• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
 
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / بوابة النثر / كُتاب الألوكة


علامة باركود

لكني أفقد جليبيبا! (قصة قصيرة)

لكني أفقد جليبيبا! (قصة قصيرة)
محمد عمر المصري


تاريخ الإضافة: 30/1/2022 ميلادي - 26/6/1443 هجري

الزيارات: 9460

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

لكني أفقدُ جليبيبًا!

(قصة قصيرة)


قال الراوي:

نشأ في مدينة العرب إبان العهد النبوي، فتى منهم يُقال له جليبيب؛ عزيزُ النفس، يسير الحال، دائمُ البهجة والتفاؤل، ليس له من حطام الدنيا سوى تلك الابتسامات، والروح المرحة التي يداعب بها من يلاقى!

 

وعلى عِظم نفسه، وسُمو رُوحه، فقد أهداه الدهرُ أسمالًا خفافًا، لا تقيه بردًا، ولا يختال بها زهوًا، كلما فتقتها الأيام، رتقها حانيات الدهر بخيطٍ واهن، وكلما تودَّد لصروف الزمان بصنعة ومداراة تلقفته بأيدٍ قوية عليه، رحيمة بغيره، وقد تساوى سبيل الفقر أمام مرتاديه، ليوحي لتلك الأيام أنْ ليس للفقراء وسمٌ، سوى أنهم يتشابهون في معالم الفقر.

 

أوه يا جليبيب!

وكم في دنيا الناس مثلك، حتى اسمك لم تتسع له فُسحة الأسماء، فصُغِّرَ ليناسب موضع نظر من يُغمض فيه، غير أنك - لو تدري - حبيبٌ وأي حبيب!

ناداه الحبيب ذات مرة قائلًا: "يا جليبيب، ألا تتزوج"؟

 

تنزلت تلك الكلمات بردًا وسلامًا وأمانًا على أذن ذلك المسكين، يسأله نبي الله صلى الله عليه وسلم عن أمر زواجه، ولسان حاله يقول: أي منزلة أنزلك الدهر فيهتم لأمرك رسول الله! فيسارع مجيبًا:

• يا رسول الله، ومن يزوجني؟

• "أنا أزوجك يا جليبيب".

 

ذهب الرجل يحدوه الأمل، متحينًا وعد الرسول، فقد وعد ليفي، ومن أجدرُ من نبيٍ أن يحقق وعدًا! ومن أولى من فقيرٍ أن يُنجزَ له وعدًا، ووعود بعض الناس كسرابٍ متخفٍ بقيعة، تلمحه عين المتفحص في كل أمل، وبصره الحاد تجاه كل نجدة، سرعان ما ينكشف عن لا شيء!

 

أي فرح مَلك على هذا المسكين دنياه، حتى يتدفق دمعه بحرارة تلهب المآقي، وتبعث في الروح أملًا بأنها تحيا في أساس الحياة وليس بهامشها! وأن في دنياه من يهتم لأمره، ويسعى في حاجته دون أن يسأله أجرًا!

 

انتظر الرجل وعد الصدق ينتشله من مغبة العزوبية، وقفر الوحدة إلى سعة الحياة الزوجية والأنس بها، ولكن من يا تُرى ترتضي جليبيبًا زوجًا وأنيسًا؟!

 

حتى لو كانت أَمَةً سوداءَ، فلا يشين الليل صرصرة الهوام، طالَما اختارها له الرسول صلى الله عليه وسلم، ففيها البركة ولو رسمها السواد، ولها الفضل إن ارتضت هي به!

 

لكن الطامة أن أبويها تشاورَا في الأمر!

علم جليبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب أحد الأنصار، فلبى نداءه الشريف.

 

قال النبي له: "زوجني ابنتك".

تهللت أسارير الرجل فرحًا وحبورًا، فنسبُ النبي شرفٌ وأي شرف! فأجاب راضيًا متبسمًا: نِعم وكرامة يا رسول الله، ونعمة عين.

 

قال له النبي: "إني لست أريدها لنفسي".

تساءل الرجل، لعل الطلب يكون لحليفٍ من الصحابة شريف، وكلهم - وايم الله - شرفاء! قائلًا: فلمن يا رسول الله؟

 

قال النبي: "لجليبيب".

لم يتمالك المسكين نفسه بأن يلبي طلب النبي، فترددت في نفسه لاءات اليأس المستكبرة، فأنى لعزيز قوم أن يصاهر ضَعَفة الناس وبادي الرأي منهم!

وهكذا هي دنيا الناس المتردية من فوق طمع وكبر، لا تصلح بهذا الوصف، أن تكون مادة حية لاستواء حال الحياة.

 

استأذن الرجلُ النبي أن يشاور زوجته في الأمر، فأذن له، فأتاها قائلًا:

• رسول الله يخطب ابنتك.

• قالت الأم: نعم ونعمة عين.

وقد سرح بخيالها الجامح سراب الأمل أن يكون لهم عزًّا وعزوةً بذلك النسب الشريف!

وما أدراك بسراب الأمل عندما يعبثُ بأماني ناقصات عقل، فيصور لهن في ثوان معدودات، أمور الحياة لأمد طويل!

جاءنا الرسولُ خاطبًا
ومن ذا يرد الرسول
خيرُ شرفٍ واجبٍ
نسبه العز المأمول

 

يا له من شرف، ابنتنا في كنف النبي، أُمًّا للمؤمنين، وتصير من أهل البيت!

 

قطع عليها صوت زوجها ما تحلق فوق رأسها من أحلام يقظة مستعجلة، قائلًا:

• إنه ليس يخطبها لنفسه!

 

تغير وجه المرأة قليلًا، غير أنه لم يتشح سوادًا بعد، وخالت أن المقصود صحابي جليل كعمر أو سعد، فسألت بهدوءٍ يستجلب الأمل عن مقصد النبي، فقال زوجها:

• إنما يخطبها لجليبيب.

 

عصفت رياح الذهول بعقل المرأة الغائب عن تصوُّر أمر النبي والإذعان له، ولما يرجع بعد من أمانيه السابقة التي شيَّع جنازتها للتوِّ في طي الإخفاق! فقالت المسكينة بوجه ذابل:

• أجليبيب! إنيه،، أجليبيب! إنيه؟ ألا لعَمْرُ الله لا نزوِّجه.

 

لو كان أمر غير أمر النبي لنصحتك يا سيدي جليبيب أن تتطلع بسيطًا، وتسلك ممهدًا، ولا ترتقي صعبًا! وكفاك من حب الحبيب إنْ قال لك ابحث بنفسك عن زوجة!

 

ويا لك من مسكينٍ أوهمته مظان الأيام أنَّ له في قلوب العذارى سكنًا، فراح ينتظر فرج القرب، ويتلمس قلبًا محبًّا يرتضي به أنيسًا، فغصنُ الناسِ يميلُ صوبَ أردية الثراء، وإنْ استطيبوا فيك خلقًا!

 

وأنى لك أن تُحَب حب المودة والرحمة، لا حب شفقة وإحسان، وقلوب الغريرات معلق بتطلعاتهن، وأن يسمون محلقات في فضاء الدعة والعيش الوثير، وقلبهنَّ مع كل مقتدرٍ، ولو كان سفيهًا!

 

وأنَّى يا جليبيب بابنة الأكابر أن يرنوَ بصرها إليك، وهي الحرة درة مكنونة بأصداف أبيها، لا يمسها إلا ذو الشأن والجاه، أيصيبها الحرج إن لاذت بسراب الأماني عوضًا عنك، وتزينت لمن تظن أن يقدِّر حسنها ويكافئ قدرها!

 

دونك الإماءُ وبنات الصُّفة والمنقطعات عن سبيل الزهو والمخايلة، فعندهنَّ إن تتخذ منهن خليلة، من أنس الحياة ما يناسب حالك! وإن تلاشت لديك مُتع المال، فعندك من روح المداعبة ما يسلي عنك كل همٍّ ونقيصة.

 

إيه يا جليبيب، كأنك تأخذ من سير أسلافك في عصرنا هذا، بدلًا أن يأخذوا هم عنك!

فكم من جليبيب ليس يخطب له رسول الله!

لك الله يا رجل، فانتظر فرحًا في الدنيا، وأفراحًا في الآخرة.

 

لم يدم أمر الانتظار طويلًا؛ إذ سارعت الفتاة تنكر على أبويها أن يردَّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة: من خطبني إِليكم؟

• قالت الأم: رسول الله خطبك لجليبيب.

• قالت الفتاة: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟ ادفعونِي؛ فإِنَّه لن يضيعني.

 

حقًّا ما قالت تلك الفتاة، وأكرم بها من فتاة، وبشراك أُخيي جليبيب.

إذا أذِن الله في حاجةٍ
أتاك النجاح بها يركض

 

انطلق الأب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا له: شأنك بها يا رسول الله فزوجها جليبيبًا.

• قال الرسول: اللهم صبَّ عليها الخير صبًّا، ولا تجعل عيشها كدًّا[1].

 

يقول الراوي:

لست أدري أطال أمد الزواج أم قصر؛ إذ لبَّى الرجل منادي الجهاد، فخرج تاركًا أليفته ريثما يعود إليها قريبًا، أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

 

وقضى الله الأمر، وقضى الرجل النحب، واستشهد جليبيب، مودعًا قلبًا يذرف من أحشائه دمعًا نبيلًا ينعي الأليف بحرقة وأسى، ويستعير من ذكريات الحياة ما يُسلِّي وحدته.

 

ترملت المرأة عن حب شريف، أودعته لها مكارم الأيام بخطبة النبي، وطاعتها؛ إذ الأبوان عاكفان على رأي لهما، لا يهتديان لصواب، وصواب الرأي أن يُتبعَ الرسول!

 

نادي الرسول في الناس بعدما وضعت الحرب أوزارها، وغادر الغبار متثاقلًا جو المعركة، فقال: "هل تفقدون من أحد"؟

 

قالوا: لا.

 

قال النبي: "لكني أفقد جليبيبًا، فاطلبوه".

فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتَلوه.

أتى النبي صلى الله عليه وسلم ينظر لجثمان جليبيب الطاهر بقلب رؤوف، وهو يقول: "هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه".

ثم وضعه على ساعديه.

ووضعوه في قبره.

وانصرفوا.



[1] صحيح مسلم، 1446.





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1446هـ / 2025م لموقع الألوكة