• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: أمواج الفساد وعلاجها
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    ومضة لقلبك (الومضة 3)
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    خطبة: الكسوف
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    الترف (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    الحقوق عند الله لا تضيع (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    تكريم الشريعة للمسلمة (خطبة)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    دعاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليه في ...
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    عدل النبي صلى الله عليه وسلم
    حامد عبدالخالق أبو الدهب
  •  
    سلسلة أفلا يتدبرون القرآن (4): حين جفت ينابيع ...
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    القرآن والسُّنَّة دستور الأُمَّة
    أبو سلمان راجح الحنق
  •  
    خطبة عن الرضا
    جمال علي يوسف فياض
  •  
    نقد عقيدة اليهود في الله وفي الأنبياء وآثارها ...
    سعاد الحلو حسن
  •  
    خطبة: اليقين
    د. محمد حرز
  •  
    فضل شهر شعبان (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    مختصر واجبات وسنن الصلاة
    عبد رب الصالحين أبو ضيف العتموني
  •  
    العلم بين الأخذ والعطاء
    شعيب ناصري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

خطبة: أمواج الفساد وعلاجها

خطبة: أمواج الفساد وعلاجها
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 16/1/2026 ميلادي - 28/7/1447 هجري

الزيارات: 225

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: أمواج الفساد وعلاجها

 

أيها المؤمنون،يتعرض المجتمع المسلم اليوم لهجمات متعددة من قِبَل أعداء الإسلام. هذه الهجمات تمثل حركات الموج المتلاطم، ما إن تنتهي موجة حتى تأتي موجة أخرى، والهدف من ذلك كله هو إخراج المسلمين من دينهم، وإفساد أخلاقهم وتشكيكهم في معتقداتهم ومقدساتهم، فأطهر مجتمع على وجه الأرض اليوم هو المجتمع المسلم الملتزم بأحكام القرآن والسُّنَّة.

 

ومعلوم من طبيعة النفوس الشريرة الفاسدة، أنها إذا فسدت لا يعجبها الصالحون، ولا تحب الخير، وإنما تريد أن ينتشر الفساد ليتساوى الناس فيه، وما قصة إبليس عنكم ببعيد! فإنه لما أبى واستكبر وطرده الله من رحمته وجعله مرجومًا بعيدًا عن الخير، وحكم عليه بالعذاب المخلد في النار، لم يقعد ولم ينزوِ عن الخلق؛ بل جعل ذلك سببًا لنشاطه وحركته لكي يجعل البشرية كلها تسير في طريقه وتكون من حزبه، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6]. فلا يريد أن يدخل النار وحده، ولا يريد أن يكون مطرودًا يائسًا من رحمة الله وحده، بل يريد أن يجيِّش معه غيره لكي يتوزع الجُرم والعذاب بينه وبين أصحابه ومن سار في دربه وطريقه.

 

وهكذا المفسدون في الأرض، ما إن يقعوا في فساد إلا وأرادوا لغيرهم أن يشاركهم في ذلك الفساد؛ لأن الفاسد إذا ضلَّ فاسدًا، نظرت إليه الأعْيُنُ نظرة احتقار، وتعاملت معه النفوس الطيبة الصالحة تعامل النبذ والكراهية، وهو لا يريد أن يعيش منبوذًا مكروهًا؛ ولذلك فالمفسدون يسعون في إفساد غيرهم من أجل ألا يبقوا وحدهم، بل يتألمون إذا وُجِدَ في مجتمعهم أشخاص صالحون؛ لأن صلاح الآخرين دمار عليهم؛ مثال ذلك قوم لوط، لما تغلغل فيهم الفساد، وانحرفت لديهم الفطَر، وخرجوا عن الفِطَر السويَّة في إفراغ شهواتهم؛ جاءهم رسول الله -لوط عليه السلام- يدعوهم إلى الأخلاق الفاضلة والعفَّة، وترك المنكر والفاحشة، فلم يقبلوا منه، بل حرصوا على أن يفسدوه ويفسدوا أهله معه. فلم يستطيعوا ذلك وعصمه الله منهم، فقالوا قولتهم المشهورة التي حكاها القرآن عنهم إلى اليوم: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56]. هذه هي تهمتهم! فكيف يعيش بينهم رجل طاهر، فلا بد أن يفسد المجتمع كله ليعيش الفاسدون حياتهم دون نكير عليهم.

 

وقد أصبحت هذه العبارة اليوم شعارًا للمفسدين في الأرض، تدعمها دول وأنظمة ومنظمات وجماعات ومراكز دراسات، وقنوات وجمعيات على مستوى العالم كله.

 

فهناك منظمات لا تريد للطاهرين أن يعيشوا في المجتمع، لا بد من إفسادهم أو إخراجهم منه، وما تشاهدونه اليوم من حملات تشويه للفضيلة، ولكل خُلُقٍ حَسَن، وللصالحين، وللمصلحين، ولأهل الخير، هو ثمرة لهذا المشروع الخبيث الذي لم يعد مشروعًا فرديًّا يقوم به أشخاص، بل صار مشروعًا جماعيًّا منظمًا تقوم عليه وتدعمه دول وأنظمة ومنظمات وجماعات على مستوى العالم.

 

والعجيب أن الصالحين المصلحين لا ينتبهون لهذا الأمر الخطير، ويظنون أن الفساد اليوم قضية شخصية. نعم، أصبح الفساد اليوم قضية جماعية عالمية تدعمها منظمات وجمعيات ودول؛ بل إن النظام العالمي الجديد يقوم على دعم الرذيلة ومحاربة الفضيلة.

 

وما تسمعونه اليوم من دعم وتشجيع لما يسمى بـ"مجتمع الميم"، أو ما يسمى بـ"مجتمع المثليين" واسمه في الشريعة الإسلامية الشواذ أو أصحاب الفاحشة، هذا المجتمع اليوم يراد فرضه على العالم بالقوة، ويُطلب من الدول أن تُغيِّر أنظمتها، وقوانينها ودساتيرها، من أجل دعم مجتمع الشواذ، وقد كان المجتمع الغربي قبل مئتي سنة من الآن تقريبًا كان يُحْرَقُ ويُقْتَلُ الشاذ، ثم قبل مئة سنة خُفِّفَ عنه العقوبة، ثم قبل خمسين سنة خُفِّفت أكثر، ثم قبل خمس سنوات طُلِبَ التخفيف أكثر، حتى قال أحد المختصين في القانون الغربي لزملائه: يجب أن أخرج من أوروبا اليوم قبل غدًا. قيل له: لماذا؟ قال: أخشى أن يأتي غدًا ويجبروني على الشذوذ؛ أي: هو تعبير يدل على مدى سرعة انحراف المجتمع الغربي فيخشى أن يأتي يوم يجبر الناس على الشذوذ إجبارًا ولا يبقى مجرد حرية شخصية. فهذا حال المجتمعات التي ضلَّت عن شريعة الله، وانحرفت وكَثُرَ فيها المفسدون الذين ينشرون الفساد في الأرض.

 

أيها المؤمنون،إن الفساد لم يعد قضية شخصية؛ لأن الفساد الشخصي ممكن أن ينتهي أو يموت بموت صاحبه وممكن أن يكون أثرُه ضعيفًا على المجتمع، أما أن يصبح الفساد قضية جماعية عالمية. فالأمر خطير، فلن يكون الفساد في الأخلاق، بل سيشمل الفساد جوانب كثيرة من حياة الناس؛ كالفساد المالي، والفساد الإداري، والفساد السياسي الذي يتعَلَّق بأنظمة الحكم والسياسة، والفساد الاجتماعي والفساد الاقتصادي الذي يتعلق بالثروات ونَهْبِها وغيرها من الجوانب إلا أن فساد الأخلاق هي أول خرزات العقد إذا انقطعت تبعتها باقي الجوانب؛ ولذلك اعتنى بها الإسلام كثيرًا حتى قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق)).

وقال الشاعر:

إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ = فَإِنْ هُم ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

 

أيها المؤمنون، هذه الحملات الشرسة وهذه الأمواج الخطيرة المتلاطمة من إفساد الحرث والنسل التي تقوم عليها اليوم دول وأنظمة وقنوات ومنظمات، موجَّهة في الأصل للمجتمع المسلم؛ لأنه بالمقارنة إلى غيره يعتبر من أطهر المجتمعات. والفاسد يكره الصالح ولا يريد أن يعيش بجواره مجتمع طاهر، على نفس قاعدة قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا﴾، بمعنى أهلكوا ودمروا، واطردوا الصالحين واحرموهم من العيش بسلام، فالمجتمعات المنحرفة تريد تصدير الانحراف، والمجتمعات الفاسدة تريد تصدير الفساد. وإذا لم تقم المجتمعات الطاهرة المؤمنة الصالحة بواجباتها في الإصلاح ونشر الخير، فإنها معرضة للفساد، ومعرضة لموجات الانحراف بحسب قاعدة معروفة في علم الاجتماع وعلم النفس: أن من لم يؤثر يتأثر، ومن لم يكن داعية كان مدعُوًّا، فهذه طبيعة الناس. إن لم تكن أنت المؤثر في غيرك ستكون أنت المتأثر بغيرك، وإن لم تكن داعيًا لغيرك إلى الخير سيدعوك هو إلى الشر.

 

وقد قامت المجتمعات الفاسدة بتصدير الفساد، واشتغلت على خطين متوازيين:

الخط الأول: بث الشبهات؛ وهو تشكيك الناس في عقائدهم، وقيمهم ومقدساتهم وأخلاقهم، وهذا مشروع كبير قد ابتُليَتْ به الأمة منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وحتى اليوم، وقد تعرض المجتمع لشبهات متعددة، من أهمها تشكيك الناس في قضايا الغيب، فالدين يقوم على قطبين: قطب الشهادة، وقطب الغيب.

 

فقطب الشهادة: ما تشاهده بعينك من ماديات ومحسوسات، وقطب الغيب هي الأمور التي لا يدركها عقلك، وأخبرنا عنها الوحي؛ كالقضايا التي تتعلق بالإيمان بالله وأفعاله وأسمائه وصفاته، وملائكته، ما يتعلق أيضًا بما بعد الموت؛ كالقبر، والبعث، والجنة، والنار، ونحوها.

 

ولا يكون العبد مؤمنًا صادقًا صالحًا حتى يؤمن بالغيب كما يؤمن بالشهادة.

 

والإيمان بالغيب لم يأتِ عن طريق مشكوك فيه؛ وإنما جاء عن طريق الوحي، وأخبرنا به الرسول الصادق عن ربِّه، فأخبرنا عن الجنة، وعن النار، وعمَّا بعد الموت، وعمَّا في السماء، وأخبرنا عن مخلوقات لا نراها من الملائكة من الجن. هذه المعلومات ضرورية جدًّا حتى يكتمل الإيمان.

 

قال صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإيمان: ((الإيمان: أن تؤمن بالله))، والله غيب، ((وملائكته))، والملائكة غيب، ((وكُتُبِه، ورُسُلِه))، الرسل من حيث وجودهم تراهم بعينك، لكن أن الله أرسلهم تؤمن بذلك لمعجزاتهم التي أتوا بها لتشهد على أنهم من عند الله، ((واليوم الآخر))، كل ما بعد الموت هذا غيب، ((والقَدَر خيره وشرّه)). هذه أركان الإيمان، وهو أعلى مرتبة من الإسلام. فالإسلام أعمال ظاهرة تراها بعينك وتمارسها بجوارحك؛ كما في الحديث: ((بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج))؛ ولذلك فأعظم سهْم وُجِّهَ إلى الإسلام وأهله هو التشكيك في عالم الغيب، يشككونك في عالم الغيب، فيما بعد الموت؛ كعذاب القبر ونعيمه وفي الصراط، وفي الحوض وفي الجنة، وفي النار.

 

يقولون ثم يشككوا الناس فيما يتعلق بالله والملائكة والجن وما لا تراه العيون وغيرها. وهذه قضية ليست من اليوم، بل هي قديمة ويُسمى أهلها "الفلاسفة الدهريين"، الذين كانوا يناقشون في وجود الله، وهل للكون خالق أو لا؟ لأنهم ينكرون الغيب ويؤمنون بالمحسوسات فقط.

 

وقد جاء أحدهم إلى أحد العلماء، فلما رآه قادمًا عليه وعَرَف من حاله أنه مُلْحِد، بدأ يُحدِّث أصحابه قائلًا: لقد رأينا اليوم قصة عجيبة، ألواحًا تتطاير من اليمين ومن الشمال، ثم ترتب نفسها على شكل سفينة، ثم هذه السفينة تقفز إلى البحر بمفردها، ثم تسوق نفسها إلى الساحل ثم تتوقف بنفسها، ثم تُبْحِرُ بنفسها، ثم تدور من نفسها، فقال الملحد مستغربًا: هذا لا يمكن لا يصير! فلا يوجد سفينة من غير صانع، ولا يوجد سفينة تتحرك وتتوقف من غير سائق وقبطان. قال له: "متأكد؟" قال: نعم، متأكد! وما تقوله يا شيخ خرافة! خرافة! فكيف تقول هذه الخرافات للناس؟" قال له: "نعم، ما أقوله خرافة! فكيف بالكون؟ من أوجده؟ من يسيره؟ من يجعل الشمس تشرق ثم تغرب وجعل الكواكب تسير في أفلاكها دون أن تصدم ببعضها ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]. من خلق هذا الكون بهذا النظام؟ فإذا كنت قد أنكرت أن تُوجد سفينة وتسير وحدها فكيف بكون عظيم أن يُخْلَقَ ويسير بمفرده؟ فلا بد لهذا الكَوْنِ من خالق، ومُدَبِّر يقوم بأمره. فَبُهِتَ ذلك الملحد وأَقَرَّ بوجود الخالق سبحانه وتعالى.

 

واليوم يتعرض الناس لموجة عظيمة من الإلحاد، تشكيك في العقائد، وأهمها معتقدات الغيب. اقرأوا أوائل سورة البقرة، ماذا قال الله سبحانه؟ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]. من الذي يؤمن بالغيب؟ هو المؤمن الذي كَمُلَ إيمانه.

 

أما الإيمان بالمشاهد فيشترك به الكافر والمؤمن، وحينما تؤمن بأن الله هو الخالق المدبر إذًا فهو المستحق للعبادة الذي لا يُعْبَدُ سواه، فلا تعبد غيره. إذا آمنت بأن الله هو الخالق فقد خلق الخلق، إذًا لا بد أن يُرْسِلَ لهم رسولًا يدعوهم إليه، ويُنَزِّلَ لهم كتابًا يعرِّفهم بالحلال والحرام والحق والهدى، ويحذرهم من الباطل. إذًا لا بد أن تؤمن بالكتب وبالرسل وتؤمن بالملائكة الذين هم الواسطة بين الرسل وخالقهم. والرسل والكتب فيها بيان اليوم الآخر، وأن هذه الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء، إذًا لا بد من دار أخرى هي دار الجزاء يُجازَى عليها الصالح ويُعاقَبُ عليها الفاسد، وهذا التسلسل في الإيمان بالغيب هو الذي يملأ قلبك رضًا وتقوى واستقامة لله سبحانه وتعالى خالق الكون، المستحق سبحانه وتعالى للعبادة دون غيره من الخَلْقِ.

 

أيها المسلمون،أما الجانب الآخر الذي شكَّكَ فيه أعداء الإسلام فهو تشكيك الناس في عباداتهم، فطرحوا على الناس: أن العبادة علاقة بين الخالق والمخلوق. وأرادوا أن يجعلوها محصورة في العبادات التعبُّدية القاصرة مثل: الصلاة، والصوم، والحج. أما أن تجعل العبادة مفهومًا واسعًا، وأن تكون خاضعًا لشرع الله في أخلاقك وسياستك، وزواجك وبيعك وشرائك، ونحوها من الجوانب، فهذا لا يسمُّونه عبادة، في الفكر العلماني الذي هو الدين الجديد العالمي الذي يريدون أن يصدروه إلى المسلمين. بل يقولون لك: العبادة بينك وبين الله، ولا علاقة للدين بالحياة، من أجل أن يتفرغوا لإفساد الخَلْقِ، فهم من يُشَرِّعُ الحلال والحرام، وهم من يُوزِّع الثروات، ويصدر القوانين وينظم الحياة.

 

والله تعالى يقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]؟ ما معنى ﴿لَهُ الْخَلْقُ﴾؟ يعني أن الله هو المتفرِّد بخلق الكون بما فيه. إذًا هو المتفرِّد بالأمر. وما هو الأمر؟ هو التشريع، للحلال والحرام، فالمتفرد بالخلق هو المتفرِّد بالتشريع، هو الذي يقول: "هذا حلال" و"هذا حرام"، وهذا أمر متعارف عليه عند الخَلْقِ، فصانع أي جهاز، يضع بجواره كتابًا "الكَتَلُوج" يُبيِّن من خلاله كيف يُستخدَم هذا الجهاز. فلو قلت له: "أنت اصنع وما لك علاقة بكيفية التشغيل"، لقال لك: "أنا بريء لو حُرِقَ جهازك، ولكن هذا الجهاز وهذه طريقة تشغيله، إن امتثلت لك الضمانة عليه سنة وسنتين وثلاثة في الأخطاء الفنية للأجهزة، ولو خالفت فلست مسؤولًا عنه". ويُقِرُّ الناس بهذه الأمور وهي أجهزة بسيطة خلقها البشر، فأين نحن من هذا الكون العظيم؟ وأين نحن من هذا الإنسان الذي خلقه الله وهو إلى اليوم أعظم مخلوق لم تستطع البشرية أن تصنع ما يشابهه ولم تصل إلى درجة الإتقان بما وصل إليه إتقان الله سبحانه وتعالى لخلق هذا الإنسان؛ فإذًا ﴿لَهُ الْخَلْقُ والْأَمْرُ﴾.

 

ومن يقول: إن الله سبحانه وتعالى لا علاقة له بالأمر، ويجيز للبشر أن يشرعوا لأنفسهم وأن يهتموا بحالهم وطريقة عيشهم بأنفسهم، بعيدًا عن خالقهم فقد فصَلَ بين الخلق والأمر، والله تعالى قد حصرهما له، فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما قلنا وسمعتم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 

أيها المؤمنون،موجات الإفساد في الأرض كبيرة كما قلنا، والحديث عنها يطول، وحسبنا أن نشير إلى بعض أمثلتها كما سمعتم. والأهم من ذلك كله هو العلاج، فلا علاج لهذه الموجة الكبيرة التي تعم العالم اليوم من الفساد والإفساد إلا بأمرين وهما أمران شرعيان مُجَرَّبَان وواقعيان.

 

الأول:يتعلق بالعقل؛ لأن فساد العقل إفساد للعقائد والأخلاق. وهو ما يسميه العلماء بـ "فِتَن الشبهات"، فالشبهات التي سبب للتشكُّك في عقيدتك، وأخلاقك، ودينك، وهي موجهة إلى العقل، والشبهة تشتت العقل، وتحيره حتى تصل به إلى مرحلة الإلحاد وإنكار وجود الله سبحانه وتعالى.

 

وهذه المشكلة تُعالَجُ بالعلم؛ لأن العقل مفتاحه العلم، وأخطر شيء يُهدِّدُ العقل هو الجهل؛ ولذلك كما تشاهدون اليوم أنه بقدر انتشار التقنية وثورة المعلومات في العالم، إلا أنها كلها تهدف إلى تجهيل العقل وتعطيل دوره، فلا يفكر ولا ينظر ولا يتأمل، فإذا ألقيت عليه الشبهة استقبلها ويتحوَّل العقل من محطة لِفَحْصِ الأفكار والمعلومات وإخراج الفاسد منها واستقبال الصالح إلى مجرد إسفنجة، تمتص أي سائل سواء كان نجسًا أو طاهرًا.

 

ومن آثار موجة التجهيل اليوم كثرة القُرَّاء وقلَّة المفكرين والفقهاء الذين يتدبرون ويتأملون ما يقرأون ويسمعون، وخاصة مع هذه الأجهزة الذكية، حتى صار الإنسان يتلقى معلومات كثيرة في لحظات، فتدخل إلى عقله دون تمحيص ولا تفكير.

 

إن العلم النافع هو الذي يحرر العقل من الخرافة، والخزعبلات، ويجعل الإنسان يفكِّر ويتأمَّل فيما يفعل ويقول: هل هو صحٌّ أم غلط؟ فمثلًا: ذلك الهندي الذي يستعمل عقله في اختراع الأجهزة ويكون بروفيسورًا في التقنية أو في الطب أو في الهندسة أو في غيرها من العلوم، ما الذي أوصلك إلى هذه المرتبة؟ قال: استعمال العقل والتفكير. جميل أنك استخدمت عقلك في صناعة الأجهزة والآلات فأتقنتها واخترعت أشياء جديدة مبتكرة. فلماذا عطَّلت العقل في التفكر في معرفة الدين والعقيدة الصحيحة؟ وأصبحت تستقبل بول البقرة وتمسح به على وجهك، وتعتقد أنها إله تمنحك الصحة والعافية فتسجد بين يديها! وهنا تكمن المشكلة أن العقل أبعد تمامًا عن معرفة العقيدة الصحيحة وعُطِّلَ عن التأمل والتفكُّر فيها بينما أعمل في باب الاختراعات والعلوم الدنيوية!

 

كما أن العلم النافع الدنيوي؛ كعلم التقنية وعلم الطب ونحوهما يأتي بدراستها من مصادرها، فكذلك العلم النافع الديني الذي يعلمك بالحلال والحرام والإله الحق المعبود، يجب أن يتعلم من مصدره؛ وهو الوحي، بالإضافة إلى التفكُّر في كتابين عظيمين بَسَطَهُمَا الله للخلق؟

 

الأول: هو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، اقرأه وتدبره. وقد قرأه وتدبره من يهود فآمنوا، وكفار فأسلموا، وهندوس فتركوا عبادة البقر، ومسلمون فانفتحت عقولهم وصاروا صالحين.

 

الكتاب الثاني: هو كتاب الكون المنظور. فكما تتابع الذرة وطريقة تسييرها وخلقها وتقترح لها أجهزة وآلات، تابع هذا الكون من خلقه؟ من أوجده؟ وستصل إلى أن الذي أوجده الله العظيم الخالق الذي يستحق أن يُعْبَدَ وحده، لا شريك له.

 

فهذا العلم النافع الذي يحتاج إليه الناس اليوم، وإذا فقد الناس العلم النافع فهم جَهَلَة، وإن عَلَتْ مراتبهم من العلم والشهادات الدنيوية.

 

العلاج الثاني: العلاج المتعلق بالنفس. فالنفس مشحونة بالشهوات فالنفس تحب المال، وتحب الشهوة، سواء كانت شهوة الفرج أو شهوة البطن، أو شهوة الجاه أو شهوة الفخر والأشر والظهور، وغيرها، والشهوات مرتبطة بالنفس. والعلم ربما يزيدها علوًّا ونفورًا، فما الذي يعالج الشهوة، ويجعلها متوازنة؟

 

إنه العمل الصالح؛ فهو يعالج فساد النفوس حتى تزكو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. فما هي الأعمال الصالحة؟ هي كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فيدخل في ذلك الصلاة والصيام والزكاة وسائر الأعمال، ويدخل فيها كل خير؛ ولذلك فعل الخير يُهَذِّب النفس، وفعل الشر يزيد النفس شرارة؛ ولذلك قال الله تعالى بعد قصة قارون؛ لأن شهوته شهوة مال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].

 

إذًا أيها المسلمون، علينا أن نهتم بهذين العلاجين: العلم النافع، والعمل الصالح، نعالج عقولنا بالعلم النافع حتى لا تفسد بالشبهات، ونعالج نفوسنا بالعمل الصالح حتى لا تفسد بالشهوات. فإنه إذا فسد العقل تبعته فساد النفس، وإذا فسدت النفس تبعها فساد العقل.

 

وقد ذكر الله في كتابه ثلاثة أنواع للنفوس وثلاثة أنواع للقلوب. فذكر القلب الميت وهو يقابل النفس الأمَّارة بالسوء. وذكر القلب المريض وهو يقابل النفس اللوَّامة. وذكر القلب السليم وهو يقابل النفس المطمئنة. فالقلوب والعقول تعالج بالعلم النافع، والنفوس تعالج بالعمل الصالح. وهذان طريقان جاء القرآن والسنة بالحديث عنهما كثيرًا.

 

وعلينا أن نقرأ، ونتدبَّر، وننفذ ما أُمِرْنا به، وسنجد العلاج لأمراضنا الفكرية والنفسية، وبهذا تدنستم من موجات الإفساد التي تأتي من أعداء الإسلام بطرق متعددة، وهي اليوم أكثر ما تكون موجودة في المجتمع المسلم. لأن المجتمع المسلم مشغول بالحروب، أو مشغول بلقمة العيش، أو مشغول بالخلافات الداخلية، وليس عندهم وقت للتفكير في الحلول، والعلاج والدفاع عن دينهم؛ لذلك كثرت المنظمات الخبيثة التي تبث سمومها في المجتمع المسلم، وكثرت مشاريع الإفساد، وكثرت المؤامرات، حتى يصبح مجتمعًا منبوذًا، لا عقل، لا دين، لا أخلاق، لا قيم، لا أصلح دنياه ولا أصلح آخرته. فوقعت عليه المصيبتان والعياذ بالله سبحانه وتعالى. ولا مخرج إلا بالعودة إلى الله سبحانه وتعالى وتأمل هذين العلاجين والعمل بهما وهما: العلم النافع، والعمل الصالح الذي به تحيا القلوب والعقول وتزكو به النفوس.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح فساد قلوبنا، وأن يزكي نفوسنا، هو خير من زكَّاها وهو وليُّها ومولاها.

 

وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الفساد الأخلاقي المعاصر: أسبابه وخطورته (خطبة)
  • خطبة الفساد
  • خطبة: (بدعة المولد والفساد)
  • الإمداد بالنهي عن الفساد (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • الهم والغم والحزن: أسبابها وأضرارها وعلاجها في ضوء الكتاب والسنة (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • حفظ الأمانات ومحاربة الفساد عبادة ومسؤولية مشتركة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • عالم الفساد والعفن: السحر والكهانة والشعوذة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الجريمة وطرق علاجها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: سوء الخلق (مظاهره، أسبابه، وعلاجه)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العجز والكسل: معناهما، وحكمهما، وأسبابهما، وعلاجهما (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • مفهوم الإسراف والتبذير وصورهما ومظاهرهما وآثارهما وأسبابهما وعلاجهما (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • خطبة: الكسوف(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الترف (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحقوق عند الله لا تضيع (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مبادرة تعليمية في بريطانيا لتوحيد رؤية الهلال محليا
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة
  • مسلمو توزلا ينظمون حملة إنسانية ناجحة للتبرع بالدم
  • المسلمون الأكثر سخاء في بريطانيا وتبرعاتهم تفوق المتوسط بأربعة أضعاف
  • تشوفاشيا تشهد افتتاح مسجد مرمم بحضور ديني ورسمي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 28/7/1447هـ - الساعة: 10:14
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب