• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    نفوسنا بين المسارعة والمخادعة (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا؟
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    الجزاء من جنس العمل (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    الاستغفار والتوبة طريقك إلى الجنة
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    حق الله الأعظم (الومضة 4)
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    أقسام التوحيد وأثرها في قبول العمل (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    دأب الصالحين: قيام الليل (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    وقفات مع فضيلة صيام شهر شعبان
    الداعية عبدالعزيز بن صالح الكنهل
  •  
    {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} خطبة
    ساير بن هليل المسباح
  •  
    تعويذ الخليلين - عليهما السلام - أولادهم (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    خطبة بدع رجب
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    من درر العلامة ابن القيم عن مكارم الأخلاق
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    المكروهات الشرعية (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    الملامح الإيمانية والتربوية من الإسراء والمعراج ...
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    خطبة: الإسراء والمعراج
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

الجزاء من جنس العمل (خطبة)

الجزاء من جنس العمل (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 19/1/2026 ميلادي - 1/8/1447 هجري

الزيارات: 66

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الجزاء من جنس العمل


الخطبة الأولى

الحمد لله منشئ الموجودات، وباعث الأموات، وسامع الأصوات، ومجيب الدعوات، وكاشف الكربات، وعالم الأسرار والخفيات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ربنا الله ورب جميع الكائنات، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وحبيبه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، وتمسَّك بسُنَّته، واقتدى بهديه إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين... ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1]، أما بعد:

أيها المؤمنون، إن الله- سبحانه وتعالى- قد أودعَ في هذه الحياة سُننًا ثابتةً لا تتغيَّرُ ولا تتبدَّلُ، والعاقلُ السعيدُ هو الذي يتعرَّفُ على هذه السُّنن الإلهية ليعملَ بمُقتضاها، ولا يُصادِمُها ولا يُخالِفُها، فيعيش في هذه الحياة عيشةَ الكرام المُوفَّقين السُّعداء، وله في الآخرة الأجورُ والنَّعماء.

 

وَمِن تِلكَ السُّنَنِ العَظِيمَةِ أن الجزاء من جنس العمل، فقَد جَعَل اللهَ لِكُلِّ بَذرَةٍ ثَمَرَةً، وَقَدَّرَ لِكُلِّ عَمَلٍ نَتِيجَةً، وَبِحَسَبِ مَا يَزرَعُ كُلُّ امرِئٍ يَحصُدُ وَلا بُدَّ، وَمِن جِنسِ مَا يَعمَلُ يَلقَى جَزَاءَهُ أَمَامَهُ، وَمِن تَمَامِ عَقلِ الإِنسَانِ وَعَمِيقِ فَهْمِهِ، أَنَّهُ لا يَنتَظِرُ ثَمَرًا لِغَيرِ مَا بَذَرَ، وَلا يَتَوَقَّعُ أَن يَحصُدَ إِلَّا مَا زَرَعَ، وسُنَّة الجزاء من جنسِ العمل سُنَّةٌ عامَّةٌ على البشريَّة كلِّها، لا تُحابِي أحدًا، ولا تستثنِي أحدًا، وهي تحُلُّ وتنزِلُ بمن يستحقُّها في الوقت المُناسِب في علمِ الله وحِكمته، ولو تفكَّر الناسُ جميعًا في ظاهر أمرهم وباطنِه، وما هم عليه؛ لوجدُوا هذه السُّنةَ تتجلَّى لهم في كل شُؤون حياتهم، ولفقهُوا طرفًا من حكمة الله البالِغة في أقداره وأحكامِه، فالبرُّ لا يبلَى، والذنبُ لا يُنسَى، والديَّانُ لا يموتُ، وكما تدينُ تُدان، والجزاء من جنس العمل.

 

أيها المؤمنون، وَقَد وَرَدَت في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ وَأَحَادِيثُ وَاضِحَاتٌ، تَذكُرُ جَزَاءَ المُحسِنِينَ وَعَاقِبَةَ المُسِيئِينَ؛ حَيثُ يَرَى المُحسِنُونَ الجَزَاءَ طَيِّبًا مِن جِنسِ أَعمَالِهِمُ الطَّيِّبَةِ، وَيَجِدُ المُسِيئُونَ العَاقِبَةَ سَيِّئَةً بِحَسبِ مَا قَدَّمُوه مِن سُوءٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المَولى- سُبحَانَهُ- تَرغِيبًا لِعِبَادِهِ في الأَعمَالِ الطَّيِّبَةِ الصَّالِحَةِ وَحَثًّا لَهُم عَلَيهَا، وَتَرهِيبًا لَهُم مِنَ الأَعمَالِ الخَبِيثَةِ السَّيِّئَةِ وَتَقبِيحًا لَهَا عِندَهُم، قَالَ تَعَالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]، فكل عبد واختياره، فالخير أبوابه مشرعة، والشر طرقه مفتحة، وكل عبد وما يختار لنفسه، فمن غرس الخير وبذل المعروف جازاه الله بالمعروف، ومن عمل السيئات جازاه الله بالسوء، جزاءً وفاقًا، قال تعالى: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ [الإسراء: 7].

 

أيها المؤمنون، إن سُنَّة الجزاء من جنس العمل سُنَّةٌ مُطَّردةٌ شرعًا وقدرًا وزمانًا ومكانًا، دلَّت عليها أكثرُ من مائة آيةٍ في كتاب الله، وتكاثَرَت النصوصُ النبويةُ في تقريرها وترسيخِها في النفوس، قال سبحانه: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: 7-8]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: "والجزاء أبدًا من جنس العمل، وليس لِمَنْ أحسَن العملَ إلا الإحسان، قال عز وجل: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]، فمن حفظ حدود الله وحقوقه، حفظه الله في الدارينِ"، قال عليه الصلاة والسلام: "احفظ الله يحفظك"؛ (رواه الترمذي).

 

أيها المؤمنون، وقد تكاثرت القصص القرآنية الدالة على هذه السُّنَّة الربانية، فقد جازَى الله تعالى خليلَه ونبيَّه إبراهيم- عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام- بأن جعلَه إمامًا وأمةً يُقتدَى به، ونورًا يُستضاءُ بقوله وفعلِه، بعد أن اختبرَه الله بكلماتٍ فأتمَّهنَّ، ووجدَه صابرًا حليمًا أوَّاهًا مُنيبًا.

 

وهذا يُوسف- عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام- جرَت له من الخُطوب والكُروب، ما كان سببًا لأن مكَّن الله له في الأرض، وكانت له العاقبةُ الحسنةُ.

 

وسيِّدُ الأولين والآخرين نبيُّنا محمدٌ- صلى الله عليه وآله وسلم- ابتُلِي البلاءَ العظيم، وكمَّل لله مقامات العبودية كلَّها، فكمَّله الله وجمَّله، ورفعَ له ذِكرَه في العالمين، وجعلَه إمامَ الخلق كلِّهم، في كل المقامات الشريفة في الدنيا والآخرة.

 

وَهَذَا جَعفَرُ بنُ أَبي طَالِبٍ- رَضِيَ اللهُ عَنهُ- لَمَّا قَاتَلَ في مَعرَكَةِ مُؤتَةَ وَقُطِعَت يَدَاهُ، عَوَّضَهُ اللهُ بِأَن جَعَلَهُ يَطِيرُ في الجَنَّةِ مَعَ المَلائِكَةِ، رَوَى الحَاكِمُ مِن حَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ- رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أَنَّ النَّبيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "رَأَيتُ جَعفَرَ بنَ أَبي طَالِبٍ يَطِيرُ مَعَ جِبرِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَهُ جَنَاحَانِ.

 

وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الجَزَاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، مَا بَشَّرَ بِهِ النَّبيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أُمَّ المُؤمِنِينَ خَدِيجَةَ- رَضِيَ اللهُ عَنهَا- فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ- رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: أَتَى جِبرِيلُ النَّبيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَد أَتَت، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ- أَو طَعَامٌ أَو شَرَابٌ-، فَإِذَا هِيَ أَتَتكَ فَاقرَأْ عَلَيهَا السَّلامَ مِن رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ وَلا نَصَبَ"، وَالصَّخَبُ: هو ارتِفَاعُ الأَصوَاتِ، وَالنَّصَبُ: هُوَ التَّعَبُ، قَالَ الإِمَامُ السُّهَيلِيُّ- رَحِمَهُ اللهُ-: مُنَاسَبَةُ نَفيِ هَاتَينِ الصِّفَتَينِ- أَعني المُنَازَعَةَ وَالتَّعَبَ- أَنَّهُ- صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا دَعَا إِلى الإِسلامِ أَجَابَت خَدِيجَةُ طَوعًا، فَلَم تُحوِجْهُ إِلى رَفعِ صَوتٍ وَلا مُنَازَعَةٍ وَلا تَعَبٍ في ذَلِكَ، بَل أَزَالَت عَنهُ كُلَّ نَصَبٍ، وَآنَسَتهُ مِن كُلِّ وَحشَةٍ، وَهَوَّنَت عَلَيهِ كُلَّ عَسِيرٍ، فَنَاسَبَ أَن يَكُونَ مَنزِلُهَا الَّذِي بَشَّرَهَا بِهِ رَبُّهَا بِالصِّفَةِ المُقَابِلَةِ لِفِعلِهَا.

 

أيها المؤمنون، من بذل لله شيئًا عوَّضه الله خيرًا منه، فمن جاء بالحسنة أعطاه الله عشرًا، ومَنْ صلَّى صلاةً واحدةً كتبها الله عشرًا، ومن أنفق درهمًا أخلفه الله عليه، وكتب له به عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245]، فلا يزال العبد رابحًا على ربِّه في كل طاعة بحياة لا تشبه ما الناس فيه من أنواع الحياة، سعادة في الدنيا، وجنة ورضوان في الآخرة، ومَنْ صدَق مع الله أكرَمَه اللهُ بما يحب وزيادة، قال عليه الصلاة والسلام لرجل: "إن تصدق الله يصدقك"؛ (رواه النسائي)، قال ابن القيم- رحمه الله-: "ليس للعبد شيء أنفع من صِدْقِه ربَّه، ومَنْ صدَق اللهَ في جميع أموره صنَع اللهُ له فوق ما يصنع لغيره"، وعلى قَدْرِ قُرْبِ العبدِ من رَبِّه بالطاعة والعبادة يكون قرب الله منه، قال تعالى في الحديث القدسي: "إذا تقرَّب العبدُ مني شبرًا تقربتُ منه ذراعًا، وإذا تقرَّب مني ذراعًا تقربتُ منه باعًا"؛ (متفق عليه).

 

أيها المؤمنون، حين نتأمَّلُ العقوبات التي أنزلَها الله بمن عاندَ أمرَه وخالَفَ رُسُلَه، نجِدُ أنها مُناسِبةٌ أيَّما مُناسبَةٍ لذنوبِهم وأعمالهم، كما قصَّ الله علينا هلاكَ قومِ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُود، وأصحابِ الأيكة، وقوم لُوط، وفرعون، وسبأ، وغيرهم، ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40].

 

فالذين نافقُوا وأجرَموا، لما سخِروا من الذين آمنوا وكانوا منهم في الدنيا يضحَكون ويتغامَزُون؛ كان الجزاءُ من جنسِ العمل، ﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المطففين: 34- 36].

 

ولما كان الكفار في الدنيا في سجن الكفر والشرك وضيقه، وكانوا كلما هموا بالخروج منه إلى فضاء الإيمان وسعته رجعوا على حوافرهم كانت عقوبتهم في الآخرة كذلك كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ [السجدة: 20]، فالكفر والمعاصي والفسوق كله غموم، كلما أراد الإنسان أن يخرج منه أبت عليه نفسُه وشيطانه، فلا يزال في غمِّ ذلك حتى يموت، فإن لم يخرج من غمِّ ذلك في الدنيا بقي في غَمِّه في البرزخ وفي القيامة.

 

أيها المؤمنون، إن الله عليم خبير يجزي الإنسان بجنس عمله، فمن خالف الرسل عوقب بمثل ذنبه، ومن احتال على إباحة ما حرَّمه الله بالحيل عاقبه بنقيض قصده كما احتال أصحاب السبت؛ فلعنهم الله ومسخهم قردة وخنازير جزاء احتيالهم على فعل ما حرَّمه الله عليهم، قال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [البقرة: 65]، فهؤلاء احتالوا على وقوع الحيتان يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد، فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله بحيث لم يتمسكوا إلا بظاهره دون حقيقته مسخهم الله قردة تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة جزاءً وفاقًا.

 

و"من تتبَّع عورات المسلمين تتبَّع اللهُ عورتَه حتى يفضحه في بيته"؛ (رواه أحمد)، قال ابنُ عُمر- رضي الله عنهما -: "كان بالمدينة أقوامٌ لهم عيوبٌ، فسكَتُوا عن عيوبِ الناسِ، فأسكَتَ الله الناسَ عن عيوبِهم، فماتُوا ولا عيوبَ لهم، وكان بالمدينة أقوامٌ لا عيوبَ لهم، فتكلَّموا في عيوبِ الناسِ، فأظهرَ الله عيوبَهم، فما زالُوا يُعرَفُون بها إلى أن ماتُوا".

 

قال إبراهيمُ النَّخعيُّ- رحمه الله-: "إني لأرَى الشيءَ مما يُعابُ، فما يمنَعني أن أتكلَّم فيه إلا مخافةَ أن أُبتلَى بمثلِه.

 

والمغتاب مزَّق أعراضَ الناس بلسانه، فيأتي يوم القيامة له أظفار من نحاس يخمِش بها وجهَه، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صُبَّ في أُذُنَيْهِ رصاصٌ مذابٌ يوم القيامة.

 

واللهُ توعَّد بعذابِ الذين يعذبون الناسَ بغير حق، قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يعذِّب الذين يعذِّبون الناسَ في الدنيا"؛ (رواه مسلم).

 

وتوعَّد سبحانه مانِعِي الزكاة بكيَّاتٍ ثلاثٍ في جِباهِهم وجُنوبِهم وظُهورهم، وهي كيَّاتٌ مُناسبةٌ لسُوءِ عملهم، جزاءً لهم بنقيضِ قصدِهم. ومن كتمَ شرعَ الله، وأخفَى العلمَ الذي يجبُ أن يظهرَ للناس ولم يتُب من ذلك؛ فأولئك يعلنُهم الله ويلعنُهم اللاعِنون، ويُلجِمُهم الله بلِجامٍ من نارٍ يوم القيامة، جزاءً وِفاقًا، ومَنْ شَرِبَ الخمرَ في الدنيا ثم لم يتُب منها حُرِمَ منها يوم القيامة، ومَنْ لَبِسَ الحريرَ من الرجال في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومَنْ قتَل نفسَه بشيء عُذِّبَ به يومَ القيامة، ومن لعَن شيئًا ليس له بأهل رجعَت اللعنةُ عليه، ولعَن اللهُ مَنْ لعَن والديه، والظلم ظلمات يوم القيامة، ومن ظلم قيدَ شبرٍ طوَّقَه اللهُ من سبع أرضين، وقطعُ وصلِ ذوي القربى أقبحُ من غيره، والله يقول للرحم: "أما ترضينَ أن أَصِلَ مَنْ وصلَكِ وأقطَع مَنْ قطَعَكِ؟"؛ (متفق عليه).

 

أيها المؤمنون، والله يكون للعبد كما يكون لإخوانه المسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَنْ فرَّج عن مسلم كربةً فرَّج اللهُ عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستَر مسلمًا ستَرَه اللهُ يومَ القيامة"؛ (متفق عليه)، "ومن يسَّر على مُعْسِر يسَّر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"؛ (رواه مسلم)، ومن تجاوز عن الخَلْق تجاوَز اللهُ عنه، ومن استدان أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن استغنى بالله وبما أعطاه أغناه الله وكفاه، قال عليه الصلاة والسلام: "ومن يستغن يُغْنِه اللهُ"؛ (متفق عليه).

 

أيها المؤمنون، وإلحاق الضرر والمشقَّة بالخلق عاقبته وخيمة، قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "من ضارَّ ضارَّ اللهُ به، ومن شاقَّ شقَّ اللهُ عليه"؛ (رواه الترمذي)، ومن وَلِيَ شيئًا فشقَّ على الخَلْق شقَّ اللهُ عليه، وإن احتجب عن حاجتهم احتجَب اللهُ دون حاجته.

 

ومن آثر الله ومحابَّه على غيره آثره على غيره، وأعطاه ما يحب جزاءً وفاقًا، والإمام العادل أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فكما كان الناس في ظل عدله في الدنيا كان في ظل الرحمن يوم القيامة، ظلًّا بظل، جزاء وفاقًا، وهكذا بقية السبعة، كما في الحديث المتفق على صحته، وقد يُمهِلُ الله الظالمين المُعتَدين، ولكنه لا يُهمِلهم، وقد يفرَحون بقتل الأبرياء وسفكِ دمائِهم، ويظنُّون كلَّ الظنِّ أنهم أفلَتُوا من عقابِ الله، فتأتيهم سنة الله في العذاب في الوقت المناسب، فقد كان بين دعوةِ مُوسَى- عليه الصلاة والسلام- على فرعون وقومِه: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: 88]، وقد ذكرَ ذلك المُفسِّرون أنه كان بين هذه الدعوة وبين استِجابةِ الله لها وهلاكِ فرعون وقومه أربعُون سنة، ﴿ فلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾ [إبراهيم: 42].

 

أيها المؤمنون، ومن أعلى صور الجزاء من جنس العمل أن من قرَّت عينُه بالله في هذه الدار قرَّت عينُه به يوم القيامة، وعند الموت، ويوم البعث، ويعود عليه عمله بعينه، فينعم به ظاهرًا وباطنًا، وقابل الله ما أخفاه المتقون من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلمه نفس، وقابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم على مضاجعهم حين يقومون لصلاة الليل بقرة الأعين في الجنة، قال سبحانه عنهم: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 16-17].

 

ومن أحسَن في الدنيا بالإيمان والتوحيد فله في الآخرة الجنة الجزاء الأوفى، فالمتقون لما فعلوا ما يحب الله، وتركوا ما يكره أعطاهم ما يحبون، ووقاهم مما يكرهون جزاءً وفاقًا، قال سبحانه: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [الطور: 17-18]، جمع الله لهم بين النعيمين: نعيم القلب بالتفكُّه، ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح، ووقاهم عذاب الجحيم.

 

وللصلاة باب في الجنة يُنادى أهلُها منه، ولنصاعة أعضاء الوضوء بالطهارة تُعرَف هذه الأمة يومَ القيامة بذلك، قال عليه الصلاة والسلام: "إن أُمَّتي يدعَوْن يوم القيامة غُرًّا محجلينَ من آثار الوضوء"؛ (متفق عليه)، "وتبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء"؛ (رواه مسلم).

 

والذي امتنع عن السجود في الدنيا مُنِعَ منه يومَ القيامة، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ [الْقَلَمِ: 42-43]، والصائمون يقال لهم: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾ [الْحَاقَّةِ: 24]، قال مجاهد- رحمه الله-: "نزلَت في الصائمين"، وينادَوْن من باب خاص بهم وهو الريَّان، وخلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عند الله من ريح المسك، ومن مات محرمًا بعثَه الله مُلَبِّيًا.

 

والصدقة برهان على الإيمان وقرض مضاعَف عند الله، ومن أنفَق شيئًا أخلَف الله له خيرًا منه، قال عليه الصلاة والسلام: "قال الله تعالى: "أَنْفِقْ يا بنَ آدم أُنفِقْ عليكَ"؛ (متفق عليه)، و"ما من يوم يُصبِح العباد فيه إلا مَلَكانِ ينزلانِ فيقول أحدُهما: اللهم أعْطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخَر: اللهم أعْطِ ممسكًا تلفًا"؛ (متفق عليه).

 

وذِكْرُ اللهِ يحيي القلوب ويقوِّي الأبدانَ، وما لأهله جزاء خير من ذِكْر الله لهم، قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: 152]، ومَنْ ذكَر اللهَ على حالٍ ذكَرَه اللهُ بأكرمَ من تلك الحال، قال تعالى في الحديث القدسي: "وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"؛ (متفق عليه)، ومجالسُ الذِّكْر رياض الجنة، وللعبد عند ربه منها ما له فيها، أقبَل ثلاثةٌ على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فرأى أحدُهم فرجةً في الحلقة فجلَس فيها، والآخَر جلَس خلفَهم، والثالث أدبَر ذاهِبًا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ألَا أُخبِرُكم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدُهم فأَوَى إلى الله فآواه اللهُ، وأمَّا الآخَرُ فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخَر فأعرَض فأعرَض اللهُ عنه"؛ (متفق عليه).

 

والمؤذِّن رفَع صوته بالأذان، فكان ثوابه من جنس فعله، قال عليه الصلاة والسلام: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة"؛ (رواه مسلم)، و"لا يَسمَع مدَى صوتِ المؤذِّن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شجرٌ ولا حجرٌ إلا شَهِدَ له يومَ القيامة"؛ (رواه البخاري)، والله أَذِنَ بالمساجد أن ترفَع ويذكَر فيها اسمُه، و"مَنْ بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثله"؛ (رواه مسلم).

 

عباد الله، ومن صور الجزاء من جنس العمل: أن الله- عزَّ وجلَّ- وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير؛ وذلك لأن تعليم الناس الخير يخرجهم من الظلمات إلى النور، والجزاء من جنس العمل؛ ولهذا كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- أحقَّ الناس بكمال هذه الصلاة، ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، فلما تسبَّب معلمو الخير للناس في دخولهم في جملة المؤمنين الذين يصلي الله عليهم وملائكته صلى الله عليهم وملائكته، قال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43]، وكذلك العالم كلما علَّم الناس من جهالتهم جزاه الله بأن علَّمه من جهالته، وأمر الكائنات أن تستغفر له؛ لأن لها جميعًا حظًّا من علمه.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ لله حقًّا وصدقًا، والشكرُ له تعبُّدًا ورِقًّا، أكملَ لنا الدينَ وتمَّت كلماتُه صِدْقًا وعَدْلًا، والصلاةُ والسلامُ على المبعُوث بالهدى يقينًا وحقًّا، وعلى الآل والأصحابِ والأتباعِ دائمًا وأبدًا.

 

أيها الإخوة، إن الدنيا مزرعة الآخرة، فمن هُدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله وأنزل به كُتُبه؛ هُدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنَّته ودار ثوابه، فإذا كان يوم لقائه نصب لخلقه صراطًا مستقيمًا يوصلهم إلى الجنة، ثم صرف عنه من انصرف عنه في الدنيا، وأقام عليه من اتبع صراطه المستقيم في الدنيا، وجعل نور المؤمنين به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورًا ظاهرًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الحشر والموقف، وحفظ عليهم نورهم حتى قطعوه كما حفظ عليهم الإيمان به حتى لقوه، وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا، ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الحديد: 12].

 

فمن لم يقبل نور الإيمان في الدنيا فلا حظَّ له في النور يوم القيامة، فهو أعمى وفي الظلمات، فأنى يهتدي وينجو، ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ [الحديد: 13].

 

وعلى قدر سير العبد على الصراط المستقيم في الدنيا سيكون سيره على ذاك الصراط المنصوب على متن جهنم، فمن الناس من يمرُّ كالبرق، ومنهم من يمرُّ كالطرف، وقد سئل النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الجسر فقال: "دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ وَحَسَكٌ، تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ، كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ"؛ (البخاري ومسلم).

 

وأقام سبحانه أعمال العصاة على جنبتي الصراط كلاليب وحسكًا تخطفهم إلى النار كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة على الصراط المستقيم، فلينظر العبد إلى الشبهات والشهوات والمظالم التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم، فإنها الكلاليب التي بجنبتي الصراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه، فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك، ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46].

 

أيها المؤمنون، إن استِشعار سُنَّة أن الجزاء من جنسِ العمل، واستِحضارها في كل المواقِف والأحداث، يمنَحُ العبدَ اليقينَ بعدل الله وحكمته، وأنه القادرُ على كل شيءٍ، الذي لا تخفَى عليه خافِية، ويجعلُ العبدَ يتوقَّعُ الخيرَ من الله، فيُحسِنُ الظنَّ بربِّه، ويرجُو رحمتَه وكرمَه وحُسْن ثوابِه، ويشعُر بالطُّمأنينة والرِّضا؛ لأنه يعلمُ علمَ اليقين أنه سوفَ يُجازَى الجزاءَ الأوفَى، فلا يبأَس ولا ييأَس، والله لا يُضيعُ أجرَ من أحْسَنَ عملًا.

 

ومن جازاه الله الجزاءَ الحَسَنَ، فلا يغترَّ بذلك ولا يفخَر؛ بل عليه أن يشكُر الله ويسألَه المزيدَ، لكي يستديمَ هذه النعمة، ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7].

 

ومن جازاه الله جزاءَ السُّوء، فلا يقنَط من رحمةِ الله وعفوِه، وعليه بالتوبةِ والاستِغفار والبُعْد عن مساخِطِ الله وغضبِه، فما نزلَ بلاءٌ إلا بذنبٍ، ولا رُفِع إلا بتوبةٍ.

 

وإن قوم يُونس- عليه السلام- لما آمَنوا كشفَ الله عنهم عذابَ الخزيِ في الحياة الدنيا ومتَّعَهم إلى حينٍ.

 

أيها المُسلمون، إن هذه السنَّة الربَّانيَّة تُربِّي المُسلمَ على التسليم المُطلَق لله الذي بهرَت حكمتُه العقولَ، وهي تُؤكِّدُ على أن بنِي آدم كلَّهم لا يُحيطُون به- سبحانه- علمًا، ولا يُدرِكون أسرارَ قضائِه وقدَره وتدبيرِه العجيبِ لأحداثِ الكون.

 

فقد يعترِضُ بعضُ بني آدم ويسخَطون، وقد يشُكُّون حينما يرَون بعضَ أقدار الله وكيف يرفعُ الله أقوامًا ويضعُ آخرين، ويفتحُ أبوابًا ويُغلِقُ أخرى، ويُعطِي ويمنَع، ويبتلِي ويُعافِي، ويُغنِي ويُفقِر، ويُكرِمُ ويُهين، ويُعزُّ ويُذلُّ، وأنَّى لابنِ آدم أن يُدرِك حكمةَ الله وعلمَه؟! فيا بنَ آدم، إنك إن أسلمتَ قلبَك لله، وسلَّمتَ لأمره، ورضيتَ بما قسمَ الله لك، واشتغلتَ بما فرضَ الله عليك، وتركتَ ما لا يعنِيك؛ أرحتَ قلبَك وسعِدت في حياتِك، وكنتَ عند ربِّك محمُودًا. وإن لم ترضَ بما قسمَ الله لك، وضيَّعتَ ما فرضَ الله عليك، واشتغلتَ بما لا يعنِيك؛ أحاطَت بك الهُمومُ والغُمومُ، وأعرضَ الله عنك، ثم لا يكونُ لك من الدنيا إلا ما قسمَه الله لك، وكنت عند ربِّك مذمُومًا، فالجزاءُ من جنسِ العمل، ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49].

 

هـــذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، نبيِّنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعينَ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداءك أعداء الدين، واحْمِ حوزة الدين يا رب العالمين.

 

اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين، اللهم انصرهم على اليهود المعتدين وحلفائهم من الصليبيين، اللهم ثبِّت أقدامهم، وسدِّد رميهم، اللهم كن لهم ناصرًا ومعينًا.

 

عبــاد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45]، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الجزاء من جنس العمل
  • الجزاء من جنس العمل
  • الجزاء من جنس العمل في العقوبة
  • الجزاء من جنس العمل
  • الجزاء من جنس العمل (خطبة)
  • خطبة: الجزاء من جنس العمل
  • الجزاء من جنس العمل
  • المهين للمهين والجزاء من جنس العمل
  • الجزاء من جنس العمل

مختارات من الشبكة

  • الجزاء من جنس العمل (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • مراتب الفضل والرحمة في الجزاء الرباني على الحسنة والسيئة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ذلك جزاء المحسنين (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • خطبة في فقه الجزية وأحكام أهل الذمة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • احترام العلماء وتوقيرهم: الجزاء من جنس العمل (أهل الحديث أنموذجا) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • خطبة في أن الجزاء من جنس العمل وأسباب شرح الصدر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الجزاء من جنس العمل(مادة مرئية - موقع د. أمين بن عبدالله الشقاوي)
  • خطبة المسجد النبوي 5/2/1433 هـ - الجزاء من جنس العمل(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الجزاء من جنس القول والعمل كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد، والله لك كما تكون لخلقه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فوائد من طلب العلم وتعليمه والدعوة إليه(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسلمون يقيمون مشروعا إنسانيا يجسد قيم الرحمة والمسؤولية الاجتماعية في بلانو
  • مبادرة تعليمية في بريطانيا لتوحيد رؤية الهلال محليا
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة
  • مسلمو توزلا ينظمون حملة إنسانية ناجحة للتبرع بالدم
  • المسلمون الأكثر سخاء في بريطانيا وتبرعاتهم تفوق المتوسط بأربعة أضعاف

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 1/8/1447هـ - الساعة: 12:48
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب