• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع ثقافة ومعرفة / فكر


علامة باركود

عصرنة صاخبة... قلق الإنسان وضياع الذات

عصرنة صاخبة... قلق الإنسان وضياع الذات
نايف عبوش


تاريخ الإضافة: 30/9/2026 ميلادي - 19/4/1448 هجري

الزيارات: 1472

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

عصرنة صاخبة... قلق الإنسان وضياع الذات

 

لا ريب أن العصرنة باتت اليوم ظاهرة عصر شاملة، تتفاعل مع كل تفاصيل مفردات الحياة، لتعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمن والمكان والمعرفة والآخر، بل وحتى بذاته أيضًا. فبينما فاضت في بداياتها وعودًا بحياة أكثر رفاهية وانفتاحًا، إلا أن تداعياتها الصاخبة أفرزت، في الوقت نفسه، مظاهر سلبية من القلق والضياع والاستلاب؛ ومِن ثمَّ فإن صخب العصرنة لم يعد يتجسَّد في مجرد ضجيج الآلة والتقنيات وحدها وحسب، وإنما تمظهر في إيقاع متسارع فرض نفسه على الإنسان المعاصر، بحيث أصبح لا يكاد يلتقط أنفاسه، حتى يجد نفسه أمام مُعطًى جديدٍ يتطلب منه التكيُّف معه وملاحقته؛ ومن ثمَّ أصبح الإنسان يعيش تحت وطأة ضغط دائم يُحتِّم عليه مواكبة المتغيِّرات دون أن يمنحه فرصة للتأمُّل والمراجعة.

 

ولعل من بين أبرز التداعيات السلبية لهذا الصخب، هو أن الإنسان المعاصر بدأ يفقد الكثير من طُمَأْنينته الداخلية بحيث أن وفرة المعلومات لم تعد تمنحه مزيدًا من المعرفة، وأن كثرة وسائل التواصل لم تضمن له دفء العلاقات، كما أن تعدُّد الخيارات لم يمنحه مزيدًا من الحرية؛ وإنما وجد الإنسانُ نفسَه وسطَ هذا الفيض الهائل من التطوُّرات المتتالية أكثرَ حيرةً، وأشدَّ قلقًا، وأعمقَ شعورًا بالضياع.

 

على أن أبرز ما أفرزته العصرنة الصاخبة من تداعيات سلبية، هو الاستلاب؛ حيث أصبح الإنسان مستهلِكًا لما يتاح له من أفكار وصور وأنماط سلوك دون أن يمنح نفسه فرصة كافية للتفكير والنقد والاختيار، حتى باتت خصوصية الفرد تتراجع تدريجيًّا، ويصبح التماثل مع الآخرين معيارًا للقبول والانتماء، مع هيمنة أحادية النموذج في المظهر والسلوك والاستهلاك.

 

وتجدر الإشارة إلى أن الأمر لم يقف عند حدود الفرد، بل امتدَّ ليشمل المجتمع أيضًا؛ حيث إن تسارع تدفُّق معطيات الحياة الحديثة أسهم في إضعاف الروابط الاجتماعية، بعد أن أصبح التواصل الافتراضي بديلًا عن اللقاء الإنساني الحي المباشر في حالات كثيرة؛ إذ قد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، في حين ينصرف كل واحد منهم إلى عالمه الخاص خلف شاشة صغيرة؛ فتغيب الأجساد عندئذٍ عن الحوار، وتتحوَّل المشاركة العائلية إلى مجرد حضور شكلي جافٍّ.

 

لكن كل هذا القلق الذي تثيره العصرنة، لا يبرر رفض التقدُّم، ولا العودة الآلية إلى الماضي، وإنما ينبغي أن يكون قلقًا نابعًا من خشية أن يتحوَّل التطوُّر من أداة لخدمة الإنسان إلى أداة تعيد تشكيله وَفْق مقتضيات السوق والتقنية والاستهلاك، ليكون أكثر افتقارًا إلى السكينة، وأكثر حاجة إلى المعنى الذي يمنح حياته اتِّزانًا كافيًا، ووضوحًا أكبر.

 

ومن هنا فإن مواجهة تداعيات العصرنة السلبية، لا تكون بالانغلاق، أو رفض الحداثة، وإنما ببناء وعي قادر على التمييز بين ما يضيف من معنى إلى إنسانية الإنسان، وما ينتقص منها، وبذلك فإننا نحتاج إلى عصرنة تحفظ للإنسان حقَّه في التطوُّر، دون أن تسلبه حقَّه في التأمُّل، وتمنحه أدوات التواصل، دون أن تحرمه دفء اللقاء الحي، وتفتح أمامه آفاق المستقبل دون أن تقطع صلته بجذوره.

 

فالعصرنة ليست قدرًا ينبغي الاستسلام لكل تداعياته، وإنما ينبغي أن تكون مشروعًا إنسانيًّا يكون الإنسان غايته بالدرجة الأولى، حتى لا يصبح صخبها بالمحصلة أكبر من قدرتنا على الإصغاء إلى ذواتنا، ويتحوَّل التقدُّم عندئذٍ من وعد بالتحرُّر إلى حالة من القلق والضياع والاستلاب.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • الثقافة الإعلامية
  • التاريخ والتراجم
  • فكر
  • إدارة واقتصاد
  • طب وعلوم ومعلوماتية
  • عالم الكتب
  • ثقافة عامة وأرشيف
  • تقارير وحوارات
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة