• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    العفو من شيم الكرام (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    من يخافه بالغيب؟
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    تطبيق تجارة النيات - ضاعف حسناتك بتعدد نياتك
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    إنذار حيات البيوت دراسة حديثية نقدية (PDF)
    د. عمار أحمد الصياصنة
  •  
    تحريم المكر في آيات الله تبارك وتعالى
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    نوع السفر الذي تقصر به الصلاة
    عبدالله العلويط
  •  
    القلب السليم والقلب الضيق
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    وجوب النصيحة في البيع والشراء
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الرد على شبهة حول آية {بلسان عربي مبين}، ولماذا ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (2) (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    تفسير قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    عبادة اللسان (تلاوة القرآن)
    سلامة إبراهيم محمد دربالة النمر
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (9) الإكثار ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    وجبت محبتي للمتزاورين في (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    الحث على التعجيل بالحج (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    أحكام الإحرام ومحظوراته
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / النصائح والمواعظ
علامة باركود

من يخافه بالغيب؟

من يخافه بالغيب؟
سعيد بن محمد آل ثابت

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/5/2026 ميلادي - 17/11/1447 هجري

الزيارات: 94

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

من يخافه بالغيب؟

 

مقدمة:

الحمد لله العليم الخبير، الذي يعلم السرَّ وأخفى، ويطَّلِع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بتزكية النفوس، وإحياء القلوب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

 

إن الإيمان الحق ليس كلمةً تُقال، ولا مظهرًا يُرى، وإنما هو نورٌ يستقر في القلب، يثمر خشيةً في السر قبل العلن، وطاعةً في الخلوة قبل الجلوة. وقد عبَّر الصحابة رضي الله عنهم عن هذا المعنى أصدق تعبير، حين قال جندب بن عبدالله رضي الله عنه: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا»؛ رواه ابن ماجه، وصححه الألباني.

 

فالإيمان الذي لا يُثمر خشيةً، ولا يضبط السلوك عند غياب الرقيب، إيمانٌ ناقص، يحتاج إلى مراجعة وتجديد.

 

حقيقة الخشية ومكانتها:

الخشية منزلةٌ عظيمةٌ من منازل السائرين إلى الله، وهي ثمرة العلم بالله، وتعظيمه، ومعرفة أسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الملك: 12]. فالخشية بالغيب هي أن تخاف الله حيث لا يراك الناس، وأن تُعظِّم أمره ونهيه وأنت وحدك، مستحضرًا علمه وإحاطته، يقول الحق تعالى: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 13–14]؛ ولهذا جعل الله الخشية بالغيب ميزان الابتلاء، فقال: ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ [المائدة: 94]. وذاك بعد أن ذكر حرمة الصيد على المُحرم ﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لَيَبلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيءٍ مِنَ الصَّيدِ تَنالُهُ أَيديكُم وَرِماحُكُم لِيَعلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيبِ فَمَنِ اعتَدى بَعدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ ﴾ [المائدة: 94]. ومن عظَّم الله حق تعظيمه، وقدَّره حق قدره، استقرت الخشية في قلبه: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [الزمر: 67]. ومن خاف مقام ربه، ونهى نفسه عن الهوى، فله الوعد الصادق: ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 41].

 

مراقبة الله في السرِّ:

إن أعظم ما يوقظ الخشية استحضار مراقبة الله، وأنه مطَّلِع على السرائر قبل الظواهر: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]. ويقول سبحانه: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ [النساء: 108]. وتأمل: ﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ ﴾ وهذا موقد المراقبة عند الفطن، يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ [ق: 16]. قال حاتم الأصم رحمه الله: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك.

 

عبادة الخفاء ورفعة أصحابها:

قال الإمام أحمد رحمه الله: "ما رفع الله ابن المبارك إلا بخبيئةٍ كانت له"، وفي المقابل تعمل ذنوب السرائر عملها، نعوذ بالله من الخذلان، قال ابن القيم رحمه الله: "الذنوب الخفيات أسباب الانتكاسات، وعبادة الخفاء أصل الثبات". وتأمل حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بأعمال خفية صادقة، ففرَّج الله عنهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «خرج ثلاثةٌ فيمن كان قبلكم يرتادون لأهلِيهم، فأصابتهم السماءُ، فلجأوا إلى جبلٍ، فوقعت عليهم صخرةٌ، فقال بعضُهم لبعضٍ: عفا الأثَرُ، ووقع الحجَرُ، ولا يعلَم بمكانكم إلا اللهُ؛ فادْعوا الله بأوثَقِ أعمالِكم، فقال أحدُهم: اللهم إن كنتَ تعلمُ أنه كانت لي امرأةٌ تُعجِبُني، فطلبتُها فأبَتْ عليَّ، فجعلْتُ لها جُعْلًا، فلما قَرَّبَتْ نفسَها تركتُها، فإن كنتَ تعلمُ أني إنما فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك وخشيةَ عذابِك، فافرِجْ عنا، فزال ثلثُ الحجَرِ، وقال الآخرُ: اللهم إن كنت تعلمُ أنه كان لي والدانِ، وكنتُ أحلبُ لهما في إنائِهما، فإذا أتيتُهما وهما نائمانِ قمتُ حتى يستيقظا، فإذا استيقظا شرِبا، فإن كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك فافرُجْ عنا، فزال ثلثُ الحجَرِ، وقال الثالثُ: اللهم إن كنت تعلم أني استأجَرتُ أجيرًا يومًا فعمل لي نصفَ النَّهارِ، فأعطيتُه أجرًا، فتسخَّطه ولم يأخذْه، فوفَّرتُها عليه، حتى صار من كل المالِ، ثم جاء يطلب أجرَه، فقلتُ: خذ هذا كلَّه، ولو شئتُ لم أُعطِه إلا أجرَه الأوَّلَ، فإن كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلك رجاءَ رحمتِك، وخشيةَ عذابِك، فافرُجْ عنا، فزال الحجَرُ، وخرجوا يتماشَونَ»؛ رواه البخاري ومسلم.

 

لذا كان من اللازم العمل على تزكية النفوس، وصلاح السرائر وادخار الأعمال الصالحة ليوم تبلى السرائر؛ عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ»؛ رواه الطبراني في المعجم الكبير ورواه ابن أبي شيبة موقوفًا على الزبير وحسنه الألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة.

 

كيف تُنمَّى الخشية؟

بمعرفة الله حق معرفته واستيعاب أسمائه الحسنى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: 180]. ومن عرف الله حق معرفته عامله بما هو له، وتأمل هذا الحديث العظيم، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ يُحِبُّهمُ اللهُ، وثلاثةٌ يُبغِضُهمُ اللهُ، أمَّا الثلاثةُ الذين يُحِبُّهمُ اللهُ: فرَجُلٌ أتى قومًا فسأَلَهم باللهِ، ولم يَسأَلْهم بقَرابةٍ بينَهم فمَنَعوه، فتخلَّفَ رَجُلٌ بأعْقابِهم، فأَعْطاهُ سِرًّا، لا يَعلَمُ بعَطيَّتِه إلَّا اللهُ، والذي أَعْطاه، وقومٌ ساروا ليلتَهم حتى إذا كان النومُ أحبَّ إليهم ممَّا يُعدَلُ به، نَزَلوا فوضَعوا رُؤوسَهم، فقامَ يَتملَّقُني ويَتْلو آياتي، ورَجُلٌ كان في سَريَّةٍ، فلَقوا العَدوَّ فهُزِموا، فأقبَلَ بصَدرِه حتى يُقتَلَ، أو يَفتَحَ اللهُ له، والثلاثةُ الذين يُبغِضُهمُ اللهُ: الشيخُ الزاني، والفَقيرُ المُختالُ، والغَنيُّ الظلومُ»؛ أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد. وصححه شعيب الأرناؤوط. فعند التأمل في وصف الثلاثة الذين يحبهم الله وفي الرابط الذي جمعهم فإذ به معرفتهم بالله حق المعرفة والذي جعلهم يتملقونه بالعمل الصالح في خفائهم عن أعين الناس، وفي المقابل ستجدهم أكثر الناس بعدًا عن معصيته؛ وما ذاك إلا لحيائهم وخوفهم منه، ذاك الحياء الذي ألبسهم لباس الخشية منه سبحانه، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استَحيوا منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ»، قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا لنَستحيي والحمد لله، قالَ: «ليسَ ذاكَ، ولَكِنَّ الاستحياءَ منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ أن تحفَظ الرَّأسَ وما وَعى، وتحفَظَ البَطنَ وما حوَى، ولتَذكرِ الموتَ والبِلى، ومَن أرادَ الآخرةَ ترَكَ زينةَ الدُّنيا، فمَن فَعلَ ذلِكَ فقدَ استحيا- يعني: منَ اللَّهِ- حقَّ الحياءِ»؛ رواه الترمذي وحسنه الألباني.

 

وما يعين على الخشية مراقبة النية والمحافظة على النية الصادقة: عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ..»؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

 

ويعين كذلك في تنمية الخشية الاستعانة بالدعاء: وتأمل هذا الدعاء النبوي الجامع، فعن قيس بن عباد قال: صلَّى عمارُ بن ياسرٍ بالقومِ صلاةً خفَّفها، فقال: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الإخلاص في الرضا والغضب…" إلى آخر الدعاء؛ رواه النسائي وأحمد، وصححه الألباني.

 

وقفة مع الأعداء الثلاثة:

اعلم- رحمني الله وإياك- أن طريق الخشية محفوف بالأعداء، وأن القلب لا يثبت على مراقبة الله إلا إذا عرف خصومه، وأحسن التعامل معهم، وهم ثلاثة لا رابع لهم: النفس، والشيطان، والهوى.

 

أولًا: النفس الأمَّارة بالسوء هي أقرب الأعداء إليك، والحذر منها أوجب؛ لأنها تسكن بين جنبيك، وتلبس عليك ثوب النصيحة، وتزيِّن لك المعصية باسم الحاجة، أو التخفف، أو ضعف الطبيعة، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ [يوسف: 53]. وقال سبحانه: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ [الشمس: 7-8]. قال الحسن البصري رحمه الله: "ما زال العبد بخير ما كان له واعظٌ من نفسه، وكانت المحاسبة من همَّته".

 

أعدى عدوِّك نفسك التي بين جنبيك، فإنها لا تفارقك، وتريد هلاكك. فالنفس إن لم تُجاهد، قادت صاحبها إلى الغفلة، ثم إلى الجرأة، ثم إلى انتهاك محارم الله في الخلوات، وحينها تضعف الخشية، ويُرفع التوفيق؛ ولهذا قرن الله الفلاح بتزكية النفس، فقال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9-10]. وتزكيتها تكون: بمحاسبتها ومنعها من شهواتها المحرمة وتعويدها على الطاعة في السر قبل العلن.

 

ثانيًا: الشيطان (عدو الخفاء والتدرُّج): أما الشيطان، فهو العدو المعلن، الذي أقسم بعزة الله أن يُغوي بني آدم أجمعين، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ [فاطر: 6]، وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ [النور: 21]. والشيطان لا يأمر العبد بالمعصية مباشرة غالبًا، وإنما: يبدأ بالتساهل ثم التبرير ثم الاعتياد ثم المجاهرة أو الخلوة الآثمة، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم خطره في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» ثم قرأ: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾ [البقرة: 268] الآيةَ؛ رواه الترمذي والنسائي في الكبرى وصححه الألباني. قال سفيان الثوري رحمه الله: "ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيتي؛ إنها تتقلب عليَّ". فالشيطان يفرح بالعمل الظاهر إذا فسد القلب، ويحرص على أن تكون الطاعة رياءً، والمعصية خلوةً؛ لأن هذا أفسد للقلب وأبعد عن الخشية.

 

ثالثًا: الهوى (الإله الخفي): وأما الهوى، فهو أخطرهم؛ لأنه يُلبس الباطل ثوب الحق، ويُشعرك أنك على صواب، ولو كنت على انحراف. قال الله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [الجاثية: 23]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ص: 26]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما ذُكر الهوى في القرآن إلا ذُمَّ". وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: "الهوى أصل كل بلية، وهو الذي أخرج إبليس من الجنة". والهوى يقتل الخشية؛ لأن صاحبه: يُقدِّم لذته على أمر الله، ويؤثر شهوته على مراقبة ربه، ويؤجل التوبة حتى يقسو قلبه؛ ولهذا قرن الله الجنة بمن نهى النفس عن الهوى، لا بمن ادَّعى الخوف فقط.

 

التوبة وتجديد القلب:

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه»؛ أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صُقِل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الرَّان الذي قال الله: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ [المطففين: 14]»؛ رواه الترمذي والنسائي وحسنه الألباني. فالتوبة صقلٌ للقلب، وتجديدٌ للإيمان، وردٌّ للخشية إلى موضعها؛ لذا لم يكن أمرُ الثبات والاستمرار واردًا لولا مشروعية التوبة، وهي تفضل من الله ورحمة ثم شروع أهله في طريقة التوبة والأوبة، وهي شعار للأنبياء قبل الصالحين.

 

العاقبة والثمار:

يقول تعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴾ [ق: 31 - 34]، وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كنتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: يا غلام، إني أعلِّمك كلمات: احفظِ اللهَ يحفظك، احفظِ اللهَ تجدْه تجاهك..»؛ الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. ورواه أحمد. وحفظ الله هنا هو حفظ ما أمر به فيأتمر به العبد، وينتهي عما نهاه عنه، وستكون الثمرة معية الله وتوفيقه للعبد، وهو ما كان مع يوسف عليه الصلاة والسلام حين أرادت امرأة العزيز أن تغويه فانصرف عنها، فكانت معية الله معه، وتلك المعية كانت لأنه من عباد الله المخلصين، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 24]، قال السعدي: والجامعُ لذلك كلِّه أنَّ الله صرف عنه السوءَ والفحشاءَ؛ لأنَّه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم واختصَّهم لنفسه، وأسدى عليهم من النِّعَم، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه؛ وفي المقابل فإن التساهل في الخلوات والاعتداء على الحرمات إذا غابت عيون الناس لهي خصلة النفاق، وهي مورد الهلاك؛ إذ تشبه صاحبها بأتعس الناس حظًّا وأحطهم منزلة، يقول الحق: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾ [النساء: 145]، وعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا»؛ رواه ابن ماجه، وصححه الألباني.

 

خاتمة:

فيا عبد الله، إنما الامتحان في الخلوة، وإنما الميزان في السِّرِّ، وإنما النجاة لمن خاف الله حيث لا يراه الناس ﴿ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ [ق: 33]، نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يرزقنا خشيتَه في الغيب والشهادة، وأن يصلح سرائرنا وعلانيتنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • التوازن في حياة المربي
  • حاجتنا للفاعلية
  • ثمرات الفاعلية
  • أهل العلم في القرآن

مختارات من الشبكة

  • ليعلم الله من يخافه بالغيب(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • ليعلم الله من يخافه بالغيب (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحديث الخامس: خطورة الرياء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة هدايات القرآن (21) هدايات سورة البقرة: عمدة فضائل العبادات(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أمور خافها الرسول عليه الصلاة والسلام على أمته(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إني أخاف أن أسلب التوحيد! (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه... ﴾(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أخاف أن تفضح صوري(استشارة - الاستشارات)
  • حديث: دخل رمضان فخفت أن أُصيب امرأتي، فظاهرت منها(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • العولمة وتشويه الغيب في وعي المسلم المعاصر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو
  • دورة تدريبية لتعزيز مهارات البحث بالمؤسسات الدينية في بلقاريا
  • برنامج الإرشاد والتوجيه الإيماني يختتم دورته الأولى بنجاح في بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 17/11/1447هـ - الساعة: 10:40
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب