• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
 
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / دراسات ومقالات نقدية وحوارات أدبية


علامة باركود

تشييب الإنسان لغيره

تشييب الإنسان لغيره
محمد حمادة إمام


تاريخ الإضافة: 13/5/2017 ميلادي - 16/8/1438 هجري

الزيارات: 4396

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تشييب الإنسان لغيره


أولا: تشييب المرء لبني جنسه:

كما شاب المرء، تعدت سطوته وتجاوزت سيطرته، فشاب أو شب [1] على يديه غيره، وإذا كان هذا بمستغرب، فتابعُه - تشييب المرء لغير بني جنسه - أعجب وأغرب.

 

قال القسطلي (ت 421 هـ) يمدح الوزير أبا الأصبغ عيسى بن سعيد بأبيات يرفع بها أحبابه، ويضع فيها من خصومه؛ استدرارًا لشفقته وعطفه، فيقول كاشفًا عن إذعان الجميع - حسيًّا كان أو معنويًّا - لقوله وفعله: [2] [من الطويل]:

وأذْعَنَ صَرْفُ الدَّهْرِ سَمْعًا وطاعة ♦♦♦ لما فُهت من قول، وأَمْضَيْتَ من فِعْلٍ

إلى أن يقول:

ولم تَثْنِ عَنِّي فِي مَواطِنَ جَمَّةٍ
سُيُوفًا حِدادًا قَدْ سُللْنَ عَلَى قَتْلِي
ولم أَطْوسنَّ الاكتِهَال مُحاكمًا
إِلَيْكَ خُطُوبًا شَيّبَتْ مَفْرِقَ الطِّفْلِ
وكُنْتَ ومِفْتَاحُ الرغائب ضائعٌ
ملاذي فهذا بَابُها ضَائِعُ القُفْلِ
وإنِّي فِي أَفْيَاءِ ظِلّكَ أَشْتَكِي
شَكِيَّةَ مُوسى إذْ تَولّى إِلَى الظِّلِّ


فيذكر القسطلي ممدوحه بما ناله، وما تعرض له من صعاب وشدائد في سبيله شيَّبته وآلمتْه، ثم انتقل إلى بيان عناد الزمان له؛ حيث كانت الأبواب - في وقت لم يكن فيه إليه محتاجًا - مفتحة، أما وقد احتاج إلى معروفه، فهي موصدة، وهذا عتب جميل لمن يحب وإليه يميل.

 

وجل معاني هذه الأبيات من القرآن الكريم، فقوله: "خطوبًا شيَّبت مفرق الطفل" من قوله تعالى: ﴿ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴾ [المزمل: 17]، والبيت الأخير من قوله تعالى: ﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ [القصص: 24].

 

وما يزال ابن دراج في تصوير غلبة ممدوحه على خصمه، وقدرته على من حوله، بعظيم جوده، وعلو شأنه، مما أعاد الشباب إلى الكبير، وشيب الوليد، فيقول: [3] [من المتقارب]:

بِفَتْحِ الفُتُوح، وسَعْدِ السُّعُود ♦♦♦ وعِزِّ العزِيزِ، وحَمْدِ الحَمِيدِ

إلى أن يقول:

بِطَوْلٍ يُعيد شَبَابَ الكبيرِ ♦♦♦ وهَوْلٍ يُشَيِّبُ رَأْسَ الوَلِيدِ [4]


وكما شب، وشاب بنو آدم من ولدان وشيب على يد الممدوح كان.

 

ثانيًا: تشييب ابن آدم لغير بني جنسه:

هذا الفن وما سبقه يقوم على جانب كبير من المبالغة والإطراء، فهذا "ابن هانئ الأندلسي" [5]، يرى أن ممدوحه لا عدل له جودًا وبأسًا ونسبًا وحنكة، فلم تقف البحار أمامه في المفاضلة جودًا وهولًا، وأكبر دليل معه شيب الدهر على يديه، فيقول: [6] [من الكامل]:

آليتُ أُصدر عن بحارك بعدما
قست البحار بها فكن سرابَا[7]
لم تدنني أرضٌ إِلْيك وإنَّما
جِئْتُ السَّماءَ فَفُتِّحَتْ أَبْوابَا

 

إلى أن يقول:

ورَأَيْتُ أَجيُلَ أَرْضِهَا مُنْقَادَةً
فَحَسِبْتُها مَدَّتْ إِليك رِقَابَا
وسَأَلْتُ مَا لِلدّهْرِ فِيها أَشْيَبَا
فإذا به مِنْ هَوْلِ بَأْسِك شَاَبَا

 

تحمل هذه الصورة من المبالغة ما خرج بها من الحقيقة إلى حيز الاستحالة، وقد أخذت المبالغة حظها من شعره في غرض المدح خاصة، وكان "المدح من أوسع أغراض الشعر العربي في العصور الأدبية بعامة. وفي العصر العباسي بخاصة؛ إذ كان وسيلة الشعراء إلى قصر الخلفاء وإلى أصحاب الثراء، ومن عجب أن هذه المدائح كانت تعجب الخلفاء، بل تدعوهم إلى إغداق العطاء.. "[8].

 

ويلاحظ اقتباس الشاعر من معاني القرآن الكريم، فقوله: "جئت السماء ففتحت أبوابَا" من قوله تعالى: ﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴾ [النبأ: 19]، واعتماده على ميراثه العقدي في آل البيت، ولعل قوله: "ورأيت أجيل أرضها منقادة": كناية عن ملوك الأرض، وقد أصبحوا طوع بنانه، ورهن إشارته، فهو قائدهم وزعيمهم، إليه يحتكمون، وبه يتحركون، وعن رأيه يصدرون.

 

وكأن عدوى المبالغة سرت من العباسيين إلى الأندلسيين، فهذا ابن دراج القسطلي يخلع على المنصور بن أبي عامر صفة القدرة والغلبة، فهو سالب تاج العز والعلا ممن اشتم رائحة التجرؤ عليه، وخالع رفده، وعظيم حبه على المقربين إليه، وهو كذلك طاوٍ الفلوات ليلًا، لإعطاء كل ذي حق حقَّه، وتأديب من تمادى في غطرسته وغيه، فيقول: [9] [من الطويل]:

أمُلْبِسَنا النُّعمى ألا رُبَّ مَلْبَسِ
سَنيٍ، وتاجٍ للعُلاَ أَنْتَ سَاِلبُهْ[10]
وليلٍ كرِيعان الشَّبابِ قَذَفْتَهُ
بِهَوْلِ السُّرَى حَتّى أُشِيبَتْ ذَوَائِبُهْ
وَصَلْتَ بِه يومًا أغرّ صَحبْتَهُ
غُلامًا إِلَى أَنْ طَرَّ بالليلِ شَارِبُهْ[11]

 

فهو يشبه الليل الذي شاب بهول وكثرة السير فيه؛ حتى لاح بياض الصبح مواصلًا السير بالنهار، بلا كلال أو ملال، بالشباب الغض، أو سواد الرأس، وقد انتشر فيه بياض الشيب، وهذا يوضح مدى جده في فتح البلاد والأمصار.

 

وكما شيَّب المرءُ الدهرَ وقرونَ الملك [12]، شيب الخمرَ باستدامة تناولها، والإمساك بأكؤسها؛ يقول عبادة بن ماء السماء [13] مصورًا الخمر في أكؤسها وصنيعها به: [14] [من السريع]:

فَهَلْ تَرَى أَحْسَنَ مِنْ أَكْؤسِ
يُقَبِّلُ الثَّغْرُ عَلَيْهَا اليَدَا
يَقُولُ لِلسَّاِقي اِغتبقْ لي بِهَا
وُخذْ لُجَيْنًا وأَعِدْ عَسْجَدَا
أُغْرِقَ فيها الهمُّ لَكِنْ طَفا
حَبَابُها من فوقها مُذْبَذَا[15]
كأنّما شَيَّبَها شَارِبٌ
أمْسَكَها فِي كَفِّهِ سَرْمَدَا

 

ابتدر الشاعر صورته باستفهام بمعنى النفي؛ ليؤكد شغفه وهيامه بالخمر، فقد سلبت لبَّه، وأسرت رُوحه وقلبه، وهذا يكشف عن تخبُّطه بين مُجونه وسكره.



[1] توجد أبيات لأبي عامر بن شهيد في الذخيرة ق 1 ح 1 / 237، تُبين عدم شيب الليل بطلوع الصبح، وشيبه على يد الإنسان.

[2] ديوانه صـ 44، 45 الذخيرة ق 1 ح 1 / صـ 60.

[3] ديوان ابن دراج صـ 218، 219، ومثل هذا المعنى، منثور في ديوانه.

[4] الطول والطائل والطائلة: الفضل والقدرة والغنى والسعة والعلو، اللسان " ط. و. ل ".

[5] هو " محمد بن هانئ بن سعدون الأزدي الأندلسي، أبو القاسم، يتصل نسبه بالمهلب بن أبي صُفْرة، ولد بإشبيلية، وحظِي عند صاحبها، واتهمه أهلها بمذهب الفلاسفة، وفي شعره نزعة إسماعيلية بارزة، رحل إلى إفريقية، والجزائر، وتونس، ومصر، واتصل بالمعز، وعاد إلى إشبيلية، وأخذ عياله وقصد مصر، وقتل، وهو في طريقه إلى مصر عند برقة، له ديوان شعر؛ "انظر جذوة المقتبس، صـ 96 برقم 157، بغية الملتمس، صـ 140 برقم 301، معجم الشعراء الأندلسيين، صـ 442.

[6] ديوان ابن هانئ صـ 58.

[7] آليت أصدر: أقسمت لا أصدر، على حذف النفي بعد القسم، انظر المرجع السابق صـ 58.

[8] المبالغة في الشعر العربي في العصر العباسي؛ د. جابر عبدالرحمن يحيى، صـ273، مؤسسة سعيد للطباعة 1406هـ=1986م.

[9] ديوان ابن دراج صـ 23، ومثل هذه المعاني في ديوانه - أيضا - صـ 56، 134، انظر في شيب الأفق ديوان ابن زيدون صـ 209.

[10] النعيم والنعمى: الخفض والدعة والمال، وهو ضد البأساء والبؤس؛ اللسان " ن. ع. م. ".

[11] طر الإبل: ساقها سوقًا شديدًا وطردها، الطر: القطع أو القص، وطررت الإبل مثل طردتها إذا ضممتها من نواحيها. اللسان " ط. ر. ر. ".

[12] انظر ديوان ابن هانئ صـ 88.

[13] "... من فحول شعراء الأندلس، متقدم فيهم مع علمه، وله كتاب في "أخبار شعراء الأندلس"، مات سنة تسع عشرة وأربعمائة بمالقة، ضاعت مائة دينار، فاغتم عليها غمًّا كان سبب منيته، وقيل: سنة ست عشرة، أو إحدى وعشرين، أو اثنتين وعشرين؛ "انظر جذوة المقتبس صـ 293 برقم 662، بغية الملتمس صـ 396، 397 برقم 1123، نفح الطيب حـ 1 / 294، حـ 4 / 52، معجم الشعراء الأندلسيين صـ 327.

[14] انظر الذخيرة، ق1 ح 2 صـ 5 الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة... صـ 368.

[15] الحباب: الطل على الشجر يصبح عليه، والحباب الحية أو اسم شيطان، اللسان " ح. ب. ب.".





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1446هـ / 2025م لموقع الألوكة