآن"[15].

 

5- الإمام الحافظ علي بن القطَّان الفاسيّ، وهو من كبار أعلام المذهب المالكي في المغرب والأندلس؛ قال في إثبات العلوِّ والفوقيَّة في كتابه "الإقناع في مسائل الإجماع": "وأجمعوا أنَّه تعالى فوقَ سمواته"[16].

 

6- الإمام القدوة ابن أبي زَمَنِين، محمد بن عبدالله المالكي القرطبي، قال في كتابه "أصول السُّنة": ومِن قولِ أهل السُّنة: أنَّ الله (عزَّ وجَلَّ) خَلَق العَرْش واخْتَصَّهُ بالعُلُوِّ والارْتِفَاع فوقَ جميع ما خَلَقَ، ثمَّ اسْتَوَى عليه كَيْفَ شاء، كما أخبر عن نَفْسهِ في قولهِ: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]"[17].

 

7- العلَّامة أبو بكر محمَّدُ بن موهب المالكي في شرحهِ لرسالةِ الإمام محمَّد بن أبي زيد القيرواني، قال (رحمه الله): "فلذلك قال الشَّيخ أبو محمَّد: (إنَّهُ فَوْقَ عَرْشِه) ثمَّ بيَّن أنَّ عُلُوَّهُ فوق عرشهِ إنَّما هو بذاته؛ لأنَّه تعالى بائنٌ عن جميع خلقه بلا كيفٍ، وهو في كُلِّ مكانٍ بعِلْمِهِ لا بذَاتِه..."[18].

 

ومجمل الكلام: أنَّ المتقدِّمين من عُلَماء المالكيَّة الكرام كانوا على قول الإمام مالك بن أنس (رحمه الله) في هذا الأصل العظيم، والمعتقد الصَّحيح السَّليم، في تقرير وإثبات صفة العُلُوِّ لله تعالى على خَلْقِه، وصفة مَعيَّة العِلْم، وهذا بخلاف أكثر المتأخِّرين منهم، الذين قالوا بالتَّأويل الصَّارف لنصوص الصِّفات عن ظاهرها، ومنعوا إثبات ذلك، وخالفوا قول إمامِهم، الذي كان على العقيدة الصَّحيحة، عقيدة السَّلف الصَّالح من الصَّحابة، والتَّابِعين لهم بإحسان، المستمدَّة من صحيحِ السُّنَّة والقرآن، فالله المستعان...



[1] أثر صحيح الإسناد: أخرجه أبو داود في "مسائل الإمام أحمد" (ص/ 263)، وعبدالله بن أحمد في "السُّنة" (1/ 107، رقم: 11)، ومن طريقه ابن منده في "التوحيد" (3/ 307)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنة" (3/ 313)، والآجري في "الشريعة" (289)، وابن بطة العكبري في "الإبانة" (رقم: 110)، وابن عبدالبر في "التمهيد" (7/ 138)، وغيرهم بألفاظ مُتقاربة المعنى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "ردء تعارض العقل والنقل" (6/ 262): "وروى هذا الكلام عن مالك مكيٌّ خطيب قُرطبة، فيما جمعه من تفسير مالك نفسه، وكلُّ هذه الأسانيد صحيحة".

وقال الإمام الذَّهبي في كتابه: "العرش" (رقم: 155): "هذا حديث ثابت عن مالك رحمه الله، أخرجه عبدالله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية" عن أبيه، عن سريج بن النعمان، عن عبدالله بن نافع تلميذ مالك وخصيصه"؛ وأورده أيضًا في كتابه "العلو" (رقم: 343)، وفي "الأربعين في صفات ربِّ العالمين" (رقم: 39) و(رقم: 45)، وفي "سير أعلام النبلاء" (8/ 101).

وقال عنه العلامة الألباني في "مختصر العلو" (رقم: 130): "سنده صحيح، واحتجَّ به الإمام أحمد في رواية للآجري".

قلت: وهذا الأثر صحَّحه أيضًا، وحسَّنه جمع من أهل العلم من أهل السُّنة والجماعة، وتلقَّوه بالقبول، ولم ينكره أحد منهم، وهو معتمدٌ عندهم، ومتداولٌ في تصانيفهم وتقريراتهم في العقيدة.

وأمَّا من ضعَّف هذا الأثر من المعاصرين؛ وزعم أن راويه عبدالله بن نافع الصائغ ضعيف الحديث؛ فهذا زعم باطل، ورأي عاطل: فعبدالله بن نافع خلاصة كلام أهل العلم فيه أنه ثقة وعدل في نفسه، لكنه ربما يهم إذا حَدَّث من حفظه، وقد صحب الإمام مالكًا ولازمه سنوات طويلة لزومًا شديدًا، حتى اطَّلع على تفاصيل عقيدته وآرائه الفقهية، ولم يأتِ بما يخالف المشهور من عقيدة الإمام مالك وأئمَّة السَّلف الأعلام في علوِّ الله تعالى على خلقه.

[2] (تنبيهٌ مُهِم): قولهم: (بائنٌ منهم)؛ أي: مُنفصلٌ عن خلقه، غير متصَّلٍ ولا مُختلِط بهم، فليس في خلقه شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته؛ كما هو اعتقاد أئمة السَّلف أهل السُّنة والحديث، فلا حُلولَ ولا مُمَازجة ولا اتِّحاد.

قلت: وهذه اللَّفظة "بائن" لم تَرِد لا في الكتاب ولا في السُّنة، ولم تكُن معروفة على عهد الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم؛ ولكن لمَّا ابتدع الجهم بن صَفوان وأتباعه من الجهميَّة القول بأنَّ الله في كلِّ مكانٍ بذاته، وأنكروا مُبايَنَة الله تعالى وعلَّوه على خلقه، اقتضت ضرورة البيان أن يتلفَّظ أئمَّة السَّلف الأعلام بلفظة (بائن) للإيضاحِ والتَّفسير، ودون أن يُنكره أحد منهم؛ بل ووقع على ذلك القول الإجماع والاتِّفاق بين السَّلف قاطبة وفي جميع الأمصار والأقطار (حجازًا وعراقًا ومصر وشامًا ويمنًا)، كما نقل ذلك عنهم: الإمام أبو نُعيم الأصفهاني، والإمامان أبو زُرعة الرَّازي، وابن أبي حاتم وغيرهم كثير، كما بسَطَ ذلك الإمام الذَّهبي في كتابه: "العلو" (ص/ 188- فما بعد)، والإمام ابن القيِّم في "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلِّة والجهميَّة" (ص/ 144-145).

وانظر أيضًا للتَّفصيل والاستزادة: مقدِّمة العلامة الألباني لكتاب: "مختصر العلُّو للذَّهبي" (ص/ 16-19)، وكتاب: "معجم المناهي اللفظية" (ص/ 615- فما بعد) للشيخ الدكتور بكر بن عبدالله أبو زيد، فقد استفاضَ في عرض هذا الموضوع ووفَّى الكلام حقَّه؛ وراجع: كذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المقام في: "مجموع الفتاوى" (5/ 279-282).

[3] (2/ 5) بتحقيق الدكتور محمد بن خليفة التميمي، طبع الجامعة الإسلامية، سنة: 1423، الطبعة الثانية.

[4] قيل لأبي عبدالله- الإمام أحمد- اللهُ فوق السَّماء السَّابعة على عرشه بائنٌ من خلقه، وقدرته وعلمه بكلّ مكان؟ قال: "نعم هو على عرشهِ ولا يخلو شيءٌ من علمه"؛ رواه الخلال في "السُّنة"، كما ذكره الإمام ابن القيِّم في "اجتماع الجيوش" (ص/ 200)، والذَّهبي في "العلو" (رقم: 438)، وصحَّحه الألباني في "مختصر العلو" (ص/ 189، رقم: 226).

[5] قال الإمام عبدالله بن المبارك (رحمه الله): "نعرفُ ربَّنا سبحانه بأنَّه فوق سماواته على عرشه بائِنٌ من خَلْقِه"؛ أخرجه عبدالله بن أحمد في "السُّنة" (رقم: 22)، والدَّارمي في "الردِّ على الجهمية" (67)، بسندٍ صحَّحه شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (5/ 184و390)، وابن القيِّم في "اجتماع الجيوش" (ص/ 71)، وقال في موضع آخر (ص/ 133): وقد صحَّ عنه صحة قريبة من التَّواتر؛ وصحَّحه أيضًا العلامة الألباني في "مختصر العلو" (رقم: 150).

[6] انظر كتابه: "مجموع الفتاوى" (33/ 180).

[7] انظر أيضًا: "مجموع الفتاوى" (5/ 226).

[8] نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل" (6/ 250)، وهو في "مجموع الفتاوى" (5/ 190)، والذَّهبي في "العلو" (ص/ 172)، وفي كتاب "العرش" (رقم: 270)، وابن القيِّم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص/ 246)، وفي "مختصر الصواعق" (2/ 214).

[9] ضمن كتابه أيضًا: "مجموع الفتاوى" (5/ 231).

[10] نقله عنه الإمام ابن القيم في كتابه: "اجتماع الجيوش الإسلامية" (2/ 142).

[11] "مقدِّمة الرِّسالة لابن أبي زيد القيرواني" (ص/ 56)، بتحقيق الشيخ بكر أبو زيد، الناشر: دار العاصمة.

[12] انظر: كتابه "الجامع في السُّنن والآداب والمغازي والتاريخ" (ص/ 108-111)، طبعة مؤسسة الرسالة، بتحقيق محمد أبو الأجفان وزميله، ط/ الثانية، سنة 1403 هـ.

[13] في كتابه: "الوصول إلى معرفة الأصول" كما نقله عنه الإمام ابن القيم في: "اجتماع الجيوش الإسلامية" (2/ 142)، والذهبي في "العلو" (رقم: 526)، طبعة الأوقاف، بتحقيق الدكتور عبدالله بن صالح البرَّاك.

[14] في كتابه: "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (5/ 150) حقَّقه وعلَّق عليه: بشار عواد معروف، وآخرون، الناشر: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن.

[15] في: "الاستذكار" (7/ 337)، تحقيق: سالم محمد عطا، ومحمد علي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت.

[16] "الإقناع في مسائل الإجماع" (رقم: 9)، تحقيق حسن الصعيدي. الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر.

[17] "أصول السُّنَّة، ومعه رياض الجنة بتخريج أصول السنة"؛ (ص/ 88)، تحقيق وتخريج: عبدالله البخاري، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، 1415 هـ.

[18] أورده عنه الذَّهبي في "العلو" (ص/ 192)، وابن القيَّم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص/ 156).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • إضاءات منهجية من بعض مواقف الإمام مالك العقدية
  • إضاءات منهجية من بعض مواقف الإمام مالك العقدية (2)

مختارات من الشبكة

  • مواقف مؤثرة مع الحجاج(مادة مرئية - ملفات خاصة)
  • مواقف الغرب من الحضارة الإسلامية(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • مواقف من إيثار الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ذكريات ومواقف من دراستي في المرحلة المتوسطة والثانوية!(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • أقوال ومواقف للسلف الصالح عن الرضا بقضاء الله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فكر التواصل: وقفات في النظرة إلى الفكر والمفكرين(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • حقوق المرأة (2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: مواقف من حياة الصحابي عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بلقيس وانتصار الحكمة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إضاءة: تساؤلات محيرة، وأجوبة واعية(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تكريم 114 حافظا للقرآن في احتفالية بتوزلا
  • مسجد جديد في أيتونا يلبي احتياجات المصلين الزائدة
  • مساجد تتارستان تستعد لاستقبال مئات الأطفال في الدورات الصيفية
  • أهالي تاتارسكوي تيكاشيفو يحتفلون بافتتاح مسجد الإخلاص
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية
  • انطلاق فعاليات المدرسة الصيفية الإسلامية للباحثين في بلغاريا
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 28/12/1447هـ - الساعة: 15:34
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب