• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    هل ما زلت على قيد الحياة؟ (خطبة)
    حسان أحمد العماري
  •  
    تخريج حديث: قدح من عيدان يبول فيه، ويضعه تحت ...
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    أهم الحالات التي يندرج تحتها التفسير الاجتهادي ...
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    نصرة السنة ورد شبهات المغرضين حول حديث: «لن يفلح ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    العجلة
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    الحديث الخامس والعشرون: فضل بر الوالدين
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    البركة
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    الرجاء (خطبة)
    جمال علي يوسف فياض
  •  
    من مائدة السيرة: عام الحزن
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    تفسير سورة البلد
    أ. د. كامل صبحي صلاح
  •  
    الأرواح جنود مجندة
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    الفرع الثاني: ما يصح وما لا يصح فيه الصلاة من ...
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    خطبة: الخوف من الله
    جمال علي يوسف فياض
  •  
    الحسنات والسيئات (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    هل يجوز شرعا الاعتماد على تطبيقات الذكاء ...
    عماد حمدي أحمد الإبياري
  •  
    صور التسامح عند الفاتحين المسلمين
    الشيخ ندا أبو أحمد
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

الرجاء (خطبة)

الرجاء (خطبة)
جمال علي يوسف فياض

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 3/1/2026 ميلادي - 15/7/1447 هجري

الزيارات: 286

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الرجاء

 

الحمد لله الذي أحكَم بحكمته ما فطر وبنَى، وقرُب مِن خلقه برحمته ودنا، ورضِي الشكر من بريَّته لنعمته ثمنًا، وأمَرنا بخدمته لا لحاجته، بل لنا، يَغفِر الخطايا لِمَن أسا وجَنى، ويُجزل العطايا لمن كان مُحسنًا، بيَّن لقاصديه سبيلًا وسَننًا، ووهَب لعابديه جزيلًا يُقتنى، وأثاب حامديه ألذَّ ما يُجتنى، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: 69].

 

أحمده مُسرًّا للحمد ومُعلنًا، وأشهد أن لا إله إلا الله واحدًا فردًا صمدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله ربُّه رحمةً وهدى، فبلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، فكان خيرَ مَن دعا، وأهدى مَن هدى، وأصلِّي وأسلِّم عليه، أشرفُ مَن تردَّد بين جمع ومنى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله طول المدى؛ أما بعد:

فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا ربَّكم حقَّ التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي، فإن أجسامكم على النار لا تَقوى، ثم أما بعد أيها الإخوة الكرام:

فالله تبارك وتعالى خلَقنا لعبادته؛ كما قال جل جلاله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، والعبادة: اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة.

 

أركان تلك العبادة ثلاثة: الخوف والرجاء والحب، وهذه الأركان الثلاثة متلازمة، ولذلك قَالَ بعض السلف: من عبد الله بالحب وَحده فَهُوَ زِنديق، وَمن عَبده بالرجاء وَحدَه فَهُوَ مُرجِئ، وَمن عَبده بالخوف وَحده فَهُوَ حَرُوريٌّ، وَمن عَبده بالحب وَالْخَوْف والرجاء، فَهُوَ مُؤمن موحدٌ.

 

ولكن العبد يُغلِّب جانب الخوف في حال صحته وقوته وشبابه، ويُغلِّب جانب الرجاء في حال مرضه، أو في حال وقع فيها في ذنبٍ، أو زلَّت قدمه في معصية، فلا ييئَس من روح الله، وليبادر إلى التوبة والعودة إلى الله تعالى، وليَعظُم رجاؤه في الله تعالى، ولذلك أيها الإخوة، نحن في أمسِّ الحاجة إلى معرفة الرجاء في الله، ومتى يكون محمودًا؟ وما فضله؟ وهذا حديث خطبتنا اليوم بإذن الله تعالى:

أولًا: معنى الرجاء وفضله.

ثانيًا: بيان سعة رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة.

ثالثًا: التوبة وشروطها.


فأعيروني - معاشر الإخوة - القلوب والأسماع رجاء النصح والانتفاع..

 

أولًا: معنى الرجاء وفضله:

الرجاء هو الاستبشار بِجُود الله وفضله، والطمع في إحسانه وعطائه، مع بذل الجهد وحسن التوكل، وبهذا يستبين لنا الفرق بين الرجاء والتمني، فالرجاء يكون مع بذل الجهد في الأعمال الصالحة، مع حُسن الظن بالله والتوكل عليه، أما التمني، فهو رجاء رحمة الله وخيره وجودِه، مع الكسل وترك العمل، فمن استعان بالله وعمل الصالحات، وترك المنكرات رجاءَ ثواب الله وإحسانه، فهذا هو الراجي، وأما مَن أساء العمل، وانتظر الثواب من الله والخير، فهذا متمنٍّ مخدوع؛ قال تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: 123].

 

والمعنى في هذه الآية: أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كل مَن ادَّعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل مَن قال: "إنه هو المحقٌّ" سُمِعَ قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله بُرهان، ولهذا قال تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ [النساء: 123]؛ أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرَعه على ألسنة رُسله الكرام، ولهذا قال بعده: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123]؛ كقوله: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8][1].

 

فالرجاء أيها الإخوة لابد أن يكون مقرونًا بالعمل؛ قال ربُّنا جل جلاله: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].

 

وعَنِ الْحَسَنِ رحمه الله قَالَ: "كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَإِنَّمَا الْإِيمَانُ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ"[2].

 

وعن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الكيِّس من دان نفسه وعمِل لِما بعد الموت، والعاجز من أتْبع نفسه هواها وتمنَّى على الله»[3]، ومعنى قوله: من دان نفسه؛ يقول: حاسَب نفسه في الدنيا قبل أن يُحاسب يوم القيامة"، ويُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر، وإنما يَخِفُّ الحساب يوم القيامة على مَن حاسَب نفسه في الدنيا"، ويروى عن ميمون بن مهران – رحمه الله - قال: «لا يكون العبد تقيًّا حتى يُحاسب نفسه كما يُحاسب شريكَه، مِن أين مَطعمُه ومَلبسُه؟».

 

ثانيًا: بيان سعة رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة:

رجاؤنا في الله عظيم؛ لأن فضل الله واسع، وربُّنا سبقت رحمتُه غضبَه، وهو - سبحانه - أرحمُ بنا من أمهاتنا؛ كما جاء في حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قَالَ: قدِم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى، إِذْ وَجَدَتْ صَبيًا في السَّبْي أخَذَتْهُ فَألْزَقَتهُ بِبَطْنِهَا فَأَرضَعَتْهُ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتَرَوْنَ هذِهِ المَرْأةَ طَارِحَةً وَلَدَها في النَّارِ؟»، قُلْنَا: لاَ وَاللهِ، فَقَالَ: «للهُ أرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هذِهِ بِوَلَدِهَا»[4].

 

ومَن أحسَن العملَ، واستغفَر من الزلل، ورجا ما عند من الله من خيرٍ ورحمةٍ، غفر الله له؛ كما في الحديث القدسي عن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قَالَ الله تَعَالَى: يَا بْنَ آدَمَ، إنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا بْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُك عَنَانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا بْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقَيْتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بقُرَابِها مَغْفِرَةً»[5].

 

وإحسان الظن بالله تعالى يكون مع بذل الوُسع في امتثال أمره واجتناب نهيه، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ مَوْتِه بثَلاثَةِ أَيَّام، يقولُ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله - عز وجل»[6].

 

فحُسن الظن مع سوء العمل لا ينفَع صاحبه، فضلًا عن أنه سوءُ أدبٍ مع الله، قال الحسن - حمه الله -: "إن قومًا غرَّتهم الأماني، قالوا: نُحسن الظن بالله وكذبوا، لو أحسَنوا الظن لأحسنوا العمل".

 

فكيف تُحسن ظنَّك بالله وأنت تحاربه، وتعاديه بالمعاصي؟! كيف وأنت مُولِّه ظهرَك؟! كيف وأنت لا تذكره؟! كيف وأنت لا تقرأ كلامه، ولا تنفِّذ أوامره وأحكامه؟! وكيف وأنت لا تُطيعه؟! كيف تحسن الظن بالله وأنت تفعل كل ما نهاك عنه؟! إن الأمر - إخوتاه - ليس لعبًا؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ [الطارق: 14]، فأحسِن الظن بحقٍّ، فاعمَل، أحسِن الظن، فحُسن الظن لقاحُ الافتقار والاضطرار[7].

 

وكيف لا نُحسن الظن بالله وما رأينا منه إلا الخير وكلَّ جميل، وما بنا من نعمة إلا منه، خلقنا وهدانا، وكفانا وآوانا، وأطعمنا وسقانا، ومن كل ما سألناه أعطانا: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الشعراء: 78 - 82].

 

ومن جميل حُسن الظن ما قاله الأصمعي: كان رجل يحدِّث بأهوال يوم القيامة وأعرابي جالس يسمع، فقال: يا هذا من يلي هذا من العباد؟ قال: الله، فقال الأعرابي: إن الكريم إذا قدَر عفا وغفر.

 

ومرض أعرابي فقيل له: إنك تموت، قال: ثم ماذا؟ قالوا: يُذهَب بك إلى الله، قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه.

 

فنظن بربِّنا الخير بلا شك، فما جرَّبنا منه إلا الخير، سألنا فأعطانا، ودعوناه فأجابنا، وعصَيناه فستَرنا، وبعدنا عنه فأمهَلنا، وجهِلنا فحَلُمَ علينا، شرُّنا إليه صاعد، وخيره إلينا نازلٌ، نتبغَّض إليه بالمعاصي، ونحن أحوج شيء إليه، ويتودَّد إلينا بالنعم وهو أغنى شيء عنا، وبعد كل هذا إذا تُبنا إليه قبِلنا، وغفر لنا وتاب علينا.

 

وأما رحمة الله في الآخرة، فلا حدَّ لها؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ للهِ تَعَالَى مائةَ رَحمَةٍ، أنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجنِّ وَالإنس وَالبهائِمِ وَالهَوامِّ، فبها يَتَعاطَفُونَ، وبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأخَّرَ اللهُ تَعَالَى تِسْعًا وَتِسْعينَ رَحْمَةً يرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَة»[8].

 

نعم أيها الإخوة، فرحمةُ الله وَسِعت كلَّ شيء، وستشمل الموحِّدين والمتقين والراجين لفضل الله ورحمته، العاملين بأمره المجتنبين مَنهيَّه؛ قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156].

 

ثالثًا: التوبة وشروطها:

أيها الإخوة، إننا حين نتحدَّث عن فضل الله وسعة رحمة الله، لا نريد بهذا الحديث أن نتَّكل على رحمة الله وفضله ونترك العمل، أو نفتح للناس بابَ الجرأة على ربهم، بل نفتح لهم باب الرجاء، باب رحمة الله تعالى، فحين يقع أحدهم في معصية، لا نُقنِّطه من رحمة الله، ولا ييئَس هو من فضل الله وعفو الله، نَفتح له باب التوبة والأوبة إلى ربنا الغفور الرحيم؛ لأننا بشر - أيها الإخوة - نُصيب ونخطئ، نُطيع ونعصي، فإذا أطعنا حَمَدنا الله، وإذا وقَعنا في زلةٍ أو ذنبٍ لضَعفنا، استغفرنا الله، فمهما عظُم ذنبُك، فإياك أن تيئَس أو تَقنَط من رحمة الله، فإن القنوط من رحمة الله أعظمُ من الذنب نفسه؛ قال ربنا جل جلاله: ﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر:56]، واليأس من رحمة الله كفرٌ بالله: ﴿ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف:87].

 

أخي الكريم، مهما بلغت ذنوبُك، تعالَ وعُد إلى الله، واستغفِر الله وتُب إليه، وابْكِ على خطيئتك، وعاهِد ربَّك ألا ترجِع إلى المعاصي أبدًا، ثم إذا زلَّت قدمُك وضعُفت نفسُك، فلا تيئَسْ ولا تَمَلَّ من الرجوع إلى ربك، فليس لك إلا هو، وإلا فأين يذهب الفقير إلا إلى الغني، وأين يذهب الضعيف إلا إلى القوي، وأين يَفِر المذنب إلا الغفور الرحيم!

 

واسمع إلى هذا الحديث الرقيق الجميل الذي يبيِّن لك مدى رحمة الله تعالى بمن تاب إليه؛ عَنْ أَبِي طَوِيلٍ شَطْبٍ الْمَمْدُودِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَرَأَيْتَ مَنْ عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَّةً وَلَا دَاجَّةً إِلَّا أَتَاهَا[9]، فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: "فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟"، قَالَ: فَأَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: "تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ"؛ قَالَ: وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟! قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى»[10].

 

فالتائب إلى الله تعالى راجٍ ربَّه رجاءً محمودًا، وأما المستهتر بالمعاصي الذي لا يبالي بما فعَل، ويَركَن إلى رحمة الله وعفوه فهو مَغرورٌ؛ قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع غرور مذموم.

 

فالأولان: رجاء رجل عمِل بطاعة الله على نور من الله، فهو راجٌ ثوابَه، ورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها، فهو راجٍ مغفرةَ الله تعالى وعفوَه وإحسانه، وجودَه وحِلمَه وكرمَه.

 

والثالث: رجل متمادٍ في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عملٍ، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب[11].

 

وهذا معقولٌ في دنيا الناس، فمن رجا ولدًا بغير زواج اتُّهِم في عقله، ومن رجا ثمرًا بغير زرعٍ وبذرٍ، قالوا مجنون، بل من جاع أو عطِش فرجا الشِّبَع بغير طعام، أو الرِّي بغير شراب، اتَّهموه في عقله.

 

فكذلك أيها الإخوة مَن تَمنَّى منازل الأبرار بأفعال الفُجَّار، أو تمنَّى الفوز بالجنة وهو يعمَل عملَ أهل النار، أو رجا القرب من الله بغير عملٍ صالح، كان رجاؤه مِن قَبيل الأماني والغرور.

 

قال يحيى بن معاذ: من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامةٍ، وتوقُّع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عملٍ، والتمني على الله عز وجل مع الإفراط.

ترجو النجاة ولم تَسلُك مسالكَها
إن السفينةَ لا تَجري على اليَبسِ

فالذي يرجو رحمة ربِّه لا بد أن يَبذُلَ وُسعه في طاعة الله؛ يرجو بذلك ثواب الله، وينتهي عن المعاصي والذنوب خوفًا من عذاب الله.

يا نَاظِرًا يَرْنوا بِعَيْنِيَ راقِدِ
ومُشَاهِدِ لِلأَمْرِ غَيْرَ مُشَاهِدِ
تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلى الذُّنُوبِ وتَرتَجي
فَوْزَ الجِنَانِ ونَيْل أَجْرِ العَابِدِ
ونَسِيتَ أنَّ اللهَ أَخْرجَ آدَمًا
مِنْهَا إِلىَ الدُّنْيَا بِذَنْبٍ واحِدِ

 

هذا، ونسأل الله أن يَرحَمَنا ويغفرَ لنا، ويَستُرَ عيوبنا، ويُثبتَنا على الهداية حتى نَلقاه، ونسأله سبحانه أن ينصُر الموحِّدين في كل مكان، وأن يُصلح حال البلاد والعباد؛ إنه بكل جميلٍ كفيلٌ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.

 

(كتبَها راجيًا القبول: جمال علي يوسف فياض، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف، باحث دكتوراه في الحديث الشريف وعلومه).



[1] تفسير القرآن العظيم 2/ 417.

[2] الزهد لأحمد بن حنبل ص 213.

[3] سنن الترمذي (ح 2459)، وحسنه.

[4] صحيح البخاري (ح5999)، وصحيح مسلم (ح 2754).

[5] سنن الترمذي (ح3540)، وقال: «حديث حسن غريب».

[6] صحيح مسلم (ح 2877).

[7] أصول الوصول (ص 248).

[8] صحيح البخاري (ح 6000)، وصحيح مسلم (ح 2752).

[9] والمراد -والله أعلم- هنا: أنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا اقترفها.

[10] معجم الطبراني الكبير (ح 7235)، وصححه الحافظ ابن حجر.

[11] المدارج 2/ 37.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الرجاء (خطبة)
  • المسلم بين الخوف والرجاء (خطبة)
  • من أحاديث الرجاء (خطبة)
  • الخوف والرجاء (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • تحقيق الرجاء بمختار الدعاء: مختصر كتاب الدعاء للإمام الحافظ الطبراني - بدون حواشي (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • تحقيق الرجاء بمختار الدعاء: مختصر كتاب الدعاء للإمام الحافظ الطبراني (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • بين الخوف والرجاء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع القدوم إلى الله (10)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الخوف والرجاء (2-2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أبيت القل (قصيدة)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • الرجاء والخوف عند أهل السنة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الرجاء عبادة قلبية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شرح كتاب الأصول الثلاثة: من قول المؤلف (والخوف والرجاء والتوكل)(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • خطبة الرجاء(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تشوفاشيا تشهد افتتاح مسجد مرمم بحضور ديني ورسمي
  • تكريم الفائزين في مسابقة حفظ القرآن بزينيتسا
  • قازان تستضيف المؤتمر الخامس لدراسة العقيدة الإسلامية
  • تعليم القرآن والتجويد في دورة قرآنية للأطفال في ساو باولو
  • ورشة توعوية في فاريش تناقش مخاطر الكحول والمخدرات
  • المحاضرات الإسلامية الشتوية تجمع المسلمين في فيليكو تارنوفو وغابروفو
  • ندوة قرآنية في سراييفو تجمع حفاظ البوسنة حول جمال العيش بالقرآن
  • سلسلة ورش قرآنية جديدة لتعزيز فهم القرآن في حياة الشباب

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 15/7/1447هـ - الساعة: 13:56
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب