• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الشيخ عبدالرحمن الشثريالشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري شعار موقع الشيخ عبدالرحمن الشثري
شبكة الألوكة / موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري / خطب منبرية


علامة باركود

أحكام الشتاء العقدية والفقهية (خطبة)

أحكام الشتاء العقدية والفقهية (خطبة)
الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري


تاريخ الإضافة: 7/1/2026 ميلادي - 19/7/1447 هجري

الزيارات: 490

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أحكامُ الشتاءِ والبَرْدِ العَقَدِيَّة والفقهيَّة

 

(إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ‌ونَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ سلَّمَ.

 

أمَّا بَعْدُ: (فإنَّ خَيْرَ الحديثِ كِتابُ اللهِ، وخيرُ الْهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلُّ بدعَةٍ ضَلالَةٌ)، و (لا إيمانَ لِمَن لا أَمانةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ).

 

عباد الله: اتقوا الله تعالى، وتذكَّرُوا ما أصابنا قبل أيامٍ مِن شِدَّةِ بَرْدٍ مُفاجئٍ، والذي يُذكِّرُكَ بأنه خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللهِ تحتَ تصريفهِ وتدبيرِه، فاللهُ سبحانهُ هو الخالِقُ للبَرْدِ والْحَرِّ والْمُدبِّرُ لَهُما في الأوقاتِ التي يَشاؤُها سبحانه وعلى الصِّفةِ الْمُرَادَةِ منهُ جلَّ وعلا لِكُلِّ واحدٍ منهما، وذلك يدلُّكَ على حِكمةِ اللهِ ورحمتهِ ولُطْفهِ بعبادِه وإحسانهِ إلى خلقهِ مِن الناسِ والدَّوَابِّ والنبَاتِ، فَمِنْ حِكمةِ اللهِ الحكيمِ ورَحْمَتهِ بخلقهِ أن البَرْدَ في الشتاءِ تَحْصُلُ بهِ منافعٌ كثيرةٌ لِجَميعِ الْخَلْقِ، قال ابنُ رَجَبٍ: (فإنَّ الله ‌بحكمتِهِ ‌جَعَلَ ‌الْحرَّ ‌والبَرْدَ في الدُّنيا لِمَصالِحِ عبادِهِ، فالْحرُّ لِتَحلُّلِ الأخلاطِ والبَرْدُ لِجُمودِها، فمتى لم يُصِبِ الأبدانَ شيءٌ مِن الْحرِّ والبَرْدِ تَعَجَّلَ فَسَادُها، ولكنِ الْمأْمورُ بهِ اتِّقاءُ ما يُؤْذي البَدَنَ مِن ذلكَ؛ فإنَّ الْحرَّ الْمُؤْذِيَ والبَرْدَ الْمُؤْذِيَ مَعْدُودانِ مِن جُملةِ أعداءِ بني آدَمَ) انتهى.

 

لذا سيكون الحديثُ إن شاء الله عن البَرْدِ وتعريفهِ وأسمائهِ والْحِكْمةُ منه وعزائمُه ورُخَصُه وبِدَعُهُ وعن البَرْدِ في القبرِ وفي الْجَنَّةِ والنَّار.

 

مِن أسماءِ البَرْدِ: الصَّقيعُ، والْجَّمَد، والضَّرِيبُ، والقَرْسُ، والقُرُّ، والصِّرَّةُ، والزَّمْهَرِير.

 

فالصقيعُ والْجَمَدُ والقَرْسُ مِن أسماءِ البَرْدِ الشديدِ، والصِّرَّةُ والزَّمْهَريرُ هُمَا غايةُ البَرْدِ وشِدَّتِه، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ﴾ [آل عمران: 117].

 

ولم تَرِدْ كلمةُ الشتاءِ في القرآن الكريمِ إلا مرَّةً واحدةً في سورةِ قريش.

 

ومِن الْحِكَمِ أنَّ البَرْدَ يأتينا مُتدرِّجاً فينتفعُ به الْخَلْقُ ولا يَضُرُّهم، قال ابنُ القيم: (ولو دَخَل عليهِ مُفاجأةً لأَضرَّ ذلكَ بالأبدانِ وأهلكَها وبالنَّباتِ) انتهى.

 

ومِن الْحِكَمِ في البَرْدِ أن تتذكَّر الْجَنَّةَ وسلامةَ أهلِها مِن شِدَّة البَرْدِ والْحَرِّ، وتتذكَّر النارَ وما فيها من شِدَّةِ البَرْدِ والْحَرِّ، قال تعالى عن أهل الجنةِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 13]، وقال عَنْ أهلِ النَّارِ: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ [ص: 57]، قال ابنُ عباسٍ: (‌الغَسَّاقُ الزَّمْهَرِيرُ الْبَارِدُ) رواه ابن أبي حاتمٍ، وقال صلى الله عليه وسلم: (اشْتَكَتِ ‌النَّارُ ‌إلى ‌رَبِّها فقالَتْ: يا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضَاً! فأَذِنَ لَهَا بنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ ونَفَسٍ في الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وأَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) رواه البخاري ومسلم.

 

ومِن الحِكَمِ في البرْدِ أيضاً: أن تتذكَّرَ إخوانَكَ المحتاجينَ مِن المسلمينَ والمسلماتِ وخاصةً المشرَّدين.

 

ومِن الحِكَمِ أيضاً: أن الله قد يُخالف عادَته في الْحَرِّ والبَرْدِ فيجعلُ النارَ بَرْدَاً وسلاماً مُعجزةً لنبيٍّ أو كرامةً لوليٍّ، قال اللهُ في نَصْرِهِ لخليلهِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: 69-70]، وقد أَكْرَمَ اللهُ بعضَ عبادِه بنحوِ ما حَصَلَ لإبراهيمَ عليهِ السلامُ وذلك في قصة أبي مسلمٍ الخولاني رحمه الله مع أبي الأسود العنسي الذي ادَّعَى النبوَّةَ باليَمَنِ، فَأَلقَاهُ في نارٍ عظيمةٍ فخَرَجَ منها ولَمْ تَضُرَّه، فَنَفَاهُ مِن بلاده، فأتى ‌أَبُو ‌مُسْلِمٍ ‌الخَوْلانِيُّ ‌الْمدينةَ وقد قُبِضَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم واستُخْلِفَ أبو بكْرٍ، قال الذهبيُّ: (وَدَخَلَ المَسْجِدَ يُصَلِّي، فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ رضي الله عنه فَقَامَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنَ اليَمَنِ، قَالَ: مَا فَعَلَ الَّذِي حَرَّقَهُ الكَذَّابُ بِالنَّارِ؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللهِ بنُ ثُوَبٍ، قَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللهِ، أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَاعْتَنَقَهُ عُمَرُ، وَبَكَى، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصِّدِّيْقِ، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مَنْ صُنِعَ بِهِ كَمَا صُنِعَ بِإِبْرَاهِيْمَ الخَلِيْلِ) انتهى.

 

وعكس ذلك وهو كرامةٌ أيضاً: ما حَصَلَ لحذيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ في غزوةِ الأحزابِ حيثُ أَرْسَلَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليأتي بخبرِ الأحزاب، قال حذيفةُ: (فَرَجَعْتُ وَأَنَا ‌أَمْشِي ‌في ‌مِثْلِ ‌الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ، فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ) الحديث رواه مسلم، قال القرطبيُّ: (أي: لم يُصبه شيءٌ ‌مِن ‌ذلك ‌البَرْد ‌ببركةِ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مِن كراماتهِ، ألا ترى أنه لَمَّا فرغ من ذلك العمل أخذه البَرْدُ كما كان أولَ مرَّة؟) انتهى.

 

و(عَنْ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ:‌‌ ‌الشِّتاءُ ‌غَنِيمَةُ ‌العَابدِينَ) رواه أبو محمد البغدادي بإسنادٍ صحيحٍ.

 

وقالَ قَتادَةُ: (إنَّ الْملائِكةَ ‌تَفْرَحُ ‌بالشِّتاءِ للمُؤْمِنِ، يَقْصُرُ النَّهارُ فَيَصُومُهُ، ويَطُولُ اللَّيْلُ فَيَقُومُهُ، وبَلَغَنَا أنَّ عَامِرًا لَمَّا حُضِرَ جَعَلَ يَبْكِي، فَقَالُوا: ما يُبْكِيكَ يا عَامِرُ؟ قالَ: ما أَبْكِي جَزَعاً مِنَ الْمَوْتِ ولا حِرْصَاً على الدُّنيا، ولكِنِّي أَبْكِي عَلَى ظَمَأِ الْهَوَاجِرِ وقِيَامِ الشِّتَاءِ) رواه الإمام أحمد في الزُّهد بإسنادٍ صحيحٍ، قال ابنُ رجبٍ: (إنَّما كانَ الشِّتاءُ ربيعَ المؤمنِ لأنَّهُ يَرْتَعُ فيهِ في بساتينِ الطَّاعاتِ، ويَسْرَحُ في ميادينِ العباداتِ.. فكذلكَ يَصْلُحُ دينُ المؤمنِ في الشِّتاءِ بما يَسَّرَ اللهُ تَعالى فيهِ مِن الطَّاعاتِ).

 

و(عن أنسٍ عن أبي هُريرةَ قالَ: أَلا ‌أَدُلُّكُم ‌على ‌غَنِيمَةٍ ‌بارِدَةٍ؟ قالُوا: ماذا يا أبا هُريرةَ؟ قالَ: الصَّوْمُ في الشِّتاءِ) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزُّهد بإسنادٍ صحيح.

 

قال ابنُ رجبٍ: (ومعنى كونِها غنيمةً باردةً: أنها غنيمةٌ حَصَلَتْ بغيرِ قتالٍ ولا تعبٍ ولا مشقَّةٍ، فصاحبُها يَحوزُ هذهِ الغنيمةَ ‌عفوًا ‌صفوًا بغيرِ كُلْفةٍ) انتهى.

 

عباد الله: شدَّة البردِ في الشتاءِ مِن تنفُّس جهنم وزمهرِيرِها، قال صلى الله عليه وسلم: (‌إِذَا ‌اشْتَدَّ ‌الْحَرُّ ‌فَأَبْرِدُوا بالصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) رواه البخاري ومسلم، قال ابنُ رجبٍ: (قالَ الْحَسَنُ -البصري-: كلُّ ‌بردٍ ‌أهْلَكَ ‌شيئًا فهوَ مِن نَفَسِ جهنَّمَ، وكلُّ حَرٍّ أهْلَكَ شيئًا فهوَ مِن نَفَسِ جهنَّمَ) انتهى، وقال ابنُ رجبٍ: (وفُصولُ السَّنةِ تُذَكِّرُ بالآخرةِ: فَشِدَّةُ حَرِّ الصَّيفِ يُذَكِّرُ بِحَرِّ جهنَّمَ وهُوَ مِن سَمُومِها، ‌وشِدَّةُ ‌بَرْدِ ‌الشِّتاءِ يُذَكِّرُ بزمهريرِ جهنَّمَ وهوَ مِن زمهريرِها) انتهى.

 

عباد الله: وأمَّا عن عزائم البَرْدِ ورُخَصِه وبِدَعِه: فإنكَ تُؤجر على تَحَمُّل الْمَشاقِّ إذا أخذْتَ بالعَزائمِ واحتسبتَ الْمشقَّةَ في سبيلِ اللهِ، ومِن تِلْكَ الْمَشاقِّ ما يَنالُكَ مِن مَشقَّة البَرْدِ عندَ الوُضوءِ والاغتسالِ في الشتاء، قال صلى الله عليه وسلم: (‌أَلا ‌أَدُلُّكُمْ ‌عَلَى ‌مَا ‌يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وكَثْرَةُ الْخُطَا إلى الْمَسَاجِدِ، وانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم عن الكَفَّاراتِ في حديث الرُّؤْيا الطويل: (مَشْيُ الأَقْدَامِ إلى الجَمَاعَاتِ، والجُلُوسُ في المساجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وإسْبَاغُ الوُضُوءِ في المَكْرُوهَاتِ) الحديثُ رواه الترمذي وصححه.

 

قال ابن القيم: (‌الوضوءُ ‌بالْمَاء ‌الباردِ في شدِّة البردِ عبودية) انتهى.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ حَمْدَاً كَثيرَاً طَيِّبَاً مُبَارَكَاً فيهِ، مُبَارَكَاً عليهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا ويَرْضَى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه.

 

أمَّا بعدُ: فإن امتثال شرع الله في العزائم والرُّخص ومنها عزائمُ ورُخَصُ البَرْدِ مما يُحبُّه الله، (قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ) رواه الإمام أحمد وصحَّحه مُحقِّقو المسند، ومِن الرُّخصِ الشرعيةِ الْمُتعلِّقةِ بالبَرْدِ: التيمُّم عند اشتداد البَرْد أو عندَ خشيةِ الضَّرَرِ مِن الماء البارد: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: ‌احْتَلَمْتُ ‌في ‌لَيْلَةٍ ‌بَارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» فَأَخْبَرْتُهُ بالذي مَنَعَنِي مِنَ الاغْتِسَالِ، وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: [ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا]، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا) رواه أبو داود وقوَّى إسنادَه ابنُ حجر.

 

ومِن الرُّخص: الصلاةُ في البيتِ في الليلةِ شديدةِ البَرْدِ بدون جَمْعٍ: (عَنْ نَافِعٍ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلاةِ في لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ: ‌أَلا ‌صَلُّوا ‌في ‌الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ: ‌أَلا ‌صَلُّوا ‌في ‌الرِّحَالِ») رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.

 

ومِن الرُّخَصِ: الْجَمْعُ بين الصلاتينِ في المسجدِ عندَ اشتدادِ البَرْدِ: (عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ ‌في ‌غَيْرِ ‌خَوْفٍ ‌ولا ‌مَطَرٍ».. قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ) رواه مسلم، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية: (‌وَأَوْسَعُ ‌الْمَذَاهِبِ ‌في ‌الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ مَذْهَبُ الإمامِ أَحْمَد.. ويَجُوزُ في ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ الْجَمْعُ لِلْوَحْلِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الْبَارِدَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) انتهى.

 

ومِن الرُّخصِ: السَّدْلُ في الصلاةِ وهو منهيٌّ عنهُ إلاَّ في البَرْدِ الشديدِ، والسدلُ هو عدَمُ إدخالِ يديكَ في كُمِّ العباءةِ أو الفروة أو ما شابهَ ذلكَ مِن أجلِ البَرْدِ الشديدِ، قال وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ رضي الله عنه: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكَانَ " إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ الْتَحَفَ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ ‌أَخْرَجَ ‌يَدَيْهِ ‌ثُمَّ ‌رَفَعَهُمَا)، وفي رواية: (ثُمَّ جِئْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي ‌زَمَانٍ ‌فِيهِ ‌بَرْدٌ شَدِيدٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ جُلُّ الثِّيَابِ تَحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ) رواهما أبو داود وصححهما الألباني.

 

عباد الله: وأما عن البدعِ الْمُتعلِّقةِ بالبَرْدِ، فمنها: تَقَصُّدُ البُروزِ للبَرْدِ والتعرُّضِ له ظنَّاً أنَّ ذلكَ مِن مُجاهدةِ النفس، ومنها: إيقادُ النيرانِ في الشتاءِ احتفالاً بما يُسَمُّونه عيد ميلاد المسيح.

 

عبد الله: وأمَّا عن بَرْدِ الآخرةِ، فأَوَّلُه: بَرْدُ العيشِ بعدَ الموت، وقد كان مِن دعائه صلى الله عليه وسلم في الصلاة في الحديث الطويل: (وَأَسْأَلُكَ ‌بَرْدَ ‌الْعَيْشِ ‌بَعْدَ ‌الْمَوْتِ) الحديث رواه النسائي وابن حبان في صحيحه، وبَرْدُ العيشِ بعدَ الموتِ يَتَنَاولُ نعيمَ القبر، ويتناولُ بَرْدَ تخفيفٍ مِن الألم أو العذابِ في القبرِ بعدَ انقطاعهِ كما في قصَّةِ الْمَيِّتِ الْمَدِينِ بدينارينِ، ولَمَّا قضاهُما أبو قتادةَ، قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ‌(الآنَ ‌بَرَّدَتْ ‌عَلَيْهِ ‌جِلْدَهُ) رواه الإمام أحمد وحسَّنه محققو المسند.


ومما يَتَعَلَّقُ بالبَرْدِ في الآخرةِ أنَّ اللهَ نفَى عَنِ الْجَنَّةِ الْحَرَّ والبَرْدَ الشديد، فقال سبحانه: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 13].

 

وأما أهلُ النَّارِ، فقد نَفَى اللهُ عنهم البَرْدَ الذي يُبَرِّدُ حَرَّ السعيرِ عنهم، وأثبَتَ لَهُمُ الغَسَّاق: وهو الزَّمْهَرِير، فقال سبحانه: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ [ص: 57-58]، قال ابنُ مَسعودٍ: (هو الزمهرير) رواه ابن جرير.

 

ولتحذر عبد اللهِ وتُحذِّرَ أولادَكَ مِن عَدَم التهاونِ بالبَرْدِ، (عن سُلَيْمِ بن عامِرٍ قالَ: كانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إذا حَضَرَ الشِّتاءُ تَعاهَدَهُم وكتَبَ إليهِم بالوصيَّةِ: إنَّ الشِّتاءَ قد حَضَرَ وهوَ عَدُوٌّ، فتَأَهَّبوا لهُ أُهْبَتَهُ مِن الصُّوفِ والْخِفَافِ والجواربِ، واتَّخِذوا الصُّوفَ شِعَارًا ودِثارًا؛ فإنَّ البَرْدَ عَدُوٌّ سَرِيعٌ دُخولُهُ، بَعيدٌ خُروجُهُ) رواه ابنُ الْمُبارك، وقال الإمامُ ابنُ تيمية: (وَالْبَرْدُ الشَّدِيدُ يُوجِبُ الْمَوْتَ بِخِلافِ الْحَرِّ، فَقَدْ ‌مَاتَ ‌خَلْقٌ ‌مِنْ ‌الْبَرْدِ بِخِلافِ الْحَرِّ فَإِنَّ الْمَوْتَ مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ) انتهى.

 

ولتحذر مِن تَرْكِ النَّارِ في البيتِ عِنْدَ النَّوْمِ، قال صلى الله عليه وسلم: (‌لا ‌تَتْرُكُوا ‌النَّارَ في بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ) متفق عليه، و(عَن أبي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: «احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ») رواه البخاري ومسلم.

 

وفي الشتاءِ يكثُر الزُّكامُ والْحُمَّى، (دَخَلَ صلى الله عليه وسلم عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَِّبِ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَِّبِ ‌تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتِ: الْحُمَّى لا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: لا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ») رواه مسلم، وجاءَ مِن طُرُقٍ كثيرةٍ عن أكثر من عشرين صحابياً: قَالَ صلى الله عليه وسلم: (‌الْحُمَّى ‌مِنْ ‌فَيْحِ ‌جَهَنَّمَ فَأَبْرُدُوهَا بِالْمَاءِ) متفق عليه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • خطب منبرية
  • مقالات
  • كتب
  • صوتيات
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة