• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
 
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / بوابة النثر / كُتاب الألوكة


علامة باركود

المقامة المرضية

المقامة المرضية
عبدالله بن عبده نعمان العواضي


تاريخ الإضافة: 1/3/2022 ميلادي - 27/7/1443 هجري

الزيارات: 2742

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

المقامة المرضية


حدَّث مسلمُ بن عبد الله قال نزل بنا فصلُ الشتاء هذا العام، فحلَّت بنا ألوانٌ من الأسقام والآلام، فضجَّ الناسُ بالأنين من الشكوى، وتضجَّروا من تطاول هذه البلوى، وغدوا يبحثون عن العافية في كل سبيل، ويناشدون فصلَ القرِّ بسرعة التوديع والرحيل، فقد أوجعهم مقامُه، وأنهكتهم آلامُه، واشتاقوا إلى فصل الربيع اشتياقَ الأرض الجدباء، إلى انصباب دموع السماء، وكم يُصلح غَيْثٌ مَا أَفْسَدَ البَرْد، ويمحو مآسيَ اليوم تباشيرُ الغد.

 

وقد كنتُ مما لفتني القِرَّة بجلبابها، وأسقتني من مُرِّ ضرها وأوصابها، فصابرتها مصابرةَ الأبطال، وقارعتها مقارعةَ الأمثالِ للأمثال، حتى نفدت عُدّتي، ووهنت قوتي، وصفرت جُعبتي من سهامها، وضجت نفسي بآلامها، فخرجت إلى مشفى أبحثُ عن دواء لعلّتي، وسبيلٍ إلى بقاء مهجتي قبل أن يُجهز عليها السقم، ويدفِّف عليها الألم، ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 64 - 66].

 

فحملتني خُطاي المثخنة، وقادتني قواي الموهنة إلى مصحة لعلي أجد فيها برد الدواء، لأطفئ به حر هذا الداء، فوصلت فتلقيت من العلاج ما يُرجى به الشفاء، ويَذهبُ بأثرِه العناء، فوافق انتهائي من الاستطباب ساعةَ خطبةِ الجمعة، فما كان مني إلا النهوضُ بالاستعداد، واللحاقُ بركب العُبّاد، فدخلت مسجد المشفى الجامع، فألفيتُ الحاضرين قد أسلموا لخطيبه القلوب والمسامع، فطفقَ يضمِّخُها بعرْف العِبر والعظات، ويشنّفها بجميل قراءته الآياتِ والأبيات، فأدركتُ مما قال:

أيها الناس، اعلموا أن الدنيا دارٌ محفوفة بالمكروهات، موصوفةٌ بالآلام والمنغصات، لا يسلم عامرُها من بليَّة تُصيبه، ولا من لأواءَ تَنوبُه، ألا وإن من بلاياها العِظام، ومكارهها الجسام: الأمراضَ التي تصول على الأجسام، فتوسعُها بالأوجاع والآلام، فبينا المرءُ في كنف العافية سعيد، وفي رياض الحياة في عيش رغيد، إذ بالمرض يُطفئ جمرةَ فرحِه، ويقيِّد مرسل مرحه، ويُذبلُ زهرةَ بهجته، ويوهي حبلَ متعته، فتتابين مواقفُ الناس إزاء هذا القدَر المحتوم، وتختلفُ أحوالهم الدينية في لقاء هذا القضاء المعلوم، فبينَ راضٍ لا يشكو مكروهَ القدر، وسائر في مضمار الصبر على الضرر، وبين كارهٍ متمعر، وشاتمٍ متضجر، يندبُ الموتَ في النهار والليل، ويدعو على نفسه بالثبور والويل، فشتانَ ما بين الراضي الصابر، والمتسخط البائر، فللراضين تُسرع العافيةُ ويحصل الثواب، وللساخطين يتضاعفُ الألم ويُستحَقُّ العقاب.

 

ثم التفت الخطيب يَمنة والجمع قد اشْرَأَبَّ إليه بالأعناق مُصغيًا، فغدا ببديع نصحه يقول مُمليًا:

أيها المريض، المتلظي في دائه، الراغبُ في قرب شفائه، الذي سخط قدر مولاه، وضجر من تقدير بلواه، إلامَ تستمرُّ في غيِّك، وتستصغر كبر بغيك، وحتامَ لا تقدِّر ربَّك حقَّ قدره، وتُصلح شأنك في نهيه وأمره، تبارز ربك بالخطايا، وتعدو بالسخط على قضائه في البلايا، وأنت ترجو أن يعافيك من دائك، ويخرجك من أتون ضرائك، أتظن أن ما عنده يُنال بمعصيته، ويُرتجى فضلُه بدوام مخالفته! هيهات أن تبلغ غايتَك المنشودة، وأنت تسلكُ إليها سبلًا مسدودة، أما استهديت بإيمانك في بلواك، واسترشدت بعقلك في شكواك، فعلمتَ أن لتقدير المرض غاياتٍ جليلة، وحكمًا صالحةً نبيلة، فلو علمتَها لما ضجرت قدر الله في سقمك، ولا سخطت حالك في ألمك.

 

هلَّا علمتَ أن السقم سوطُ الله يسوق به الشاردين عنه إلى بابه، ويرد اللاهين إلى حمى جنابه، ويعرِّفهم بشدة حاجتهم إليه، وعظمةِ فقرهم إلى الاعتماد عليه، فهُم ضعفاء محتاجون إلى قوته، عاجزون مفتقرون إلى قدرته، أما والله إن قدرَ المرضِ يزهِّدُ في الدنيا التي غرق الخلق في شهواتها، ويرغبهم في الآخرة التي شُغلوا عن نعيمها ولذاتها.

 

أما تأملت أيها المريض وأنت تتجرع مرارة السقم، وتَشرق بغُصص الألم - أن المرض يعلمُك رحمةَ المرضى والمصابين، ويدعوك إلى الإحسان إلى الموجوعين، ويأخذُك إلى باب المليك لتدعوَه، ويحملُك لتبتهلَ إليه وترجوَه.

 

ثم أنشد:

صبرًا على ألمِ السقام وضُرِّهِ
ورضًا بمكروهِ البلاء ومُرِّهِ
وسكينةً تكسو القلوب إذا هفا
قدرٌ يصولُ على النفوس بحرِّه
فالله يختارُ الجميلَ لعبده
ما دام ممتثلًا شرائعَ أمره
فيقدِّرُ السقمَ الأليم لكي يرى
فزعَ الأنام إلى مرابعِ شكره
ويُثيبُ مَن صبروا فيلقى صابرٌ
يوم المعاد لديه وافيَ أجره

 

وقبل أن يهبط من منبر جمعته، ويختم خطبته بخالص دعوته، قال في وصية جامعة، ومقالة نافعة:

أيها المعافى، لا تغتر برونقِ صحتك، ولا يُلهينك طولُ سلامتك؛ فالأمراضُ سهامٌ مطلَقة في أي وقت قد تستهدفُك، والبلايا رماحُها مشرعةٌ قد تَرمحُك، فوطِّنْ نفسَك على الرضا بالقدر، والصبرِ على نزول الغِيَر، واشكرِ الله على نعمة العافية؛ فإنها منَّةٌ عظيمة ضافية، فما أحسنَ الشكرَ للمنعِم الكريم، والتسليمِ للمقدِّر الحكيم!

 

ويا أيها السقيم، إن المرضَ سيُشفى، والألم سيُنسى، وليلَ العناءِ الجاثم، سيكشفُه شروقُ فجرٍ قادم، فكن في مرضك صابرًا، ولربِّك شاكرًا، فما أجملَ الصبر في البلاء، والتفاؤلَ بقربِ شفاء الداء!

 

ثم ختم خطبتَه لهذا الجمع الخاشع بالدعاء الجامع، وقال: قوموا إلى صلاتكم، يرحمْكم مولاكم.

 

فلما فرغنا من صلاتنا، وأدَّينا أذكارنا ودعواتِنا، تقاطرَ الناسُ لمصافحةِ خطيبنا الذي عطَّر الأسماع بجواهر لفظه، وأسَر القلوبَ بمحاسن وعظه، فجئتُه فعرفني وعرفتُه، فحيَّاني وحييتُه، فإذا هو شيخنا الحارث بن همام الذي لم تُخلِق بُردةَ أدبه الليالي والأيام، فقلت: الحمد لله الذي جعلني الساعةَ من سامعيك، وأكرمني بأن كنتُ من موعوظيك؛ فقد استشفيتُ اليوم بدوائين، وآسيتُ نفسي بعلاجين: دواء العقاقير الطبية، ودواء الموعظة الإيمانية، فبهما تُرجى سلامةُ الأبدان، وصحةُ الأرواح والأذهان.

 

ثم فارقتُه وروحي متضمخة بأريج دوائه، ولساني يلهج بشكر جزيل عطائه.





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1446هـ / 2025م لموقع الألوكة