• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الشيخ ابراهيم الحقيلالشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل شعار موقع الشيخ ابراهيم الحقيل
شبكة الألوكة / موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل / خطب منبرية


علامة باركود

الباحثون عن الحق (4) عبد الله بن سلام رضي الله عنه

الباحثون عن الحق (4) عبد الله بن سلام رضي الله عنه
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


تاريخ الإضافة: 4/11/2026 ميلادي - 25/5/1448 هجري

الزيارات: 331

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الباحثون عن الحق (4)

عبد الله بن سلام رضي الله عنه


الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ، اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؛ لَطَفَ بِالْمُؤْمِنِينَ فَهَدَاهُمْ لِلْإِيمَانِ، فَكَانُوا مِنَ السُّعَدَاءِ، وَضَلَّ عَنْ هِدَايَتِهِ أَهْلُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ فَصَارُوا أَشْقِيَاءَ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ دَلَّ خَلْقَهُ عَلَيْهِ بِآيَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ بِلُطْفِهِ وَحِلْمِهِ وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ بِوَعْدِهِ وَتَرْغِيبِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْهُ بِوَعِيدِهِ وَتَرْهِيبِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ دَعَا إِلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى فَفَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ؛ فَإِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، وَهُوَ سَعَادَتُكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفَوْزُكُمْ فِي الْآخِرَةِ ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [الزُّخْرُفِ: 43-44].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: الْهِدَايَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي النَّاسِ مَنْ يَكُونُ الْحَقُّ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَنْفِهِ فَلَا يَتْبَعُهُ، بَلْ يُحَارِبُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقِّ فِي مَظَانِّهِ، وَلَوْ فَارَقَ بِسَبَبِهِ قَوْمَهُ وَعَشِيرَتَهُ، وَلَوْ فَقَدَ جَاهَهُ وَمَكَانَتَهُ.

 

وَمِنْ أَفْذَاذِ الرِّجَالِ الَّذِينَ بَحَثُوا عَنِ الْحَقِّ، فَلَمَّا اسْتَبَانَ لَهُمْ لَزِمُوهُ، وَضَحَّوْا بِكُلِّ شَيْءٍ فِي سَبِيلِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ مِنْ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَمِنْ كِبَارِ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ، وَهُوَ عَرِيقُ النَّسَبِ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ.

 

وَلِأَنَّهُ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَأَحْبَارِهِمْ فَإِنَّهُ كَانَ يُمَيِّزُ النَّبِيَّ مِنَ الدَّعِيِّ، وَيَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ الْكَاذِبِ، وَكَانَ مُتَجَرِّدًا لِلْحَقِّ، وَحِينَ امْتَنَعَ أَحْبَارُ الْيَهُودِ عَنِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ يَقِينِهِمْ بِهِ؛ حَسَدًا لَهُ وَلِلْعَرَبِ؛ فَإِنَّ ابْنَ سَلَامٍ لَمْ يَحْفِلْ بِذَلِكَ، فَكَانَ الْحَقُّ غَايَتَهُ وَمَطْلُوبَهُ، وَحَصَرَ مُهِمَّتَهُ فِي الْبَحْثِ عَنْهُ وَاتِّبَاعِهِ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

 

وَلَمْ يَكْتَفِ ابْنُ سَلَامٍ بِحَدْسِهِ وَظَنِّهِ دُونَ عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، فَعَزَمَ عَلَى اخْتِبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النُّبُوَّةِ؛ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ صِدْقِهِ، وَيُؤْمِنَ بِهِ، وَقِصَّةُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا، قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟! قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَتَنَقَّصُوهُ، قَالَ: هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ عَلَى الْحَقِّ، وَلَهُ مَوَاقِفُ فِي فَضْحِ الْيَهُودِ وَكَشْفِ تَزْوِيرِهِمْ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِخْفَائِهِمْ لِحُدُودِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا خِدَاعَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ كِبَارِ عُلَمَائِهِمْ، وَيَعْرِفُ مَا فِي كُتُبِهِمْ. رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَرَأَى ابْنُ سَلَامٍ رُؤْيَا عَجِيبَةً بُشِّرَ فِيهَا بِثَبَاتِهِ عَلَى الْإِيمَانِ إِلَى الْمَمَاتِ، وَبِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ إِسْلَامِهِ، وَصِدْقِ نِيَّتِهِ، وَنَقَاءِ سَرِيرَتِهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ، وَتَبِعْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ: رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ -ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا- وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ، أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ، وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ، فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَ، قُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَأَتَانِي مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي، فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهَا، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقِيلَ لَهُ: اسْتَمْسِكْ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، فَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ، وَذَاكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ [الْأَحْقَافِ: 10] الْآيَةَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَأَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى ابْنَ سَلَامٍ بِوَلَدٍ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوسُفَ، عَلَى جَدِّهِ النَّبِيِّ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: «أَجْلَسَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجْرِهِ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي، وَسَمَّانِي يُوسُفَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

 

فَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَرْضَاهُ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ..

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: عَزِيزٌ عَلَى النَّفْسِ أَنْ تَفْقِدَ مَكَانَتَهَا الِاجْتِمَاعِيَّةَ، وَأَنْ تُفَارِقَ عَشِيرَتَهَا، إِلَّا لِأَمْرٍ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَقَدْ كَانَ رَأْسًا فِي قَوْمِهِ، عَالِمًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَتَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَهَاجَرَ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَاسْتَحَقَّ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ: أَجْرَهُ عَلَى تَمَسُّكِهِ بِالْيَهُودِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ تَمَسُّكِهِ بِالْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنِ اسْتَبَانَ لَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ﴾ [الْقَصَصِ: 52-54]. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ... وَذَكَرَ مِنْهُمْ: وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَهُ أَجْرَانِ...» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَمِنْ مَنَاقِبِ ابْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ نَصَرَ عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ، وَحِينَ حَضَرَتْ مُعَاذًا الْوَفَاةُ -وَهُوَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ- أَوْصَى مَنْ سَأَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعِلْمَ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُمَيْرَةَ قَالَ: «لَمَّا حَضَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الْمَوْتُ قِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَوْصِنَا. قَالَ: أَجْلِسُونِي. فَقَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ مَكَانَهُمَا مَنِ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا، يَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَالْتَمِسُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعِنْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، الَّذِي كَانَ يَهُودِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّهُ عَاشِرُ عَشَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

 

وَتُوُفِّيَ ابْنُ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَقْتَلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، وَكَانَ رَأْسًا فِي الْيَهُودِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ كَانَ رَأْسًا فِي الْإِسْلَامِ، وَصَدَقَتْ رُؤْيَاهُ؛ إِذْ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَمْسِكٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.

 

فَأَيْنَ مِنَ ابْنِ سَلَامٍ مَنْ عَرَفُوا الْحَقَّ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ؟ وَحَارَبُوهُ؟ وَأَيْنَ مِنْهُ مَنْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ فَفَارَقُوهُ لِأَجْلِ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَكَانُوا مِنْ أَعْتَى مُحَارِبِيهِ، وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَصَّانَا فَقَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • مقالات
  • بحوث ودراسات
  • كتب
  • خطب منبرية
  • مواد مترجمة
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة