• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: خطر الظلم والتحذير منه
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    خطبة: حسن الظن بالله
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    دور وسائل الاتصال في نشر خير الخصال (خطبة)
    الشيخ الحسين أشقرا
  •  
    إشراقة آية: {إنما المؤمنون إخوة}
    علي بن حسين بن أحمد فقيهي
  •  
    الشرع بين تكميل الدين وإحياء العقل
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    خطبة: ذم الدنيا في التعلق بها، لا بالتمتع
    أبو عمران أنس بن يحيى الجزائري
  •  
    قصة مبهرة في القضاء والقدر
    حسام كمال النجار
  •  
    خطبة (حجوا وضحوا)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    عاقبة الظلم (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    ذكر إذا قلته ثم دعوت استجِيب لك
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    {فلينظر الإنسان مم خلق} (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    خطبة: لماذا يحرقون المصحف؟!
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    حسن الظن بالله (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    اللقمة الحلال أساس البركة (خطبة)
    د. علي برك باجيدة
  •  
    توجيهات عند نزول البلاء (خطبة)
    سعد محسن الشمري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

خطبة: حسن الظن بالله

خطبة: حسن الظن بالله
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 6/2/2026 ميلادي - 19/8/1447 هجري

الزيارات: 526

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: حسن الظن بالله

 

أيها المؤمنون عباد الله، إن من أعظم العبادات وأجلِّها عند الله سبحانه وتعالى: عبادة أعمالِ القلوب المخفيَّة التي لا يطَّلِعُ عليها إلا ربُّها سبحانه وتعالى. نعم، هناك عبادات للجوارح ظاهرة يراها الناس، ويشهدون من خلالها للإنسان بالإيمان والطاعة؛ مثل: الصلاة والصيام والأخلاق الفاضلة والذكر ونحوها، لكن هذه العبادات كلها ما كان لها أن تكون في مقامٍ عظيمٍ إلا إذا توافقت معها عباداتُ القلب، فعبادةُ القلب هي الأصل؛ لأن مبناها على التعظيم لله جل وعلا سبحانه.


وعباداتُ القلوب يصعُب أن تُرائي فيها، وأن تتجمَّل للناس بها؛ لأنها مخفيَّة؛ ولذلك كان نظرُ الإله جل وعلا إليها، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظرُ إلى صورِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم)). فمحطُّ نظر الإله هو القلب، فانظُر أيها المسلم على ماذا يحتوي قلبُك من العبادات الصالحة أو من الأخلاق السيئة. فإن القلوبَ أوعية، إما أن تمتلئ بالخير والفضل والتوحيد والتعظيم لله، وإما أن تمتلئ بالأخلاق السيئة والشرك والشكوك وسوءَ الظنِّ بالله سبحانه وتعالى.


أيها المؤمنون، ومن أعظم عبادات القلوب، وأجلُّها حُسنُ الظنِّ بالله سبحانه وتعالى. فحُسنُ الظنِّ بالله هو عنوان عبادات القلوب؛ لأنه باعثٌ على إتقان العمل وإصلاحه، وباعثٌ على ترك المُنكَر وتقبيحه، وباعثٌ على الأخذ بالأسباب التي تُوصِلُ إلى الله والسير في طريقِه المُستقيم، والتقرَّب إليه بما أمرَه، والابتعاد عما نهاهُ عنه سبحانه وتعالى.


أيها المؤمنون، حُسنُ الظنِّ بالله عبادةٌ نحنُ أحوَج ما نكونُ إليها اليوم، وخاصةً في البلدان المُضطربة التي كثُرَ فيها الابتلاء، وزادَت فيها المُنكَرات، وحلَّ فيها الظلمُ والظلمات، وانتشرَ فيها الفسادُ والانحراف، فالإنسانُ في هذه الأحوال يكون محتاجًا إلى أن يمتلئَ قلبُه بحُسْن الظنِّ بالله، والتفاؤل، والبحث عن الأمل. نعم البحث عن بصيص من الأمل، ليخرُج من هذه الأوضاع، ومن تلك الأحوال التي أدَّت ببعض الناس إلى الانتحار، وبعضهم أدمن شُرب المُخدِّرات والمُسكِرات، لكي يهرب من واقعه السيِّئ، وما يُلاقيه من قلقٍ واضطرابٍ واكتئابٍ، فحاول أن يعالَجَ نفسَه بداءٍ أعظم، وأوقعَ نفسَه في مصيبةٍ أكبر. ولو كان يحسن الظنِّ بالله سبحانه، ويقبل عليه ويفوض أمره اليه ويتوكل عليه، فإنه فارِج للهم، وكاشف للغم، ومُوسِّع للصدر، ومُنْزِلٌ على الإنسان الطُّمَأْنينة، والسعادة، والارتياح، ولو سارعَ إليه المكروب والمظلوم الذي لا ينامُ من شدَّة القهر والظلم، لوجد عنده الفرج، وزال عنه الهم والغم والقهر.


أيها المؤمنون، إن حُسْنَ الظنِّ بالله تعالى، وكمال التوكُّل عليه، وتفويضَ الأمر إليه جل وعلا، سلاحُ المؤمن عند هجومِ النائبات عليه، ونُزول المصائب والمُشكلات، إنه من أفضل القُرُبات والعبادات إلى ربِّ الأرض والسماوات.


وقد جاء في الحديث القُدسي الصحيح أن الله تعالى يقول: ((أنا عندَ ظنِّ عبدي بي))؛ متفق عليه. فإن كان ظنُّ العبد بالله خيرًا، كان الذي يحصُلُ له من الله خير، وإن كان ظنُّ العبد بالله شرًّا، كان الذي يحصُلُ من الله شرًّا؛ ولذلك جاء في تكملة الحديث: ((فليظنَّ عبدي بي ما شاء))، وهذه العبارة جاءت على سبيل الإغراء والحثِّ للصالحين المُحسنين الظن بالله سبحانه وتعالى، وعلى سبيل التهديد والوعيد لسيئِي الظنِّ بالله جل وعلا.


أيها المؤمنون، حُسْنُ الظنِّ بالله مطلوبٌ من العبد في كل الأحوال، ولكنه يتعيَّنُ عليه حُسْنُ الظنِّ بالله في عددٍ من المواضع والأحوال، ومنها:

1. حين يتقرَّب العبد إلى الله بالعمل الصالح إلى الله من ذكر وصلاة وصدقة ونحوها من الأعمال الصالحة لا بد معها من جرعةٍ كبيرةٍ من حُسْن الظنِّ بالله سبحانه وتعالى حتى تزداد قُرْبًا من الله جل وعلا، قال الله سبحانه: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]. انظر إلى عبارة ﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. وهذه العبارة تدلُّ على أن الإنسان أحسن في أمرين: أحسن في عبادة الله حين أدَّاها، وأحسن الظن بالله حين التجأَ إليه، وعلم أن ربَّه جل وعلا يقبلُ التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات.


2. حين يقومُ العبد باجتناب المعاصي، فإنه لا قُدرة له على ترك المعصية، ولا التحوُّل منها إلى الطاعة إلا بالاعتماد على الله، وحُسْن الظنِّ بالله، وطلب اللجوء إليه جل وعلا. فإذا ابتعد عن المعصية، علم أنه لا حول له ولا قوة إلا بالله. وهذه الكلمة العظيمة التي هي كنزٌ من كنوز الجنة، معناها باختصار: لا تحوُّل عن المعصية إلى الطاعة، إلا بتوفيق الله وكمال حُسْن الظنِّ والرجاء بما عنده جل وعلا.


قال سبحانه: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [النور: 52]. وقال جل وعلا: ﴿ وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَىٰ ﴾ [النجم: 31]. أحسن في العبادة، وأحسن في اجتناب المعصية، وأحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وانتظر الجزاء الحسن من الله فإن الجزاء من جنس العمل عنده جل وعلا.


3.ويتأكَّد على العبد أن يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى حين يقبل عليه بالدعاء والابتهال، فإذا رفع العبد يديه إلى الله فليحذر أن يرفعهما وهو سيئ الظن بالله، أو أن يرفعهما على سبيل التجربة، بل الواجب علينا أن نرفع أيدينا إلى الله وقلوبنا ممتلئة بحسن الظن بالله، وأنه لن يردنا خائبين، بل سيستجيب لنا، وسيفرِّج كرباتنا؛ لأنه جل وعلا كريم عظيم.


قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حييٌّ ستِّيرٌ يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردَّهما صفرًا)). فيجب أن يمتلئ قلبك أملًا وحسن ظَنٍّ بما عند الله حين تدعوه وتطلبه من خيري الدنيا والآخرة، وكلك أمل ورجاء بكرمه وفضله.


قال صلى الله عليه وسلم: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة))؛ أي: لا يكون لديك أدنى شك في أن الله سيستجيب لك،فإذا دعوت وأنت تشكك في استجابة الله لك؛ فإن هذا الدعاء يدل على غفلة وعدم حسن ظن بالله، ونتيجته ألَّا يستجيب الله لصاحبه. أما من دعا الله وهو موقن بأن الله سيجيب دعاءه فليبشر بخير، وإجابة الله للدعاء ليست على وفق ما يريده العبد، بل على وفق ما يريده الله سبحانه وتعالى، فهو أعلم بحاله وأعلم بما يصلحه. فمن دعا الله دعوة فلن تعدم من إحدى ثلاث: إما أن يستجيب الله له بما دعا، وإما أن يصرف عنه لها شرًّا أعظم،

 

وإما أن يدَّخِرَها له إلى يوم يحتاج إليها.


وفي كل الأحوال، فدعاؤك إذًا قد آتى ثمرته إذا كنت ممن يدعو الله وهو موقِن بالإجابة.


أيها المؤمنون، وجاء في الحديث أيضًا: ((إن الله لا يستجيب الدعاء من قلبٍ لاهٍ غافلٍ)). والغفلة أيضًا هي بُعْد الإنسان عن استحضار عظمة الله، واستحضار قدرة الله، استحضار رجائه في الله جل وعلا. والغافل هو الذي لا يدري من يدعو، لا يعظم في قلبه
من يدعو ولا يستحضر في نفسه وهو يرفع يديه أن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه إذا قال للشيء كن فيكون، وأنه لو استجاب لأهل الأرض كلهم ما نقص ذلك من ملكه شيئًا، سبحانه وتعالى.


وجاء في الحديث: ((يُستجاب لأحدكم ما لم يستعجل)). والعجلة دليل على قلة الصبر لدى العبد. يقول: دعوت ولم يستجب لي، فيترك الدعاء. بل يجب على العبد أن يُلِحَّ على الله في الدعاء، ولايقارن الله بالمخلوقين. فإن المخلوقين إذا أكثرت وألححت عليهم بالطلب غضبوا منك ونفروا عنك، أما الله سبحانه وتعالى فكلما ألححت عليه، رحمك، واستجاب دعوتك؛ فإن الله يحب الذين يُلِحُّون عليه بالدعاء. فأكثروا من الدعاء وأكثروا من التضرُّع ولا تستعجلوا، فإن العجلة نوع من صرف الشيطان للعبد عن مولاه سبحانه وتعالى. فأنت تسأل الغني الجواد، تسأل الرحيم الودود الكريم سبحانه الذي سبقت رحمته غضبه، وسبق عفوه عقوبته الذي لا يتعاظمه سبحانه وتعالى ذنب، ولا تقف أمامه مسألة، بل هو سبحانه وتعالى كريم عظيم رحيم بعباده جل وعلا.


4. كما يتأكد على المسلم أن يحسن الظن بربه سبحانه عند نزول المصائب والابتلاءات به. وهنا يظهر المؤمن القوي من المؤمن الضعيف، فإن المؤمن القوي كلما نزلت به المصائب، ازداد التجاؤه إلى الله، وعلم أن هذا الابتلاء بعده الفرج واليسر بإذن الله سبحانه وتعالى، ﴿ فإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5-6]. والفرج دائمًا يأتي بعد الشدة.


أما المؤمن ضعيف الإيمان فإنه بمجرد ما يزداد عليه البلاء ينحرف وينقلب على عقبيه، وربما أساء ظنَّه بالله سبحانه وتعالى.


أيها المؤمنون، إذا نزلت بكم المشكلات والمعضلات، وحلَّت بكم الابتلاءات والمصائب والملمَّات، فإياكم أن تصرفوا قلوبكم إلى غير الله، أو أن تعتمدوا على مخلوق مهما كان شأنه، وإنما أنزلوا حاجاتكم كلها بالله سبحانه وتعالى وخاصة حين تختلون به. وانظروا إلى ذلك المسكين المحتاج الذي يقف بين أيدي الأغنياء ويتضرع إليهم ويبكي بين أيديهم ويزداد تزلُّفًا وتملُّقًا لهم لعلَّهم يرحمونه، فليكن العبد المؤمن أكثر تملُّقًا وتزلُّفًا وخضوعًا بين يدي مولاه، باكيًا ساجدًا ذاكرًا مستغفرًا داعيًا، وقلبه كله أملٌ في الله سبحانه وتعالى؛ فهو الذي بيده جل وعلا إزالة الضرَّاء وإنزال السرَّاء، وهو الذي يستجيب للعبد دعاءه، ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ﴾ [النمل: 62].


أيها المؤمنون، لا تيأسوا من طول المصيبة ولا الابتلاء، فإن العبد يزداد تمحيصًا في إيمانه وعبوديته بكثرة الابتلاء عليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياء، فالأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. يُبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زاد له في البلاء)).


أيها المؤمنون، أما الكافر والمجرم والظالم البعيد عن الله، فقد يبعد الله عنه الابتلاءات في الدنيا ليستمتع بظلمه وبفجوره، ويزيد من النعم من باب الاستدراج؛ كما قال الله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ [الأعراف: 182-183]؛ أي: سأعطيهم مُهلة يستمتعون بمعاصيهم بظلمهم بفجورهم بنعم الله عليهم، لكن إذا نزل بهم عذاب الله كان عذابه شديدًا، وأخذه لهم عظيمًا، كما حصل لفرعون وقارون والنمرود وغيرهم من طواغيت الأرض الذين عاثوا في الأرض فسادًا، ثم انتهت حياتهم بكلمة وذهبوا إلى غير رجعة، ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ﴾ [الدخان: 29].


أيها المؤمنون، إن الواجب على العبد وهو يتقلَّب بين المصائب والمشكلات أن تدفعه تلك المصائب والابتلاءات إلى أن يكون مع الله دائمًا، إلى أن يرجع إلى الله ويتوب إليه، فمن حكمة الله أن يبتلي الناس بالمصائب ليستخرج منهم عبادات ما كانوا ليعبدوا الله بها وهم أصِحَّاء أو منعَّمُون. فهناك فرق بين من يدعو الله وجسده مليء بالأمراض والأسقام، فإن دعاءه في الغالب يصدر من قلبه وهو متضرع لله، مقبل عليه، بخلاف من يدعو الله بلسانه؛ لأنه في نعمة وخير. فالابتلاءات تكتشف للعبد مقدار إيمانه بالله، وحُسْن ظنِّه بالله، ومدى إقباله على الله بالدعاء والإخبات والرجوع إليه جل وعلا.


5. ومن المواطن التي يجب على المسلم أن يحسن الظن بربِّه جل وعلا حين يتوب من المعاصي والذنوب، وحين يُسرف على نفسه، فيفتح الله له بابًا من أبواب التوبة، بعد سماع موعظة أو تذكير بقول الله: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾ [الزمر: 53-54]. فيرغب في التوبة، لكن يأتيه الشيطان من باب سوء الظن بالله ويقول له: "كيف سيقبلك الله وقد امتلأت حياتك بالإجرام وامتلأ سجِلُّك بالقبائح من المعاصي والذنوب؟


فالواجب عليه حين يأتيه الشيطان بهذا الوسواس أن يستعيذ بالله وأن يقول له: "إني أحسن الظن بالله، وإني أطمع في رحمة الله، وإني أرجو الله أن يغفر لي، وإني أعلم أن الله يبسط يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يديه بالليل ليتوب مسيء النهار، وإني أعلم أن الله يفرح بتوبة عبده، وإني أعلم من كلام ربي في كتابه الكريم أن الله تعالى يقول: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]. فأنا حسن الظن بالله وسأتوب مهما كانت الذنوب وسأستغفر ربي سبحانه وتعالى الغفور الرحيم".


يُحدِّث نفسه بهذه الألفاظ وهذه العبارات وهو مقبل على الله بالتوبة؛ لأنه لو ترك للشيطان بابًا للوسوسة عليه لأقفل عليه باب التوبة تمامًا، وقال له: أنت قد أصبحت من حطب جهنم، فكم عندك من المعاصي والإجرام والذنوب، ويقنطه من رحمة الله ويقول له: استمتع بما بقي من حياتك، فمصيرك إلى الجحيم والعياذ بالله. فالواجب على المسلم أن يحسن الظن بالله حينما يقبل على التوبة يقبل على الإنابة إلى الله وإن كثرت ذنوبه وإن زادت، فإنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى غفور، وأنه رحيم، وأنه توَّاب كريم، وأنه جل وعلا لا يرُدُّ عبدًا أتى إليه تائبًا.


ويتأكد عليه أن يحسن الظن بالله حين يشعر بحلول الأجل، أو كبر السن، أو أصابه المرض الذي يشعر من خلاله أنك مقبل على الآخرة، احذر أن تُسيء الظن بالله، وأنت قريب من القدوم على ربك، فأحسن الظن بالله واستعدَّ للقاء الله فرحًا به. فإن الله سبحانه وتعالى يقبل توبة التائب. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربِّه)).


والواجب على من يحضر شخصًا قد اقترب أجله ألَّا يقنطه من رحمة الله، بل عليه أن يذكره بسائر أعماله من الصالحات، وأن يشعره أن حسناته أكثر من سيئاته، وأن يجعله يقبل على الله وهو حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، ولا يذكره بمعاصيه أو بذنوبه حتى يقنط، فيموت وهو قانط من رحمة الله، بل الواجب عليه أن يذكر له حسناته ولو كانت صغيرة، ليشعر أنه مقبل على عمل صالح فترتاح نفسه وتخرج روحه إلى بارئها وهي متشوِّقة إلى لقائه. قال صلى الله عليه وسلم: ((من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه)).


نعم أيها المؤمنون، وقد دخل واثلة بن الأسقع رضي الله عنه على رجل وكان مريضًا مرض الموت، فقال له: ((كيف تجد ظنك بربك؟)) فقال: "والله إني أحسن الظن بالله". فقال له: ((أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)). فإن أحسنت الظن بالله فاطمئن، فإن الله يقابلك بمثله.


7. أخيرًا، إن من المواطن التي يجب على المسلم أن يحسن الظن بالله حين يرى أنواع المصائب والابتلاءات العامة تنزل بالخلق. كما هو الحال في كثير من البلدان اليوم ومنها بلادنا فنحن أحوج ما نكون لحسن الظن بالله فالناس يعيشون في حروب، وحصار، وظلم وانتشار للمخدرات، وفساد هنا وهناك، وتكالب الأعداء علينا من يهود حاقدين ونصارى معتدين ومنافقين عملاء، يريدون أن يقضوا على ما بقي من الإسلام في نفوس المسلمين فهل نسيء الظن بالله ونستسلم لهم؟ الجواب لا، بلونعتقد أن العاقبة للمتقين، وأن الباطل سيزول، وأن الله لن يترك عباده على تلك الحال؛ كمال قال: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179].


فالواجب في مثل هذه الأحوال أن نكون ممن يحسن الظن بالله، وننتظر الفرج وإن طالت مدته، وأن نكون على ثقة بالله جل وعلا
بأن الباطل مهما انتفش فإنه سيسقط كما قال وقوله الحق: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾ [يونس: 24]. فهذه هي نهاية الباطل إذا وصل إلى منتهاه، فحين يظن أهل الباطل أنهم يتحكمون بالصغير والكبير بالشرق والغرب، وأن الأرض قد أصبحت كلها بقبضتهم فانتظر سقوطهم. ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾، فهذه من سنن الله في الباطل وأهله.


أين ثقة المؤمنين بربهم؟ وأين حسن ظن المؤمنين بالله جل وعلا وانتظار الفرج منه؟ ولا يعني ذلك أن تنتظر الفرج وأنت لا تعمل، بل عليك بالأخذ بالأسباب، ومن أعظم الأسباب التي يملكها كل واحد منا السبب المعنوي. نعم قد لا نملك الترسانات النووية ولا عابرات القارات من الأسلحة حتى نسقِط هؤلاء المجرمين، لكننانملك سلاحًا لا ينفد وهو الدعاء، وحسن الظن بالله، والاتِّكال على الله، فعلينا بالدعاء بأن يزيل الظلم والظالمين ويهلك الفساد والمفسدين.


أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لحسن الظن بالله جل وعلا، وكمال التوكُّل عليه، وكمال الالتجاء إليه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية:

الحمدُ لله ربِّ العالمين والعاقبةُ للمتقين ولا عُدوانَ إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

 

عباد الله أُوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله حقَّ تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.


أيها المؤمنون، قُلْنَا أَنَّ حُسْنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ يَتَعَبَّدُ بِهَا الْعَبْدُ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَمَوْطِنُهَا الْقَلْبُ، وَلَكِنَّهَا تَظْهَرُ عَلَى الْجَوَارِحِ مِنْ خِلَالِ ثَمَرَتِهَا، ومن ثمرتها أن تجد المريض يبتسم مع مرضه من حسنه ظنِّه بالله، وتجد الإنسان الفقير منشرح الصدر مع فقره من حسن ظنه بالله. وتجد المظلوم ينتظر الفرج وهو مطمئن من حسن ظنه بالله سبحانه وتعالى. فهذه من علامات حسن ظن العبد بالله جل وعلا. ويبقى تنبيه مهم إلى أنه لا يكفي ادعاء حسن الظن بالله جل وعلا؛ بل لا بُدَّ من حُسْن الظن بالله في عمل القلوب، وحسن ظن بالله في عمل الجوارح، فحينما تتوجه بقلبك إلى الله، فهذا عمل القلب يجب أن يتناسق عمل الجوارح والأخذ بالأسباب التي تجعلك حسن الظن بالله، قال الحسن البصري رحمه الله: "إن من أحسن العمل فقد أحسن الظن بالله، وإن من أساء العمل فقد أساء الظن بالله". فالذي يحسن العمل في الظاهر فقد توافق عنده لجوء قلبه إلى الله وعمل جوارحه فيما يرضي الله. أما من يقول: قلبي مع الله، وأنا أحسن الظن بالله، ومتوكِّل على الله، وجوارحه تعمل عكس ذلك، فهذا يكذب على نفسه ويخادعها. ومن أبرز الأمثلة التي يتضح بها هذا الأمر، انظر إلى مزارعين: أحدهما عنده أرض فحرثها وزرعها وسقاها واهتمَّ بها وانتظر حصادها مع حسن ظنه بالله الكريم. والآخر يقول إنه يحسن الظن بالله ولكنه لم يزرع الأرض ولم يسقها ولم يعتنِ بها، وتركها على ما هي عليه، وينتظر الحصاد، فشتَّان بينهما. فهذا يتمنى على الله الأماني، والأول قد أخذ بالأسباب وأحسن الظن بمولاه سبحانه وتعالى.

 

فإذا كنا نحسن الظن بالله سبحانه وتعالى فلنتَّبِع حسن الظن بـالعمل الصالح الذي يوصلنا إلى الله سبحانه وتعالى.

 

أيها المؤمنون، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى لنا في غزوة الأحزاب الفرق بين ظن المؤمنين وظن المنافقين. أما المؤمنون فقال الله عنهم: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 22]. وأما المنافقون فأساءوا الظن بالله سبحانه وتعالى فقال الله عنهم: ﴿ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾ [الأحزاب: 10]. فظنوا أن المؤمنين لن ينتصروا، وظنوا أن الأحزاب ستدخل المدينة وتأخذ ما فيها، فأدى ظنهم ذلك بالله الى هلاكهم؛ كما قال الله: ﴿ ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ﴾ [فصلت: 23].

 

أيها المؤمنون، الواجب على المسلمين اليوم أن يكونوا أحسن الناس ظنًّا بالله، وأعظمهم ظنًّا بمولاهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يعذب عباده؛ كما قال: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾ [النساء: 147]. إنما هي ابتلاءات، فكيف نخرج من هذه الابتلاءات؟ بـحسن الظن بالله والعمل بالأسباب، وننتظر الفرج فإن العاقبة للمتقين.

 

أسأل الله سبحانه وتعالى بمنِّه وكرمه أن يرزقنا وإياكم حسن الظن بالله وكمال التوكل عليه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: حسن الظن بالله
  • حسن الظن بالله من أخلاق المؤمنين
  • حسن الظن بالله تعالى (خطبة)
  • حسن الظن بالله تعالى (خطبة)
  • حسن الظن بالله (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • حسن الخلق (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: ثمرات وفضائل حسن الخلق(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خالق الناس بخلق حسن (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث (27) «البر حسن الخلق» (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: خطر الظلم والتحذير منه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دور وسائل الاتصال في نشر خير الخصال (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: ذم الدنيا في التعلق بها، لا بالتمتع بطيباتها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة (حجوا وضحوا)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • عاقبة الظلم (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • خطبة عن الأمانة(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة علمية في ساراتوف تبحث أحكام الزكاة وآليات تطبيقها
  • مفكرة يومية ترافق الصائمين في رحلتهم الإيمانية خلال رمضان في تتارستان
  • أئمة بلغاريا يطورون مهاراتهم الدعوية ضمن الموسم السابع من «الإمام الفاعل»
  • حملة «تنظيف المساجد» تعود من جديد في تتارستان استعدادا لشهر رمضان
  • فعالية خيرية إسلامية لتعبئة آلاف الوجبات الغذائية في ولاية فرجينيا
  • فعاليات علمية للاستعداد لشهر رمضان في عاصمة الأرجنتين
  • تقدم أعمال بناء مشروع المركز الإسلامي في ماستيك - شيرلي بنيويورك
  • جهود إسلامية خيرية واسعة لدعم الأمن الغذائي وسط كنتاكي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/8/1447هـ - الساعة: 19:5
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب