• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    وقفات إيمانية وتربوية حول اسم الله العفو جل جلاله
    د. عبدالرحمن سيد عبدالغفار
  •  
    شموع (112)
    أ.د. عبدالحكيم الأنيس
  •  
    المندوبات عند الحنابلة من كتاب الأطعمة حتى نهاية ...
    رازان بنت عبدالله بن صالح المشيقح
  •  
    حكم تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام
    د. ضياء الدين عبدالله الصالح
  •  
    الذكر يحصن العبد من وسوسة الشيطان
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    كن بلسما (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    كلنا رجال تربية وتعليم (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    لا تظالموا.. (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    تخريج حديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ...
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    تأملات في حقيقة الموت (خطبة)
    د. خالد بن حسن المالكي
  •  
    آداب النعمة وواجبنا نحوها (خطبة)
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    من أقوال السلف في اليتيم
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    وقفات تربوية مع سورة الهمزة (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    الإيمان (PDF)
    خالد بن عبدالله العتيبي
  •  
    بر وعقوق الوالدين (خطبة)
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    لفتة سعدية عظيمة جدا
    إبراهيم الدميجي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

لا تظالموا.. (خطبة)

لا تظالموا.. (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 31/8/2025 ميلادي - 8/3/1447 هجري

الزيارات: 241

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

لا تظالموا

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

 

﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

عباد الله، اعلموا أن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من البدع والضلالات والنار، أما بعد:

روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: ((إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إلى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)).

 

أيها المؤمنون، لما أرسل النبي- صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل داعية لأهل اليمن، أرشده صلى الله عليه وسلم إلى بعض القواعد المهمة في الدعوة إلى الله تعالى، ومن هذه القواعد التركيز على أساسيات الدين وفي مقدمتها الإيمان بالله تعالى، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصدقات، ثم أرشده صلى الله عليه وسلم إلى قضية مهمة لها أعظم الأثر في دعوة الناس إلى الله تعالى؛ ألا وهي قضية العدل، وحذره من مقارفة الظلم وذلك في قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: ((واتق دعوة المظلوم))؛ أي: احذر دعاء المظلوم، واجعل بينك وبينه وقايةً بإقامة العدل وترك الظلم، ثم بيَّن له عظيم شأن دعاء المظلوم عند الله بقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإنه ليس بينه وبين الله حجاب))، وهذا هو شاهدنا من هذا الحديث؛ وهو تحذيره صلى الله عليه وسلم لمعاذ من ظلم الناس، فدعاء المظلوم مجاب من الله تعالى، فما حقيقة الظلم؟ وما صوره؟ وما هي عقوبات الظالمين؟ هذا ما سنحاول الحديث عنه في هذه الخطبة.

 

أيها المؤمنون، إننا في عصر يعجُّ بأنواع من المظالم بين الناس، فلقد انتشرت المظالم في هذا الزمان، وأصبحنا نراها في أماكن كثيرة، وهذا شيءٌ يُدمي القلب، ويُدمِع العين، وذلك أن الظلم من الصفات الدنيئة والأخلاق الرذيلة، وهو جرم كبير، وإثم عظيم. إنَّه الظلم، ما أشدَّ لوعتَه! وما أقسى مرارتَه! إنه مرتعٌ وخيم، وخُلُق ذميمٌ، يأكُل الحسنات، ويمحَق البركات، ويجلب الويلات، ويُورث العَداوات.

 

والظلم عاقبته وخيمة، فما من مصيبة تقع على مستوى الأفراد والشعوب إلا وكان الظلم من أسبابها، ولعل ما نمرُّ به في هذه الأيام من قلة الأمطار وقحط في البلاد، وكثرة الكوارث والحروب والأمراض التي لم تكن في أسلافنا الذين مضوا، ما هي إلا آثار للظلم الذي يقع فيه الكثير منا، وصدق الله القائل: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

 

أيها المؤمنون، ولخطورة الظلم فقد نزَّه الله تعالى نفسه عنه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: 44]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49]، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [آل عمران: 182].

 

بل إن الله تعالى حرم الظلم على نفسه؛ كما في الحديث القدسي الذي رواه مسلم قال الله تعالى: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا))، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ﴾ [طه: 112]؛ أي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم؛ قاله ابن عباس، فالظلم: الزيادة، بأن يُحمَل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص.

 

أيها المؤمنون، ولخطورة الظلم فقد حذَّر منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبيَّن لنا مخاطره وعقوباته في الدنيا والآخرة؛ روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة))، وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوقه في سبع أراضين يوم القيامة))، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أُمَّته للتحلُّل من المظالم في الدنيا قبل أن يقفوا بين يدي الله للحساب والعقاب، وتؤخذ منهم مظالمهم لمن ظلموهم؛ ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان عنده لأخيه مظلمة من أرضه أو من شيء، فليتحلَّل منه اليوم، قبل ألا يكون دينارٌ، ولا درهم، وإن كان له عملٌ صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِل عليه)).

 

وحذَّر صلى الله عليه وسلم من المظالم ولو كانت صغيرة في نظر صاحبها، فرُبَّ ظلم يسير أوجب لصاحبه النار؛ ففي صحيح مسلم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من اقتطع حق امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة))، فقال رجلٌ: وإن كان شيئًا يسيرًا، يا رسول الله؟! قال: ((وإن كان قضيبًا من أراك)).

 

أيها المؤمنون، والظلم أنواع ثلاثة؛ روى أبو داود في سننه بسند حسنه الألباني، عن أنس ابن مالك رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الظلم ثلاثة: فظلمٌ لا يغفره الله - وهو الشرك - وظلمٌ يغفره الله - وهو ظلم الناس فيما بينهم وبين الله تعالى- وظلمٌ لا يتركه الله - وهو ظلم العباد بعضهم لبعض-)).

 

قال الإمام ابن القيم في تعليقه على هذا الحديث: "والظلم عند الله عز وجل يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربِّه عز وجل، فإن هذا الديوان أخفُّ الدواوين وأسرعها مَحْوًا، فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ونحو ذلك، بخلاف ديوان الشرك فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد، وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها، ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله عز وجل حرَّم الجنة على أهله، فلا تدخل الجنةَ نفسٌ مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد، فإن التوحيد هو مفتاح بابها، فمن لم يكن معه مفتاح لم يُفتح له بابها، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يمكن الفتح به"؛ انتهى كلامه رحمه الله.

 

أيها المؤمنون، ولأن الظلم وقعه على المظلوم شديد، فقد توَعَّد الله الظالم بعقوبات شديدة، وعقوبة الظالمين ليست قاصرة على العقوبات في اليوم الآخر؛ بل إن الله تعالى قد يُعجِّل العقوبة، والنكال لبعض الظالمين في الدنيا، روى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من ذنبٍ أجدر من أن يعجل الله العقوبة لصاحبه في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم))، وقد يتمادى الظالم في ظلمه فيملي الله للظالم ظلمه، ويستدرجه من حيث لا يحتسب، ثم يأخذ بظلمه السابق واللاحق؛ روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102])).

 

أيها المؤمنون، وكُتُب التاريخ مليئة بمصارع الظالمين الذين أهلكهم الله تعالى، وعَجَّل لهم بعض العقوبات العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، فلنسمع إلى بعضها، ولنعتبر بما فيها، ذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء أن الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السُّنَّة والجماعة رحمه الله سُجن وكان السبب في سجنه رجل يقال له أحمد بن أبي دؤاد كان يوشي به إلى الخليفة المعتصم، فرفع الإمام أحمد بن حنبل يديه وقال: "اللهم إنه ظلمني فاحبسه في جسمه وعذِّبه وشرِّده"، قال أهل التاريخ: فوالله، ما مات هذا الرجل حتى أصابه الفالج في نصفه، فأصبح نصفه قد مات لو قرض بالمقاريض لا يشعر به ويبس، وبقي نصفه حيًّا لو وقع عليه الذباب فكان جبال الدنيا عليه، ثم أخذ يخور كما يخور الثور ثم مات.

 

ذكرتْ كُتُب التاريخ أنَّ أحد وزراء بني العباس اغتصَب مزرعةً لامرأة عجوز، فرفعتْ إليه المرأة تشكو وتترجَّى، ثم شفَّعتْ إليه مَن يردُّ عليها مزرعتها، فأبَى الوزير. فقالت العجوز: واللهِ لأدعونَّ عليك، فقال لها الوزير ساخرًا: عليكِ بالثُّلُث الأخير مِن الليل!

 

فلزمتِ المرأةُ المكلومةُ أسحارَ الليل شهرًا، تدعو على مَن ظلمها، فإذا سهامُ الليل تبلغ آجالَها، فحلَّت به العقوبةُ الإلهيَّة في الظُّلمة، فنكبَه الله على يدِ الخليفة، فقطَع يدَه، ثم بعدَ أسبوع قطَع رأسه، فمرَّتْ به المرأة العجوز وأنشدت متشفية:

إِذَا جَارَ الوَزِيرُ وَكَاتِبَاهُ
وَقَاضِي الأَرْضِ أَجْحَفَ فِي الْقَضَاءِ
فَوَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ
لِقَاضِي الأَرْضِ مِنْ قَاضِي السَّمَاءِ

 

وذكر الإمام الذهبي في كتاب الكبائر أن رجلًا ظالمًا أخذ سمكة من رجل فقير قهرًا وظلمًا واستبدادًا، فقال الرجل المظلوم بعد أن رفع يديه إلى السماء: "اللهم إنه قد أراني قوَّته في ضعفي، فأرني قوتك فيه يا رب"، يقول إن هذا الرجل الظالم لما أخذ السمكة من المسكين عضَّته في إبهامه، فما وصل البيت إلا وقد تورَّمت؛ فلم ينم تلك الليلة، فذهب إلى الطبيب في الصباح فقال الطبيب: "إن فيها مرض الآكلة - الغرغرينا - ولا بد من قطع الإبهام؛ فقطعها، ثم انتشر المرض؛ فقطعوا الكف، ثم من المرفق ثم من الكتف، فتذكر هذا الظالم الرجل المظلوم فذهب إليه يبحث عنه في المدينة حتى وجده، فلما رآه المظلوم ورأى حاله رقَّ له، ورحمه، ودعا له، ولكن بعد أن أصابته دعوة المظلوم، فما زال هذا الرجل الظالم يقول للناس: "من رآني فلا يظلمن أحدًا".

 

قلت ما قد سمعتم فاستغفروا الله يا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

أيها المؤمنون، الله تبارك وتعالى هو الديَّان الذي سيحاسب الناس يوم القيامة، وسيقتصُّ من الظالم للمظلوم في يوم القيامة الذي لا ظلم فيه لأحد، وصدق الله القائل: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [الأنبياء: 47]، فالخيبة الكبرى، والخسارة العظمى للظالم عندما يقف بين يدي خالقه، في يوم تَعْنُوا له الوجوه، وتخضع له القلوب، وتَخشع له الأصوات، فلا تسمع إلَّا همسًا، قال تعالى: ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ [طه: 111]، ففي يوم القيامة سيقتصُّ الله لكل مظلوم مظلمته ممن ظلمه، حتى يُقتصَّ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، ففي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)). فإذا كان الله يقيم القصاص بين البهائم والعجماوات فيما بينها، فإذا كان هذا القصاص سيقيمه الله تعالى بين البهائم التي لا حساب ولا عقاب عليها، فمن باب أولى أن يقيمه الله في بني آدم الذين هم أهل للتكليف والحساب والعقاب.

 

وتزداد حسرة الظالم حين ينادى عليه في عرصات القيامة ليقف بين يدي الله؛ ليتقص منه لمن ظلمه؛ روى الإمام أحمد في مسنده بسند صححه الألباني عن عبدالله بن أنيس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَحْشُرُ اللهُ الْعِبَادَ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قِبَلَ الشَّامِ، عُرَاةً حُفَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْتُ: مَا بُهْمًا؟، قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شيء، وَيُنَادِي مُنَادٍ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَدْخُلُ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ، حَتَّى اللَّطْمَةِ، قَالَ: قُلْتُ: وَكَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ)).

 

أيها المؤمنون، إن ظلم الناس له صور كثيرة؛ ومن ذلك ظلمهم بأن تؤكل أموالهم بالباطل، سواء بسرقتها أو بإتلافها، وسواء كان المسروق عينًا أو نقدًا. ويشتد الإثم إذا كانت السرقة من أموال المسلمين العامة، أو كانت من الصدقات، أو كانت من أموال الأوقاف، أو كانت من أموال اليتامى، ففي صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام: ((إن رجالًا يخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من استعملناه منك على عمل فأخذ خيطًا إلا كان غلولًا يأتي به يوم القيامة)).

 

ويدخل في ذلك الغلول وهو الأخذ من غنائم المجاهدين قبل تقسيمها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران: 161]، وقد كان رجلٌ يسمى كركرة يقوم بخدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم مات؛ قيل: مات في الجهاد، وقيل غيره، فقال له الصحابة: هنيئًا له الجنة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((هو في النار))، فقالوا متعجبين: ولمَ يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارًا في قبره)).

 

أيها المؤمنون، ومن صور ظلم الناس أخذ أراضيهم وعقارهم بغير وجه حق، وقد جاء في هذا الوعيد الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال فيما رواه البخاري: ((من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوَّقه الله يوم القيامة من سبع أرضين))، فحقوق المسلم مصونة، ولا يجوز لأحد أخذ شيء منها ولو كان يسيرًا إلا بطيب من نفسه؛ ففي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((من اقتطع حق أمرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة))، فقال رجلٌ: وإن كان يسيرًا يا رسول الله؟ قال: ((وإن كان قضيبًا من أراك)).

 

ومن صور ظلم الناس التعدِّي على الأنفس المعصومة بقتل أو ضرب أو سجن أو تعذيب. ويدخل في هذا الظلم كل من باشر الظلم بنفسه، أو أمر به غيره، أو أعان عليه، أو أشار به، أو فرح به، أو شمت أو قعد عن نصرة المظلوم، وهو يقدر على نصرته. قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ ضَرَبَ بسوط ظلمًا اقتُصَّ منه يوم القيامة))؛ رواه البخاري في الأدب الفرد.

 

أيها الظالم، احذر من المظلوم سهمًا صائبًا، واعلم بأن دعاءه لا يحجبُ عن الله تعالى، وبأن دعوته مستجابة؛ ففي صحيح الترغيب والترهيب قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا دعوةَ المظلوم؛ فإنها تُحمَل على الغَمام، يقول الله: وعزَّتي وجلالي، لأنصُرَنَّك ولو بعد حين)).

 

أيها المؤمنون، احذروا الظلم بكل صوره وأشكاله، وتوبوا إلى الله من مظالمكم التي قد خلت، وتحللوا من المظالم قبل الوقوف بين يدي الله تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [غافر: 52].

 

الدعاء.





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • رمضان والأخسرون أعمالا (خطبة)
  • في نهاية عامكم حاسبوا أنفسكم (خطبة)
  • اذكروا الله كثيرا (خطبة)
  • وقفات مع شهر الله المحرم (خطبة)
  • علمتنا الهجرة (خطبة)
  • الاستبشار بنزول الأمطار (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • فلا تظالموا (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كن بلسما (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كلنا رجال تربية وتعليم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تأملات في حقيقة الموت (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • آداب النعمة وواجبنا نحوها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة الهمزة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بر وعقوق الوالدين (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • الصبر وثمراته (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • موقفان تقفهما بين يدي الله (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الرضا بما قسمه الله(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مبادرة "ساعدوا على الاستعداد للمدرسة" تدخل البهجة على 200 تلميذ في قازان
  • أهالي كوكمور يحتفلون بافتتاح مسجد الإخلاص الجديد
  • طلاب مدينة مونتانا يتنافسون في مسابقة المعارف الإسلامية
  • النسخة العاشرة من المعرض الإسلامي الثقافي السنوي بمقاطعة كيري الأيرلندية
  • مدارس إسلامية جديدة في وندسور لمواكبة زيادة أعداد الطلاب المسلمين
  • 51 خريجا ينالون شهاداتهم من المدرسة الإسلامية الأقدم في تتارستان
  • بعد ست سنوات من البناء.. افتتاح مسجد أوبليتشاني في توميسلافغراد
  • مدينة نازران تستضيف المسابقة الدولية الثانية للقرآن الكريم في إنغوشيا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2025م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 8/3/1447هـ - الساعة: 14:0
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب