• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الشيخ عبدالرحمن الشثريالشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري شعار موقع الشيخ عبدالرحمن الشثري
شبكة الألوكة / موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري / خطب منبرية


علامة باركود

الفوائد العقدية في قصة نبي الله يونس عليه السلام (خطبة)

الفوائد العقدية في قصة نبي الله يونس عليه السلام (خطبة)
الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري


تاريخ الإضافة: 15/4/2026 ميلادي - 27/10/1447 هجري

الزيارات: 249

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الفوائدُ العَقَدِيَّةُ في قِصَّةِ نَبيِّ اللهِ يُونُس عليه السلامُ

 

إِنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]،﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70-71].


أما بعد: فيا أيها الناسُ اتقوا اللهَ وآمِنُوا ﴿ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 179]، أَلا وإِنَّ مِن رُسُلِ اللهِ الذينَ قَصَّهُم اللهُ في كِتابهِ وفي سُنَّةِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم: نَبِيُّ اللهِ يُونس بن مَتَّى عليه السلام، وهوَ من أنبياءِ بني إسرائيلَ العظامِ، جَمَعَ اللهُ بينَ النُّبوَّةِ والرِّسَالةِ، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الصافات: 139]، وقد ذكَرَهُ الله في القرآن في سِتِّ سُوَرٍ، وهي: النساءُ والأنعامُ والأنبياءُ ويُونس والصافات والقَلَم، وسُمِّيت سورةٌ باسمِه، وذُكِرَ مَرَّةً بذي النُّونِ أي الحوتِ، ومَرَّةً بصاحبِ الحوتِ، بَعَثَهُ اللهُ إلى أَهْلِ نِيْنَوَى مِن أرضِ الموصلِ بالعِراقِ، فدعاهم إلى اللهِ تعالى فَأَبَوْا عليهِ، ثم كرَّرَ عليهم الدَّعْوةَ فَأَبَوا، فَوَعَدَهُم العذابَ وخَرَجَ مِن بينِ أظهرِهم قبل أنْ يستأذن الله، قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه في قِصَّة الهِجرةِ مِن مكة إلى المدينة: (فَإِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قَدْ ‌أَذِنَ ‌لِي ‌بالْهِجْرَةِ) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة وأصله في البخاري، فَخَرجَ يونسُ وأَبَقَ مُغاضباً لَهُم، وأَلْقَى اللهُ في قلوبِ قومِه التوبة إلى اللهِ والإنابة بعدما شاهدُوا مُقَدِّماتِ العذابِ، فكشفَ اللهُ عنهم العذابَ، قال عبدُاللهِ بنُ مسعودٍ رضي الله عنه: (إِنَّ يُونُسَ كَانَ قد وَعَدَ قَوْمَهُ الْعَذَابَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِيهِمْ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، ثُمَّ خَرَجُوا فَجَأَرُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفَرُوهُ، فَكَفَّ اللهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، وغَدَا يُونُسُ يَنْتَظِرُ الْعَذَابَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، وَكَانَ مَنْ كَذَبَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ قُتِلَ، فَانْطَلَقَ مُغَاضِبَاً -أي لِقَوْمِه- حَتَّى أَتَى قَوْمًا في سَفِينَةٍ فَحَمَلُوهُ وَعَرَفُوهُ، فَلَمَّا ‌دَخَلَ ‌السَّفِينَةَ ‌رَكَدَتْ، والسُّفُنُ تَسِيرُ يَمِينًا وَشِمَالاً، فَقَالَ: مَا لِسَفِينَتِكُمْ؟ قَالُوا: مَا نَدْرِي؟ قَالَ يُونُسُ: إِنَّ فِيهَا عَبْدًا أَبَقَ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّهَا لا تَسِيرُ حَتَّى تُلْقُوهُ، فَقَالُوا: أَمَّا أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللهِ فَوَاللهِ لا نُلْقِيكَ، فَقَالَ لَهُمْ يُونُسُ: فَأَقْرِعُوا فَمَنْ قُرِعَ فَلْيَقَعْ، فَقَرَعَهُمْ يُونُسُ فَأَبَوْا أَنْ يَدَعُوهُ، فَقَالُوا: مَنْ قُرِعَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَلْيَقَعْ، فَقَرَعَهُمْ يُونُسُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَوَقَعَ، وَقَدْ كَانَ وُكِّلَ بِهِ الْحُوتُ، فَلَمَّا وَقَعَ ابْتَلَعَهُ فَأَهْوَى بِهِ إِلَى قَرَارِ الأَرْضِ، فَسَمِعَ يُونُسُ تَسْبِيحَ الْحَصَى، ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87]، ظُلُمَاتٌ ثَلاثٌ، ظُلْمَةُ بَطْنِ الْحُوتِ، وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ، وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ، قَالَ: فَنُبِذَ ﴿ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ [الصافات: 145]، قَالَ: كَهَيْئَةِ الْفَرْخِ الْمَمْعُوطِ -أي مِن البيضةِ- لَيسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وَأَنْبَتَ اللهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ كَانَ يَسْتَظِلُّ بِهَا وَيُصِيبُ مِنْهَا، فَيَبِسَتْ فَبَكَى عَلَيْهَا حِينَ يَبِسَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: تَبْكِي عَلَى شَجَرَةٍ يَبِسَتْ ولا تَبْكِي عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ أَنْ تُهْلِكَهُمْ، فَخَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِغُلامٍ يَرْعَى غَنَمَاً، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ يَا غُلامُ؟ فَقَالَ: مِنْ قَوْمِ يُونُسَ، قَالَ: فَإِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ قَدْ لَقِيتَ يُونُسَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْغُلامُ: إِنْ تَكُنْ يُونُسَ فَقَدْ تَعْلَمُ أَنَّ مَنْ كَذَبَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنْ يُقْتَلَ، فَمَنْ يَشْهَدُ لِي؟ فَقَالَ لَهُ يُونُسُ: تَشْهَدُ لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةُ وَهَذِهِ الْبُقْعَةُ، فَقَالَ الْغُلامُ: مُرْهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا يُونُسُ: إِنْ جَاءَكُمَا هَذا الْغُلامُ فَاشْهَدَا لَهُ، قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْغُلامُ إِلَى قَوْمِهِ وَكَانَ لَهُ إِخْوَةٌ وَكَانَ في مَنَعَةٍ، فَأَتَى الْمَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي لَقِيتُ يُونُسَ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ، فَأَمَرَ بِهِ الْمَلِكُ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ لَهُ بَيِّنَةً، فَأَرْسَلَ مَعَهُ فَانْتَهَوْا إِلَى الشَّجَرَةِ وَالْبُقْعَةِ، فَقَالَ لَهُمَا الْغُلامُ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ أَشْهَدَكُمَا يُونُسُ؟ قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْقَوْمُ مَذْعُورِينَ يَقُولُونَ: يَشْهَدُ لَهُ الشَّجَرَةُ وَالأَرْضُ، فَأَتَوَا الْمَلِكَ فَحَدَّثُوهُ بِمَا رَأَوْهُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَتَنَاوَلَهُ الْمَلِكُ فَأَخَذَ بِيَدِ الْغُلامِ فَأَجْلَسَهُ في مَجْلِسِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَكَانِ مِنِّي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَأَقَامَ لَهُمْ ذَلِكَ الْغُلامُ أَمْرَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً) رواه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وصحَّحَ ابنُ حَجَرٍ إسنادَ ابن أبي حاتم.


عباد الله: في هذهِ القصةِ مِن الفوائدِ العظيمةِ:

أولاً: عتابُ اللهِ ليونسَ صلى الله عليه وسلم اللطيفُ، وحبسهُ في بطنِ الحوتِ ليكونَ كفارةً وآيةً عظيمةً وكرامةً ليونسَ.


ثانياً: مِن نعمةِ اللهِ على يُونس أنهُ استجابَ لهُ هذا العددُ الكثيرُ مِن قومهِ، قال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [الصافات: 147-148]، قيل: يزيدون عَشَرَةَ آلافٍ، وكثرةُ أتباعِ الأنبياءِ مِن جُملةِ فضائلِهم.


ثالثاً: مِن فضائلِ نبيِّ الله يُونس: أنَّ اللهَ فضَّلَه مع بعض الأنبياءِ على العالَمِين، قال تعالى: ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 86]، وأنه مُستجابُ الدعوة، قال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾ [الأنبياء: 76]، وأنه مُسبِّحٌ للهِ، قال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴾ [الصافات: 143]، وأنه أنعمَ الله عليهِ، قال تعالى: ﴿ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ [القلم: 49]، وأنه مُجتَبَىً وصالِحٌ، قال تعالى: ﴿ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [القلم: 50]، وقال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَالَ: أَنَا ‌خَيْرٌ ‌مِنْ ‌يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ) أخرجه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: (ولا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا ‌أَفْضَلُ ‌مِنْ ‌يُونُسَ بْنِ مَتَّى) متفق عليه، وقد حَجَّ يونس عليه السلام، قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: (كَأَنِّي ‌أَنْظُرُ ‌إِلَى ‌يُونُسَ بْنِ مَتَّى عليه السلام عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي) أخرجه مسلم.


ثالثاً: أنَّكَ إذا كانتْ لكَ أعمالٌ صالِحةٌ معَ ربِّكَ سبحانه، وقدْ تعرَّفْتَ إليهِ في حالِ الرَّخاءِ؛ أنَّ اللهَ يشكرُ لك ذلكَ، ويَعْرِفُكَ في حالِ الشِّدةِ بكشفِها عنكَ بالكُليَّةِ أو بتخفيفِها؛ ولهذا قَالَ سُبحانه في قصةِ يونسَ: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الصافات: 143-144].


رابعاً: ما قالهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في فضلِ دَعْوة يونس: (دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ هُوَ في بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87]، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ في شَيْءٍ قَطُّ إِلا اسْتَجَابَ لَهُ) رواه الإمام أحمد وحسَّنه محققو المسند، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: («ألا أُخْبرُكُم أوْ أُحدِّثُكُم بشيءٍ إذا نَزَلَ برَجُلٍ منكُمْ كَرْبٌ أوْ بَلاءٌ مِن أَمْرِ الْدُّنْيَا دَعَا ربَّهُ ففَرَّجَ عنهُ»؟ قالَ: فقالُوا: بَلَى، قالَ: «دُعَاءُ ذِي النُّونِ، قالَ: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87]» رواه ابنُ أبي الدُّنيا وصَحَّحهُ الذهبيُّ.


قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية رحمه الله: (سَمَّاهَا «دَعْوَةً» لأنها تَتضمَّنُ نَوْعَي الدُّعاءِ، فقولُهُ: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ﴾، اعترافٌ بتوحيدِ الإلَهِيَّةِ، وتوحيدُ الإلَهِيَّةِ يَتَضَمَّنُ أَحَدَ نَوْعَي الدُّعاءِ، فإنَّ الإلهَ هوَ الْمُسْتَحِقُّ لأَنْ يُدْعَى دُعَاءَ عِبَادةٍ ودُعَاءَ مَسْأَلَةٍ، وهوَ اللهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ، وقولُهُ: ﴿ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾، اعترافٌ بالذنبِ، وهوَ يَتضمَّنُ طَلَبَ المغفرةِ، فإنَّ الطَّالبَ السائلَ تارةً يَسأَلُ بصيغَةِ الطَّلَبِ، وتَارَةً يَسأَلُ بصيغةِ الْخَبَرِ، إمَّا بوَصْفِ حالهِ، وإمَّا بوَصْفِ حَالِ الْمَسْئُولِ، وإمَّا بوصْفِ الْحَالَيْنِ)، وقال أيضاً: (ففِي هذا ‌الدُّعَاءِ ‌التهليلُ ‌والتسبيحُ، فقولُهُ: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ﴾: تهليلٌ، وقولهُ: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾: تسبيحٌ) انتهى.


خامساً: أنَّ الإيمانَ يُنَجِّي مِن الأهوالِ والشدائدِ؛ لقولهِ تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 88]، قال ابن جرير: (يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكما أنْجَيْنا يونُسَ مِن كربِ الحبسِ في بطنِ الحوتِ في البحرِ إذ دعانا، ‌كذلك ‌نُنْجِى ‌المؤمنين مِن كُرَبِهِم إذا اسْتَغاثوا بنا ودَعْونا) انتهى، وقال السعدي: (وهذا ‌وعد ‌وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها ويكشف عنه ويخفف لإيمانه كما فعل بيونس عليه السلام) انتهى.

 

الخطبة الثانية

أما بعد: فمن الفوائد: سادساً: أَنَّ قرية نِينَوَى هي القريةُ الوحيدةُ بنصِّ القرآن الكريم التي نَفَعَهَا إيمانُها، فأنجاها الله مِن العذاب، قال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [يونس: 98].


سابعاً: ألا تيأس مِن هدايةِ أحدٍ أو تيأس من شفاءٍ مِن مرضٍ أو تيأس مِن قضاءِ دَينٍ وتفريجِ كُربةٍ، فتقع في القنوطِ واليأسِ مِن روح الله، وهذا مِن كبائر الذنوبِ، قال تعالى في قصة يوسف: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87]، وقال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56].


ثامناً: إنَّ لكثرة الصلاة والتسبيح والاستغفار في الرخاء شأن عظيم لتفريج الكروب ورفعِ الابتلاءات، قال قتادةُ رحمه الله في قَوْلِهِ: ([فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ] قَالَ: كَانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ فِي الرَّخَاءِ فَنَجَا، [لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ]، قَالَ: لَصَارَ لَهُ ‌بَطْنُ ‌الْحُوتِ ‌قَبْرًا [إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ] قَالَ: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) رواه ابن أبي حاتم، وقال تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 44]، وقال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: (ما كُرِبَ نَبِيٌّ مِنَ الأنبيَاءِ إلاَّ اسْتَغَاثَ بالتَّسْبيحِ) رواه ابنُ سمعون في أماليه، وقال عزَّ وجلَّ في قِصَّةِ أصحابِ الْجَنَّةِ: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ [القلم: 28-29]، فدَلَّ هذا على أنَّ عُمُومَ التَّسبيحِ مِمَّا يُفرِّجُ اللهُ بهِ الكُرُباتِ.


وكان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم إذا هَبَطَ وادياً سبَّحَ اللهَ، قال جابرٌ: (كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا) أخرجه البخاري، قال ابنُ حجر: (وَمُنَاسَبَةُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ الْهُبُوطِ؛ لِكَوْنِ الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ مَحَلَّ ضِيقٍ فَيُشْرَعُ فِيهِ التَّسْبِيحُ؛ لأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْفَرَجِ، كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ عليه السلام حِينَ ‌سَبَّحَ ‌فِي ‌الظُّلُمَاتِ فَنُجِّيَ مِنَ الْغَمِّ) انتهى، وقال المباركفوري: (وأما تسبيحه في بطون الأودية فهو مستنبط من قصة يونس عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الصافات: 143-144]، فَنَجَّاه الله تعالى بتسبيحه في بطن الحوت من الظُّلُماتِ، فامتثلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا التسبيحَ في بُطُونِ الأوديةِ ليُنَجِّيه الله منها ومِن أنْ يُدْرِكَهُ العَدُو) انتهى، وقد ورد الترغيب العظيم في التسبيح، قال صلى الله عليه وسلم: (ومَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ في يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ ولَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) رواه البخاري ومسلم، وحثَّ صلى الله عليه وسلم على قول: (سبحان الله) في اليوم مائة مرة، كما رواه مسلم، وعلى قول: (سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ)، [مِائَةَ مَرَّةٍ حِينَ تُصْبِحُ ومائة حين تُمسي] كما رواه مسلم، وعلى قول: (سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وبِحَمْدِهِ)، [مِائَةَ مَرَّةٍ حِينَ يُصْبِحُ ومائة مرة حين يُمسي] كما عند أبي داود وصححه الألباني، وقالت أم سلمة: (كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ لا يَقُومُ ولا يَقْعُدُ، ولا يَذْهَبُ ولا يَجِيءُ إلاَّ قالَ: «سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ») رواه ابن جرير وصححه الألباني، و(قيلَ لأبي الدَّرداءِ وكان لا يَفْترُ مِنَ الذِّكْرِ: كَمْ تُسَبِّحُ يا أبا الدَّرداءِ فِي كُلِّ يومٍ؟ قال: مائةَ ألفٍ إلاَّ أنْ تُخْطئَ الأصابعُ) رواه ابنُ سَعْدٍ، وكان أبو هُريرةَ (يُسبِّحُ كُلَّ يومٍ باثنتي عَشْرَةَ أَلْفَ تسبيحةٍ) رواه ابن سعد وصححه ابن حجر، وقال: عُبيدِ بنِ عُمَيْرٍ: «‌تَسْبيحَةٌ ‌بِحَمْدِ ‌اللهِ ‌في ‌صَحِيفَةِ ‌الْمُؤْمِنِ ‌خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَسِيرَ أوْ تَسِيلَ مَعَهُ جِبَالُ الْدُّنْيَا ذَهَبَاً») رواه ابنُ أبي شيبة بإسنادٍ صحيح.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • خطب منبرية
  • مقالات
  • كتب
  • صوتيات
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة