• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
 
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / المرأة الأديبة / كاتبات الألوكة


علامة باركود

اختيار قاتل (قصة)

اختيار قاتل (قصة)
سعيدة بشار


تاريخ الإضافة: 20/5/2013 ميلادي - 10/7/1434 هجري

الزيارات: 4672

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

اختيار قاتل


عندما أتذكرُ كلَّ ما جرى، أتساءل إن كان بالإمكان فعل شيء حينها لتغيير مسار الأحداث؟ هل أذنبتُ في شيء؟ هل كان بإمكاني إنقاذه ولم أفعل؟ يُرهقني التَّفكيرُ! لا أعتقد، حاولت ما استطعت، لكنّه لم يفعل شيئًا لإنقاذ نفسه!

 

كنّا أربعةَ أطفال، لم يكن لي إخوةٌ صغار لألعب معهم، فكنتُ أذهب عند جيراننا، كان لهم طفلان وطفلة، وكنّا لا نتوقف عن اللّعب، كانت أمّي تمنعني أحيانًا من الذَّهاب؛ فلم أكن أعودُ إلى البيتِ إلا في وقتٍ متأخر، لكنَّها وأمام حُزني واستعطافِ جدَّتي تُطلقني وتُلح عليَّ أن أعودَ في وقتٍ مُبكر، كانت جدّتي تقول لها: "عندما تدخل إلى المدرسة لن تجد وقتًا للّعب، إمَّا هناك أو هنا لترتاح"، أخطأت جدّتي، أنا و"كنزة" كنّا في القسم نفسه، وأخواها كانا أكبرَ منّا، ويدرسان في المدرسة نفسها، كنّا لا نفترق إلا نادرًا! نأكل معًا، وندبِّر المقالب معًا، ونُعاقَب عليها معًا، كنّا أيضًا نتعارك أحيانًا ونتراشق بالأحجار ونتخاصم، ثمّ نتصالح، وكنّا نرفض أيَّ دخيلٍ إلى جماعتنا! كانت أيّامًا لا تُنسى.

 

ومع أنّ الزمن مرَّ حثيثًا، إلا أنَّ علاقتنا ظلَّتْ تقريبًا كما هي، عندما انتقلنا إلى المتوسطة، بدأتْ بعض الأمور تتغير! تلك العاصفة غيّرت فينا الكثير! دخلت السّاحة حكايات تافهة! ومشاعر جديدة! لكنّنا بقينا كما كنّا، لم يكن أحدنا يُخفي شيئًا عن الآخر، كلُّ واحدٍ منّا كان يحكي حكاياتِه، فإذا تَطلّبت الأمور مُساعدة، كنّا نتدخَّل، نُحضِّر السيناريوهات ونُمثِّلها، نوقِع من نشاء، ونَنتقِم ممّن نشاء! ولكن من يستطيع إيقاف الزّمن حيث يشاء!

 

"كمال" و"أمين" غادرَا إلى الجامعة، وبقيتُ مع "كنزة" لتحضير البكالوريا، كانا يدرسان بعيدًا ويأتيان في زياراتٍ قصيرة، العلاقات بيننا رغم وُدّها بدأ يكسوها نوعٌ من الغُربة! "كنزة" صارت قلقة! "كمال" صار كثير الشّجار مع "أمين"، شعرتُ بأمورٍ صاروا يُخفونَها عنها وعنّي! لحقنا بهم عامين من بعد، تعمّدنا الذَّهاب إلى حيث كانوا لتجتمع الشّلة من جديد، لكن.. فات الأوان! "أمين" تخلى عن الصّلاة، وما كان يؤديه في البيت كان تمثيلياتٍ فقط!

 

"كمال" ظلّ تقريبًا كما هو، لكنّه صار أكثر خجلاً، كان يقول لنا: "إنّه الحياء، وليس الخجل"، لم يَعُدْ يرفعُ عينيه كثيرًا عند الكلام! ويتجنّب الفتيات إلّا "كنزة" وأنا، كنّا نعرف أين نجده حين نحتاجه، إما في المعهد في المصلّى، أو في الملعب للتّدريب، لكن "أمين"، كيف تغيّر كلّ ذاك التّغيير؟ لاحظنا أنا و"كنزة" أن عددًا من الفتيات صِرن يتودّدن إلينا! فهمنا بعد ذلك أنّهن كنّ يتقرّبن من "أمين" عبرَنا، صارت له معارف كثيرة؛ ولذلك كان "كمال" يتشاجر معه فلم تكن الأمور تُعجبه، لكنّ السّيل كان أقوى منه ومنّا! حاولنا التّقرب من "أمين"، حاولنا استرجاعه؛ لكنّه رفض! قال لنا: "عيب أن نتحدّث في هذه الأمور، أنتنّ أخواتي وأحبكن، ولكنّي حرّ أفعل ما أريد".

 

لمحتُ فيه شخصًا غريبًا، أهذا الذي كنّا نلعبُ ونتعارك معًا؟ ويَشدُّ بعضنا شَعر بعض؟! حاولنا بكلّ الطُّرق استرجاعَه، وصلنا حتّى إلى درجة تهديد صديقاته بإعلام أهلهن، لكن ذلك لم يُفد شيئًا! بعضهن خافتْ وابتعدتْ، والأخريات لم يعبأن بنا، بل وسخِرن منّا! قيل لنا فيما بعد: إنّه لم يَعدْ لهن أهلٌ، تبرّؤوا منهن!

 

"كمال" صار كثير الانطواء على نفسه، ولم يَعد يحدّثه بتاتًا، و"كنزة" اضطرّت في سنتِها الثّانية إلى طلب عطلةٍ مرضية من الجامعة لمدّة عام، لم تحتمل الوضع، ولم يبق بيني وبين "أمين" إلَّا "صباح الخير" عند اللّمحة المفاجئة! وصار مجيئه إلى الجامعة نادرًا، ولم نعلم أين يقضي أيّامه ولياليَه! لو أنّنا فقط ربطناه وأرجعناه إلى البيت عنوة! وماذا يفيد "لو"؟ كان بالغًا متعلِّمًا وذكيًّا، وكان يعلم أنّ الحرام لا يأتي بخيرٍ أبدًا.

 

انتشار الحانات في تلك المدينة ساعد على تجذير الدّاء فيه، و"كمال" أخطأ حين تخلّى عنه، و"كنزة" عندما غادرت! وأنا حين سكتُّ، ووالداه حين انفصلا عن بعضٍ وتركاه! قيل عن تلك اللّعنة: "أمّ الخبائث"؛ لأنّها تكون البداية، تُحضّر الميدان لزروعٍ أخرى خبيثة، وهذا ما فعلتْه به! انحدرت به إلى قعر الجحيم! أين كان عقله؟! أين كان الطفل الرّاقد فيه؟ وذلك الوجه الملطّخ بالتّراب عندما كان يلعب ويضحك! كان قائد الشّلة، وكان أخي، يرهقني التفكير، هل أذنبت في حقه؟ وماذا كان بإمكاني فعله؟ أخبَرونا ذات يومٍ أنّه أُدخِل مصحة خاصّة، كان به داء قاتل لا علاج منه، لم نصدّق! فذاك المرض كنّا نسمع به في الخارج فقط، كيف انتقل إلى هنا؟! كان ذلك فضيحة كبرى!

 

ذهبنا نحن الثّلاثة لزيارته مرّة واحدة، لم يحتمل النّظر إلينا، أشاح بوجهه وبكى! كان وجهه مُسودًّا، ونحيلاً، وكان به شيء شوّه ملامحه، وكأنّه ليس هو، هل يكون ذاك الشّيء لون الخطيئة؟! هل للخطيئة لون؟! وشعره تساقط تمامًا، وجسده لم يبق منه إلا الجلد على العظم، وكان به تجاعيد، وذاك الرّداء الأبيض عليه، كم يبدو مُخيفًا! يُذكرني بالكفن، وتلك الرّائحة، وذاك المكان يَبعث في النّفس الاشمئزاز، قبورٌ مفتوحة في كل مكان، وكلّ النّزلاء محكومٌ عليهم بالموت البطيء! لم يستطع الكلام، صوتُه كان ضعيفًا ومخنوقًا، وقوّته وجسده والطّفل الذي كان يجري ويضحك، كان له شعر أملس جميل، وحينما يكون سعيدًا، كان يرفع يديه إلى السماء، ويدور ويضحك بقوّة، وكان شَعره يتطاير مع دورانه حتى يقع على الأرض، كم كان بريئًا حينها! أصواتنا حين كنّا نلعب لا تزال ترنّ في أُذني، كيف أوقع نفسه؟ أين كان عقله؟!

 

والداه رفضَا زيارته، تبرّأَا منه! أرادَا كتمانَ الخبر عن النّاس، غيّروا اسم المرض حين تحدّثا عنه في الجنازة! بعض النّاس علم بالحقيقة، والآخرون لم يتأكدوا، ظلّت عندهم شكوكٌ، رفض والداه في البداية استقبال جثّته ودفنها؛ لكن الإلحاح وتدخل بعض المقرّبين سوّى الوضع في النهاية، لم يُكشف عن وجهه، ولم يُسمح للنّاس برؤيته، وماذا كانوا سيَرَون؟ تُرك جثمانُه وحده في إحدى الغرف ودُفن في أرضٍ معزولة! رفضوا دفنه في مقبرة العائلة، وانتهت قصّته بكلّ بساطة.

 

مدينة قاتلة! لكنّها لم تقتلنا، نَجَوْنا، كان له عقلٌ مثلنا، لكنّه أرقده، لم أخطئ في حقِّه؛ لم يكن بوُسعي فعل شيءٍ ولا "كنزة" ولا "كمال" ولا أيّ أحد، كان بالغًا، متعلّمًا وذكيًّا، ولقد اختار!





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1446هـ / 2025م لموقع الألوكة