• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
 
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / بوابة النثر / كُتاب الألوكة


علامة باركود

جناية الآباء على الأبناء ( قصة أصلها حقيقي )

أبو العلياء محمد بن سعد


تاريخ الإضافة: 11/12/2014 ميلادي - 18/2/1436 هجري

الزيارات: 6273

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

جناية الآباء على الأبناء

(قصة أصلها حقيقي)


لا أدري لماذا تذكرتُه الآن، لكنَّ الأسى يبعث الأسى، والشجى يُثيرُ الشجى، ولما كانت الحياة قد انقلبت فجأة إلى مِحَنٍ متواليات، وهمومٍ متتاليات، كان طبيعيًّا أن أتذكَّرَه وأضرَابَه ممن مروا في حياتي، واهتممت لفقدهم رغم أنه لم يمت.

 

كان شابًّا صغيرَ السن، غضًّا، لعله وقتها كان في الصف الأول الثانوي، وكان يختلف إلى المسجد الذي نصلي فيه، والذي يشتهر بين الناس باسم (مسجد السُّنِّية) لأن القائمين عليه كانوا من أهل التسنُّن والتمسك بالهدي الظاهر.

 

كان المسجد متميزًا؛ فالصلواتُ تُقامُ على السنّة، وكل (الإخوة) الذين يَؤمُّون الناس في الصلوات قد رزقوا حسن الصوت، وإجادة أحكام التلاوة، والتزام الهدي الظاهر، وكان بالمسجد مكتبة لأشرطة الدروس، والمحاضرات، والخطب لعدد من الدعاة والعلماء من كل بلدان المسلمين، وكان من بين الإخوة القائمين على المسجد بعض مَن يطلبون العلم، فكانت خطبهم جيدة تستهوي عامة الناس، وكان المسجد في أغلب أوقاته مفتوحًا للناس، ولا يعدم الداخل إليه جالسًا يحفظ القرآن، وآخر (يسمِّع) لأخيه، وآخر ممددًا، وآخر جلس لبعض شأنه، فكأن المسجد كان حياة كاملة.

 

هذا النشاط، والمناخ الدافئ، كان آسرًا لقلوب مرتادي المسجد جميعًا، كبارًا وصغارًا، وخاصة ذلك الشاب الذي لا يجد في بيته إلا جفافًا بعدما سافر الأب، وقام على البيت رجل لو وُزِّع جفافه على أمةٍ لأَرْدَاها، وهو خَالُ ذلك الشاب، وكان مقيمًا معهم في البيت نفسه.

 

كان الشاب حسنَ الخلق، لطيفًا، فامتلك قلوب القائمين على المسجد، فأحبوه جميعًا، ودفعه حبُّهم له إلى مزيد من الإقبال عليهم، والحبِّ لهم، وهيَّجَه ما كان يراه في المسجد من نشاط إلى أن طلب من بعض الإخوة تعليمَه تجويدَ القرآن، وبمثابرة ودأب منَّ الله عليه بتعلمه، وصار لا يُرى إلا رائحًا إلى المسجد، أو غاديًا، وصار الداخل إلى المسجد يتطلع بناظريه في المسجد ليرى العلامة المميزة للمسجد؛ وهي ذلك الشاب ذاهبًا جائيًا في المسجد يحفظ وِرْدَه، ويراجع محفوظاته، حتى إنِّي في المرات التي كنت أذهبُ فيها إلى المسجد مبكرًا قبل صلاة الفجر كنت أجده جالسًا على باب المسجد ممسكًا مصحفه يحفظ، ويراجع، فإذا رآني تحرَّج؛ لأن بعض الإخوة أخبره أنه يخشى عليه الرياء بهذا النشاط والدأب.

 

تغير كل شيء فيه، حتى ملامح وجهه فقد استنارت بنور الطاعة، لاسيما بعدما نبتتْ له شعيرات معدودة في لحيته، كان دائم ملاطفتها بيده، كالصبيِّ الصغير إذا بدأ شاربه في الظهور معلنًا تحول ذلك الصبي إلى رجل، فكان كأنه يريد أن يقول لكل الناس: صارت لي لحية.

 

وكم رأيته ينظر إليَّ وأنا جالس في المسجد فإذا هو يدقق في لحيتي، فإذا نظرت إليه قال: متى تكون لحيتي مثل لحيتك!

 

وكم كانت علامات السعادة الغامرة بادية على وجهه لكل أحد عندما اشترى قميصًا قصيرًا كما كان القائمون على المسجد يلبسون.

 

لم يعد أحد يخطئ النور الباديَ من وجه الصبي بسبب طاعة الله - عز وجل - والتزام السنة، وتغيرت حياته كلها.

 

وكان قلبه يكاد يطير من الفرحة عندما ننتهي من صلاة العشاء، ونخرج من المسجد جميعًا نسير في الطريق وهو معنا، وكأنه يريد أن يقول للجميع: انظروا هؤلاء إخواني، وأصدقائي.

 

وإنه ليعيش هذه السعادة إذ رآه ذلك الخال سائرًا معنا، فناداه والشرر يتطاير من عينيه، وصرخ في وجهه: (أنت هتمشيلي مع السنّية؟!)!

 

وهنا بدأت الأحداث تتسارع؛ فقد تأبَّط الرجل شرًّا، وضغط عليه حتى يمتنع عن المسجد، بدعوى أنه لا يمنعه إلا من هذا المسجد، وأن المساجد كثيرة دونه، وكانت هذه الدعوى في ظاهرها مقنعة لكل من حاول التدخل للشفاعة، لكن الذي لم يكونوا يعلمونه، ولم يفهموه قطُّ أن هذا المسجد بعينه هو حياة ذلك الشاب، وأن خروجه منه، وابتعاده عن هذا المناخ هو في الحقيقة حكم بالإعدام! إعدام لكل جميل في نفس ذلك الصبي، وكل خير اكتسبه في هذا المسجد، وبين هؤلاء الإخوة.

 

كان الرجل قاسيًا جدًّا في حكمه، ولم يستطع أحدٌ الحيلولة دون قراره، فكان الشاب كفريسة يلتهمها الضياع، ويقف الرجل مانعًا كلَّ محاولات إنقاذه؛ إذ كان رجلاً سيِّئَ الخلق إلى أقصى درجة، وله عداوة عجيبة لأصحاب الهدي الظاهر، أو (السُنِّيَّة) كما كان يحلو له ولغيره تسميتهم، وخشي الإخوة - أيضًا - أن يُفهم تدخلهم بأي صورة على أنه دفع للصبي للعقوق؛ كما كان الرجل يقول.

 

لم يكن الصبي قد صلُب عودُه حتى يستقيم وحده بعيدًا عن المسجد وعُمَّارِه، فكان انهياره سريعًا، ولا يجد بجواره من يأخذ بيده، وباءت كل محاولات التدخل بالفشل.

 

لم يكن له - بعدما فقد هؤلاء الإخوة والأصدقاء - إلا أصدقاء السوء، زملاء الدراسة، فتحول الشاب فجأة إلى مقصر في الصلاة، ثم تارك لها، مطلِق النظر للفتيات، شارب للدخان، وغير ذلك من المفاسد التي علمناها، والتي لم نعلمها، ولم نعد نراه إلا إذا تصادف مرورنا بطريق فيه حفل من حفلات ال(دي جي)، فنراه راقصًا لاهيًا، وإذا رآه أحدنا بمفرده في طريق فإنه ينخنس ويده على ذقنه، يظن أن كل ما نعلمه عنه هو أنه قد حلق لحيته، ولا يعلم ما علمناه عنه.

 

ذهبت عن وجهه كل علامات البهاء والنضارة، وصار وجهه أسودَ بلون المعاصي التي صار غارقًا فيها، يتنقل بين أنواعها، ويتسافل في دركاتها، والعجيب أن خاله لم يُر منكِرًا عليه أيًّا من هذه الأحوال، بل كان كهيئة المنتصر في معركة خاضها، ويدفع ثمنها غيره.

 

مرَّ زمان طويل، دخل فيها الشاب الجامعة، ولم نعد نسمع عنه، أو بالأحرى لم يعد ذكره حاضرًا بيننا، وإني لجالس في بيتي إذ رنَّ هاتفي، وعلى الجانب الآخر صوتُ امرأة.

 

• السلام عليكم، قالت المرأة.

• وعليكم السلام ورحمة الله

• الشيخ...؟

• نعم هو، تفضلي.

• أنا أم... أسكن في...

 

عرفتها، وعرفت أنها لا تعرف من تُحادث، ولا تدري أن هذا الشخص الذي تحادثه هو من رفض أخوها من قبل أي تدخل منه لاستنقاذ ابنها من يده، فلم أُبْدِ لها شيئًا.

 

• قلت: تفضلي.

• قالت: ابني يشرب المخدرات!

 

عرفت مَن تقصد، فاحتبس نَفَسي في صدري، وتجمع فيه غيظ وحنق عليها وعلى أخيها، فوق ما كان عليهما من قبل أضعافًا.

 

أكملَت: ليس هذا أسوأ شيء يا شيخ، فقد علمنا هذا منذ أمد بعيد، وسكتنا عليه وتعودناه، لكن الأمر وصل إلى حد أنه صار يسرق المال من البيت، ويضرب أخواته، ويسبني، وقد تهجم على خاله أكثر من مرة.

 

أحسست بخيبة أمل، وكدت أبكي بينما يمر في ذهني شريط ذكرياتي مع ذلك المسكين، أقارن بين أحداثه، وبين ما صار إليه حاله.

 

• أجبت بضيق: المطلوب؟

• قالت: دَلَّني عليك بعضُ الجيران لتأتي إليه فتحدثه، لعل الله يهديه على يديك.

 

تعجبت! وقلت في نفسي: إلى ماذا أهديه؟! أليس ما تطلبينه الآن هو ما كان عليه، وهل إذا وُفِّقْتُ في إرجاعه إلى دائرة الهدى مرة أخرى يكون في مأمن من ذلك الرجل خائن الأمانة؟!

 

رجعت للحوار بعد شرود، ثم قلت لها: وأين خاله؟!

 

لم تنتبه المرأة لدلالة هذا السؤال على أني أعرف القصة، فقد كانت تتحدث حديث من فقدت ولدها - وهي كذلك في الحقيقة - فأجابت:

• لو قَبِل كلامًا من كل أحد لم يقبل من هذا الخال.

 

• قلت: لِمَه؟

• قالت: قد كان الشاب ملتزمًا صحبةَ بعض الشباب المتدين... وأخذت تحكي لي عن أحواله في البيت وقتها، وأنا غارق في ذكرياتي مع ذلك المسكين، وكلما حكت لي شيئًا من أحواله في تعامله معها في البيت تذكرت حالاً مشابهًا له مما كان له في المسجد... حتى أفَقْتُ على قولها:

وكان هذا الخال سببًا في تركه للمسجد، وبُعْدِه عنهم حتى فسد تمامًا!

 

• قلت: حسنًا، وإذا كان الحال كذلك فمن يضمن أن الخال يرضى تدخُّل أحد؟

 

• فقالت: سيرضى يقينًا؛ لأنه صار يتشوَّف لأي أحد ينقذنا وينقذ هذا الخال من فساد الولد، وشره المستطير، فقد وصله أذاه.

 

كأن شيئًا بداخلي يلح عليَّ أن أخبرها بحقيقة معرفتي بالقصة، وموقعي منها، وأن أتشفَّى فيها وفي هذا الخال، لكن أبت عليَّ أخلاقي أن أفعل، وتذكرت ما يلزمني - من جهة الشرع - تجاه ذلك المسكين.

 

• قلت لها: أخبري ذلك الخال بأني آتٍ للحديث، (قلت ذلك لأنه قيِّم البيت).

 

فرحت المرأة بذلك، وشكرتني، ووعدت بأنها ستتصل مرة أخرى لتحديد موعد الزيارة.

 

أغلقت معها، فراودني حلم كأحلام الصغار، أني أرى هذا الصبي مرة أخرى فأزف إليه خبر موافقة خاله على رجوعه إلى المسجد، وحاله القديم من التدين، حتى تخيلتُه قائمًا ليحتضنني فرحًا مسرورًا كما كان يفعل قبل سنوات.

 

حلمت بذلك متناسيًا كل ما مضى من سنين وأحداث كفيلة بتغيير أنفُس وأحوال.

 

اتصلت المرأة بعد يومين يائسة، فظننت أن الخال قد عاد إلى شططه، وعناده، فرفض، لاسيما والمرأة ستخبره باسمي، لكن كانت المفاجئة:

عرفتك يا شيخ وعرفت كل شيء عنك، فما أن ذكرت أن شيخًا سيأتي للحديث مع الولد، وذكرت اسمك لدى أي منهما إلا وانفجر كلاهما؛ انفجر أخي مسرورًا:

ممتاز، أحسنتِ الاختيار، هذا الشخص له مكانة عند الولد، ولابد أنه سيقبل منه؛ فهو الشخص الذي... وسرد لي القصة.

 

وانفجر ابني ضاحكًا غاضبًا، وقال لي:

آلآن، أليس هذا هو الشرير القديم؟! أليس هذا هو الذي سيفسدني ويضيع مستقبلي؟! أليس هذا من اجتهدتم في إبعادي عنه؟! انسوا هذا الأمر لن أجلس مع أحد.

 

أكمَلَتْ: لي يومان أحاول معه، وهو يرفض تمامًا.

 

طلبت منها أن تعطيني رقم هاتفه لأتواصل معه، فقال لها: لن أجيبه، أنا أعلم رقم هاتفه، ولن أجيب على هاتف برقم غريب.

 

كان عند كلامه، فلم يُجِبْ على هاتفي، ولم يجبْ عندما هاتفتُه من رقم آخر، وحاولت التواصل معه بشتى الطرق، فلم تُجدِ معه أيٌّ منها.

 

في آخر مكالمة قالت: إنه يقول: أنا قَدَرُكم، ولابد أن تتحملوه كما تحملت أنا أن تكونوا قدري، ولابد أن أعذِّبَكم كما تعذبت.

 

كل هذا القدر من الحقد والضغينة لم يكن ليحمله ذلك القلب الذي عرفته، ليس هذا هو الشخص الذي كان أمامنا في المسجد، لقد كان قرار إخراجه من المسجد قرارًا بالإعدام!





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1446هـ / 2025م لموقع الألوكة