• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مواقع المشرفين   مواقع المشايخ والعلماء  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أ. د. علي الشبل | المداومة على ا لأعمال الصالحة
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    بيان لبعض الأمثلة التي يُحمل فيها العام على الخاص
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    الاعتبار بتاريخ الحج والحجاج
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    سلسلة كلمات عشر ذي الحجة 1441هـ | تفسير سورة ...
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    خطبة عيد الأضحى المبارك: مواجهة المخاطر بالتوكل ...
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    خطبة جمعة (أعظم الكرامة لزوم الاستقامة)
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    عرفة .. والأضاحي
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    عظمة أنهار الجنة (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    تفسير قوله تعالى : (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ...
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    خطبة العيد
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    فخاخ التفاوض.. 9 أخطاء قانونية تهدد مستقبل ...
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    برنامج معرفة الله (20) الدعاء باسم الحي
    الدكتور مثنى الزيدي
  •  
    سلسلة كلمات عشر ذي الحجة 1441هـ | علم الغيب
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    الحديث: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الحج: فرضه.. وشروطه.. وتنظيمه
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
شبكة الألوكة / المواقع الشخصية / مواقع المشايخ والعلماء / د. أحمد بن فارس السلوم / مقالات
علامة باركود

مسألة تفاضل القرآن بعضه على بعض

مسألة تفاضل القرآن بعضه على بعض
د. أحمد بن فارس السلوم

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 16/3/2016 ميلادي - 6/6/1437 هجري

الزيارات: 87048

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مسألة تفاضل القرآن بعضه على بعض

 

(فاضل القرآن وأفضله)

هل يجوز أن يقال في القرآن شيء أفضل من شيء؟ مع أنَّ سوره وآياته كلها ذات فضل؟

 

اختلف أهل العلم في جواز ذلك، فذهبت طائفه من المتكلمين منهم أبو الحسن الأشعري، وأبو بكر الباقلاني إلى أنه لا فضل لبعض على بعض.

 

وقال به طائفة من كبار المحدثين.

 

ورُويَ معناه عن الإمام مالك، فقد قال يحيى بن يحيى صاحب مالك: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ، ولذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد سورة دون غيرها. اهـ[1].

 

وهو اختيار شيخ الإسلام في التفسير ابن جرير الطبري رضى الله عنه، قال: غير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء، لأنَّ جميعه كلام الله، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره أن يقال بعضها أفضل من بعض، وبعضها خير من بعض. اهـ[2].

 

وبه قال أبو حاتم بن حبان، فقد ذكر في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبرك بأفضل القرآن)) قال: أراد به بأفضل القرآن لك، لا أنَّ بعض القرآن يكون أفضل من بعض، لأنَّ كلام الله يستحيل أن يكون فيه تفاوت التفاضل. اهـ[3].

 

وقال به عامة المفسرين، كالبغوي[4] والثعلبي[5] والجلال السيوطي وغيرهم.

 

وذهبت طائفة أخرى من الفقهاء والمحدثين إلى جواز ذلك، لظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، منهم إسحاق بن راهويه والحُليمي والبيهقي وابن الحصَّار والغزالي وابن العربي والقرطبي والعِز بن عبدالسلام وأمم سواهم.

 

قيل: إنَّه قول الأكثر من السلف والخلف.

 

استدل القائلون بالمنع بأمور:

منها: أنَّ الجميع كلام الله عز وجل، وكلامه صفة له، والصفة لا تتفاضل، ولا سيما مع القول بأنه قديم لا يتفاضل، وذلك ظاهر في القول ابن جرير وابن حبان.

 

ومنها: أنَّ القرآن كله واحد مُنزل من عند الله، فكيف يتفاضل بعضه على بعض وأصله واحد، ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [البقرة: 106] أن خير تعود إلى غير الآية، مثل نفع العباد وثوابهم.

 

ومنها: ألاَّ يوهم التفضيل نقص المُفَضَّل عليه، وبهذا علَّل العلماء نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تفضيل بعض الأنبياء على بعض، لأنَّ الغالب أنَّ المُفَضَّل عليه يكون في رتبة دون الأفضل.

 

وتأولوا الأحاديث الواردة في تفضيل بعض السور على بعض بصيغة أفعل التفضيل كقوله: ((أعظم سورة)) على الأجر، أي أنَّ أجر قراءتها أعظم من أجر قراءة غيرها، لا أنها هي في ذاتها أفضل مما سواها.

 

قال ابن حبان في صحيحه بعد أن روى حديث أبي سعيد بن المُعَلَّى (ح777)، وفيه: ((ألا أعلمك سورة هي أعظم سورة في القرآن)): قوله صلى الله عليه وسلم ((هي أعظم سورة)) أراد به في الأجر، لا أنَّ بعض القرآن أفضل من بعض. اهـ[6].

 

وهذا كما ترى فيه إثبات للتفاضل بين السور في بعض الجوانب، وهو جانب الأجر العائد من قراءة السورة.

 

ولذلك ضعَّف العلماء هذا القول، بل قال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة بالتفضيل. اهـ.

 

أما الجمهور فقد احتجوا بظواهر الأحاديث الواردة في تفضيل بعض الآيات والسور، وهي كثيرة - وهذا الكتاب موضوع فيها - وهذه الفضائل المروية فيها أصل مشترك تشترك فيه جميع سور القرآن وآيهِ وأحْرفه، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ وارق))، وَ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، و((لو كان القرآن في إهاب لم يحرقه النار)) ونحو ذلك من الأحاديث، فكل القرآن على هذا الأصل فاضل، لكن اختصت بعض الآيات والسور بمزيد فضل، وأُعطي على قراءتها مزيد أجر، وهذا من وجه يفيد إثبات التفاضل بين سور القرآن، لأنَّ زيادة الأجر دليل على زيادة الفضل، ومن وجه آخر يمنع تنقصَ المُفَضَّلَ عليه لأنَّه فاضلٌ أصلًا.

 

ولذلك قيل في المناقب والفضائل التي أعطيها عمر رضي الله عنه - مثلًا - ولم يرد مثلها لأبي بكر رضي الله عنهما مثل ذلك، فليس في استحقاقه لهذه المنقبة والفضيلة إزراء بأبي بكر ولا غيره من الصحابة، وإثبات الفضل في جانب لا يعني نفيه عن المفضَّل عليه في جوانب أخرى.

 

وكلام الله عز وجل من حيث نسبته إليه لا يتفاضل، فكل القرآن كلامه على الحقيقة، نؤمن بذلك ونعتقده، ولكن قد يتفاضل في جوانب أخرى.

 

قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام رحمه الله: كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره، فـ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] أفضل من ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ﴾ [المسد: 1]. اهـ.

 

وقال الغزالي في جواهر القرآن[7]: لعلَّكَ تقول: قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض القرآن على بعض، والكلام قول الله تعالى، فكيف يفارق بعضه بعضًا، وكيف يكون بعضه أشرف من بعض؟ فاعلم أنَّ نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع عن اعتقاد الفرق نفسك الخوَّارة المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم[8] فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقد دلت الأخبار على شرف بعض الآيات، وعلى تضعيف الأجر في بعض السور المنزلة، فقد قال: يس قلب القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، والأخبار الواردة في فضائل قوارع القرآن بتخصيص بعض السور والآيات بالفضل، وكثرة الثواب في تلاوتها لا تحصى. اهـ[9].

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما غلط من قال بالأول لأنه نظر إلى إحدى جهتي الكلام، وهي جهة المتكلِّم به، وأعرض عن الجهة الأخرى، وهي جهة المتكلّم فيه، وكلاهما للكلام به تعلق يحصل به التفاضل والتماثل. اهـ[10].

 

قال بعض أهل العلم: من أعاد التفاضل إلى مجرد كثرة الثواب، أو قلته من غير أن يكون الكلام في نفسه أفضل، كان بمنزلة من جعل عَملين متساويين وثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر، مع أنَّ العملين في أنفسهما لم يختص أحدهما بمزيِّهِ، فتفاضل الثواب والعقاب دليل على تفاضل الأعمال بالخير والشر.

 

وبعض المانعين لم يتحرر له محل النزاع، فظن أنَّ المراد من التفاضل تقديم بعض الآيات والسور على بعض من حيث الفصاحة والبلاغة والإعجاز، ومن ثمَّ أنكر المفاضلة وأنت ترى أنَّ التفضيل لا ينصب على هذا الجانب، بل هي فيه على قدر واحد من المساواة.

 

قال الخويِّي: كلام الله أبلغ من كلام المخلوقين، وهل يجوز أن يقال بعض كلامه أبلغ من بعض الكلام؟ جوَّزه قوم لقصور نظرهم، وينبغي أن تعلم أن معنى قول القائل هذا الكلام أبلغ من هذا أنَّ هذا في موضعه له حُسْنٌ ولُطْفٌ، وهذا الحسن في موضعه أكمل من ذاك في موضعه.

 

قال: فإنَّ من قال إنّ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] أبلغ من ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ﴾ [المسد: 1]، يجعل المقابلة بين ذكر الله وذكر أبي لهب، وبين التوحيد والدعاء على الكافر، وذلك غير صحيح، بل ينبغي أنْ يقال: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ﴾[المسد: 1]دعاء عليه بالخسران، فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذا، وكذلك في ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] فهل توجد عبارة للدعاء تدل على الوحدانية أبلغ منها، فالعالم إذا نظر إلى ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ﴾ [المسد: 1] في باب الدعاء بالخسران ونظر إلى ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] في باب التوحيد لا يمكن أن يقول: أحدهما أبلغ من الآخر[11].

 

وهذا النزاع الذي توهمه العلامة الخويي في هذا المحل لا أظنه واقعًا، فإنَّ أحدًا لا يقول إنَّ بعض القرآن أفصح من بعض، ولا بعضه أبلغ من بعض، لأنَّ الله عز وجل ساوى في التحدي بين جميع سوره وآياته، فقال في السورة: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ [البقرة: 23]، وقال في الآية: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ [الطور: 34] فأطلق ولم يرد سورة بعينها، بل كل سور القرآن في التحدي على حد سواء.

 

وأما استدلالهم على منع التفاضل بأنَّ صفات الله لا تتفاضل، ونحو ذلك فلا دليل عليه، بل هو مورد النزاع، وقد ثبت أنَّ الرحمة والغضب من صفاته سبحانه وتعالى، وقد قال: ((إن رحمتي سبقت غضبي))، والتفاضل بين الصفات يكون من وجهين:

الأول: أنَّ بعضها أدخل في كمال الموصوف بها، وكذلك الأسماء، ولذلك جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أسالك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به...)) الحديث، سقته أول المقدمة.

 

الثاني: أنَّ الصفة الواحدة تتفاضل، بأنْ يكون الأمر بمأمورٍ ما أكمل من الأمر بمأمور آخر.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كما أنَّ أسماءه وصفاته متنوعة، فهى أيضًا متفاضلة، كما دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة والإجماع من العقل، وإنِّما شبهة مَن منع تفاضلها من جنس شبهة من منع تعددها، وذلك يرجع إلى نفي الصفات كما يقوله الجهمية[12].

• • •

 

(أدلة القرآن على تفضيل بعضه على بعض)

في القرآن آيات تدل على تفضيل بعض القرآن على بعض مع أنَّه كله حَسن وفاضل.

 

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [البقرة: 106].

 

فقد دلَّت الآية الكريمة على أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا نسخ آية أتى بخير منها أو بمثلها، ومن أنواع المنسوخ ما رُفع حُكْمه وبقيتْ تِلاوتُه، ومنه ما بقيَ حُكمه ورفعتْ تلاوته، فدلَّ هذا على أنَّ في آي القرآن ما هو متماثل في الخيرية، ومنه مت هو أكثر خيرية وفضلا، وهذا التأويل هو الظاهر من النص، وهو أحد القولين لأهل العلم في تفسير الآية.

 

وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ في الآيه محذوفًا، والتقدير: ما ننسخ من حكم آية أو نُنْسِ حُكْمَها، نأت بحكم مثله أو خير منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن جرير رحمه الله، كي يدفع القول بتفاضل بعض القرآن على بعض، وتابعه على هذا جماعة من المصنفين في التفسير.

 

قال ابن جرير: والصواب من القول في معنى ذلك عندنا ما نُبدِّل من حكم آيه التي نسخنا، فنغيره أو نترك تبديله فنقره بحاله نأت بخير منها لكم من حكم الآية التي نسخنا، فغيرنا حكمها، إمَّا في العاجل لخفته عليكم مِنْ أجل أنَّه وضع فرضًا كان عليكم فأسقط ثقله عنكم، وذلك كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل ثم نسخ ذلك فوضع عنهم، فكان ذلك خيرًا لهم في عاجلهم، لسقوط عبءِ ذلك وثقل حمله عنهم، وإمَّا في الآجل لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله، وثقل عبئه على الأبدان، كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السَّنة، فنسخ وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول، فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات، غير أنَّ ذلك وإنْ كان كذلك فالثواب عليه أجزل، والأجر عليه أكثر، لفضل مشقته على مُكَلَّفيه من صوم أيام معدودات، فذلك وإن كان على الأبدان أشق فهو خير من الأول في الآجل، لفضل ثوابه وعظم أجره الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات.

 

فذلك معنى قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ﴾ [البقرة: 106]، لأنه إمَّا بخير منها في العاجل لخفته على من كلفه، أو في الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره.

 

أو يكون مثلها في المشقة على البدن، واستواء الأجر والثواب عليه، نظير نسخ الله تعالى ذكره فرض الصلاة شطر بيت المقدس إلى فرضها شطر المسجد الحرام.

 

فالتوجه شطر بيت المقدس وإن خالف التوجه شطر المسجد فكلفة التوجه شطر أيهما توجَّه شطره واحدة، لأنَّ الذي على المتوجه شطر البيت المقدس من مؤنة توجهه شطره نظير الذي على بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة سواء.

 

فذلك هو معنى المثل الذي قال جل ثناؤه: ﴿ أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [البقرة: 106].

 

وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ﴾ [البقرة: 106] ما ننسخ من حكم آية أو ننسه.

 

غير أنَّ المخاطبين بالآية لما كان مفهومًا عندهم معناها اكتفى بدلالة ذكر الآية من ذكر حكمها.

 

وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فيما مضى من كتابنا هذا، كقوله: ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ﴾ [البقرة: 93] بمعنى حب العجل ونحو ذلك.

 

فتأويل الآية إذًا: ما نغير من حكم آية فنبدله أو نتركه فلا نبدله نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكمًا منها أو مثل حكمها في الخفة والثقل والأجر والثواب.

 

فإنْ قَال قائل: فإنا قد علمنا أنَّ العجل لا يُشرب في القلوب، وأنه لا يلتبس على من سمع قوله: ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ﴾ [البقرة: 93] أنَّ معناه وأشربوا في قلوبهم حب العجل، فما الذي يدل على أن قوله: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ﴾ [البقرة: 106] لذلك نظير؟

 

قيل: الذي دل على أنَّ ذلك كذلك قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [البقرة: 106]، وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء لأن جميعه كلام الله، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره أن يقال بعضها أفضل من بعض وبعضها خير من بعض. اهـ[13].

 

قلت: تكلف ابن جرير هذا التأويل كي يفر من القول بالتفاضل، مع أنه أثبت تفاضل الآيات من حيث الأجر المرتب على قراءتها.

 

والقول الذي اختاره من إضمار الحكم مروي عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة الهاشمي عنه، قال ابن عباس: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [البقرة: 106] يقول خير لكم في المنفعة وأرفق بكم اهـ.

 

وهو مروى أيضًا عن قتادة.

 

ورُوي عن أبي العالية والسدي وعبيد بن عمير ما يدل أن الضمير عائد على نفس الآية، قال السدي: نأت بخير من التي نسخناها. اهـ[14].

 

قال مقيده: يَرِدُ على ابن جرير ومن تأوَّل الآية على نحو ما تأوله واردٌ قوي، وهو أنَّه ليس كل المنسوخ من جنس المنسوخ حكمه، بل فيه مثل قوله: (بلِّغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فَرَضِيَ عنَّا وأرضانَا) ونحو (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا ولا يملأ جوفه إلا التراب) ونحو ذلك مما نسخه الله وليس فيه حكم، بل هو إخبار ووعظ، وقد بيَّن ابن جرير في أول كلامه على هذه الآية أن هذه الأبواب مما لا يدخلها النسخ، لأنه قصر الآية على الأحكام التي يكون فيها النسخ، وأما الأخبار فلا مدخل للنسخ فيها.

 

ومنه أيضًا منسوخ التلاوة ثابت الحكم كآية الرجم، والرغبة عن الآباء، وجاهدوا كما جاهدتم أول مرة، وهذا الجنس لا يتلاءم مع تأويل ابن جرير، وهو بلا ريب من المنسوخ الذي أخبر الله تعالى أنه يأت بمثله أو خير منه.

 

فلا تتلاءم هذه الأجناس من المنسوخ إلا على القول بأنَّ الخيرية والمثلية راجعة على الآية، دون الحاجة إلى إضمار الحكم، وهو دليل على إثبات التفاضل بالقرآن.

 

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [الزمر: 18] على قولٍ قوي في تفسير هذه الآية، وهو أنَّ المراد بالقول هو القرآن الكريم، وفي الآية وجوه أخرى من التفسير.

 

قال ابن الجوزي: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ وفيه قولان: أحدها: أنه القرآن، قاله الجمهور. فعلى هذا، في معنى فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أقوال قد شرحناها في الأعراف عند قوله: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها ﴾ [15].

 

والثاني: أنه جميع الكلام.

ثم في المعنى قولان: أحدهما: أنه الرَّجُل يَجْلِس مع القوم فيَسْمَع كلامهم، فيَعمل بالمحاسن ويحدِّث بها، ويكفّ عن المساوئ ولا يظهرها، قاله ابن السائب، والثاني: أنه لمّا ادَّعى مسيلمة أنه قد أتى بقرآن، وأتت الكهنة بالكلام المزخرَف في الأباطيل، فرَّق المؤمنون بين ذلك وبين كلام الله، فاتَّبَعوا كلامَ الله، ورفضوا أباطيل أولئك، قاله أبو سليمان الدمشقي[16].

 

وقد أومأ إلى هذا الوجه ابن كثير في تفسيره حيث قال: قوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [الزمر: 17، 18] أي: يفهمونه ويعملون بما فيه، كقوله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام حين آتاه التوراة ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ [الأعراف: 145]. اهـ.

 

فالآية الأخيرة نص على أنَّ في التوراة الحَسن والأحسن، وهي من جمله كلام الله الحسن الذي يزداد بعضه حُسنًا على بعض، فكلام الله كله حسن كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ﴾ [الزمر: 23]، وفي تشبيه ابن كثير هذه الآية التي نزلت في المسلمين بالآية التي نزلت في موسى عليه السلام وقومه إشاره منه إلى أنَّ المراد بالقول هو القرآن الكريم.

 

وقد بيَّن ذلك بجلاء العلامة الشنقيطي رحمه الله فقال: أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أنَّ المراد بالقول ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مِنْ وحي الكتاب والسنة، ومن إطلاق القول على القرآن قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ﴾ [المؤمنون: 68] وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ [الطارق: 13، 14].

 

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [الزمر: 18] أي: يقدمون الأحسن الذي هو أشد حُسنًا على الأحسن الذي هو دونه في الحسن، ويقدمون الأحسن مطلقًا على الحسن، ويدل لهذا آيات من كتاب الله.

 

أما الدليل على أنَّ القول الأحسن المتبع ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم من الوحي فهو في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [الزمر: 55]، وقوله تعالى لموسى يأمره بالأخذ بأحسن ما في التوراة: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ [الأعراف: 145].

 

وأما كون القرآن فيه الحسن والأحسن، فقد دلت عليه آيات من كتابه. اهـ[17]

 

الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [الزمر: 55].

 

فهذه الآية دليل على أنَّ في القرآن الحسن والأحسن، وقد رغب الله في الأخذ بالأحسن، وسيأتي شرحه قريبًا.

 

وعلى مذهبه ابن جرير في منع التفاضل بين آيات الكتاب فقد تأول هذه الآية على غير الظاهر منها، فقال: وقوله: ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [الزمر: 55] يقول تعالى ذكره: واتبعو أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا.

 

فإنْ قال قائل: ومن القرآن شيء هو أحسن من شيء؟

قيل له: القرآن كله حسن، وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي، والخبر والمثل، والقصص والجدل، والوعد والوعيد، أحسنه، وأحسنه: أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلك وجه. اهـ.

 

وهذا التأويل مقبول لكنه لا ينفي تفاضل القرآن بعضه على بعض، والله أعلم بأسرار كتابه.

 

جوانب التفضيل:

قد اختلف عبارة القائلين بالتفضيل في المعنى الذي يرجع إليه هذا التفضيل، وهذا الاختلاف من باب اختلاف التنوع لا التضاد، ولعلي أحصر لكَ هذه المعاني في الأوجه التالية:

الأول: أن يراد به عظم الأجر ومضاعفة الثواب، إمّا من حيث انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها عند ورود أوصاف العلا، فيخشع عند ذلك، وإمَّا من حيث إنَّ الله عز وجل جعل قراءة سورةٍ ما كقراءة أضعافها مما سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها.

 

الثاني: ما يتعجل لقارئ بقراءتها من الفوائد سوى الثواب الآجل، كقراءة آية الكرسي والإخلاص والمُعَوِّذَتين، فإنَّ قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى، لما وضعه الله فيها من الخصائص، أما آيات الأحكام مثلًا، فلا يقع بنفس التلاوة إقامة حكم، بل يقع بها العلم بالأحكام.

 

الثالث: أن يكون راجعًا إلى ذات اللفظ، وما يتضمنه من معانٍ كما مرَّ آنفًا من كلام العز بن عبدالسلام والغزالي، فآية الكرسي وآخر الحشر و﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] فيها من الدلالات على وحدانية الله عز وجل وعلى صفاته ما ليس في غيرها، كـ ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ﴾ [المسد: 1] لذلك كانت هذه الآيات ملخصة لعموم الرسالة المحمدية، ومتضمنة للمطالب الربانية، فكانت بهذا المعنى أعظم وأفضل من قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ﴾ [النساء: 56] أي أنَّ مخبرات تلك أسنى وأجل قدرًا.

 

الرابع: أنْ يكون العمل بآية أولى من العمل بأخرى، وأعود على الناس بفائدة، كما يقال: إنَّ آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد، خير من آيات القصص، لأنها إنما أُريد بها تاكيد الأمر والنهي والإنذار والتبشير، وهذا لا غنى للناس عنه، ولكن ربما استغنوا عن القصص، فكان ما هو أعود عليهم بنفع، وأجدى لهم مما يجري مَجْرى الأصول، خيرًا لهم مما يجعل تبعًا لما لا بد منه، ويكون هذا التفضيل من باب أنَّ الأصل خير من الفرع والتابع[18].

 

وهكذا آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد تتفاضل فيما بينها.

 

قال العلامة الشنقيطي شارحًا ذلك: اعلم أولًا أنَّه لا شك في أنَّ الواجب أحسن من المندوب، وأنَّ المندوب أحسن من مطلق الحسن، فإذا سمعوا مثلًا قوله تعالى: ﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: 77] قدَّموا فعل الخير الواجب على فعل الخير المندوب، وقدموا هذا الأخير على مطلق الحَسن الذي هو الجائز، ولذا كان الجزاء بخصوص الأحسن الذي هو الواجب والمندوب لا على مطلق الحسن، كما قال تعالى: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97] وقال تعالى: ﴿ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الزمر: 35]..

 

ومن أمثلة الترغيب في الأخذ بالأحسن وأفضليته مع جواز الأخذ بالحسن قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126] فـالأمر في قوله: ﴿ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ [النحل: 126] للجواز، والله لا يأمر إلا بحسن فدل ذلك على أنَّ الانتقام حسن، ولكن الله بين أنَّ العفو والصبر خير منه وأحسن في قوله: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126].

 

ثم طفق الشيخ ذكرًا لأمثلة أخرى فانظرها إن شئت في أضواء البيان[19].

وبعد، فهذا فصل جامع نقله الحافظ البيهقي عن الحليمي في بيان هذه الأوجه أنقله على الوجه فإنه نافع.

 

قال الحافظ البيهقي: وقد ذكرنا أخبارًا تدل على جواز المفاضلة بين السور والآيات، قال الله عز وجل: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [البقرة: 106]

 

قال الحليمي رضي الله عنه: ومعنى ذلك يرجع إلى أشياء:

أحدها: أنْ يكون آيتَا عمل ثابتتان في التلاوة، إلا أنَّ إحداهما منسوخة والأخرى ناسخة، فنقول إنَّ الناسخة خير، أي: العمل بها أولى بالناس، وأعود عليهم، وعلى هذا يقال: آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من آيات القصص، لأنَّ القصص إنما أُريد بها تأكيد الأمر والنهي والإنذار والتبشير، ولا غنى بالناس عن هذه الأمور، وقد يستغنون عن القصص، وكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خيرًا لهم مما يجعل تبعا لما لا بد منه.

 

والأخر: أن يُقال إنَّ الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله جل ثناؤه وبيان صفاته والدلالة على عظمته وقدسه أفضل وخير بمعنى أنَّ مُخْبَرًا بها أسنى وأجل قدرًا.

 

والثالث: أنْ يقال سورة خير من سورة وآية خير من آية، بمعنى أنَّ القارئ يتعجل له بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل، ويتأدى منه بتلاوتها عبادة، كقراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمُعَوِّذتين، فإنَّ قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى، والاعتصام بالله جل ثناؤه، ويتأدى بتلاوتها منه لله تعالى عبادة، لما فيها من ذكر الله تعالى جَدّه بالصفات العلى، على سبيل الاعتقاد لها، وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر ويمنه وبركته، فأما آيات الحكم فلا تقع بنفس تلاوتها إقامه الحكم، وإنما يقع بها علم وإذكار فقط، وكان ما قدمناه قبلها أحق باسم الخير والأفضل، والله أعلم.

 

ثم لو قيل في الجملة: إنَّ القرآن خير من التوراة والإنجيل والزبور بمعنى أن التعبد بالتلاوة والعمل واقع به دونها والثواب يجب بقراءته لا بقراءتها، أو أنه من حيث الإعجاز حجة النبي صلى الله عليه وسلم المبعوث به، وتلك الكتب لم تكن معجزة، ولا كانت حجج أولئك الأنبياء، بل كانت دعوتهم والحجج غيرها، لكان ذلك أيضًا نظير ما مضى ذكره، والله أعلم.

 

وقد يقال إنَّ سورة أفضل من سورة لأنَّ الله تعالى اعتد قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها، وأوجب لها من الثواب ما لم يوجب لغيرها، وإنْ كان المعنى الذي لأجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا، كما يقال: إنَّ يومًا أفضل من يوم وشهرًا أفضل من شهر بمعنى أنَّ العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره والذنب فيه يكون أعظم منه في غيره، وكما يقال: إنَّ الحرم أفضل من الحل لأنه يتادى فيه من المناسك ما لا يتأدى في غيره والله أعلم. اهـ[20].



[1] البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/ 519). الإتقان للسيوطي (2/ 156).

[2] تفسير ابن جرير (1/ 481).

[3] صحيح ابن حبان (3/ 52).

[4] معالم التنزيل (1/ 104).

[5] الكشف والبيان (1/ 256).

[6] صحيح ابن حبان (3/ 56).

[7] في الفصل الحادي عشر: كيف يفضل بعض آيات القرآن على بعض مع أن الكل كلام الله (ص62).

[8] كان الأولى أن يقول: اتبع صاحب الرسالة، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31].

[9] الإتقان (2/ 156).

[10] مجموع الفتاوى (17/ 210).

[11] الإتقان للسيوطي (4/ 118).

[12] الفتاوى (17/ 212).

[13] تفسير ابن جرير (1/ 480، 481).

[14] هذه الأقوال مروية عنهم في تفسير ابن جرير في الموضع السابق، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 201).

[15] وهو قوله في زاد المسير 2/ 153: قوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ [الأعراف: 145] إن قيل: كأن فيها ما ليس بحسن؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن المعنى: يأخذوا بحسنها، وكلها حَسَن، قاله قطرب، وقال ابن الأنباري: ناب «أحسن» عن «حسن»..، وقال غيره: «الأحسن» ها هنا صلة، والمعنى أن يأخذوا بها.

والثاني: أن بعض ما فيها أحسن من بعض.

ثم في ذلك خمسة أقوال: أحدها: أنهم أُمروا فيها بالخير ونُهوا عن الشر، فَفِعْلُ الخير هو الأحسن، والثاني: أنها اشتملت على أشياء حسنة بعضها أحسن من بعض، كالقصاص والعفو والانتصار والصبر، فأُمِروا أن يأخذوا بالأحسن، ذكر القولين الزجاج، فعلى هذا القول، يكون المعنى: انهم يتبعون العزائم والفضائل، وعلى الذي قبله، يكون المعنى: أنهم يتبعون الموصوف بالحسن وهو الطاعة، ويجتنبون الموصوف بالقبح وهو المعصية، والثالث: أحسنها: الفرائض والنوافل، وأدونها في الحسن: المباح، والرابع: أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة، فتصرف إلى الأشبه بالحق، والخامس: أن أحسنها: الجمع بين الفرائض والنوافل.

[16] زاد المسير 4/ 12، وقد امتاز ابن الجوزي في هذا الكتاب بجمعه لأقوال السلف في التفسير مهذبة مرتبة، فهو مرجع فيه.

[17] أضواء البيان (7/ 47، 48).

[18] انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (17/ 208)، والإتقان للسيوطي (4/ 116 - 120).

[19] (7/ 48، 49).

[20] شُعب الإيمان للبيهقي (2/ 515، 516)، وعنه الزركشي في البرهان (1/ 522، 523)، والسيوطي في الإتقان (2/ 175).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • مسألة التربية والتعليم المدرسي
  • مسألة الآية رقم 6 من سورة لقمان
  • مسألة تسلسل الحوادث
  • مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد
  • صورة الآخر ومسألة الهوية

مختارات من الشبكة

  • مذاهب الفقهاء في مسألة: مقدار مسح الرأس في الوضوء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • منهج الراسخين في العلم: الترجيح والتسليم رد على من يضطرب في مسائل الخلاف ويتذرع بها لاستباحة الحرام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أقوال الفرق الضالة في مسألة القرآن(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الوسطية في مسألة الاجتهاد في العبادات(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مذاهب الفقهاء في مسألة: استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ومضات في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد أو مجلس واحد(كتاب - آفاق الشريعة)
  • مائة مسألة اتفق عليها الأربعة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • مسألة الخبر الذي يكون بمعنى الأمر أو النهي(كتاب - آفاق الشريعة)
  • مسألة: العلج(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مسألة تلبس الجان بالإنسان(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان
  • مسجد في بلاكبيرن يطلق ثلاجة غذائية لدعم الأسر المحتاجة
  • مسجد جديد في قراتشاي – تشيركيسيا
  • إحياء الذكرى الـ450 لتأسيس مسجد شوجدين في روغاتيكا
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية
  • دورة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والمواطنة الرقمية للطلاب المسلمين في البوسنة
  • بدء تشييد مسجد جديد بمدينة ياكورودا جنوب غرب بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 14/12/1447هـ - الساعة: 12:49
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب