• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / محمد صلى الله عليه وسلم / مقالات
علامة باركود

الموازنة بين معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزات موسى عليه السلام الحسية

الموازنة بين معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزات موسى عليه السلام الحسية
د. أحمد خضر حسنين الحسن

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 1/6/2026 ميلادي - 15/12/1447 هجري

الزيارات: 57

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الموازنة بين معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزات موسى عليه السلام الحسية

 

لقد تعدَّدت المعجزات التي أُوتيها موسى عليه السلام، وهي: اليد ونبع الماء من الحجر، والمن والسلوى، سأُبينها وأبيِّن ما أُعطي النبي صلى الله عليه وسلم مما يقابل كل واحدة منها على انفراد، وذلك في المحاور الآتية:

المحور الأول: اليد: وقد أعطى الله موسى عليه السلام هذه المعجزة؛ ليجابه بها فرعون، وليُقيم عليه الحجة على أن الله أرسله إليه كما هو واضح ومعلوم من سياق الآيات في سورة طه في قوله تعالى: ﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طه: 22 - 24].

 

قال الرازي رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى ﴾، اعلم أن هذا هو المعجزة الثانية، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن معنى ضم اليد إلى الجناح ما قال في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ [النمل: 12]؛ لأنه إذا أدخل يده في جيبه كان قد ضمَّ يده إلى جناحه، والله أعلم.

 

المسألة الثانية: السوء: الرداءة والقبح في كل شيء، فكنَّى به عن البرص، كما كنى عن العورة بالسوأة، والبرص أبغض شيء إلى العرب، فكان جديرًا بأن يُكنى عنه، يروى أنه - عليه السلام - كان شديد الأدمة، فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه وأدخلها تحت إبطه الأيسر وأخرجها، كانت تبرق مثل البرق، وقيل مثل الشمس من غير برص، ثم إذا ردها عادت إلى لونها الأول بلا نور.

 

المسألة الثالثة: قال الحسن: اليد أعظم في الإعجاز من العصا؛ لأنه تعالى ذكر: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴾ [طه: 23]، عقيب ذكر اليد، وهذا ضعيف؛ لأنه ليس في اليد إلا تغير اللون، وأما العصا ففيه تغير اللون، وخلق الزيادة في الجسم، وخلق الحياة والقدرة، والأعضاء المختلفة، وابتلاع الحجر والشجر، ثم عادت عصا بعد ذلك، فقد وقع التغير مرة أخرى في كل هذه الأمور، فكانت العصا أعظم، وأما قوله: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى)، فقد بينا أنه عائد إلى الكل، وأنه غير مختص باليد)؛ اهـ بتصرف واختصار.

 

المحور الثاني: بيان المعجزات الحسية التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مقابل معجزة اليد لموسى:

وأُعطي النبي صلى الله عليه وسلم مقابل اليد ما ذكره السيوطي: (وَقلت وأوتي الْيَد ونظيرها النُّور الَّذِي جعله آيَة للطفيل، فَصَارَ فِي وَجهه، ثمَّ خَافَ أَن يكون مثله، فتحول إِلَى سَوْطه كَمَا تقدم فِي بَاب إِسْلَام الطُّفَيْل).

 

وجاء في ترجمته رضي الله عنه قال - رضي الله عنه -: قلت: يا رسول الله، إني أرجع إلى دوس وأنا فيهم مُطاع، وأنا داعيهم إلى الإسلام، لعل الله أن يهديهم، فادعُ الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: "اللهم اجعل له آية تُعينه على ما ينوي من الخير".

 

قال: فخرجت حتى أشرفت على ثنية أهلي التي تهبطني على حاضر دوس، قال: وأبي هناك شيخ كبير وامرأتي ووالدتي، قال: فلما علوت الثنية وضع الله بين عيني نورًا يتراءاه الحاضر في ظلمة الليل، وأنا منهبط من الثنية، فقلت: اللهم في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة لفراق دينهم، فتحول في رأس سوطي، فلقد رأيتني أسير على بعيري إليهم، وإنه على رأس سوطي كأنه قنديل معلق فيه، حتى قدمت عليهم)[1].

 

وقال الزرقاني في شرحه على المواهب اللدنية:

فأُعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم - يعني مقابل اليد - أنه أعطى قتادة بن النعمان رضي الله عنه - الأوسي البدري - وكان قد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة - عرجونًا، وقال: (انطلِق به، فإنه سيُضيء لك من بين يديك عشرًا) من الأذرع، ومن خلفك عشرًا من الأذرع، هذا هو المتبادر، ومثله لا ينظر فيه، وذلك أعظم من اليد، فإن خلق الضوء في العرجون، (فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا فاضربه عشرًا، حتى يخرج فإنه الشيطان)، فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد، وضربه حتى خرج؛ رواه أبو نعيم.

 

وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس: كان عباد بن بشر وأسيد بن حضير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة: حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا, فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها على هذا الوجه أعظم من البياض الذي في اليد، "فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا، فاضربه حتى يخرج، فإنه الشيطان".

 

المحور الثالث: العصا: وما ظهرت بها عدة معجزات:

أولًا: ضرب بها موسى عليه السلام الحجر فنبع منه الماء: لقد أيد الله تعالى موسى عليه السلام بأن فجَّر له الماء من الحجر، وذلك عندما كان في أرض التيه، وطلب منه بنو إسرائيل أن يستسقي لهم ربه تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [البقرة: 60].

 

قال الرازي: واعلم أن هذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل، وهو جامع لنعم الدنيا والدين، أما في الدنيا فلأنه تعالى أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء، ولولاه لهلكوا في التيه، كما لولا إنزاله المن والسلوى لهلكوا، فقد قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 8] وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنبياء: 30]، بل الإنعام بالماء في التيه أعظم من الإنعام بالماء المعتاد؛ لأن الإنسان إذا اشتدت حاجته إلى الماء في المفازة، وقد انسدت عليه أبواب الرجاء، لكونه في مكان لا ماء فيه ولا نبات، فإذا رزقه الله الماء من حجر ضُرب بالعصا، فانشق واستقَى منه، علِم أن هذه النعمة لا يكاد يعدلها شيءٌ من النعم، وأما كونه من نعم الدين، فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه، ومن أصدق الدلائل على صدق موسى عليه السلام، وها هنا مسائل ذكرت بعضها على حسب ما يقتضيه المقام:

المسألة الأولى: جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه؛ لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ، خافوا العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر، وأنكر أبو مسلم حمل هذه المعجزة على أيام مسيرهم إلى التيه، فقال: بل هو كلام مفرد بذاته، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على عادة الناس إذا أقحطوا، ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق الإجابة بالسقيا وإنزال الغيث، والحق أنه ليس في الآية ما يدل على أن الحق هذا أو ذاك، وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التيه، ويدل عليه وجهان:

أحدهما: أن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النادر.

 

الثاني: ما رُوي أنهم كانوا يحملون الحجر مع أنفسهم؛ لأنه صار معدًّا لذلك، فكما كان المن والسلوى ينزلان عليهم في كل غداة، فكذلك الماء ينفجر لهم في كل وقت، وذلك لا يليق إلا بأيامهم في التيه.

 

المسألة الثانية: الفاء في قوله: ﴿ فَانْفَجَرَتْ ﴾ متعلقة بمحذوف؛ أي: فضرب فانفجرت، أو فإن ضربت فقد انفجرت، بقي هنا سؤالات:

السؤال الأول: هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر، فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف؟

 

الجواب: لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر، ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة؛ لأن ذلك لو قيل: إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت؛ لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصيًا، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب، صار الأمر بالضرب بالعصا عبثًا، كأنه لا معنى له، ولأن المروي في الأخبار أن تقديره: فضرب فانفجرت؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَانْفَلَقَ ﴾ [الشعراء: 63]، من أن المراد فضرَب فانفلَق.

 

السؤال الثاني: أنه تعالى ذكر ها هنا: ﴿ فَانْفَجَرَتْ ﴾، وفي الأعراف: ﴿ فَانْبَجَسَتْ ﴾ [الأعراف: 160]، وبينهما تناقض؛ لأن الانفجار خروج الماء بكثرة، والانبجاس خروجه قليلًا.

 

الجواب من ثلاثة أوجه:

أحدها: الفجر: الشق في الأصل، والانفجار الانشقاق، ومنه الفاجر؛ لأنه يَشُق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص، فلا يتناقضان.

 

وثانيها: لعله انبجس أولًا، ثم انفجر ثانيًا، وكذا العيون: يظهر الماء منها قليلًا، ثم يَكثُر لدوام خروجه.

 

وثالثها: لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر، أي يخرج الماء كثيرًا، ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس؛ أي يخرج قليلًا.

 

السؤال الثالث: معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه السلام؟


الجواب: كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة، لكن التي لمحمد صلى الله عليه وسلم أقوى؛ لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع، فغير معتاد البتة، فكان ذلك أقوى.

 

السؤال السادس: ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عينًا؟


والجواب: أنه كان في قوم موسى كثرة، والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء، ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجرٌ وتنازع، وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة، فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عيَّن لكل سبط منهم ماءً معينًا لا يختلط بغيره، والعادة في الرهط الواحد ألا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين.

 

السؤال السابع: من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز؟ والجواب: من وجوه:

أحدها: أن نفس ظهور الماء معجز.

 

وثانيها: خروج الماء العظيم من الحجر الصغير.

 

وثالثها: خروج الماء بقدر حاجتهم.

 

ورابعها: خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا.

 

وخامسها: انقطاع الماء عند الاستغناء عنه.

 

فهذه الوجوه الخمسة لا يُمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات، وحكمة عالية على الدهر والزمان، وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى)؛ اهـ.

 

ثانيًا: بيان المعجزات الحسية التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مقابل معجزة نبع الماء:

لقد نبع الماء لسيد البشر صلى الله عليه وسلم، لكن لم يكن من الحجر ولا بضربه بالعصا، بل كان من بين اللحم والدم؛ إذ تفجر الماء من أصابعه الشريفة؛ كما قال القرطبي: (قصة نبع الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - تكرَّرت في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يُفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، ولم يُسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا - صلى الله عليه وسلم - حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه)؛ اهـ.

 

وقد أشار الرازي إلى هذا المعنى كما ذكرناه قبل قليل.

 

ومن المواطن التي حدث بها تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم:

1- ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: ( عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه رِكْوة - إناء صغير من جلد يشرب فيه - فتوضأ منها، فجهش (فزع) الناس نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ما نتوضَّأ به ولا نشرب إلا ما بين يديك، قال: فوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألفٍ لكفانا، كنا خمس عشرة مائة).

 

2- وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأُتِيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِوَضوء، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده في ذلك الإناء، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم)؛ البخاري.

 

ومن الشواهد والأحداث القصة الطويلة - في غزوة ذات الرقاع - التي رواها الإمام مسلم في صحيحه، وجاء فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: (يا جابر، نادِ بوضوء، فقلت: ألا وَضُوء؟ ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ قال: قلت: يا رسول الله، ما وجدت في الرَّكْب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الماء في أشجاب له على حِمارةٍ من جَريد - (أعواد تُعلَّق عليها أسقية الماء) - قال: فقال لي: انطلق إلى فلان بن فلان الأنصاري، فانظر هل في أَشجابه (سقائه) من شيء؟ قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها، فلم أجد فيها إلا قطرة في عَزلاء شَجْبٍ منها (فَم قِربة قديم)، لو أني أُفرغه لشَرِبَه يابسُه، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إني لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجْبٍ منها، لو أني أُفرغه لشربه يابسُه، قال: اذهب فأتني به، فأتيته به فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويَغمِزه بيديه، ثم أعطانيه، فقال: يا جابر، نادِ بِجَفنة (قصعة)، فقلت: يا جفنة الركب، فأتيت بها تُحمل، فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده في الجفنة هكذا، فبسَطها وفرَّق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: خُذ يا جابر فصُبَّ عليَّ وقلْ باسم الله، فصببتُ عليه وقلت باسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم فارت الجَفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: يا جابر، نادِ مَن كان له حاجة بماء، قال: فأتى الناس فاستقوا حتى رَووا، قال: فقلت: هل بقي أحدٌ له حاجة، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده من الجفنة وهي ملأَى).

 

وعن قتادة قال: (حدثنا أنس بن مالك أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالزوراء - موضع بالمدينة - دعا بقدح فيه ماء، فوضَع كفَّه فيه، فجعل ينبع من بين أصابعه، فتوضَّأ جميع أصحابه، قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زُهاءَ الثلاثمائة)؛ رواه مسلم.

 

ونقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: "نبع الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر؛ حيث ضربه موسى - عليه السلام - بالعصا، فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم".

 

قال الزرقاني في شرح المواهب: ومما أُعطيه موسى عليه الصلاة والسلام تفجير الماء له من الحجارة، أُعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن الماء تفجَّر من بين أصابعه، وهذا أبلغ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع الماء منها، ولم تَجر العادة بنبع الماء من اللحم، ويرحم الله القائل:

وكلُّ معجزةٍ للرُّسل قد سَلفت
وافَى بأعجب منها عند إظهار
فما العصا حية تسعى بأعجب من
شكوى البعير ولا مِن مشي أشجار
ولا انفجار مَعين الماء من حجرٍ
أشد من سلسل من كفِّه جار

ثالثًا: انقلبت العصا حية: من المعجزات التي أُعطيها موسى عليه السلام لإقامة الحجة على فرعون ومَلَئِه انقلاب العصا حيةً؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى* قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ﴾ [طه: 17 - 21].

 

قال ابن كثير: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى)؛ أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى أَلْقها، (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)؛ أي: صارت في الحال حية عظيمة، ثعبانًا طويلًا يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر، وفي غاية سرعة الحركة، (تَسْعَى)؛ أي: تمشي وتضطرب.

 

رابعًا: بيان المعجزات الحسية التي أُوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مقابل انقلاب العصا إلى حية:

إنطاق الجماد له، وتكلُّم الحيوان إليه، الأمر الذي ترك أثره في النفوس، وحرك العقول، ولفت انتباه أصحابها نحو دعوته التي جاء بها، وأثبت لهم أنها دعوة صادقة مؤيَّدة بالحجج والأدلة والبراهين، فلا يليق بالعقلاء إلا الاستجابة لها، واتباع هذا الدين العظيم الذي يجلب لهم النفع، ويدفع عنهم الضر، ويرقى بهم بين الأمم، ويضمن لهم سعادة الدارين.

 

من ذلك تسليم الحجر والجبال والشجر عليه صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن)؛ رواه مسلم.

 

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله)؛ رواه الترمذي والدارمي، وصححه الألباني.

 

وهذه كلها أظهر من حركة الحية لموسى عليه السلام؛ لأنه لم يُرِد أن العصا بعد أن انقلبت إلى حية، تكلَّمت مع موسى عليه السلام، بينما هذه الجمادات كلها تكلمت وخاطبت النبي صلى الله عليه وسلم.

 

المحور الرابع: معجزة المن والسلوى التي أُعطيها موسى عليه السلام:

أولًا: المن والسلوى ورد ذكرهما في قصة موسى عليه السلام في قوله تعالى:

﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 57].

 

قال ابن كثير: لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكِّرهم أيضًا بما أسبغ عليهم من النعم، فقال: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ)، وهو جمع غمامة، سُمِّي بذلك؛ لأنه يغم السماء، أي: يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض، ظللوا به في التيه ليَقيهم حرَّ الشمس؛ كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفتون، قال: ثم ظلَّل عليهم في التيه بالغمام.

 

وعبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم مَن فسَّره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم أنه كل ما امتنَّ الله به عليهم من طعامٍ وشراب، وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كَدٌّ، فالمن المشهور إن أُكل وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مُزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركِّب مع غيره صار نوعًا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده.

 

والدليل على ذلك قول البخاري عن سعيد بن زيد - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الكَمأة من المن، وماؤُها شفاءٌ للعين).

 

ثانيًا: ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم مقابل المن والسلوى: تكثير الطعام، وقد كان معجزة أيَّد الله بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - شاهَدها الناس، وعايَشها أصحابه، فكان لها أثرٌ كبير في دخول الناس في دين الله، وتركت صدًى عظيمًا في نفوس المسلمين، وأسهمت في زيادة إيمانهم وتعلقهم بربهم، وحل مشكلاتهم وأزماتهم، فسبحان مَن لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك:

1- كان لأبي هريرة رضي الله عنه مع هذه المعجزة قصَّة، فقد اشتدَّ به الجوع ذات يومٍ حتى اضطرَّ إلى أن يربط على بطنه حجرًا، فقام يسأل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ويحادثهما عسى أن يظفر منهما بدعوةٍ إلى طعام، لكنَّهما لم يُدركا مقصوده، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرَف ما به من جوعٍ، فدعاه إلى وعاءٍ من لبنٍ، لكنَّ فرحة أبي هريرة رضي الله عنه لم تكتمل، فقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ أهل الصفَّة كلَّهم، فامتثل أبو هريرة رضي الله عنه للأمر النبوي، وهو يظنُّ أن مراده لن يتحقَّق، ولم يدر أنه سيكون شاهدًا على إحدى معجزات النبي – صلى الله عليه وسلم - فقد شرب جميع مَن جاء من أهل الصفَّة والوعاء على حاله لم ينقص، ثم شرب منه أبو هريرة رضي الله عنه حتى لم يعد قادرًا على الزيادة منه، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم - آخرهم شربًا؛ رواه البخاري.

 

2- عندما كان الصحابة رضي الله عنهم يعملون في حفر الخندق، حينما أطعم الله تعالى على يدي نبيه صلى الله عليه وسلم ألف نفرٍ من شاة صغيرة وصاع من شعير، فقد جاء في الحديث المتفق عليه أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما رأى جوعًا شديدًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق إلى بيته، وأخرج جرابًا فيه صاع من شعير، وذبح شاة، وجهز هو وزوجته طعامًا، ثم دعا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إليه، فلما رأى جابرٌ النبي - صلى الله عليه وسلم - وبصحبته أهل الخندق، فزِع من ذلك المشهد، وذهبت به الظنون كل مذهب، وقال في نفسه: كيف يمكن لهذا الطعام أن يكفي كل هذا الحشد، فعلم النبي - صلى الله عليه وسلم – ما يدور في نفس جابر رضي الله عنه، فأخبره بألا ينزل القدر، وألا يخبز الخبز، حتى يأتيه ويبارك فيه، ثم أكلوا جميعًا وشبعوا، والطعام كما هو.

 

3- وفي غزوة تبوك أخذ الجوع من الصحابة كل مأخذ، فاستأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في نحر رواحلهم، فطلب منهم أن يأتوه بفضل أزوادهم - أي ما بقِي من أطعمتهم - فدعا فيه بالبركة، ثم قال: (خذوا في أوعيتكم)، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا مَلَؤُوه، فأكلوا حتى شبِعوا، وحملوا ما بقي، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.



[1] أخرجه ابن سعد 4/238، والبيهقي في دلائل النبوة (2108)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (186)، وفي معرفة الصحابة (3500)، وابن عساكر في التاريخ 25/12.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • بيان ما يتعلق بعلوم بعض الأنبياء عليهم السلام
  • بيان فضل علم النبي صلى الله عليه وسلم
  • بيان اتصاف الأنبياء عليهم السلام بالرحمة
  • بيان ما أعطيه موسى عليه السلام في مقام الرعاية
  • بيان ما أعطيه النبي محمد من معرفة ملكوت السماوات والأرض
  • الموازنة بين معجزة موسى في انفلاق البحر ومعجزة النبي في انشقاق القمر

مختارات من الشبكة

  • الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام لربه وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم (3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام لربه وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم (1)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين دعائه صلى الله عليه وسلم لأمته وبين دعاء كل نبي لأمته(مقالة - ملفات خاصة)
  • الموازنة بين معجزة تكسير الخليل إبراهيم للأصنام وتكسير النبي محمد لها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين معجزة إلقاء الخليل عليه السلام في النار وما أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم مقابل ذلك(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه الله تعالى(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • رعاية الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وحمايته من شر الأعداء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من معجزاته صلى الله عليه وسلم(مقالة - موقع د. أمين بن عبدالله الشقاوي)
  • اختيارك(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان
  • مسجد في بلاكبيرن يطلق ثلاجة غذائية لدعم الأسر المحتاجة
  • مسجد جديد في قراتشاي – تشيركيسيا
  • إحياء الذكرى الـ450 لتأسيس مسجد شوجدين في روغاتيكا
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية
  • دورة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والمواطنة الرقمية للطلاب المسلمين في البوسنة
  • بدء تشييد مسجد جديد بمدينة ياكورودا جنوب غرب بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 14/12/1447هـ - الساعة: 12:49
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب