• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    العفو من شيم الكرام (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    من يخافه بالغيب؟
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    تطبيق تجارة النيات - ضاعف حسناتك بتعدد نياتك
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    إنذار حيات البيوت دراسة حديثية نقدية (PDF)
    د. عمار أحمد الصياصنة
  •  
    تحريم المكر في آيات الله تبارك وتعالى
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    نوع السفر الذي تقصر به الصلاة
    عبدالله العلويط
  •  
    القلب السليم والقلب الضيق
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    وجوب النصيحة في البيع والشراء
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الرد على شبهة حول آية {بلسان عربي مبين}، ولماذا ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (2) (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    تفسير قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    عبادة اللسان (تلاوة القرآن)
    سلامة إبراهيم محمد دربالة النمر
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (9) الإكثار ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    وجبت محبتي للمتزاورين في (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    الحث على التعجيل بالحج (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    أحكام الإحرام ومحظوراته
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / فقه وأصوله
علامة باركود

نوع السفر الذي تقصر به الصلاة

نوع السفر الذي تقصر به الصلاة
عبدالله العلويط

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/5/2026 ميلادي - 17/11/1447 هجري

الزيارات: 53

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

نوع السفر الذي تقصر به الصلاة


الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:

فإن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، فلها مكانة عظيمة، والسفر أمر متكرر في حياة الناس، ومع ذلك نجد خلافًا قويًّا بين المسلمين في مسائل قصر الصلاة؛ الأمر الذي أدى إلى اختلافهم في طريقة أدائها، ولا شك أن الاختلاف سعة ورحمة، لكن أن يكون بهذا الحجم الكبير وفي ركن أصيل وأمر متكرر كالسفر، فإن هذا مستبعد؛ إذ كيف يختلفون كل هذا الاختلاف في أمر مهم كهذا.. ولذا حاولت في هذا البحث أن أجعل الأمر موحدًا بقدر المستطاع حتى لا يكثر الاختلاف.. فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فنرجو من الله المغفرة؛ إذ سأضع رؤية مختلفة في فهم نصوص قصر الصلاة متناولًا لها من ثلاث زوايا:

الأولى: نوع السفر الذي تقصر به الصلاة.

 

والثانية: هل تصح تلك المسافات الموضوعة للسفر الذي تقصر بها الصلاة.. والتي جرى خلاف حولها؛ كالثمانية والأربعين ميلًا أو الستة والثلاثين، أو السفر العرفي؟

 

والثالثة: هل تؤدى الصلاة في الطائرة؟

 

أولًا: نوع السفر الذي تقصر به الصلاة

بداية نجد أن مشروعية قصر الصلاة للمسافر قد جاءت في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [النساء: 101]، فالآية صريحة في اشتراط الخوف في السفر وربطه به، خاصة سفر المعارك والجهاد، وهو قول لبعض الصحابة لكن العلماء لم يأخذوا بهذا الشرط كأمر ملازم للقصر لثلاثة أسباب:

الأول: أنهم أخذوا برواية يعلى بن أمية، والثاني: قولهم: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقصر في سفره قط، والثالث: تأولهم للآية بأنها خرجت مخرج الغالب.. والجواب عن هذه الأسباب ما يلي:

السبب الأول: رواية يعلى بن أمية قد أوردها مسلم في صحيحه[1] "عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: "ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله عن ذلك فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، فهذه الرواية لا يمكن حملها على ظاهرها؛ لأن غالب أسفار النبي عليه الصلاة والسلام كانت مع خوف، فإنه لم يأمن منذ أن بعث إلى أن توفي، ومعاركه تشهد بذلك، فإنه لم يخرج في أسفاره إلا للجهاد أو للحج أو للعمرة وقد كان الأعداء يتربصون به في جميعها، بما في ذلك خروجه للحج، فقد ساق الهدي تحسبًا للإحصار، وسيأتي مزيد تفصيل في إثبات وجود حالة الخوف، وأنه كان حاضرًا بقوة، وأن رواية يعلى بن أمية هذه لا بد من إيجاد معنى مناسب لها يجمع بينها وبين القرآن والواقع التاريخي، ويكون متوافقًا مع أفعال السلف رضوان الله عليهم في نفس الوقت.. فالأظهر أن المراد به الأمان اللحظي الآتي بعد انتصار أو قضاء على كمين.. فإذا انتهت المعركة وزال الخطر فإنه من المنطقي أن يصلوا الصلاة كاملة، لكن الله عذرهم بحيث يقصرونها إلى نهاية المهمة، فلا يوجد ما يدل على أنها الحالة المستديمة أو وضع عام لعصر من العصور؛ فالواقع يكذِّب هذا المعنى.

 

ومن ثمَّ فإن هناك قصرَيْن للصلاة: قصر رخصة، وقصر صدقة.. فقصر الرخصة هو القصر الذي وجد سببه من خوف أو مشقة بالغة تعادل صعوبتها صعوبة أداء الصلاة مع الخوف؛ كما حصل في حج النبي وأصحابه، وأما قصر الصدقة فهو القصر التابع لقصر الرخصة بحيث يعتبر امتدادًا له لكن ليس له سبب من أسباب الترخص، فحينما يصل المسافر الذي كان يقصر بسبب الخوف ويستقر في مكان.. فإن له أن يقصر الصلاة في أعقاب ذلك السفر كما فعل النبي في فتح مكة حينما أقام بها تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، فهذا لا يسمى القصر في الإقامة أو قصر المقيم أو النازل؛ وإنما قصر الصدقة.. فالإقامة بحد ذاتها بلا خوف أو مشقة ليست سببًا للقصر، ومن جعلها سببًا فقد أخذ ذلك من فهمه لأفعال النبي عليه الصلاة والسلام وتكررها، وليس من نص يؤكد ذلك، أما إذا قلنا بقصر الصدقة فإننا نأخذ ذلك من وصفه عليه الصلاة والسلام لها بأنها صدقة وقد أمنوا بعد الفتح أمانًا لحظيًّا أو مؤقتًا وما زالوا يقصرون؛ فلذا نفسر هذا القصر بذلك.. فهذا هو معنى حديث يعلى بن أمية، وهذا الحكم له نظائر في الشريعة تُلحق به.. فإلحاق الحكم بنظائره أولى من أن ينفرد بحالة خاصة ليس لها أصل، بل وتخالف بقية الأصول من أن الرخص تزول بأسبابها وهنا قد زالت فأصبح إطلاق لفظ الصدقة أدقَّ من الرخصة.

 

فمن نظائره في الشريعة المسافر الصائم إذا وصل إلى بلده نهارًا وقد أفطر أول اليوم فإنه يفطر بقية اليوم في الصحيح من أقوال أهل العلم ولا يمسك إلى المغرب، فإفطاره هذا يعد صدقة وليس رخصة؛ لأن السفر قد انتهى.. ففطره حينما كان مسافرًا رخصة وحينما وصل صدقة.. وفعله كذلك لبقية المفطرات أثناء سفره؛ كالجماع، والاحتجام- إذا قلنا إنه مفطر- فإنه لا يحتاج إليها؛ ولذا فهي صدقة، وأما الأكل والشرب فرخصة.. ومثله من أكل ميتة اضطرارًا فإن له أن يأكل ما زاد عن حاجته عند بعض أهل العلم، فأكل ما زاد صدقة لأنه ليس بمضطر لنسميه رخصة، وأما أول أكله فرخصة لأنه مضطر، ويتأتى هذا أيضًا في أكل صيد الحرم اضطرارًا، فأكل ما زاد منه أقل من أكل ما زاد من الميتة أو الخنزير؛ لأن أصله مباح، ومثله من يأكل من مال اليتيم لحاجة إلى ذلك، فإن له أن يأخذ من ماله ما يحتاج إليه وإن كان به زيادة قليلة لا يمكنه التحرُّز منها، فأصل ما أخذه رخصة، وما زاد صدقة، ومثله إذن النبي للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثًا كما جاء في الحديث "مُكْث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا"[2]، فهذا المكث امتداد لمكثه أيام الحج، وهو صدقة وليس رخصة؛ لأنه بلا سبب سوى أنه تابع للنسك، فهذه بعض الأمثلة.. وتلحق بها صلاة من أمن بعد سفر به خوف إلى أن ينتهي السفر.. فهذا هو التوجيه الأسلم لقصر النبي حينما يقيم، وهي التي يمكن أن نسميها صدقة وليست رخصة. وهو الفهم الأفضل لحديث يعلى بدلًا من أن نجعله ناسخًا للشرط المذكور صراحة في القرآن.

 

يقوي هذا أن النبي قد وصفها بالصدقة، وهو عليه الصلاة والسلام قد أُعطي جوامع الكلم، ويمكنه التفريق بينها، خاصة وأنه وصف مثل هذه الأعذار بالرخص، فقال: "إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه"، والأنسب أن يسمى الأمان التالي لمعركة صدقة. وهذا إذا لم تكن هذه الإقامة مشتملة على خوف هي أيضًا، أما إذا كانت مشتملة على خوف فإنها من السفر الذي لم ينته بعد، والأرجح أن قصره عام الفتح في مكة كان مع خوف؛ لأن هوازن كانت تجمع له لتشن حربًا عليه، ولاحتمال عودة المشركين، إضافة للمشقة كما سنبين؛ لأنه معتبر لكنه ليس لذات الإقامة، وأما بقية حالات الجمع المأثورة عنه فبسبب الخوف؛ لأنه لم يجمع إلا في معركة، فقد جمع في تبوك بسبب المعركة وليس الإقامة، وجمع يوم الخندق بسبب المعركة أيضًا؛ لأنه لم يكن في سفر، والخطر موجود بها، فعِلَّة القصر هي الحرب وليست الإقامة، ومن يقول إن الجمع لذات الإقامة فعليه بالدليل، ولا يكتفي بما يظهر من فعل النبي؛ لأنه محتمل وترجيح احتمال على آخر لا بد وأن يكون بحسب القواعد العامة، فلا بد من سبب إضافي غير السفر والإقامة تشهد له القواعد العامة؛ كالتيسير أو دفع الضرر.

 

إن القول: إن الأمان في رواية يعلى هو الأمن المستديم حتى وإن خلا الزمن من الحروب يعد نسخًا للقرآن بخبر آحاد.. والعلماء قديمًا يختلفون في هذه القاعدة وأكثرهم يرفضها، والأخذ بها يعد نسخًا للقرآن مهما اختلفت التعبيرات في ذلك.

 

السبب الثاني: وأما السبب الثاني الذي ذكروه في الإجابة عن الآية من كون النبي لم يتم في صلاة سفر قط فيجاب عنه بأن هذا بسبب الخوف كما أسلفت؛ لأن غالب سفره للمعارك، ومما يؤكد ذلك أنه في أسفاره كان يواظب على الوتر في السفر وعلى النوافل فكيف يواظب عليها ويترك إتمام الصلاة مع أنها أولى، إلا إذا كان هذا لمعنى آخر.. بل قد نقل عنه صلاته للضحى ثماني ركعات يوم الفتح في الوقت الذي كان يقصر فيه الصلاة. وقد أثنى ابن القيم على ابن عمر حينما نقل عن النبي والصحابة أنهم لا يصلون السُّنَّة الراتبة فقال: "وهذا من فقهه رضي الله عنه فإن الله سبحانه وتعالى خفف عن المسافر في الرباعية شطرها، فلو شرع له الركعتان قبلها أو بعدها لكان الإتمام أولى به"[3]، وهذا وإن كان واردًا في صلاة الظهر إلا أنه ينسحب على كل السنن والنوافل.. فالإتمام أولى منها خاصة وأن صلاة المسافر رخصة وليست صلاة بهيئة دائمة كالجمعة، ولا يوجد تأويل ظاهر لذلك إلا أن هذا يحدث بسبب تذبذب حالة الأمن أو الخوف، فإذا كان الوضع آمنًا، أو مر بحالة من الهدوء النسبي، أتمها، وقد روت عائشة رضي الله عنها أنه كان يقصر ويتم في السفر، ورغم أن هذا ليس بمحفوظ عنه ومخالف لما اشتهر عنه من القصر الدائم في السفر إلا أنه يمكن الأخذ به وإعادة الاعتبار له إذا قلنا: إنه أتمَّ في لحظة أمن مر بها، وإذا عاد الخوف قصر الصلاة ولم يفعل النوافل.. خاصة وأنه لا يوجد نص يبين أنه كان يقصر ويفعل النوافل في نفس اللحظة. وأما السنن الرواتب فإنه لم يفعل منها إلا سنة الفجر وكذلك صلاة الوتر.. ولعل هذا يؤكد أنه كان يصلي النوافل إذا قلَّ الخوف لاستبعاد وجود معارك في هذه الأوقات، فهذه طريقة يمكن الجمع بها بين فعل السُّنَن وبين قصر الصلاة الواجبة حتى لا تكون أفعال النبي مختلفة فيما بينها.

 

وكذلك نجد أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه ما ينفي الخوف كشرط للقصر سوى حديث يعلى بن أمية وقد أجبت عنه، وبقية الأحاديث جاءت مجردة من غير تعرض للخوف، مثل قوله لأهل مكة عام الفتح: "يا أهل مكة أتمُّوا فإنا قوم سفر"، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام "أن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة"، فهذان النصان هما أبلغ ما جاء عن النبي في استبعاد الخوف؛ لأنه لم يذكره وليسا صريحين في ذلك؛ لأنها محمولة على الخوف.

 

السبب الثالث: وأما السبب الثالث في إجابتهم عن الآية وهو قولهم شرط الخوف بها قد خرج مخرج الغالب فهذا القول لا معنى له، فليس هو الأصل في فهم آيات القرآن، والتأسيس أولى من التأكيد كما هو معلوم، ولا تكون هذه القاعدة صحيحة إلا إذا ظهر أن الحكم حين تخلف قيده الذي قيد به من شرط أو صفة لا يمكن أن يترتب عليه حكم؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ [النور: 33]، فالآية لا تدل على جواز إكراههن إذا لم يردن التحصن لاستهجان هذا الحكم وغرابته، بل إذا كان هو المتوافق مع العقل أو المقاصد أو مجموع أحكام الشريعة من التفرقة بين الاضطرار وغيرها فإنه يعمل به، ولا شك أن الخوف والأمن تترتب عليه أحكام فيكون قيدًا معتبرًا في صلاة المسافر ويعمل به، خاصة وأن سياق الآيات التي بعدها هو سياق خوف، حيث جاءت الآيتان كتدرُّج في ذكر حالات الخوف حينما ذكرت الآية الثانية صفة صلاة الخوف بعدها مباشرة عند الخوف الشديد أو الخوف على النبي، فكون الآيتين تتعرضان لحالات الخوف، فهذا دليل على أنها لم تخرج مخرج الغالب، ولم تنسخها رواية يعلى بن أمية، أو تتسبَّب في ترك العمل بها تحت أي مُسمًّى يوضع ذلك، وعمر حينما ألغى هذا الشرط في نفس هذه الرواية لم يصرح بأنه خرج مخرج الغالب؛ ولذا بدا وكأنه نسخ، ولو فتح هذا الباب لاعتبرت كثير من القيود والشروط مُلْغاة بقاعدة خرج مخرج الغالب. بل إننا لو دققنا النظر فسنجد أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [النساء: 101] هي التي خرجت مخرج الغالب، والخوف هو الحكم الأصلي المقصود بها.. مثل ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ [النساء: 43]، فالسفر في الآية قد خرج مخرج الغالب؛ لأن التيمم مشروع في الحضر والسفر، وكذلك ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283]، فالسفر خرج مخرج الغالب؛ لأن الرهن مشروع في أي حال تتطلبه في حضر أو سفر، وكذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾ [النساء: 94]، فنفي الإيمان عمن طلب السلم عادة ما يكون مع المعارك، لكن الأمر بالتثبت من إيمان الأطراف المقابلة قبل الحكم عليهم مطلوب في المعركة وفي السلم، وكذلك شهادة غير المسلمين في السفر فإنها ممكنة إذا لم يوجد غيرهم في الحضر كمن يقيم عندهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، فإن دفع العسر الحاصل مع الصيام الشاق جدًّا مطلوب في السفر والحضر.. فالشاهد أن أغلب الأحكام المربوطة بالسفر في القرآن قد خرجت مخرج الغالب وآية القصر في مسألتنا مثلها، وهذا من باب ضم الجزء إلى الكل، فيصبح قصر الصلاة في الخوف ركعتين مع الخوف حَضَرًا أو سَفَرًا، ثم قصره إلى ركعة عند اشتداد الخوف حَضَرًا أو سَفَرًا، وهي الصلاة المعروفة بصلاة الخوف، ثم الصلاة على أي حال مستقبلًا القبلة أو غير مستقبل لها عند اشتداده أكثر من صلاة الخوف حَضَرًا أو سَفَرًا.. كما في قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة: 239]، فليست هذه هيئات محددة لحالات توزع عليها لكل منها حالة، وإنما محاولات لقصر الصلاة إلى أقل عدد بقدر المستطاع، بل إن هذه الآية الأخيرة التي تصور أشد حالات الخوف لم تربطه بسفر أو غيره.. فهذا التدرج في مستويات الخوف هو المتوافق مع معقول الشريعة والحفاظ على النفس والصلوات في نفس الوقت.

 

تأييد الصحابة لاشتراط الخوف مع القصر:

لم ينقل عن مجموعهم اشتراط للخوف مع القصر لكن هو ما آل إليه الأمر بعد عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد رأى في آخر عهده- كما رأت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ذلك- أن الصلاة لا تقصر لمجرد السفر فقد صلى بالمسلمين متمًّا، فقد روى سالم بن عبدالله عن أبيه عن رسول الله "أنه صلى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان ركعتين صدرًا من خلافته ثم أتمها أربعًا"[4]، ورأى ذلك مجموعة من السلف أشار إليهم ابن تيمية[5] حيث ربطوه بوجود معركة أو حج، وقد عارض عثمان بعض من الصحابة؛ كعلي وابن عمر وآخرين، لكن بقية الصحابة لم يبدر منهم معارضة.. الأمر الذي يشير إلى نوع من الرضا بما فعل وإن كانوا غير متبنين للقول، فعدم المعارضة في أمر عام يعتبر إقرارًا منهم بذلك، ولا يضر مخالفة البقية، فهو كامتناع عمر عن قسمة أراضي السواد ومعارضة بلال وبعض الصحابة له في ذلك، فإن هذا لم يُجعل خرقًا للاتفاق على الحكم، وهذا مثله أو مقارب له. وأما ما نقل عن بقية الصحابة من أنهم كانوا يقصرون في السفر، وكذلك نقولاتهم عن النبي أنه كان يقصر في السفر فكلها محمولة على الخوف مع السفر، فهو كقولهم: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من أقط أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر"، فهذا النص أخذ منه العلماء أنه غالب قوت البلد، مع أن الصحابة لم يصرحوا بذلك لوضوحه، فكذلك في سفرهم فإنهم لا يصرحون بالخوف لوضوحه، ولا أدل على ذلك من أن خلفاء بني أمية كانوا يتمون في السفر[6]، وهذا يؤكد النقلة النوعية في قصر الصلاة وأن تلك النقولات عن الصحابة محمولة على الخوف، أو أنها قد صدرت منهم قبل عهد عثمان. وأقوى ما يمكن سوقه كمعارض لهذا التوجه هو قول عمر: "صلاة الجمعة ركعتان، والفطر ركعتان، والنحر ركعتان، والفجر ركعتان، تمام غير قصر" على لسان النبي[7]، فهذا النص يُستدل به على أن القصر عزيمة، لكن غاية ما فيه أنه ينفي قصر الركعتين نفسها في هذه الصلوات إلى ركعة لا أن طبيعتها تامة، بدليل أنه قال: "من غير قصر"؛ أي: لا تُقصر، ولم يتعرض للخوف أو ينفيه.

 

وأما اعتبار عثمان للخوف فقد جاء من ربط نهيه عن متعة الحج بقوله: "كنا خائفين آنذاك"[8]؛ أي: إنه نهى عن عمرة الحج؛ لأنها أتت بسبب الخوف، وقد زال وهذا مثله، فيبدو أنه اعتبره هنا.. يقوي قول عثمان هذا قوله تعالى في البقرة بعد أن ذكر الإحصار ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 196]، فقوله: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾ دليل على أنهم لم يكونوا آمنين قبلها بسبب الإحصار، وهذه الآية وإن كانت في أحداث الحديبية إلا أنها باقية؛ لأن عثمان ذكر ما ذكر في حجه مع النبي موافقةً لها، والنبي قد ساق هدي الإحصار تحسبًا له، فالخوف كان حاضرًا بقوة في تشكيل الأحكام، ومما يدل على ذلك ما أورده البيهقي عن عثمان قال: "بلغني أن أناسًا منكم يخرجون إلى سوادهم؛ إما في تجارة، وإما في جباية، وإما في حشر، فيقصرون الصلاة فلا تفعلوا، فإنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا أو بحضرة عدو"[9]، وقد قوَّاه ابن حزم مع نصين آخرين في نفس المعنى[10]، فقوله: "بحضرة العدوِّ" يقصد به ما كان أثناء السفر وليس صلاة الخوف؛ لأن التجار والجباة لم يكونوا يقصرونها إلى ركعة وإنما ركعتان، فنهاهم عن هذا إلا إذا كان بحضرة عدو مع شخوصه؛ أي: بروزه خارج المدينة، وهذا هو معنى سفر الخوف الذي تقصر به الصلاة، فنهيه للتجار هنا يوضح سبب قوله بالإتمام، وهو زوال الخوف، والذي كان موجودًا كحالة عامة منذ بعثة النبي إلى بداية عهد عثمان الثاني، بسبب مناكفة المشركين ووجود حروب الردة في عهد أبي بكر والفتوحات في عهد عمر، أما في آخر عهده فقد كان أكثر أمنًا فإنه خلا من الفتوحات باستثناء معركة ذات الصواري البحرية البعيدة عنهم[11]، فنحن نقدم رأيه- الذي لم يعارضه بقية الصحابة- لأنه مرتبط بظرف واقعي وبأسباب منطقية لها أصولها في الشريعة؛ كالخوف، أو المشقة المقاربة له إلحاقًا به كقصر النبي في الحج، ولعدم وجود نفي صريح من البقية، ولموافقته للآية، وهذا هو الأهم.

 

لكن قد يعارض القول بوجود الخوف ما جاء من رواية ابن عباس[12]، قال: "خرج النبي من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله يصلي ركعتين"، فهذه الرواية تؤكد أن النبي قصر حين خرج للحج مع عدم وجود حالة خوف.. وهذه الرواية في حقيقتها لا تنفي الخوف في سفره هذا.. غاية ما تحمله أن خروجه لم يكن لمعركة كخروجه يوم الحديبية فقد خرج محاربًا آنذاك؛ ولذا أخذوا عتادهم العسكري، وقد جرى خلاف حولها؛ هل هي غزوة أم عمرة؟ بخلاف خروجه للحج، ولا يوجد في هذه الرواية أنه قد ضمن السلامة طيلة المسافة التي تفصله عن مكة، خاصة وأنه من المتوقع أن المشركين قد استجمعوا قواهم، ولا أدل على ذلك من حضور حالة الإحصار التي ذكرتها وسوق النبي لهدي الإحصار تحسبًا له، فضلًا عن أن هذه الرواية تتعارض مع قول عثمان السابق في متعة الحج، وكل هذه الروايات تحكي واقعًا معاشًا وليس اجتهادًا محضًا؛ ولذا لا بد من الجمع بهذه الطريقة.. ولو أبقيناها على الأمن وأنه لم يكن هناك خوف فإن قصر النبي للصلاة جاء بسبب مشقة السفر مع الحج القريبة من مشقة الخوف إلحاقًا به.. فالنبي قد حج معه ما يقارب مئة ألف، ومن الصعوبة بمكان إتمامهم وقصرهم بهذا العدد الكبير، ولعل هذا هو ما يُفسِّر أن النبي عليه الصلاة والسلام قصر وجمع في عرفة ومزدلفة، وقصر في منى فقط؛ إذ لا يمكن العثور على علة تبرر هذا الفعل، ولا تكون منقوضة سوى التعليل بالمشقة، فتعليل ذلك بالنُّسُك أو السفر لا يصح؛ لأنها منقوضة في بعض صورها، فأهل مكة قصروا ولم يكونوا مسافرين، وأهل منى أتموا مع النبي ولم يكونوا في نُسُك[13]، ويؤيد هذا قصره في منى وعدم جمعه مع أن القصر أبلغ في الترخيص، والسبب هو وجود حاجة للقصر وعدم وجود حاجة للجمع لكن لم تظهر لنا بعد، فهذا التسبيب في قصر الصلاة وجمعها أولى من تسبيبها بالسفر أو الإقامة أو النُّسُك أو غيرها لعدم وجود الدليل المؤكد لذلك، بخلاف تعليلها بالمشقة أو الحاجة أو الخوف فهي وإن كانت غير منضبطة وتقديرية ويختلف الناس بها إلا أن الأصول وقواعد الشريعة تخدمها، فالتعليل بأصل غير منضبط تخدمه القواعد العامة أولى من التعليل المنضبط الذي لا تخدمه الأصول والقواعد العامة.


وأما فعل عائشة فهو مماثل لفعل عثمان ولنفس السبب؛ لأنه قد جاء عند البخاري في سبب إتمامها أنها تأوَّلت ما تأوَّل عثمان[14]؛ أي: إن تأولهما واحد؛ وهو الخوف أو المشقة أو ما كان من جنسهما؛ لأنها قد بررت ذلك بأنه لا يشق عليها[15]، فالمشقة غير موجودة وكذلك الخوف، ولو كان هناك خوف لقصرت، فالقصر مع الخوف عزيمة وليس رخصة إذا كان المسافر لن ينجو إلا بذلك؛ ومن ثم فلا يوجد سبب يدعو للقصر، ويبدو أن سفرها الذي أتمت فيه هو خروجها يوم الجمل، وأن أمنها كان بسبب اطمئنانها من عدم وجود حالة أسر؛ لأن خصومها لن يضعوا لها كمينًا والطريق ليس خطرًا، فالخلاف قد كان داخليًّا على سياسة شرعية وهو الثأر لمقتل عثمان.

 

وقد تكلَّف العلماء تأول إتمام عائشة وعثمان للصلاة في السفر بتأوُّلات بعيدة؛ كقولهم: إن إتمام عثمان كان احتياطًا وتورعًا، أو لأنه كان في منى، أو أن هذا لمن حمل الزاد والمزاد.. وكل هذا غير صحيح؛ إذ لو كان صحيحًا لقصر في عهده الأول وفي عهد النبي وصاحبيه. فإن كل هذه الأسباب كانت موجودة آنذاك، فضلًا عن أنه لا يتصور من الصحابة الزيادة على ما ورد عن النبي ولو كان هذا احتياطًا أو تورعًا، فهذا من الغلو، وهم أبعد ما يكونون عنه. وتأولوه كذلك بقولهم: إنه تأهل، أو قصر لردع الأعراب أو المنافقين.. وقد ردها ابن تيمية رحمه الله جميعها[16]، وليس هناك نص صريح لديهم في عدم اشتراط الخوف يدفعهم للتأوُّل بهذه الطريقة، ومهما ساقوا من تأويلات فإنا نجد أنها لا تنطبق على عهده الأول والثاني وعلى فعل عائشة لأن تأولهما واحد.. فلا بد أن يتوافق السبب مع هذه الثلاثة جميعها، ولا يوجد أي سبب ينطبق عليها جميعها، فإذا انطبق السبب على العهد الأول لم ينطبق على العهد الثاني، وإذا انطبق على أحدهما لم ينطبق على فعل عائشة، ولا يوجد هذا إلا في عامل الخوف، فإنه قد انطبق عليها جميعها وجودًا وعدمًا أخذًا من الشواهد التاريخية السابقة، ويقوي ذلك نقولات عن عائشة لم أنقلها لضعفها[17] تبين أن النبي كان يقصر لأنه كان خائفًا.. لكن بمجموع هذه الشواهد يمكن أن تكون صحيحة، وهي زوجته وتعلم يقينًا ما إذا كان خائفًا أو لا، فتقدير الحدث منها مقدم على غيره لو وجد ما يعارضه، فكيف وهو غير موجود أو مسكوت عنه كما أسلفت.. فالتعليل بالخوف ذو مرونة، ويمكن أن يتغير بحسب خطورة الأعداء، ويصلح لتفسير كل تلك الاختلافات[18]، وهو ما يفسر توجه بعض التابعين للإتمام[19]، ويؤكد هذا كله ما أورده عبدالرزاق الصنعاني عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قولهم: "لا تقصروا الصلاة إلا في سبيل الله" قال: إني لأحسب أن ذلك كذلك. قلت: لمَ؟ قال: من أجل أن إمام المتقين لم يقصر الصلاة إلا في سبيل من سبل الله حج أو عمرة أو غزوة، والأئمة بعده أيهم كان يضرب في الأرض يبتغي الدنيا؟ قلت: أرأيت ابن عباس خرج في غير حج ولا عمرة؟ قال: لا؛ إلا مخرجه إلى الطائف. قلت: فجابر وابن عمر وأبو سعيد الخُدْري؟ قال: لا، ولا أحد منهم. قلت: فما ترى؟ قال: أرى ألَّا تقصر إلا في سبيل الله في سبيل الخير، وقد كان قبل ذلك لا يقول هذا القول.. يقصر في كل ذلك"[20].

 

فهذا النص ينقل به عطاء عن ابن عباس وجابر وابن عمر وأبو سعيد الخُدْري أنهم كانوا يقصرون، حيث رأى ابن عباس وهو يقصر مما يعني أنه بعد الخلافة الراشدة، وأنه لم يكن يقول بذلك من قبل؛ مما يعني وجود نقلة نوعية في أداء صلاة المسافر، وهو ما يفسر سبب تضارب الأقوال عن بعض الصحابة؛ كابن مسعود، حيث اختلفت الرواية عنه؛ فقد نقل أنه عارض عثمان، ونقل عنه أن الصلاة لا تقصر إلا في حج أو جهاد[21]، فيبدو أن إتمامه كان بعد الخلافة الراشدة؛ كابن عباس بعد أن ساد الأمن.

 

ومما يدل على بقاء الخوف أيضًا نهي النبي للمرأة أن تسافر مسيرة يوم، وفي رواية "ثلاثة أيام"، وكل هذا بسبب اختلاف حالة الخوف والذي يزيد أو ينقص بحسب وجود العدو، فلا يوجد أي تسبيب ظاهر معتبر إلا اختلاف الخوف، فإذا كان الأعداء يتهددونهم بكثرة جعلها يومًا، وإن خفَّ التهديد جعلها يومين، وإن زال جعلها ثلاثة، وأما كون هذا يختلف بحال السائل الذي يسأل عن سفر المرأة فضعيف، فكيف تختلف حالاتهم وسفرهم واحد، فالسفر هو السفر حجمه ووسيلته فكيف يتباين بهذا الشكل إلا بسبب الخوف، وتحديدًا الخوف من الأعداء وليس قُطَّاع الطرق كما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام لعدي: "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله"[22]، فهذا الحديث يبين بجلاء أن علة المنع هو الخوف وليس ذات السفر؛ لأنه قد جاز حينما تخلفت العلة، وأن الخوف هو خوف الأعداء الذين يتعرضون للمرأة لدينها، فهو خوف أسر وليس خوف قطع الطريق؛ لأنه قد ربطه بقوة الإسلام وفتح الممالك الأخرى في نفس الحديث.. وقوة الإسلام لا تمنع من قطع الطريق ولا الجرائم الجنائية وإنما منع الأسر.. فإذا كان حاضرًا في سفر المرأة فكيف يكون مستبعدًا في سفر المصلي مع أن الشرط جاء معه في الآية، فالحديث والآية يقويان اعتبار الخوف.

 

ثانيًا: تحديد مسافة القصر

لو افترضنا أن قصر المسافر صحيح بدون خوف فإن تلك التحديدات التي وضعوها غير صحيحة.. كالثمانية والأربعين ميلًا أو الستة والثلاثين، أو الأشهر في زمننا وهو ثمانون كيلو مترًا، أو السفر العرفي الذي قال به بعض المحققين والذي يُعتبر فيه مدة الغياب عن الأهل.. فإذا غاب فترة طويلة أصبح مسافرًا، وإذا غاب فترة قصيرة لم يكن مسافرًا بغض النظر عن المسافة.. فهذه التحديدات جعلوها مقصودة لذاتها وبعضهم قد يقول مقصودة؛ لأنها مظنة المشقة، ولكنه يبقى على الرقم الذي وضعه، أو العرف، ويجعل الحكم يدور معه وجودًا وعدمًا وإن انتفت المشقة؛ مما يشعر أن هذه الأوصاف تعبُّدية، والقول بهذا يحتاج لدليل قوي ولا تكفي الملاحظة أو ذكر بعض الصحابة لها لجعلها تعبدية، فمثلًا أشهر رواية وهي "يا أهل عسفان، لا تقصروا في أقل من أربعة برد"، وما نقل عن أنس قال: "كان النبي إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ- شعبة الشاكّ- صلى ركعتين" [23]، فإنه لا يظهر منهما أن الأربعة برد أو الثلاثة أميال هي المقصودة وإنما هي مظنة الخوف، ولو كانت تعبدية لما اختلفت هذه المسافات.. بالإضافة لما نقل في هذا الصدد من الروايات الأخرى؛ مما يدل على أنها لمعنى نسبي ومتغير؛ كالخوف أو المشقة، لكن الخوف هو الأرجح كما أسلفت.

 

وأما من يقول إنه العرفي فقد جعل المعنى في الغياب عن الأهل وهو ضعيف أيضًا؛ لأن العرف محدد، ولا يكون متفاوتًا بداخل الزمان والمكان الواحد، واختلاف تلك المسافات التي نقلت عن الصحابة دليل على عدم اعتبار العرف، فأي منها هو عرف النبي؟ فضلًا عن أن السفر العرفي يراد به عند القائلين به كما يتضح ذلك من طرح ابن تيمية في الفتاوى[24] أنه السفر الذي يغيب فيه المسافر عن المكان الذي انتقل منه فترة طويلة.. مع حمله الزاد والمزاد وقيامه بأعمال السفر وليس المعتبر هو المدة فقط، فهذا لا يعتبر عرفًا عندهم، وهذه الاعتبارات مجتمعة لها قوتها ووجاهتها؛ لأنها بررته بما هو ذو قيمة في أصول الشريعة، ولو طبقنا هذا القول على السفر في وسائل النقل الحديثة فإنه لن يعتبر السفر سفرًا عرفيًّا ولو غاب شهرين أو ثلاثة؛ لأنه لم يحمل الزاد والمزاد ولم يقم بأعمال السفر، فالزاد والمزاد كالطعام والشراب ووسائل التدفئة المستخدمة أثناء قطع المسافة. أما حقائب السفر في زمننا لا تعتبر زادًا ومزادًا، وإنما أدوات شخصية وليس أمرًا لا يمكن السفر إلا به، بدليل أنه قد يسافر من غير هذه الحقائب ولا يقوم بأعمال سفر أثناء انتقاله؛ كالركوب والنزول والإسراع وغيرها مما تختلف به عن أعمال الإقامة. ولو طُبِّق بهذا المعنى لتخلَّصْنا من كثير من حالات القصر والإفطار التي تحدث. ولا أدل على ذلك من أن النبي جعل المسح على الخُفِّ للمسافر ثلاثة أيام بسبب أعمال السفر والمشقة وليس لذات المسافة أو فترة الغياب.. فالمقصود هنا الزمن وليس مسافته، ولو كان المقصود المسافة لمسح المسافر في زمننا ساعتين فقط ولا يوجد من يقول ذلك في زمننا فيما أعلم والصلاة والإفطار مثله.. فربطه بثلاثة أيام كقول ثالث أفضل بكثير من تلك التحديدات ويكون من يقول به متموضعًا بين العرفي والشاق.. لكن الأفضل ربطه بالمشقة أو الخوف فهما الأولى حتى وإن كانت المشقة غير منضبطة ومتفاوتة باختلاف حال المسافرين؛ لأن ربطها بما يدخل في الحكمة وإن كانت غير منضبطة أولى من عرف أو مسافة منضبطة لا تدخل في الحكمة، والقاعدة الأصولية التي تقول: لا يجوز التعليل بالحكمة؛ لأنها غير منضبطة، والتعليل لا يكون إلا بعلة منضبطة مطردة غير صحيح في كل الأحوال.. فحكمة يدعمها القرآن غير منضبطة أولى من علة مستوحاة مطردة. ولا أدل على ذلك من أن المرض غير منضبط ومع ذلك أصبح علة للإفطار في الصوم، وكالرشد مع اليتيم فإنه غير منضبط بتحديد خاص ومسائل كثيرة. ومن يجعل علة القصر هو السفر لذاته فهو مثل من يجعل علة صلاة الخوف هي المعركة.. فإذا كان هناك معركة جازت صلاة الخوف وإن لم يكن خائفًا؛ كصلاة جيش يحمل أسلحة حديثة في مقابل جيش يحمل سيوفًا وحرابًا، فما الفرق بين الأمرين؟

 

التحديد:

لو أتينا إلى القرآن فسنجد أن قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، هو المحدد لما يفطر به الصائم ويقصر فيه المسافر الصلاة- إذا بقينا على أنها مشروعة لأي سفر- وهو تجنُّب العسر، فمتى ما شعر المسافر بالإرهاق بسبب السفر، فإنه يفطر، وإذا لم يشعر فإنه لا يفطر، فإن ربط ذلك بدفع العسر أولى من تحديداتهم السابقة، ولا أدل على ذلك من أن الشخص قد يحصل له إرهاق بسبب سفره الذي لم يبلغ مسافة قصر كسبعين كيلومترًا، فإنه والحالة هذه لن يفطر وسيلحقه عسر ومشقة، ويكون بذلك مخالفًا للآية، وقد يتجاوز التحديد قليلًا بلا أي جهد أو مشقة كمن يسافر بالسيارة لتسعين كيلومترًا فإنه سيفطر مع أنه لم يلحقه أي عسر أو مشقة، وكون تلك المسافة مظنة لها لا يكفي، فإذا انتفى ظن المشقة بها لم تعد مسافة معتبرة. ولا حاجة لأن نحدد سفرًا ليكون مظنة.. فكما أن القرآن لم يحدد المرض ونوعه وحجمه في نفس الآية ليكون مظنة للمشقة، فكذلك السفر ولا أعلم ما الفرق بينهما، وقد ذكرا في آية واحدة. ولا أدل على ذلك من حديث يرويه البخاري أن رسول الله خرج إلى مكة في رمضان فصام، فلما بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس[25]، وجاء بعده "أن النبي خرج في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبي وابن رواحة"، فالنبي هنا عليه الصلاة والسلام قد خرج من المدينة إلى مكة عام الفتح ولم يفطر إلا في القديد التي تبعد 250 كلم عن المدينة بعد أن أرهق الناس الصوم، وفي رواية أنه وجد شخصًا قد أرهقه الصيام في السفر فأخرج ماء وشربه أمامه، وقال: "ليس من البر الصيام في السفر"، وفي رواية استعدادًا لملاقاة العدو.. لكنه لم يفطر لذات السفر أو لمسافته وإنما للمشقة ولو كان لذلك لأفطر من أوله، وهذا دليل من يقول إن الصوم أفضل، والصحيح أنه دليل على أن الفطر لا يتعين ولا يبدأ إلا مع المشقة، فأفعال النبي تعد تفسيرًا للقرآن، وبما أنه لم يذكر ولم يشر الراوي إلى المسافة أو العرف وإنما المشقة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يشرب الماء إلا بعد أن رأى المشقة في أحد الصحابة، فدلَّ ذلك على أنها هي سبب الفطر وليس ذات السفر. ومثلها ما نقل من أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يجمع إلا إذا جد به السير ولو كان لذات السفر لجمع من أوله.. فهذه شواهد تؤكد أن مثل هذه الأحكام مبنية على ما هو منطقي ومعروف في أصول الشريعة، وهي أولى من ملاحظة المسافة فقط، ويقوي ذلك ما جاء في فتح الباري[26]، قال: "روى الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر، فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم قال: فقلت له: فأين هذه الآية ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 185]، فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعًا وننزل على غير شبع، وأما اليوم فنرتحل شباعًا وننزل على شبع".

 

فهذا دليل على أنهم كانوا يعتبرون المشقة هي السبب وليس السفر، الأمر الذي جعل معه أنسًا يأمر غلامه بالصوم ولا يبين له الكراهة فقط. وهنا ينقل أنس حالة تاريخية كانت موجودة آنذاك وواقعًا يعيشه، وليس هذا فهمًا منه أو اجتهادًا ليوضع مع بقية الاجتهادات، فهو كربط عائشة السفر بالخوف المذكور سابقًا، وإذا تقرر هذا في الصيام فلا أجد فرقًا بينه وبين قصر الصلاة في أن يكون المعتبر هو كل ما له قيمة مفهومة ومعروفة وتتوافق مع القواعد الشرعية؛ كالخوف أو المشقة أو الاستعداد للعدو، أو توفير وقت للمسافر يشق عليه إذا طال، وليس المعتبر هو أرقام المسافات كما فهموا، فهذه تحتاج لأدلة قوية خاصة مع جعلها مقصودة لذاتها وتعبدية، فلا يكفي ذكر راوٍ أو أكثر لها لتكون سببًا. ولو كان هناك مسافة معتبرة أو عرف معتبر لبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام بجلاء، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة في موضوع جلل كهذا.


ومن ثمَّ فإن المسافر إذا انتقل بين مكانين عبر صحراء أو غابة أو بحر أو نهر، يصنفان على أنهما حاضرتان ولا يندرجان في حاضرة أو مدينة واحدة.. فإنه يفطر متى ما شعر بالإرهاق استئناسًا بهذه النصوص، ولا يفطر بمجرد مفارقته لعامر بيوت المدينة.. فهي كالمرض فإذا أصابه المرض ولم يرهقه فإنه لا يفطر حتى يشعر بالإرهاق أو التعب، فدخول الجرثومة أو المايكروب أو الإصابة بالعدوى أو بدء ظهور أعراض خفيفة عليه ليست سببًا للفطر حتى تظهر أعراضه المنهكة، فكذلك مفارقة عامر بيوت القرية ليست سببًا حتى تظهر أعراض التعب والإرهاق. وهذا هو المتوافق مع فعل النبي السابق. وأما إذا كانت المشقة بسبب الانتقال بين مكانين يُصنَّفان على أنهما مكان واحد، فهذا كمشقة الأعمال أو كعمل الفرَّان ولها مبحثها الخاص.

 

والدليل على فساد تلك التحديدات أنه لا يمكن إجراؤها في زمننا على أحكام السفر الأخرى؛ كتغريب الزاني، ونفي المحارب، واختلاف المطالع، وابتعاد المتمتع في حجه عن مكة؛ لأنه لن يتحقق مقصودها، ولا يوجد تحديد لسفر يجمعها كلها، وإنما لكل منها سفره الخاص الذي يحقق مقصوده.

 

ثالثًا: السفر بالطائرة

هذه الفقرة متعلقة بفقه الأولويات فإنه يظهر هنا جليًّا، وهو تزاحم واجبات على محل واحد يستوجب معه تقديم بعضها وتأخير البقية رغم أهميتها جميعًا. وهنا نجد أن من يصلي على كرسي الطائرة قد قدَّم شرطًا ثابتًا بخبر آحاد ومدخول باستثناءات وهو الوقت، على ركن ثابت بالقرآن وهو القيام والركوع والسجود بهيئتها الكاملة، وقدَّمه كذلك على شرط ثابت بالقرآن واستثناءاته أقل وهو استقبال القبلة.

 

فالوقت شرط صحة وله أهميته لكنه ثابت بأخبار آحاد منقولة عن النبي ولم يثبت بالقرآن، وأما قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]، فلا دلالة بها على التوقيت؛ لأنها جاءت كتبرير لإعادة الصلاة كما كانت بكامل أركانها، وليس إعادتها إلى داخل وقتها، فقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ ﴾؛ أي: اطمأننتم بعد الخوف بإرجاعها كما كانت، والتغيير الحاصل لم يكن بسبب الوقت حتى تكون تبريرًا له؛ وإنما بسبب قصر الأركان. ومعناها أن الصلاة كانت مكتوبة ومقررة منذ القدم، فهي كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ [المرسلات: 11]، فهي موقوتة؛ أي: وضع لها أزمنة من قبل ظهور الرسل ستظهر بها أو ليوم القيامة. فهذه الآية كتبرير الصيام فقد جاء بعد أن فرضه الله تعالى في القرآن ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [البقرة: 183]، فكلاهما إثبات للفرض منذ القدم للتأكيد عليه.

 

وأما الاستثناءات التي دخلت إلى الوقت فهي تلك الأحاديث التي تبين أن النبي قد جمع من غير سفر ولا مطر ولا مرض ولا خوف، بل بعضها لا يصل إلى هذه الأسباب كما جاء عند مسلم "أن ابن عباس خطب يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني يقول: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أمَّ لك.. رأيت رسول الله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.. قال راوي الحديث: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدَّق مقالته"[27]، فهذا الحديث يبين أن ابن عباس جمع الصلوات من أجل خطبة يمكنه قطعها فكيف بصلاة بهيئة منقوصة وهي ما يفعله المسافر بالطائرة. وكذلك حديث "ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى"[28]، فهذا الحديث قد أدرج النوم في عدم التفريط أكثر من كونه مبينًا لعذر النوم، فالنص يبين أن التفريط هو الممنوع، وهو الإهمال واللامبالاة وتعمد الترك استهتارًا، فإخراج الصلاة عن وقتها ليس منهيًّا عنه إلا في حالة التفريط، ومن يصلي بعد وصول الطائرة حفاظًا على الأركان وعلى استقبال القبلة ليس مفرطًا وإنما مخطئ في أسوأ أحواله. وكذلك ترخيصه لصفوان بن معطل بأن يصليها بعد طلوع الشمس بعد أن اشتكت زوجته من تأخيره لها[29].. فهذه جميعها وإن كانت أخبار آحاد إلا أنها تنهض بمجموعها إضافة لأصل التيسير في الشريعة لتكون دليلًا في المسألة يمكن أن يشكِّل استثناءً قويًّا من الوقت.

 

وأما حديث "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" الذي يشير إلى الصلاة في الوقت حتى مع المرض[30]، فمحمول على المرض المزمن جمعًا بينه وبين النصوص السابقة؛ لأنه قد ورد فيمن يشكو من البواسير وهو داء مستمر، وليس به دلالة على أن الصلاة لا بد وأن تكون في الوقت ولو كان ذلك على حساب الأركان، فالأركان أهم.

 

وأما كونه قد قدمه على ركن ثابت بالقرآن؛ وهو القيام والركوع والسجود بالهيئة الكاملة لكل منها، فإن هذه الصفة الكاملة قد ثبتت في صلاة الخوف حينما ذكر القيام والسجود.. إضافة للسنة المتواترة أو الانتقال الجمعي عبر الأجيال التي تثبت القيام والركوع والسجود لكل صلاة، وأما الوقت فهو وإن كان منقولًا أيضًا بالسُّنَّة المتواترة إلا أن ثبوته أقل من ثبوت الأركان، وحين التزاحم يقدم الأكثر قوة.

 

وأما الشرط الذي قدَّم الوقت عليه فهو استقبال القبلة.. ففي الطائرة لا يمكنه استقبال القبلة، وهذا الشرط ثابت بالقرآن في قوله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144]، وثابت كذلك بالانتقال الجمعي عبر الأجيال، واستثناءاته أقل، فإنه لم يُستثن إلا في النافلة في السفر وخلاف يسير في الحضر. وأما سقوطه في بعض حالات الخوف أو العجز عن تحديد القبلة، فما من واجب إلا ويقسط بمثل هذه الأعذار.

 

ربما يقول قائل: إن صلاة الخوف تُؤدَّى في وقتها، فكيف بالصلاة في الطائرة، وهذا استدراك في محله، لكن هناك صور من صلاة الخوف تكون خارج الوقت كما فعل النبي يوم الأحزاب.. وقياسًا على إفطار الصائم في السفر فهو إخراج للصوم عن وقته للعذر، فكذلك في الصلاة مع الخوف.. فليس هناك حكم ثابت للوقت في صلاة الخوف فإنها تؤدى بحسب حال المحاربين، وحال الصلاة ومدى حضور القلب بها، وحجم النكاية بالأعداء بها، وطول أمد الحرب.. فما يراه المحاربون من هذه الاعتبارات الأربعة أنسب من غيره فعلوه.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



[1] مسلم (686).

[2] مسلم (1352).

[3] زاد المعاد 1/ 305، ط مؤسسة الرسالة.

[4] مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (694).

[5] الفتاوى (24/ 105).

[6] سنن أبي داود 1963، والفتاوى 24/ 161.

[7] النسائي (1441).

[8] مسلم (1223).

[9] السنن الكبرى للبيهقي (5402).

[10] المحلى (513).

[11] قال ابن كثير في البداية والنهاية: إن القصر كان في عام 30 للهجرة.

[12] الترمذي (547).

[13] فتح الباري.. باب الصلاة بمنى.

[14] البخاري (1090).

[15] السنن الكبرى للبيهقي (5430).

[16] الفتاوى 24 / 85 وما بعدها.

[17] نقل ذلك عنها ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث (1090).

[18] بل إن هذا التوجه هو الأنسب للجمع بين ما روته من أن الصلاة قد فرضت ركعتين ثم أقرت صلاة السفر وأُتمت صلاة الحضر ثم إتمامها للصلاة، فالأظهر أنها فرضت ركعتين في العهد المكي الذي لم يكن فيه النبي آمنًا كحاله في المدينة، وبعد هجرته وزيادة الأمن زيدت إلى أربع. وهناك من رد خبرها هذا؛ لأنه غير متواتر كما ينقل ذلك ابن حجر وغيره. وهذا الرأي قوي؛ لأنه مما تعمُّ به البلوى ولا يكفي فيه راوٍ واحد لنقله، ومنهم من رأى أن كلمة "فرضت" بمعنى "قدّرت" من التقدير وغيرها من التأويلات للجمع بين روايتها وفعلها.. لكن الجمع الواقعي أولى؛ لأنه المتوافق مع اشتراط القرآن للقصر، خاصة وأنه قد جاءت رواية أخرى لرواية عائشة تبين أن النبي أتم بعد أن وصل إلى المدينة واطمأن.. وقد نقلها الشوكاني في نيل الأوطار لكنها ضعيفة.. لكن بمجموع هذه الشواهد قد ترتفع درجة صحتها.

[19] ورد ذلك في مصنف عبدالرزاق عن عطاء وطاووس (4289) ـ وقد نقل ابن حزم عن طاووس أنه يربط القصر بالحج أو العمرة، وعن إبراهيم التيمي أنه يربطه بالحج أو العمرة أو الجهاد، ونقل أيضًا عن ابن سيرين أنه مرتبط بمن حمل الزاد والمزاد (المحلى، صلاة المسافر، فقرة 513).

[20] المصنف 4290.. لم أقف على تصحيح لهذا النص لكني وجدت رواية صحَّحها الألباني بنفس الإسناد في صيام عاشوراء؛ مما يشعر بصحتها.

[21] مصنف عبدالرزاق (4286).

[22] البخاري (3595).

[23] مسلم (691).

[24] الفتاوى 24/ 135.

[25] البخاري (1944).

[26] جاء ذلك عند شرحه حديث (1946).

[27] مسلم (705).

[28] مسلم (681).

[29] سنن أبي داود (2459).

[30] البخاري (1117).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • آداب السفر لمن أراد السفر (خطبة)
  • السفر: منافع وآداب وأحكام
  • السفر: أحكام وآداب (خطبة)
  • سنن متعلقة بالليل واليوم والسفر
  • إدمان السفر
  • صحح نيتك قبل السفر إلى الحج والعمرة

مختارات من الشبكة

  • سؤال وجواب في أحكام الصلاة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل صلاة الجماعة: قوة الإيمان وروح الوحدة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفرع الثالث: أحكام قلب نية المنفرد في الصلاة من [الشرط العاشر من شروط الصلاة: النية](مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفرع السابع: ما يحرم لبسه في الصلاة من (الشرط السابع من شروط الصلاة: ستر العورة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • صفات اللباس المكروهة في الصلاة من (الشرط السابع من شروط الصلاة: ستر العورة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شروط الصلاة (1)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • القول السديد في فضل الصلاة في الفلاة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الصلاة ذلك المحفل الكبير (3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مختصر واجبات وسنن الصلاة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أفضل الصلاة(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو
  • دورة تدريبية لتعزيز مهارات البحث بالمؤسسات الدينية في بلقاريا
  • برنامج الإرشاد والتوجيه الإيماني يختتم دورته الأولى بنجاح في بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 16/11/1447هـ - الساعة: 15:27
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب