• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات   بحوث ودراسات   كتب   صوتيات   أخبار   نور البيان   سلسلة الفتح الرباني   سلسلة علم بالقلم   وسائل تعليمية   الأنشطة التعليمية  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تدريب على التشديد بالكسر مع المد بالياء
    عرب القرآن
  •  
    التشديد بالكسر مع المد بالياء
    عرب القرآن
  •  
    تدريبات على الشدة مع التنوين بالفتح
    عرب القرآن
  •  
    التشديد مع التنوين بالفتح
    عرب القرآن
  •  
    تعليم المد اللازم للأطفال
    عرب القرآن
  •  
    تدريبات على التشديد بالضم مع المد بالواو
    عرب القرآن
  •  
    التشديد بالضم مع المد بالواو
    عرب القرآن
  •  
    تعليم الحرف المشدد مع الفتحة للأطفال
    عرب القرآن
  •  
    الضمة والشدة
    عرب القرآن
  •  
    التشديد مع الكسر
    عرب القرآن
  •  
    تعليم التشديد مع الفتح
    عرب القرآن
  •  
    تعليم السكون للأطفال
    عرب القرآن
  •  
    تعليم التنوين بالضم للأطفال
    عرب القرآن
  •  
    شرح التنوين بالكسر
    عرب القرآن
  •  
    تعليم التنوين للأطفال
    عرب القرآن
  •  
    تعليم المد المتصل للأطفال
    عرب القرآن
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / السيرة
علامة باركود

معجزات في طريق الهجرة (خطبة)

معجزات في طريق الهجرة (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 25/9/2026 ميلادي - 14/4/1448 هجري

الزيارات: 658

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

معجزات في طريق الهجرة


الخطبة الأولى

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم...

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

 

عباد الله، اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من البدع والضلالات ومن النار.

 

أما بعد:

أيها المؤمنون، روى الإمام الطبري في "تاريخه" وابن سعد في "الطبقات الكبرى"، ونقله ابن كثير في "البداية والنهاية" والسيوطي في "تاريخ الخلفاء" بسند حسن، أنه في سنة سبع عشرة للهجرة، ورد كتاب من أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، والي البصرة، إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان في الكتاب صكوك وحوالات مؤرخة بشهر "شعبان" فقط، بلا سنة. فكتب أبو موسى إلى عمر: "يا أمير المؤمنين، تأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فيشكل علينا أي شعبان هذا، أهو في السنة الماضية أم التي بعدها؟"، فأدرك عمر رضي الله عنه حاجة الأمة إلى تاريخ موحَّد تُضبط به الحقوق والمعاملات والدواوين؛ فجمع الصحابة رضوان الله عليهم للشورى، وهذا هو دَأْبُ الفاروق، لا يستبدُّ برأيه في أمر الأمة، فطرح عليهم: بماذا نؤرخ؟  فقال قائل: نؤرخ بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: المولد اختلف فيه، ووقعت فيه أمور تشكل، وقال آخر: نؤرخ بمبعثه. فقال: والمبعث كذلك. وقال آخر: نؤرخ بوفاته. فقال عمر: لا، هذا يفرق القلوب، ولا يرضى المسلمون أن يجعلوا مبدأ تاريخهم يوم موت نبيهم صلى الله عليه وسلم. ثم أجمعوا على أن يكون المبدأ هو الهجرة المباركة؛ لأنها الحد الفاصل بين العهد المكي المستضعف، والعهد المدني القوي، وهي اليوم الذي تأسست فيه دولة الإسلام، وفرق الله بها بين الحق والباطل. وبعد الهجرة مباشرة: أُسِّس أول مسجد في الإسلام "مسجد قباء"، ثم المسجد النبوي، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، ووضعت الصحيفة التي نظَّمت العلاقة بين المسلمين وغيرهم في المدينة، وشُرع الأذان، وفُرض الجهاد، وبدأت الغزوات.

 

أيها المؤمنون، إن الهجرة كانت الميلاد الحقيقي للأمة؛ ولذلك استحقت أن يجعلها المسلمون بداية تاريخهم الإسلامي. ثم تشاور الصحابة رضي الله عنهم: من أي شهر نبدأ السنة؟ فكان رأي عثمان وعلي رضي الله عنهما: نبدأ من المحرم، فهو شهر حرام، وهو شهر رجوع الناس من حجهم، وهو أول شهور العرب في الجاهلية والإسلام؛ فأقَرَّه عمر والصحابة، فكان أول تاريخ للمسلمين: 1 محرم سنة 1 هـ.

 

ولم يلتفتوا إلى تواريخ الأمم الأخرى، لا إلى تاريخ الروم، ولا إلى تاريخ الفرس؛ لأن الأمة الإسلامية لها هُوِيَّتُها المستقلة، ولها حدثها العظيم الذي غيَّر مجرى التاريخ، وهو هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

أيها المؤمنون، لا زلنا في شهر الله المحرم، وفي بداية السنة الهجرية لعام 1448 من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فيحسن بنا أن نقف عند بعض المعجزات التي صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته، لنجدد الإيمان به في قلوبنا؛ وذلك أن من أعظم ما يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أيَّده في أحرج اللحظات بمعجزات حسية، رآها الأعداء والأولياء، فكانت برهانًا لا يُدحَض، ونورًا لا يُطفأ.

 

أيها المؤمنون، المعجزة الأولى: إبطال مكر دار الندوة وخروجه من بين السيوف؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته السلمية في مكة بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، ولم يُكرِه أحدًا على الدخول في دين الله. وقد ظل على هذه الحال ثلاث عشرة سنة وهو يصبر على الأذى، ويجادل بالتي هي أحسن، لا يرفع سيفًا ولا يطلب جاهًا، بل يريد هداية الخلق إلى ربهم. فلما رأى كفار قريش أن نور الحق بدأ ينتشر، وأن القلوب قد بدأت تميل إليه، ولما عجزوا عن مواجهة الحُجَّة بالحُجَّة، انتقلوا إلى مكر الضعفاء وكيد الجُبناء، فصبُّوا جام غضبهم على من آمن بالله تعالى واتَّبع رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

فهذا بلال استعبده المشركون وعذَّبوه عذابًا شديدًا؛ روى أحمد في مسنده بسند صحيح أن بلالًا رضي الله عنه كان سيِّدُه أميةُ بن خلف يُخرجه إلى الصحراء في حَرِّ الظهيرة، فيطرحه على ظهره على رَمْضاء مكة الملتهبة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتُوضَع على صدره، ويقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد. فيقول بلال وهو تحت العذاب: أَحَد أَحَد.

 

أراد الكفار أن يكسروا بهذا العذاب إيمانه فردَّد بلال كلمة التوحيد بأعلى صوته، فبلال رضي الله عنه كان عبدًا حبشيًّا مستضعفًا، لكنه صار بإيمانه بالله تعالى أستاذًا للعالم في معنى "الثبات" على دين الله تعالى.


وعند الحاكم في المستدرك بسند صحيح أن كفار قريش عذَّبوا ياسرًا وزوجته سُمَية وابنه عمَّارًا رضي الله عنهم في رَمْضاء مكة؛ لفتنتهم عن دينهم، فمَرَّ بهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهم يُعذَّبُون فقال: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». فلما بشَّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، صار الألم بردًا وسلامًا، أرادوا أن يتركوا الدين فاشتروا به الجنة، ومضت سُمَيَّة أول شهيدة في الإسلام، ومضى ياسر شهيدًا، وثبت عمَّار ورفع الله ذكره.

 

أيها المؤمنون، لما اشتد الأذى والبلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم بالهجرة، ففي صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة للمسلمين: «قدْ أُريتُ دارَ هِجرَتِكم، أُريتُ سَبِخةً ذاتَ نَخلٍ بيْنَ لابَتَينِ»، واللابتان هما الحَرَّتان، فهاجر من هاجر إلى المدينة فرارًا بدينهم. فالهجرة ليست هزيمة، الهجرة هي تكتيك الأنبياء عند عجز الأرض عن احتضان الحق.

 

أيها المؤمنون، لم يكتفِ المشركون بالأذى الذي ألحقوه بأصحاب رسول الله، فانتقلوا إلى وضع الخطط للتخلُّص من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

روى كثير من أهل التفسير؛ كالطبري والبيهقي في "دلائل النبوَّة" بإسناد حسن أن كبراء الشرك اجتمعوا في "دار الندوة"، دار الشورى والمؤامرات، ليتشاوروا في أمر هذا الدين. فقال قائلهم: "احبسوه بالوثاق حتى يموت"، وقال آخر: "أخرجوه من مكة فتستريحوا منه". حتى تكلم الشيطان بلسان أبي جهل فقال: "الرأي أن نأخذ من كل قبيلة فتًى شابًّا جلدًا، فيُعطى كل واحد سيفًا صارمًا، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرَّق دمُه في القبائل، فلا يقدر بنو هاشم على حرب الناس جميعًا؛ فيرضون بالدية".

 

تأملوا شدة المكر وخبث الكيد: اجتماع، وتخطيط، وتوزيع للمسؤولية، وشباب متحفز محيط بالبيت ليلًا، سيوف مشرعة، وأعين تراقب. ولو أن أحدنا شاهدهم تلك الليلة، لقال بيقين: "محمد سيُقتل لا محالة". هذا منطق البشر، وهذا حساب الدنيا، ولكن هناك حساب آخر... هناك ربٌّ يرى، وربٌّ يسمع، وربٌّ يدبر. فأطلع الله نبيَّه على مكرهم، وأنزل عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]، وأنزل جبريل عليه السلام فأمره بالهجرة، فخرج صلى الله عليه وسلم من بيته مع شدة الحراسة، وترك علي بن أبي طالب رضي الله عنه ينام على فراشه، ثم أخذ حفنة من تراب فذرها على رؤوسهم وهو يقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 9]؛ فناموا، وغشى الله تعالى على أبصار الجند المحاصرين لداره صلى الله عليه وسلم، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بينهم، لا يراه أحد منهم.

 

إنها معجزة باهرة أبطل الله بها كيد الماكرين. نجَّى الله تعالى رسوله من مؤامرة دار الندوة، وفي الصباح أتى أبو جهل إلى الجند المحاصرين لحجرة بيته صلى الله عليه وسلم، فإذا بالفتية نيام، وإذا بالتراب على رؤوسهم، وإذا بالخبر يأتيهم: "قد خرج محمد"؛ فبهتوا، وأدركوا أن كيدهم قد باء بالفشل، وأن الله قد نجَّى رسوله، وأتمَّ نورَه ولو كره الكافرون.

 

أيها المؤمنون، لقد كانت "دار الندوة" في مكة مكانًا يجتمع فيه كفار قريش ليتآمروا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى دينه، فـ"دار الندوة" لم تهدم يا عباد الله، بل هي قائمة إلى قيام الساعة، فدار الندوة في عصرنا قد تكون دار ندوة سياسية تتآمر في القصور والمجالس المغلقة على الإسلام والمسلمين، ودار الندوة في عصرنا قد تكون دار إعلامية تشوِّه وتكذب وتقلب الحقائق، ودار الندوة في عصرنا قد تكون دار اقتصادية تحاصر وتُجوِّع وتذل. وقد تكون دار ندوة فكرية تبث الشُّبُهات وتطعن في ثوابت هذا الدين، وثقتنا أن الله تعالى سيبطل مكر كل دور الندوة وسيجعل كيدهم في نحورهم؛ لأنه مبطل كيد الماكرين.

 

فاطمئنوا عباد الله، فإن وعد الله نافذ، وحفظه لدينه قائم، وكيده غالب، وصدق الله العظيم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 


الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أيَّد رُسَله بالمعجزات الباهرات، ونصر نبيَّه بالآيات الظاهرات، شهادة صدق على نبوَّته، وحجةً دامغةً على رسالته، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد:

أيها المؤمنون، إن الإسلام هو أكثر الأديان تعرضًا للمكر والعداوة من قبل أعدائه عبر التاريخ، فمنذ أن أشرق نوره في مكة والمكر به يُحاك في الخفاء، والعداوة له تُعلن في العلن، ولتأكيد هذه الحقيقة قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]، فجاء الفعل "يمكرون" بصيغة المضارع إشارة إلى أن المكر مُتجدِّد مستمر لا ينقطع إلى قيام الساعة. ولولا أن الله تكَفَّل بحفظ هذا الدين، ورد كيد الكائدين في نحورهم، لما بقي منه شيء.

 

ومكر أعداء هذا الدين ليس بالهيِّن، إنه مكر عظيم لو سُلِّط على الجبال الراسيات لزعزعها وهَدَّها، ولكن الله بعلوِّه وقهره مُطَّلِع على مكرهم، محيط به، لا يغيب عنه منه شيء، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: 46].

 

أيها المؤمنون، وهذه ليست أول مرة يمكر فيها أعداء الله بدينه، فقد مكر آباؤهم السابقون بأنبياء الله ورسله والصالحين من قبل. فمضت فيهم سنة الله، فأتى الله بنيان مكرهم من قواعده، وخر عليهم سقف مكرهم وهم لا يشعرون، قال الله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: 26].

 

فالأمر كله لله، والمكر كله بيد الله. فمهما بلغ مكر البشر ومهما علت خططهم، فإن الله فوقهم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والعاقبة عنده وحده، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 42]، فمكر أعداء الإسلام  إلى زوال، وكيدهم إلى بوار، فالشر يعود على أهله، والمكر السيئ لا يحيق إلا بأصحابه، وهذه سُنَّة الله التي لا تتبدَّل ولا تتحوَّل، قال الله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].

 

أيها المؤمنون، وفي التاريخ كثير من الأدلة والشواهد على مكر أعداء الإسلام به، وكيف أن الله تعالى أبطل مكرهم وكيدهم، ومن أعظم ما مكر بالإسلام هجمة الصليبيين. جاءوا من أقاصي أوروبا بحجة الصليب، ودخلوا بيت المقدس سنة 492هـ، فارتكبوا من الفظائع ما تشيب له الولدان؛ ذبحوا في يوم واحد أكثر من سبعين ألف مسلم داخل المسجد الأقصى حتى جرت الدماء في الأزقة وبلغت الركب، وداسوا المصاحف بأقدامهم، ودنَّسوا المسجد الأقصى فحوَّلوه إلى إسطبل للخيل، واغتصبوا النساء أمام أزواجهن وأطفالهن، وأسروا الشيوخ والعلماء وقتلوهم شر قتلة. وبقي المسجد الأقصى أسيرًا في أيديهم ثمانية وثمانين عامًا، وظنوا أنهم لن يخرجوا منه أبدًا وأن الإسلام قد انتهى؛ ولكن الله قيَّض لهذه الأمة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، ربَّى جيلًا على التوحيد، ووحَّد الصفوف، وأعد العدة، وفي معركة حطين سنة 583هـ سحق جيوشهم، وفي يوم الجمعة 27 رجب دخل بيت المقدس محررًا المسجد الأقصى طاهرًا نظيفًا، وبكى من الفرح وقال: "كيف نضحك والمسجد الأقصى أسير؟!".

 

أيها المؤمنون، وبعد الصليبيين بمائة سنة جاءت نازلة أشد. التتار والمغول الذين لم يعرف التاريخ لهم مثيلًا في الوحشية. اجتاحوا ديار الإسلام، ودخلوا بغداد دار الخلافة سنة 656هـ فقتلوا فيها ما يزيد على مليون مسلم، وألقوا كتب العلم في نهر دجلة حتى اسودَّ النهر من مدادها، وهدموا المساجد، وقتلوا الخليفة والعلماء والنساء والأطفال، وأسقطوا الخلافة العباسية التي دامت خمسمائة عام. ظنوا أنهم قضوا على الإسلام إلى الأبد، وأن لا قائمة للمسلمين بعدهم؛ ولكن الله كان لهم بالمرصاد، هيأ لهذه الأمة البطل سيف الدين قطز رحمه الله. وفي 25 رمضان سنة 658هـ في معركة عين جالوت بفلسطين التقى الجمعان، وخرج قطز ينادي "وا إسلاماه!"، فكسر الله التتار كسرة لم تقم لهم بعدها قائمة، وطهَّر الله به بلاد المسلمين من رجسهم، وحفظ به بيضة الإسلام.

 

أيها المؤمنون، إن أعظم قضية تعرضت للمكر والكيد في عصرنا هي قضية فلسطين، أرض الإسراء والمعراج، أرض الأقصى المبارك. قضية لم تحل منذ ثمانون عامًا، ثمانون عامًا من الاحتلال والتهجير والقتل، ثمانون عامًا وأهلها بين ظلم يتوالى، ومكر يتجدد، وحصار يضيق، ثمانون عامًا وهم يذودون عن أرضهم، ويصبرون على جراحهم، وينتظرون وعد الله بالنصر والتمكين، ففي دور الندوة المعاصرة اجتمعت عليهم منظمات سياسية تقرر مصيرهم في غرف مغلقة، ومنظمات اقتصادية تحاصرهم وتُجوِّع أطفالهم، ومنظمات إعلامية تصوِّر الضحية جلَّادًا والجلَّاد ضحية، ومنظمات "حقوقية" تغض الطرف عن دمائهم. كل هذا المكر هدفه واحد: اقتلاع هذا الشعب من أرضه، ومحو قضيته من ذاكرة العالم.

 

أيها المؤمنون، وتزداد الصورة وضوحًا، ويشتدُّ الكرب بيانًا، إذا نظرنا إلى ما حصل في فلسطين خلال ألف يوم من الحرب والعدوان، ألف يوم مضت، وهي ليست رقمًا في الصحف، بل هي ألف يوم من الدم، ألف يوم من الخوف، ألف يوم من الصبر، وفي هذه الألف يوم، وضع أهل فلسطين أمام نفس الخيارات الثلاثة التي وضع فيها نبيكم صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، يوم قال الله عنه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30]: إما القتل؛ فالشهداء يرتقون كل يوم، والأطفال تحت الركام، والبيوت تهدم على رؤوس ساكنيها. وإما السجن والحصار والتجويع؛ فأحياء مدمرة، وأُسَر بلا مأوى، وغذاء وماء ودواء صار حلمًا بعيدًا، وأجيال كاملة تكبر على صوت القصف لا على صوت الأمل.

 

حتى بعد الهدنة لا يزال الحصار، ولا يزال القصف، ولا يزال منع دخول الدواء والغذاء، وتريد دولة الكيان اللقيط من أهلنا في فلسطين إما التهجير والإخراج من الديار، وإما السجن والحصار والقتل.

 

أيها المؤمنون، يقيننا أن الذي نجَّى نبيَّه من دار الندوة، قادر أن ينجي أهل فلسطين من مكر الماكرين، وأن يبدل حصارهم فرجًا، وخوفهم أمنًا، وضعفهم قوة، وهزيمتهم نصرًا، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].

 

وأنتم- عباد الله- إن مَرَّ بكم كيد من حاسد، أو مكر من ظالم، أو ضائقة أطبقت على صدوركم، فتذكَّروا، أن الذي نجَّى رسوله من بين السيوف، قادر أن ينجيكم مما أنتم فيه، هو معكم إن صدقتم معه. فاتصلوا به، وارفعوا إليه كفَّ الضراعة، فإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا. ومن كان الله معه فمن عليه؟ فهو نِعم المولى ونِعم النصير.

 

أيها المؤمنون، وأخيرًا قد يقول قائل: ما واجبنا اليوم؟ والجواب أن نعلم أن سُنَّة الله لا تتبدَّل، فكما نصر الله تعالى دينه في أول أمره وأبطل مكر أعدائه به، فهو القادر على نصر دينه في كل زمان ومكان، نصرُنا اليوم مرهون بعودتنا الصادقة إلى ديننا. واجبنا أن نثبت على الإيمان والتوحيد، وأن نُربِّي أبناءنا على حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب دينه، وأن نكون أمناء في أعمالنا، صادقين في أقوالنا، فكل واحد منا هو جندي في معركة دين الله مع أعدائه، فكن أنت صلاح الدين في بيتك، وكن أنت قطز في مجتمعك. لا تحزنوا ولا تهنوا، فالله غالب على أمره، والتاريخ يعيد نفسه، ورجال عين جالوت وحطين سيخرجون من بيننا بإذن الله تعالى.

 

اللهم من أراد بنا وبالمسلمين كيدًا فرُدَّ كيده في نحره، ومن أراد بنا مكرًا فأبطل مكره. اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا بعنايتك، وكن لنا ناصرًا ومعينًا.

 

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وتولَّنا فيمن توليت، إنك نِعم المولى ونِعم النصير.

 

هذا وصلوا وسلموا- رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا".

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

وارْض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحْمِ حوزةَ الدين.

 

اللهم بارك لمن حضر معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حلَّ أو ارتحل.

 

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغنى.

 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.

 

اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

 

ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • جنود على طريق الهجرة
  • بشائر النصر على طريق الهجرة
  • مواقف على طريق الهجرة

مختارات من الشبكة

  • الموازنة بين معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزات موسى عليه السلام الحسية(مقالة - ملفات خاصة)
  • الموازنة بين معجزة موسى في انفلاق البحر ومعجزة النبي في انشقاق القمر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أربعون حديثا في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموازنة بين معجزة إلقاء الخليل عليه السلام في النار وما أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم مقابل ذلك(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لهذا صدقناه! (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • القرآن الكريم المعجزة الخالدة الباقية(مقالة - حضارة الكلمة)
  • دلالات تربوية على سورة القمر: أين تكمن معجزة الإسلام؟(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • التفرد البيولوجي للإنسان: معجزة في الخلق(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • الموازنة بين معجزة تكسير الخليل إبراهيم للأصنام وتكسير النبي محمد لها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خرق القوانين المركزية للظواهر الكونية بالمعجزات إرادة إلهية(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بعد 8 سنوات من البناء... مسجد جديد يفتح أبوابه بمدينة سومور الفرنسية
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة
  • مساجد بريطانيا تفتح أبوابها أمام الجميع في النسخة الـ11 من «زر مسجدي»
  • «الرعاية معا».. مؤتمر طبي إسلامي يجمع 200 متخصص وطالب في أستراليا
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان
  • احتفالات قرآنية في بورغاس وفيلكو تارنوفو تكرم أطفالا أتموا قراءة القرآن الكريم
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 13/4/1448هـ - الساعة: 10:32
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب