• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
 
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / بوابة النثر / كُتاب الألوكة


علامة باركود

هدايا الموج (قصة قصيرة)

هدايا الموج (قصة قصيرة)
د. أسعد بن أحمد السعود


تاريخ الإضافة: 31/3/2016 ميلادي - 21/6/1437 هجري

الزيارات: 4310

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

هدايا الموج


لم يكن معلمُ الجغرافيا عندما كنا نرسم خارطة اليونان بتشعُّبات وتعرجات امتداداتها في البحر -مقتنعًا بدقة الرسم؛فكان ما نحصلُ عليه من رضاه هي ابتسامته الساخرة، وكذلك ضحكته المؤيدة، عندما أعلِّق عليها بجرأة "أنها مثل عظام أصابع اليد المتناثرة"!

 

لم يكن لتعليقي - لحظتَها - أيُّ دفعٍ بزيادة درجة تقييمه التي كتبها باللون الأحمر، وثبَّتها بجانب الخارطة، لكنَّ ثقلَ يده حينما يضعها على رأسي يشعرني أنها هي التقييم الحقيقي لما تكون ما بين الرسم والكلام، وهذه لحظة من الزمن حفرت في ذاكرتي لم تُمحَ أبدًا، ولا أدري لماذا؟! فلا هي المفارقة عندما يضع أستاذٌ رجل غريب يدَه على رأس فتاة صغيرةٍ لاتتجاوز الثانية عشرة من عمرها، ولا هي خرق لعُرْف أو طريقة تربوية! ولكن لا أحسبُها إلا قصيدةَ شعر حزين، كتبت منذ تلك السنين الآمنة من طفولتي، كنت أنا أحد مكوِّنات مولدها ومماتها في آنٍ واحد!

 

نَكبَر مع الجغرافيا في الدفاتر، ونَظلُّ على ذات مقاعد الدرس، ونَكبَر مع التاريخ، ونَكبَر في ظل حضارات الأمم، ونكبَر ونكبَر، ولا نرى أنفسَنا إلا ونحن في ذات المكان، وكما رأيناه أولَ مرة، بل وكما رآه أبي - وربما جدي - تظلُّ الدنيا تلفُّ بنا في قاعات الدرس، ولا تجد إحدانا نفسَها، إلا كما هي بذات الملامح، وبذات الشجون.

 

كَبِرتُ وأصبحتُ شابةً، وتخطَّيْتُ مراحل من عمري، ويد مدرس الجغرافيا ذاك ما زال ثقلُها يَجثُمُ على رأسي، لم أكن لأؤمنَ إلا بأنَّ أي إنسان في وطني لا تتعدَّىحياته قصيدة شعر، أو قصة ينسجُ أحداثَها بلا تحكُّم منه، يؤديها بتفاصيلها الغريبة، ولا يدرك أيًّا من وقائعها!

 

وها هي الشهادةُ الجامعية أطويها خجلى مسكينة بين أوراق وملفات ملاحمِ دراستي، أركنها في أرففٍ رَتِيبة على جدرانِ غرفتي في بيتنا العتيق،وأمي الحبيبة تصرُّ أن تضعَ صورتي عليها، وتقول لي: سوف تَكبَرُ هذه المكتبة وستَكبَرين معها، كانت تطيلُ النظر إليها، وتكمل بأدعية وبتمتماتٍ، كنت أحسُّو أدرك مبتغاها، ولكن مفرداتِ قصيدة الشعر التي تُدنْدِن بداخلي لم تكتمِلْ حينها، ورغبة الأم الحنون كنت أراها تَئِنُّ بزفرة حارة طويلة تخرج من أعماق جوفِها، ولا حيلة لي فيها ولا معها!

 

هل هي خارطة اليونان؟ هل هي عظام أصابع اليد المتناثرة؟ هل هي خارطة حياة أيٍّ منا في هذا الوطن الذي بدأت تزدادُ فيه موجاتُ الاضطراب، وتأخذ منحى القتلِ والتدمير الهمجي في كل شيء؟

♦♦♦


قذفتْني أمواج البحر المجنون إلى أحدِ شواطئها، وما رأيت نفسي إلا ورجلًا يشاركني تنفُّس الحياة، ويستقبلني بالتهاني، يقول لي: أنتِ أجمل هدية قذفَتْها الأمواج هذا الصباح!

 

أمواج ليلة حالكة الظُّلْمة، شديدةُ البرودة، قاسية الصحبة، مُوحشةالعشرة.

 

سألتُه بعدما استعدْتُ قُواي: في أي مكان من العالم أنا؟

 

أجاب: ألا تعرفين؟ نحن على شاطئ أحدِ جزرِ اليونان!

 

تملَّكتْني ضحكةٌ رغم المأساةالتي أعيشُها، ثم بكيت كثيرًا، وانتظرني حتى أفرَغْتُ ما بداخلي، وبادرني بتعريف نفسه: وليد عبدالسلام من سوريا.

 

علَّقت بسريرتي: بل أنا الوليدةُ سلمى!

 

أخذني إلى غرفةٍ باردة طويلة، مليئة بالطاولات الحديديَّة، وأشار إلى جثةٍ وحيدة على إحداها، وقال: هذا الشاب قذَفَتْه الأمواج معك، وليس معه شيء يُعرَفُ به، لَمْلمْتُ شجاعتي ونظرت إليه، تفحَّصته وتذكرته، إنه (نبيل) كان معنا في القاربِ المطَّاطي، ولكن أين رفيقُه؟ أين الرجل أبو بسَّام وزوجته وطفلاه...؟ أين الشاب مفتولُ العضلات الذي أبكانا بمواويله وعتاباته الحزينة؟!

 

دارتْ بيَ الغرفة، وتداخلتْ أركانها بعضها في بعضٍ، واختفَتِ الأشياء من أمام ناظري.

 

ومرة أخرى كنتُ على موعد مع صحوتي، برؤية هدايا الأمواج، ولكنها كانت في هذه المرة مشوَّهة بشكل مريع، لكن وليد عبدالسلام والفريق الطبي معه قد استدركوا ما حصل لي أوَّلَ مرة، فلم يلحُّوا عليَّ بتفحُّص الجثث، وتجاوزوا التدقيقَ بتقدير الأحجام، ثم أُخِذْتُ إلى غرفة ملحقة بالمكان، نِلْتُ فيها قسطًا وافرًا من العناية الطبيَّة والغذائيَّة المركَّزة لأكثرَ من أسبوعين، كان خلالها "وليد" يتفقَّدني بينَ وقت وآخر، ختم تلك الفترة بطلب خجولٍ، وبحياء واضح على محياه: أن أرافقَه في جولة مشيًا على الأقدام إلى خلف تلَّة كبيرة مشرفة على المكان الذي نحن فيه، وقفنا معًا على أعلاها، وأشار بيده إلى سهل مُنبسِطٍ ممتدٍّ، تتناثر فيه قطعٌ من الأحجار البيضاء شبه منتظمة الترتيب وكثيرة، تُعدُّ بالعشرات ونحن على بُعْد منها، بادرني قائلًا:

من أجل تلك الأحجار جئتُ بك لتريها، ولتكوني شاهدةً عليها، ولا أعلم لماذا ينتابُني هذا الإصرار، فأرجو منكِ رجاء حارًّا أن تعذريني، ثم تابَعَ ولم يتوقف ليسمع مني ردًّا على طلبه:

هناك دَفَنْتُ بيدَيَّ هاتين كلَّ ما قذفتْه أمواج البحر من جثثٍ، وتحت كل حَجَر ترينه جثة أو اثنتان، وأحيانًا قِطَع غير كاملة، وربما مختلفة، أدفنُها مع بعضها البعض في قبر واحد.

 

أشرت إليه بيدي، ورجَوْتُه أن يتوقَّف قبل أن يصيبني شيءٌ ما، لم أَعُدْ أحتمل غليانَه بداخلي!

 

وبعد صمتٍ تملكتُ إرادتي، واستعدتُ نَفَسي، سألته سؤالًا ساذجًا:

هل صنعَتُك دفنُ الموتى؟


وما أن انتهيت من سؤالي، حتى رأيتُ صاحبي يجلس على الأرض، ويأخذ بالبكاء! صُدمتُ ودُهشتُ بما حلَّ به فجأة، كان بكاؤه أشدَّ حرقةً من بكائي، ولم أجرُؤ على التقرُّب منه، تركتُه حتى فرغ من نفسه، وأنا أرقبُه، وأنقل نظري بينه وبين تلك الأحجار، دار في خَلَدي مباشرةً يقينًا أن أعزَّاء له قد دُفنوا هناك لامحالةَ.

 

لكنه زاد فيَّ الدهشة والإعجاب معًا عندما عاد إلى هدوئه المعتاد، كأنه يجيب على سؤالي:

أنا وليد قاسم عبدالسلام، بكالوريوس هندسة ميكانيك، هاجرت مبكرًا من سوريا ليس لي أهلٌ ولا عائلة، كنت أعزبَ مفردًا، وقد حلَّ بقاربنا ماحلَّ بك، ولما رأيت نفسي هنا في هذه الأرض الغريبة وحيدًا، وقد أنعم الله عليَّ بالحياة، بقيت هنا ونذَرْتُ نفسي لهذا العمل الذي ترينه، أغسِّل الموتى وأكفِّنهم وأدفنهم، وأقرأ عليهم الأدعية، أيًّا كانوا،وأكثرهم بلا هُويَّة ولا اسم سوى الأرقام التي أريتك إيَّاها!

 

لم يَفُتْني وهو يتحدَّث عن عمله أن أعترضه بسؤال:

• والأحياء أين هم؟

 

• أساعدهم وأرشدهم ليكملوا طريقَهم نحو الشمال، ثم استدرك مغزى سؤالي وتابع:

نصيحتي لك أيتها الهديَّة الجميلة ألا تُكمِلي بمفردِك، انتظري حتى ترحلي ضمن مجموعة مختلطة من العوائل رجالًا ونساء؛ لتكوني في أمان من كل شيء.

♦♦♦


بعد مُضيِّ ثلاثة أسابيع وضَّحَت الصورة الشعاعية لرِئتي خلوَّها تمامًا من أي سوائل، وأصبح تنفُّسي عاديًّا، ولم أعد أشعر بأي ضيقٍ فيه، لكن الطبيب لم يُحرِّرني من مراقبة المستشفى الميداني؛ ليطمئنَّ على سلامة وظائف الكُلَى،كنت أخضعُ لساعات من التنويم القسري، وربط التغذية الوريديَّة، إلا أن وضعي منذ أيام في غرفة عادية ملحقة بالمركز أكَّد لي سلامة صحتي تمامًا، وقد أتاحت لي مشاركتي مع وليد لبعض أعماله اليومية أن أنسى نفسي شيئًا فشيئًا، وخاصة في ظل ازديادِ تدفُّق المهاجرين، وكثرة الغرقى والمصابين!

 

وذات ساعة لا أعلم إن كانت ليلًا أم نهارًا، وبعد عمل شاقٍّ مُضنٍ كان مليئًا بكل الحالات الخطرة المخيفة، استسلمت لنوم لم أعرفه منذ أربع سنوات، استيقظت على محاولات من الطبيب وممرضتَيْنِ ومعهم وليد، ولمَّا تأكَّدوا من سلامتي أعلموني بأن هذا مساءُ اليوم الثاني من نومي، ولم تَطُلْ بهم المحاولة بعد أن زال قلقهم عليَّ، حيث أخذوني إلى مائدة فوجئت من تنوع أصنافها! فهمت من تَكْرار بعض العبارات أنها من إعداد وليد، وأنها كانت لتوديعي، فغرغرةٌ تَغْرَقُ بها عيناه لم يَقدِرْ على إخفائها، وتهدج صوته، وبلع ريقه بصعوبة بين كل كلمة وأخرى - كافيةٌ لتبيان تأثُّره البالغ، أعلمني بتكون مجموعة كبيرة من الرجال والنساء؛ تتهيَّأ للمغادرة في الطرف الشمالي للجزيرة، وقد أحضر لي لباسًا خاصًّا وطعامًا، وهناك سيارة ستأتي في أول ساعات الصباح لتُقلَّني إلى هناك.

 

لم يكن ذلك الصباحُ المرتقب بعيدًا أبدًا، لكن الطريق إليه أصبح طويلًا، حيث أخذت ساعاتُه تتباعد بعضها عن بعضٍ، ودقائقه تتباطأ في مِشيتها، وعاد رأسي يَئِنُّ مِن ثقل يد معلم الجغرافيا، وعادت صورتي على رفوف مكتبتي الصغيرة في بيتنا المدمَّر تتلألأ أمام ناظري، ارتفع صوت أمي الشجيُّ، وأخذ يزاحم كلَّ الصور والأصوات، ها هي تمتماتُها وأدعيتها تشقُّ السكون الزائف، علا صوتها، وأخذ يضرب مسامعي، يردد: ستَكبَرُ مكتبتُكِ وستَكبَرين معها ياسلوى!

 

مسكينة أمي، لم تكن تعلم بخارطة اليونان، ولا بعظام أصابع اليدالمتناثرة، ولا بيد الأستاذ حين وضعَها على رأسي، أين أنتِ الآن يا أمي الحبيبة؟! تعالَيْ لترَيِ ابنتَك الوحيدة سلوى، ما حلَّ بها! مسكينة أمي لقد قضَتْ في بيتها وهي تحرس ذكرياتها! تدمير أرعنُجاء على كل شيء، وجعل كلَّ حياة هشيمًا في طرفةِ عينٍ، أمسكت رأسي بكلتا يدَي، وأخذته وأسندته على ركبتي؛ حتى أخفِّف من ثقله، وأنا أجلسُ القُرْفصاءَ متكورة على نفسي، أغالب تصارعَ الضجيج في ذاكرتي، مع ضجيجِ موج البحر الهائج هذه الليلة الثقيلة.

♦♦♦


قلت في نفسي لمَّا رأيت سيارة نقل المرضى والمصابين، جاثمةً أمام الغرفة، ولم أسمع هديرَ محركها: منذ متىتَقِفُ هنا؟ولماذا؟

 

لم تَطُلْ حيرتي، حيث سمعت صوتَ"وليد" آتيًا من داخلها ينادي: تعالَيْ من هناياسلمى، وكان يجلسُ خلفَ مِقودِها، فزاد من حيرتي!

 

كانت هي الساعة الوحيدة التي نِمْتُ فيها بعمق يكفي لإعطائي دفقًا من القوة والصلابة، تجعلني أصمد الآن أمام وليد، وأن أفرغ ما تجمَّع في خَلَدي وقناعتي، طيلةَ ستة أسابيع مضت، عشت فيها كلَّ ألوان الحياة الحقيقية، والتي كانت مقهورة وموءدة طيلةَ ملاحم دراستي ونشأتي جميعها.

 

كان قرارًا محفوفًا بالحب والوفاء، ولا رجعةَ عنه ولا تردد، اشتَرَك فيه كلُّما اعتمل في داخلي، مع ما قدمه كلُّ من يعمل في هذا المكان، بما فيهم وفي مقدمتهم هذا الإنسان الذي يسمي نفسه "وليد".

 

بادرته بشجاعة مثل تلك التي أوصلتني إلى هذا المكان:

أنا سلوى، وهذ اسمي الحقيقي الذي أهداني إياه أبي وأمي، و"سلمى" اسمٌ ادَّعيته لما رأيت نفسي سالمةً بين أيديكم، لن أبرحَ هذا المكان أبدًا مادمت إلى جانبك، سأعمل معك ومثل عملك، وأنا طوعُ أمرك منذ هذه اللحظة، وإنشئت فإني أهبُ لك نفسي، زوجةً مخلصة على ماحلَّل ربُّنا وحرَّم، ومَهْري هو قَبولُك لي، مخلصًا مؤمنًا بما نفيد به هؤلاء المهاجرين المساكين، موتى وأحياء، والله شهيد علينا.





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1446هـ / 2025م لموقع الألوكة