• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مواقع المشرفين   مواقع المشايخ والعلماء  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة فتنة المسيح الدجال (1)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    الطلاق المعلق بالشرط (يمين الطلاق) (PDF)
    الشيخ أحمد الزومان
  •  
    الخلال النبوية (31) {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ...
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    حديث: يا رسول الله، إن ابني هذا كان في بطني له ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الفكر الموسوعي (2)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (الدرس ...
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    هلك المتنطعون (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    بيان أقسام السنة إلى قولية وفعلية وتقريرية
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    قراءات اقتصادية (86) الحياة بعد الرأسمالية
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    شدة الحر .. وشهر صفر (خطبة)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    واقع الدعوة الآن {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ...
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    الفكر الموسوعي (1)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    سلسلة المجالس العائلية (1) (يوم تقلب وجوههم في ...
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    اللسان
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    قراءات اقتصادية (85) التقشف تاريخ فكرة خطرة
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    التحذير من فتنة الابتداع (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
شبكة الألوكة / المواقع الشخصية / مواقع المشايخ والعلماء / الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل / خطب منبرية
علامة باركود

القلب بين الصفا والاسفنجة (خطبة)

القلب بين الصفا والاسفنجة (خطبة)
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 8/4/2026 ميلادي - 22/10/1447 هجري

الزيارات: 10628

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

القلب بين الصفا والاسفنجة


الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ، الْبَرِّ الرَّحِيمِ؛ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ، وَهَدَاهُمْ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ؛ فَعَاشُوا فِي الدُّنْيَا سُعَدَاءَ، وَيُجْزَوْنَ فِي الْآخِرَةِ أَوْفَى الْجَزَاءِ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَكَفَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَانَا وَأَوْلَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَمِلَ صَالِحًا أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ وَعَصَاهُ أَدْخَلَهُ النَّارَ بِعَدْلِهِ، ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الْكَهْفِ: 49]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ؛ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيُصْلِحَ بِهِ قُلُوبَ النَّاسِ؛ فَيُزِيلَ شِرْكَهَا وَمَعْصِيَتَهَا، وَيُذْهِبَ غَفْلَتَهَا وَجَهْلَهَا، وَيُلَيِّنُ قَسْوَتَهَا وَشِدَّتَهَا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَأَسْلِمُوا لَهُ وُجُوهَكُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 112].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: صَلَاحُ حَالِ الْعَبْدِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ مُرْتَهَنٌ بِصَلَاحِ قَلْبِهِ، وَالْقَلْبُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَيَكُونُ قَلْبًا سَلِيمًا مِنَ الشِّرْكِ وَالْهَوَى وَالْحَسَدِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «...أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَالْقَلْبُ يَتَشَرَّبُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَحَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَحَسَنٍ وَقَبِيحٍ؛ وَالْأَسْمَاعُ وَالْأَبْصَارُ هِيَ مَنَافِذُ لِلْقَلْبِ؛ وَلِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْتَحَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَقَلْبَهُ لِكُلِّ مَا يَنْفَعُهُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَقْوَالِ الطَّيِّبَةِ؛ حَتَّى يَتَشَرَّبَهَا الْقَلْبُ فَيَمْتَلِئَ بِهَا، وَيَنْضَحَ بِهَا، وَيَكُونَ قَلْبًا مُنْشَرِحًا فَرِحًا سَعِيدًا بِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَنْ يُغْلِقَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَقَلْبَهُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَبَاطِلٍ؛ لِئَلَّا يَتَشَرَّبَهُ فَيَفْسُدَ قَلْبُهُ بِهِ.

 

إِنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِقَلْبِهِ فَيَجْعَلَهُ مُتَشَرِّبًا لِلْخَيْرِ وَالْحَقِّ وَالنَّفْعِ، مُصْمَتًا كَالْحَصَاةِ الْمَلْسَاءِ أَمَامَ الشَّرِّ وَالْبَاطِلِ وَالضُّرِّ، فَيَمُرُّ عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَقِرُّ بِهِ، كَمَا يَمُرُّ الْمَاءُ عَلَى الْحَصَاةِ الْمَلْسَاءِ فَيَنْحَدِرُ عَنْهَا وَلَا يَسْتَقِرُّ فِيهَا. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ تَتَشَرَّبُ الْقُلُوبُ الْفِتَنَ، وَأَثَرَهَا عَلَى الْعَبْدِ؛ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

وَالْفِتَنُ الَّتِي تُعْرَضُ عَلَى الْقُلُوبِ تَشْمَلُ فِتَنَ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ وَالشِّرْكِ وَالشَّكِّ وَالْبِدْعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُرْخِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ لَهَا نَفَذَتْ إِلَى الْقَلْبِ فَأَفْسَدَتْهُ، فَإِذَا أَنْكَرَهَا وَصَارَ صَفَاةً أَمَامَهَا مَرَّتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَسْتَقِرَّ فِيهِ. فَإِنْ أُشْرِبَهَا فَسَدَ بِهَا الْقَلْبُ وَتَغَيَّرَ عَلَى صَاحِبِهِ. وَانْتَقَلَ بِسَبَبِهَا مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ مِنَ الْيَقِينِ إِلَى الشَّكِّ، أَوْ مِنَ التَّوْحِيدِ إِلَى الشِّرْكِ، أَوْ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ، أَوْ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ. وَلَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَقَلْبِهِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّ الشُّبَهَ خَطَّافَةُ الْقُلُوبِ، وَقَدْ عَاشَ قَوْمٌ فِي الْإِيمَانِ دَهْرًا ثُمَّ نُكِسَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى الْجُحُودِ وَمُحَارَبَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ نَاسًا تَفَيَّئُوا ظِلَالَ السُّنَّةِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى الْبِدْعَةِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ أَرْخَوْا أَسْمَاعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ لِدُعَاةِ الْهَوَى وَالْفِتْنَةِ. وَإِنَّ أُنَاسًا اسْتَهَانُوا بِالنَّظَرِ الْحَرَامِ إِلَى النِّسَاءِ أَوِ الِاسْتِمَاعِ لِلْمَعَازِفِ وَالْقِيَانِ فَأُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّهَا فَزَاحَمَتْ فِيهِ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ، وَلَوَّثَتْهُ بِأَوْضَارِ الْعِصْيَانِ، حَتَّى أَنْكَرُوا صَلَاتَهُمْ وَقِرَاءَتَهُمْ لِلْقُرْآنِ وَذِكْرَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَصَارَتْ صُوَرُ النِّسَاءِ لَا تُفَارِقُهُمْ حَتَّى فِي صَلَوَاتِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ، وَهَكَذَا تَكُونُ الْقُلُوبُ إِذَا أُشْرِبَتِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةَ.

 

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ يَحْكِي قِصَّةً لَهُ مَعَ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: «قَالَ لِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ جَعَلْتُ أُورِدُ عَلَيْهِ إِيرَادًا بَعْدَ إِيرَادٍ: لَا تَجْعَلْ قَلْبَكَ لِلْإِيرَادَاتِ وَالشُّبُهَاتِ مِثْلَ السِّفِنْجَةِ، فَيَتَشَرَّبُهَا، فَلَا يَنْضَحُ إِلَّا بِهَا، وَلَكِنِ اجْعَلْهُ كَالزُّجَاجَةِ الْمُصْمَتَةِ، تَمُرُّ الشُّبُهَاتُ بِظَاهِرِهَا وَلَا تَسْتَقِرُّ فِيهَا؛ فَيَرَاهَا بِصَفَائِهِ، وَيَدْفَعُهَا بِصَلَابَتِهِ، وَإِلَّا فَإِذَا أَشْرَبْتَ قَلْبَكَ كُلَّ شُبْهَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا، صَارَ مَقَرًّا لِلشُّبُهَاتِ، أَوْ كَمَا قَالَ. فَمَا أَعْلَمُ أَنِّي انْتَفَعْتُ بِوَصِيَّةٍ فِي دَفْعِ الشُّبُهَاتِ كَانْتِفَاعِي بِذَلِكَ».

 

وَمِنْ عَلَامَاتِ الْقَلْبِ الْمُتَشَرِّبِ لِلْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ وَالْفَسَادِ اخْتِلَالُ مِعْيَارِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ فِي قَلْبِهِ، فَتَنْقَلِبُ عِنْدَهُ الْمَوَازِينُ، وَتَنْتَكِسُ فِي نَفْسِهِ الْمَفَاهِيمُ، وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». فَمَا يَكُونُ حَرَامًا عِنْدَهُ بِالْأَمْسِ يَكُونُ الْيَوْمَ حَلَالًا، وَمَا يَكُونُ وَاجِبًا الْيَوْمَ يَتَحَوَّلُ غَدًا إِلَى مُسْتَحَبٍّ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ رُبَّمَا بِدْعَةٍ، فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ إِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِسْقَاطِ الْوَاجِبَاتِ، وَفَصْمِ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً. وَهِيَ تَغَيُّرَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ أُشْرِبَ الْهَوَى وَالْفِتْنَةَ، فَلَا يَأْبَهُ بِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ يَبْحَثُ فِيهِمَا عَمَّا يُسْنِدُ هَوَاهُ الَّذِي أُشْرِبَهُ، وَلَوْ كَانَ بَعِيدَ الْمَنْزِعِ، وَيَتْرُكُ الْأَدِلَّةَ الْوَاضِحَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوَافِقُ هَوَاهُ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تُعْرَضُ عَلَى الْقُلُوبِ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْلَمَ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ أَمْ لَا فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ كَانَ يَرَى حَرَامًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَلَالًا، أَوْ يَرَى حَلَالًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَرَامًا، فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ» رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

 

إِنَّ الْقَلْبَ مَحَلُّ الْحُبِّ وَالْكُرْهِ، وَالْوَلَاءِ وَالْعَدَاءِ، وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ؛ وَلِذَا وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَنِيَ عِنَايَةً فَائِقَةً بِمَا يَتَلَقَّاهُ قَلْبُهُ، وَبِمَا يَصْدُرُ عَنْ قَلْبِهِ. فَلَا يَتَلَقَّى إِلَّا الْإِيمَانَ وَمَعَانِيَهُ وَأَجْزَاءَهُ وَمَا يُنَمِّيهِ فِي الْقَلْبِ، وَيُجَانِبُ مَا يُفْسِدُ الْقَلْبَ مِنْ أَنْوَاعِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ. وَلَا يَصْدُرُ مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا مَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى؛ مِنْ حُبِّهِ، وَتَعْظِيمِهِ، وَرَجَائِهِ، وَخَوْفِهِ، وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَبُغْضِ مَا يَبْغَضُهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَالْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي، وَمَوَالَاةِ أَوْلِيَائِهِ وَمَحَبَّتِهِمْ، وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ وَبُغْضِهِمْ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ: «يَا كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ... أُفٍّ لِحَامِلِ حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ؟ إِنْ قَالَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ. مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ فُتِنَ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ دِينَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ لَا يَعْرِفَ دِينَهُ».

 

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَ قُلُوبَنَا مِنَ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ، وَأَنْ يَمْلَأَهَا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[الْبَقَرَةِ: 281].


أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: قُلُوبُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَيِّنَةٌ فِي تَلَقِّي كُلِّ خَيْرٍ، تَتَشَرَّبُهُ حَتَّى تَمْتَلِئَ بِهِ، فَتَزْدَادُ صَلَاحًا وَاسْتِقَامَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الْأَنْفَالِ: 2]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرَّعْدِ: 28]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزُّمَرِ: 23]. وَهَذِهِ الْقُلُوبُ اللَّيِّنَةُ تَنْقَلِبُ إِلَى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ إِذَا أُلْقِيَ إِلَيْهَا فِتَنُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَأَنْوَاعُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ؛ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تُصْبِحُ كَالصَّفَا فَلَا تَضُرُّهَا فِتْنَةٌ. وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ قُلُوبُ الْمَفْتُونِينَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ مُصْمَتَةٌ أَمَامَ كُلِّ خَيْرٍ فَلَا تَتَلَقَّاهُ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِهِمْ: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 179]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾ [الْأَنْعَامِ: 25]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ﴾ [الْكَهْفِ: 57]. وَفِي الْمُقَابِلِ فَإِنَّهَا قُلُوبٌ إِسْفَنْجِيَّةٌ فِي الشَّرِّ، فَتَتَلَقَّى كُلَّ فِتْنَةٍ حَتَّى تَتَشَرَّبَ بِهَا؛ كَمَا أُشْرِبَ كُفَّارُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَحَبَّةَ الشِّرْكِ ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 93]، أَيْ: أُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّ عِبَادَتِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 165]، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْقُلُوبَ الْمَفْتُونَةَ تَتَشَرَّبُ الْفِتَنَ حَتَّى تَسْوَدَّ بِهَا وَتَنْقَلِبَ عَلَى أَصْحَابِهَا. وَهِيَ فِتَنُ الْكُفْرِ أَوِ النِّفَاقِ أَوِ الْبِدَعِ أَوِ الْمَعَاصِي. وَإِذَا عَرَفَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ سَعَى فِي أَنْ يَتَلَقَّى قَلْبُهُ كُلَّ خَيْرٍ، وَيُجَنِّبَهُ كُلَّ شَرٍّ، فَإِذَا سَمِعَ شَرًّا أَوْ رَآهُ أَوْ قَرَأَهُ أَنْكَرَهُ وَجَانَبَهُ؛ حِفْظًا لِقَلْبِهِ مِنَ الْفَسَادِ وَالِانْقِلَابِ؛ ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الْحَجِّ: 46].

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الخلال النبوية (29) {يتبعون الرسول النبي الأمي}
  • رمضان وكسر العادات
  • مظاهر اليسر في الصوم (5) كفارة رمضان وفديته
  • أوصاف القرآن الكريم (18) {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم}
  • فضل قيام رمضان
  • الرؤى والأحلام (2) أنواع الرؤى
  • أذية الله تعالى (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • علامات صاحب القلب السليم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رحلة القلب بين الضياع واليقين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • القلب السليم والقلب الضيق(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كيف تعمل المشاعر داخل الإنسان؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • كتب الزهد والرقائق في منهج المحدثين: بين رواية الأثر وتربية القلب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فساد القلب بين القسوة والسواد(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بين الاجتهاد الشخصي والتقليد المشروع: رد على شبهة «التعبد بما استقر في القلب»(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قول القلب واللسان وعملهما(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ‫القلب قبل السبب‬‬‬‬(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هل القلب هو محل العقل؟(مقالة - ثقافة ومعرفة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة أكاديمية عن أساسيات الدعم الديني والنفسي في عمل الأئمة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا
  • قرية روبينيتشي تتزين بمسجدها المرمم بعد 3 سنوات من البناء
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف
  • شباب البوسنة المسلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية لخدمة المجتمع
  • افتتاح مسجد جديد في نيامي بتبرعات الجالية المسلمة في بلغاريا
  • مسلمون يقيمون مبادرة خيرية لتوزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية في شيكاغو
  • "علماء الدين المسلمون: جيل جديد": برنامج علمي يجمع مشاركين من 17 منطقة روسية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 8/3/1448هـ - الساعة: 11:11
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب