• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
 
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / المرأة الأديبة / كاتبات الألوكة


علامة باركود

أرض الميعاد (قصة قصيرة)

سعيدة بشار


تاريخ الإضافة: 5/4/2010 ميلادي - 20/4/1431 هجري

الزيارات: 8142

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

البيت يبدو كئيبًا، آثار الحِداد في كلِّ مكان: ملابسُ سوداء، ملامحُ شاحبة، أصواتٌ تتحدَّث بهمس، صرخاتُ الأطفال تَتَعالى من حينٍ إلى آخَرَ، وأناسٌ يذهبون ويجيئون، صعبٌ تقديم التَّعازي، لا أحدَ يعرف كيف يصوغها؛ فالوضْع غير اعتيادي! الميِّت لن يدخل الدَّار، ولن يُدفنَ في أرضه، اختار أرضًا أخرى.

 

"حنان" هي أختُه، وتصغُره بعشْر سنوات، هو اسمه "خالـد" شابٌّ في الخامسة والعشرين، هادِئ، قليل الكلام، تبدو على ملامحه سِماتُ الحياء والالْتزام، كثير الانزواء بنفسِه في مكتبته الصغيرة، كان يحبُّ المطالعة، أصدقاؤه القليلون كانوا يقولون عنه: إنَّه مهووس بالكتب والمجلاَّت، وكلِّ الكتابات الَّتي تتحدَّث عن "فلسطين"، الأقْصى، اليهود، الحروب المتعاقِبة بين العرب والخفافيش - كما كان يحلو له أن يسمِّي اليهود - كان لا يؤمن بالمفاوضات، ويعتبرها خيانةً وتهريجًا، أفكاره لم تكنْ مفهومةً من الَّذين كانوا يحيطون به، فاستردَّها إليه واستأمنها عمقَه.

 

درس الصَّحافة في الجامعة؛ أملاً منه أن يذهبَ إلى هناك، كان يرى موقعَه على تلك الأرض المنسية، عند تخرُّجه عمل في التلفزيون ضمنَ طاقم مِن المراسلين عبرَ أنحاء متعدِّدة من العالَم، اختار هو أن يذهبَ إلى "فلسطين" كمراسِل، ومعه تقنيان يعملان في التَّصوير: "رياض" و"عز الدين"، وكان لهما نفسُ الأفكار، كان رحيلُهم بالنِّسبة إليهم يومَ عِيد، وأهلهم اعتبروا ذلك انتحارًا.

 

"حنان" لم تفهمْ رحيله جيدًا، كان مفاجأةً بالنِّسبة إليها، اعتقدتْ أنَّه قد نَسِي كلَّ شيءٍ عن أحاديثه القديمة، لكنَّه كان صمتَ تخطيط، لا نِسيان، والآن عندما تدخل غرفتَه وتنظر في كلِّ البقايا، تودُّ لو أنَّها منعتْه.

 

الغرفة تبدو لها صامتةً إلاَّ مِن رنَّة بكائها الخافِت والمتقطِّع، دخلت إليها اليومَ لتمسحَ الغبار عنها، أرادتْ أن تبقى نظيفةً ومرتَّبة كما كانت دائمًا، كلُّ شيءٍ في مكانه، السرير، المنضدة الصَّغيرة بجانبه، وهناك المكتب، وعليه بعضُ المقالات الَّتي لم تنتهِ بعد، تصفحتْها بألَم: المقال الأوَّل عن: "الحرب في أفغانستان: الحقائق المجهولة"، والأخرى عن: "العراق" و"الشيشان: الحرب المنسية"، وأخرى عن: "الجزائر: المؤامرة الكبرى"، وأخرى كثيـرة حدَّثَتْ نفسها: لم يكن يفكِّر إلاَّ في الحروب، وها هي النتيجة!

 

منذ أيَّام اتَّصل بهم وفدٌ من إدارة التلفزيون والقُنصلية الفلسطينيَّة ليعلموهم بخبر استشـهاد "خـالد" و"ريـاض" و"عـز الدين" في ساحة الأقصى، شهود عِيان أفادوا بأنَّهم كانوا يتهيَّؤون لتصوير المسجد قبلَ صلاة الجمعة، لكنَّ طلقاتٍ ناريةً انطلقت من كلِّ مكان، والقنابل المسيلة للدُّموع فرَّقت الجموع، جنود الاحتلال أرادوا الدُّخول لمنْع الصَّلاة، لا أحدَ يدري لماذا، لكن الصحافيِّين الثَّلاثة - وبدلَ العودة إلى الوراء والاحتماء بالمسجد - تقدَّموا إلى موضع الهجوم، كان جنونًا منهم!

 

لم يكونوا يَحْمِلون إلاَّ الكاميرات، والجنود مدجَّجون بالسِّلاح، وبحقدٍ دفين للكاميرات والصَّحافيِّين، الفَزعُ كان شديدًا، والتَّدافُع بين النَّاس كان أشد، قبيل العصر، وعندَ هدوء الوضع عُثر على الصَّحافيِّين وفي أجسادهم رصاصاتٌ كثيرة، حتَّى الكاميرات لم تنجُ من مثل مصير أصحابها، والأشرطة الَّتي كانت بداخلها اختفتْ، لا أَثَر!

 

سكان "الخليل" تولَّوا دَفْنهم هناك، فتلك كانتْ رغبتهم، ففي المستشفى الَّذي نُقِلوا إليه عثر الطبيب المعاين على مذكرة "خالـد" كتب فيها يوميَّة واحدة، جاء فيها:

(الجمعة 14 أبريل 1997: نهضْنا اليومَ قُبيلَ الفجر، أدَّيْنا الصَّلاة في الحرم، الْتقينا بـ"زيـاد" في الموعد، اتفقْنا معه على الرحيل غدًا، عالَمٌ جديدٌ يفتح أمامنا، سنتمكن أخيرًا من تحقيق أغلى أمانينا! مَن كان يظن؟! كان حُلمًا وتحقَّق.

 

صحيحٌ أنَّ من كان صادقًا مع الله فإنَّ الله يَصْدُقه، وهذه المشاعر المتزاحمة في عمقي، كلُّ شيءٍ يبدو واضحًا أمامي، وهذه الأرض الطيِّبة كم أحبُّها! ليتني أُدْفَن فيها.

 

الأخبار الَّتي وصلتْنا بالأمس تتحدَّث عن وصول مبعوثٍ أمريكي جديد إلى "فلسطين" بعدَ يومَيْن لإجراء مفاوضات أخرى بيْن الجانبَيْن، أتساءل: كيف لم يسأموا من كلِّ هذا التَّهريج؟!

 

الكلُّ يعلم أنْ لا فائدةَ من ذلك، ولكنَّهم يستمرُّون في التَّمثيل، بالأمس أيضًا وصلَنا أمرٌ بالرَّحيل عن "القدس" خلال 48 ساعة، الصَّحافيُّون العرب غير مرغوبٍ فيهم في المنطقة، فليذهبوا إلى الجحيم! لم يبقَ لنا إلا تلقِّي الأوامر من هؤلاء القِرَدة والخنازير، فلْيَفعلوا ما يحلو لهم، لن نرحل.

 

أتساءل: كيف يكون شعورُ المرء عندَ قتْل أحدهم؟ الأكيد أنَّه سيكون رائعًا، قريبًا إن شاء الله، والحكَّام العرب! اللَّعنة على كلِّ مَن خان القضية مِن القِمَّة إلى القاعدة، "رياض" و"عز الدين" يُعدَّان الكاميرات للتَّصوير داخلَ الأقصى، سنبدأ بعدَ قليل إن شاء الله، كم أحبُّهما! إنَّهما...).

 

الكتابة توقَّفتْ هنا، والبقية معروفة.

 

أرجعت "حنان" المقالات إلى مكانها وهي تفكِّر: "لا أفهم لماذا فعل ذلك؟ و"زيـاد" مَن يكون؟ وكلُّ كلامه قبلَ رحيله، ماذا كان يعني؟ لم يكن ينوي العودةَ إلى هنا أبدًا، أكان يُحبُّ الموت إلى هذه الدرجة؟! كان يقول: إنَّ الموت هناك حياةٌ وخلود، ومنزلةٌ عُليَا عند الله، ورحمةٌ مِن عنده، وتلك الآيات الَّتي كان يقرؤها عليَّ، لم أحفظ أيًّا منها، ولم أفهمها جيدًا، ماذا كان يعني بالضَّبط؟ كان يقول: إنِّي نائمةٌ وفي سُباتٍ عميق، وهو؟ وتلك المكْتبة هناك، ماذا كان يجد فيها ليقضيَ السَّاعاتِ الطويلة؟!

 

أكيد أنَّ الإجابات هناك، سأقرؤها كلَّها، أريد أن أفهم، لكن قد أصِل إلى نفس مصيره، ثم ماذا؟ الموت مصيرٌ أكيد، فإنْ كانت هذه أحسنَ ميتة، فلمَ لا؟! أشعر أنَّ عالَمًا جديدًا يُفتح أمامي أيضًا، كما كان "خالـد" يقول دائمًا: (على بركة الله).





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر


 


تعليقات الزوار
2- بوركت يا أخية
أديب قبلان - سوري مقيم في مصر 07-04-2010 10:56 AM

بارك الله بك الأخت الكاتبة
ولعل ذلك يصبح حلما للشباب أن تكون الشهادة خاتمته فلا يأل جهدا في الوصول إليها وتحقيقها .
أسلوب أدبي رائع ومنسل بطريقة حيوية ينم عن متمكنة في أدب القصة، ليت الشباب يتجه إلى كتابة القصص الهادفة كهذه القصة وينصرف عن ترهات الأمور وسفاسفها .
وفقنا الله وإياكم

1- رااائع أسلوبك وجميلة مشاعرك
سلطان - السعودية 05-04-2010 12:23 PM

بارك الله فيكم وفي تصويرك الجميل وأسلوبك الرائع ومشاعرك الصادقة جعل الله كل بلاد المسلمين أمناً وأمانا

1 

أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1446هـ / 2025م لموقع الألوكة