• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
 
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / المرأة الأديبة / كاتبات الألوكة


علامة باركود

أبيض وأسود (قصة)

د. شادن شاهين


تاريخ الإضافة: 13/4/2016 ميلادي - 5/7/1437 هجري

الزيارات: 6098

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أبيض وأسود


سمعتُ أنه على فراش الموت، مرَّ أربعون عامًا ولم أرَه، لكنني كنت أتابع أخباره بشغف، رغم أني لا أعرف إن كان حقًّا يذكرني!

 

هل يمكن أن يحمل قلبٌ حبًّا أسطوريًّا لمن لا يذكره؟! لا أعرف، عمومًا لا يهم، المهم أن أراه وأودِّعه.

 

تحاملتُ على نفسي، استندتُ على عكّازي، واتجهتُ إلى المرآة، مسحت عن سطحها طبقة الغبار الكثيفة، ها هو وجهي أخيرًا، لا بأس به؛ لستُ عجوزًا جدًّا!

 

تسللتُ بخفة إلى حجرة ابنتي، نظرتُ يَمنة ويسرة، استدرت، وتراجعتُ بظهري ناحية الخزانة، سحبتُ الأدراج بخفَّة، وراحت أصابعي تعبث بسرعة بين أدوات الزينة، أطبقتُ على بعضها، دسستُه بسرعة في جيب جلبابي، أعدتُ الأدراجَ إلى موضعها، وعدت مسرعةً إلى حجرتي.

 

أغلقتُ الباب بالمزلاج، تنفَّستُ الصُّعَداء، وأسرعتُ ناحية المرآة، طليتُ وجهي بكل ما وقعتْ عليه يدي من مساحيق، ورسمتُ عيني بإتقان، فهكذا كان يعشقهما.

 

وأخيرًا ارتديتُ غطاء رأس ملوَّن؛ أخفي به بياض شعري الذي طالما أسكره سوادُه، ارتديت أجمل فساتيني التي هجرتُها منذ سنين لا أعرف عددها، تمَّمْتُ على مظهري في المرآة، وقررتُ الخروج بلا عكازي، فالرَّشاقة تليق بالعاشقات.

 

وبالفعل نزلتُ إلى الشارع، وسِرتُ كما لم أتوقَّع أبدًا، بدا لي جسدي خفيفًا كريشةٍ، وابتسامتي تعرف طريقها جيدًا إلى شفتي.

 

أشرتُ إلى سيارة أجرة، وانطلق بي السائق إلى حيث تركت قلبي منذ أربعين سنة، كان في عينَيِ السائق نظرةُ سخرية أفهمها جيدًا، لكن كيف له أن يفهم أن المرأة عندما تعشق يسقط عنقُ الزمن فجأة على نَصْل عشقها؟

تجاهلتُ نظراته البلهاء، وسرحتُ في لقائي، ذلك الذي تأخَّر عمرًا!

 

تُرى هل سيذكر ملامحي؟! ترى هل سيذكر موجة ذائبة في بحر عشقٍ عصيٍّ لا تثيره الرياح، حتى أتى فتنفس فيه، فبعثها؟!

 

تبخَّرتْ من ذهني فجأة كل الصور القديمة حين صرختْ عجلات السيارة على الأسفلت الملتهب، لتعلن وصولي إلى أرض الميعاد.

 

رمقني السائق بابتسامةٍ ذات مغزًى وأنا أمد يدي إليه بالنقود، ضحكتُ بسخرية، ونزلتُ بثقة.

 

صعدتُ درجات البيت وصدري يضيق حرجًا! لا أعلم ما الذي أتى بي إلى هنا؟ يا لي من عجوز مخرفة! ترى هل صدقت حقًّا أنه يذكرك؟! هيَّا عودي من حيث أتيت أيتها الحمقاء!

 

حاصرتني الأصوات تطالبني بالتراجع، لكن قلبي يدفعني دفعًا إلى التقدم، قاومتُ كلَّ مخاوفي، وقررتُ أن ألقي عليه نظرة أخيرة مهما كان الثمن، وما أغلاه ثمن العشق!

 

طرقتُ الباب بأنامل مرتعشة، فتحتْ لي الخادمة، ونظرتْ إليَّ بلا مبالاة، سألتُها عنه، أشارتْ ببرود إلى اتجاه حجرته.

 

توجهتُ إليها وأعصابي في حالة انهيار، لكنني عاجزة عن مقاومة ذلك المغناطيس الذي يجذبني إليه، دلفتُ إلى الحجرة كمن يطأ الأشواك بقدم عارية، فوجدتُه مسجًّى على الفراش، وعلى جبينه نورٌ لم تنسَه الروح، كان مغمض العينَيْنِ، ساكن الجسد، تقدمتُ، جلستُ بجوار الفراش، تمالكتُ أعصابي ولمستُ يده، لم يرفع عينَيْه، تشجعتُ أكثر فاحتويتُها بكلتا يدي، وقبَّلتُها مودعةً إيَّاها قطعة من روحي، لاحظتُ أن يده باردة، سرت في جسدي قُشعْريرة أكثر برودة، تحسستُ نبضَه في لهفة، لكنه قد فارق الحياة!

 

يا ألله، لِمَ الآن؟! لِمَ يفارقها حين قررتُ أن أخبرَه أنني لازلت أحبُّه؟! لِمَ يفارقها دون أن أسأله إذا ما كان يذكرني؟!

 

انهمرتْ دموعي الصامتة على كفِّه حتى أزحتُها برفق، وقفتُ لأتركه للمرة الثانية والأخيرة، لمحتُ شيئًا في قبضته الأخرى، انتزعتُه بفضول، فإذا بها صورتي أبيض وأسود.





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1446هـ / 2025م لموقع الألوكة