• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رأس السنة الهجرية
علامة باركود

لماذا تتكرر مواسم العبادة؟ قراءة تحليلية في البناء الزمني للسنة الهجرية

لماذا تتكرر مواسم العبادة؟ قراءة تحليلية في البناء الزمني للسنة الهجرية
د. ليلى الشريف

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 19/7/2026 ميلادي - 3/2/1448 هجري

الزيارات: 174

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

لماذا تتكرر مواسم العبادة؟

قراءة تحليلية في البناء الزمني للسنة الهجرية


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

المقدمة:

ليس الإنسان كائنًا ثابتًا يعيش الدرجة نفسها من الإيمان طوال حياته، بل قلبه يتقلَّب، وإيمانه يضعف حينًا ويقوى حينًا آخر. وتستنزفه الغفلة كما تستنزفه الماديات وتشعُّبات الحياة المتكررة؛ لذلك لم يجعل الإسلام التذكير بالله لحظةً عابرةً أو موسمًا منفصلًا عن حركة الحياة، بل نسج في السنة مواسم متجددة تعيد إلى القلب حضوره كلما أثقله الاعتياد أو أبعدته الغفلة.

 

ومن يتأمل التقويم الهجري يلحظ أن المواسم الإيمانية في الإسلام لا تتوزَّع بصورة عشوائية، بل تنتظم ضمن بناء متدرِّج يتكرر على امتداد السنة؛ فتأتي الأشهر الحرم لتعزِّز معنى مراقبة النفس، وتدفعها إلى الطاعة بتعظيم قدرها، وتنفِّرها من المعصية بتغليظ شأنها، ثم تليها مواسم تهيئة ويقظة؛ كشعبان، قبل أن يبلغ التكثيف الإيماني ذروته في رمضان، والعشر الأواخر، وعشر ذي الحجة، وفي نفحات عظيمة كليلة القدر ويوم عرفة، ثم يعود الإنسان بعد ذلك إلى حياته اليومية، وهو مطالب بأن يحمل أثر تلك المواسم في سلوكه وعلاقته بالله وبنفسه والناس.

 

ويزداد هذا التأمل عمقًا حين نلاحظ أن هذه الديناميكية تتقاطع- في بعض جوانبها- مع ما تشير إليه بعض الدراسات الحديثة في علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي حول أهمية التكرار، والتدرُّج، وإعادة التنشيط الدوري في ترسيخ المعاني والسلوكيات داخل الإنسان، غير أن التصور الإسلامي يضيف إلى ذلك بُعْدًا أعمق يتمثل في مركزية القلب، بوصفه موضع الإيمان والذكر والغفلة والإنابة.

 

ومن هنا يحاول هذا المقال قراءة المواسم الإيمانية في الإسلام بوصفها بناءً تربويًّا متدرجًا ومتكررًا، ينتقل فيه الإنسان من التذكير إلى اليقظة، ومن التكثيف إلى التثبيت، حتى يظل القلب حيًّا، وتبقى صلة الإنسان بالله متجددة وسط تغيُّرات الحياة وتقلُّباتها.

 

1- الإنسان بين الذِّكر والنسيان:

يقرر الإسلام بوضوح أن الإنسان لا يبقى على درجة واحدة من الإيمان واليقظة؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والغفلة؛ ولذلك لا يُنظر إلى الثبات الإيماني بوصفه حالة جامدة يكتسبها الإنسان مرة واحدة، بل باعتباره أمرًا يحتاج إلى تجديد دائم وتعاهُد مستمر للقلب.

 

ومن أعمق ما يكشف طبيعة الإنسان في هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء»؛ (صحيح مسلم)، وكان من أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم: «يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك»؛ (سنن الترمذي). ويكشف ذلك عن طبيعة القلب في التصور الإسلامي؛ فهو سريع التقلُّب، يتأثر بالغفلة والاعتياد وفتور الإيمان؛ ولذلك يحتاج إلى عودة متكررة إلى الذكر حتى يظل حيًّا ومتصلًا بالله.

 

ومن هنا يحتل الذِّكر مكانة مركزية في الإسلام، لا بوصفه ألفاظًا تُقال فحسب، بل باعتباره حضورًا دائمًا لله في القلب يعيد توجيه الإنسان ويجدِّد داخله معاني الإيمان والمراقبة والإنابة؛ والإنابة هي عودة القلب المتكررة إلى الله كلما أبعدته الغفلة أو استغرقته الحياة. وفي المقابل، لا يعبّر "النسيان" في القرآن عن المعنى الذهني المجرد فحسب، بل يدل أيضًا على الغفلة والإعراض وفقدان الحضور الإيماني؛ ولذلك يلفت النظر كثافة حضور هذين المعنيين في القرآن الكريم؛ إذ ورد جذر «ذ ك ر» مئات المرات، في حين تكرر جذر «ن س ي» عشرات المرات، وكأن القرآن يعيد بناء الإنسان حول محور التذكُّر في مواجهة الغفلة والنسيان.

 

ولهذا تتكرر في القرآن الدعوة إلى الذكر والتذكير: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 55]، كما يتكرر التحذير من الغفلة: ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205].

 

فالإنسان يألف الأشياء مع الزمن، حتى المعاني الكبرى؛ ولذلك لم يجعل الإسلام التذكير بالله حدثًا عابرًا، بل نسج داخل حياة الإنسان مواسم إيمانية متكررة توقظ القلب كلما أثقلته الغفلة أو استهلكته رتابة الحياة.

 

ومن هنا يمكن فهم المواسم الإيمانية في الإسلام لا بوصفها مجرد تنظيم للشعائر، بل باعتبارها محطات متجددة لإحياء القلب وتجديد الصلة بالله؛ لأن الإنسان كثير النسيان، والقلب سريع التقلُّب، ولا يثبت إلا بتكرار الذكر والعودة المستمرة إلى الله.

 

2- الزمن في الإسلام ليس متساويًا:

إذا كان القلب سريع التقلُّب، وكان الإنسان يضعف مع مرور الزمن تحت ضغط الغفلة والاعتياد، فإن من رحمة الله أن لم يجعل أيام السنة متشابهة في قيمتها وأثرها، بل جعل داخلها أزمنة تتفاوت في فضلها وتعظيمها، لتبقى النفس في حالة تجدُّد ويقظة مستمرة.

 

فالقرآن يلفت الانتباه إلى أن الزمن ليس كتلة متجانسة، بل إن بعض الأزمنة خُصَّت بمزيد من الفضل والتعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ [التوبة: 36].

 

وقد ذكر العلماء أن من معاني تعظيم هذه الأشهر مضاعفة أجر الطاعات وتشديد الإثم في المعاصي؛ مما يجعلها أزمنة توقظ في الإنسان قدرًا أكبر من مراقبة النفس والانتباه للسلوك؛ فتدفعه إلى الطاعة بتعظيم قدرها، وتُنفِّره من المعصية بتغليظ شأنها.

 

ويأتي رجب في مقدمة هذه المواسم، لا باعتباره موسمًا مستقلًّا قائمًا بذاته، بل بوصفه بداية انتقال النفس إلى حالة من الانتباه والاستعداد تسبق مواسم التكثيف الإيماني الكبرى، ثم يأتي شعبان، الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شهر «يغفل عنه الناس»؛ (سنن النسائي)، وكأن الإسلام يلفت النظر إلى أن الخطر لا يكمن فقط في ضعف العبادة، بل في اعتياد الغفلة حتى تصبح حالة مألوفة لا يشعر بها الإنسان؛ ولذلك يبدو شعبان مرحلة تهيئة هادئة يعاد فيها توجيه القلب تدريجيًّا قبل الدخول في رمضان.

 

ثم يأتي رمضان بوصفه ذروة الحضور الإيماني في السنة، قبل أن ينتقل الإنسان بعده إلى شوال، الذي يؤدي وظيفة التثبيت والاستمرار؛ إذ لا ينتهي المقصود من الموسم بانتهاء أيامه، بل يبدأ التحدي الحقيقي في الحفاظ على أثره داخل الحياة اليومية؛ ولهذا شُرعت ستة أيام من شوال لتبقى الصلة ممتدة بعد رمضان، وليتحوَّل الإقبال الموسمي إلى قدر من الاستمرار والثبات.

 

ومن هنا لا تبدو المواسم الإيمانية مجرد توزيع زمني للعبادات، بل أقرب إلى بناء تربوي متدرِّج ينتقل بالإنسان من الانتباه إلى التهيئة، ومن التهيئة إلى التكثيف، ثم إلى التثبيت والاستمرار. وكأن الإسلام يعيد عبر هذا الإيقاع الزمني المتكرر إحياء القلب كلما أثقلته الغفلة أو استهلكته رتابة الحياة.

 

3- رمضان والعشر: بناء مواسم القرب والتكثيف الإيماني:

إذا كانت المواسم السابقة تمثل مراحل تهيئة تدريجية للنفس، فإن رمضان يأتي بوصفه ذروة الحضور الإيماني في السنة؛ ففيه تتغير علاقة الإنسان بالطعام والنوم والوقت والشهوات، ويزداد حضور القرآن والذكر والصلاة والصدقة، وكأن الإنسان يُنتزع مؤقتًا من ثقل الحياة اليومية وانشغالاتها المتراكمة ليعيد النظر في نفسه وفي علاقته بالله.

 

غير أن رمضان نفسه لا يسير على وتيرة واحدة، بل يقوم داخله نوع من التدرج التصاعدي الذي يبلغ قمته في العشر الأواخر. فكلما اقترب الشهر من نهايته ازداد التكثيف الإيماني، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم «إذا دخل العشر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»؛ (صحيح البخاري). وكأن الإسلام لا يكتفي بتكثيف العبادة على مستوى الشهر كله، بل يبني داخل رمضان موسم قربٍ أكثر عمقًا وتركيزًا، تتكثف فيه معاني الذكر والقيام والبذل والانقطاع إلى الله.

 

وفي قلب هذه العشر تأتي ليلة القدر، التي وصفها الله بقوله: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3]، وهي ليست مجرد ليلة يضاعف فيها الأجر، بل قمَّة استثنائية يبلغ فيها الإحساس بالقرب والرحمة والرجاء درجة مختلفة عن بقية ليالي العام.

 

وتتكرر الديناميكية نفسها مرة أخرى في عشر ذي الحجة، التي أقسم الله بها في قوله تعالى: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1-2]، وقد رجَّح جمهور المفسرين أن المقصود بها عشر ذي الحجة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»؛ (صحيح البخاري). وكما كانت ليلة القدر ذروة رمضان، يأتي يوم عرفة بوصفه قلب موسم ذي الحجة وأعظم لحظاته الإيمانية؛ يومًا تتكثف فيه معاني التوبة والرحمة والعتق والقرب من الله.

 

ومن هنا تبدو هذه المواسم الكبرى ذُرى إيمانية يبلغ فيها القلب أعلى درجات القرب، بعد مراحل من التهيئة والتدرج، ليعود القلب بعدها أكثر يقظةً واستعدادًا لمواجهة رتابة الحياة وغفلتها.

 

4- ما بعد المواسم: كيف يتحول الأثر الإيماني إلى حياة؟

لكن الإسلام لا يبني الإنسان على مواسم التكثيف وحدها؛ لأن المشاعر الإيمانية، مهما بلغت قوتها، قد تخبو سريعًا إذا لم تتحول إلى سلوك مستمر داخل الحياة اليومية؛ ولذلك لا تنتهي التربية الإيمانية بانتهاء رمضان أو عشر ذي الحجة، بل يبدأ بعدهما سؤال أكثر عمقًا: كيف يبقى أثر هذه المواسم حاضرًا بعد هدوء أجوائها؟

 

فمن السهل أن يعيش الإنسان حالة من الإقبال داخل المواسم الكبرى، حيث يشاركه المجتمع أجواء العبادة والذكر والانقطاع إلى الله، لكن التحدي الحقيقي يظهر حين يعود إلى تفاصيل الحياة العادية؛ إلى العمل والانشغال والعلاقات والضغط اليومي؛ وهنا ينتقل المقصود من مجرد التكثيف المؤقت إلى ترسيخ المعاني والمقامات الإيمانية التي تتولد داخل تلك المواسم..

 

ومن هنا يمكن فهم مجيء شوال بعد رمضان؛ فصيام ستة أيام منه لا يبدو مجرد امتداد عددي للصيام، بل محاولة للحفاظ على الصلة بالله بعد انتهاء ذروة الموسم، وكأن الإسلام لا يريد أن يخرج الإنسان من رمضان ثم يعود مباشرة إلى حالة الاعتياد السابقة، بل يفتح له مساحة انتقالية تساعده على تحويل الإقبال الموسمي إلى قدر من الاستمرار والثبات.

 

وتتكرر الفكرة نفسها بعد عشر ذي الحجة؛ إذ يأتي شهر الله المحرَّم متصلًا بالأشهر الحرم، ليبقى معنى المراقبة والانتباه حاضرًا بعد انتهاء موسم التكثيف الإيماني، وكأن أثر المواسم الكبرى لا يُترك لينطفئ فجأة، بل يمتد زمنًا أطول حتى يترسخ داخل النفس ويتحول تدريجيًّا إلى سلوك أكثر استقرارًا.

 

ومن اللافت أن الله جعل بداية السنة بشهر حرام، كما جعل ختامها وختام دورة المواسم الكبرى بشهر حرام أيضًا، وكأن القلب يُحاط بمواسم التذكير من بدايات الطريق ونهاياته، حتى لا يطول عليه البعد والغفلة.

 

وبعد كل هذه المواسم يعود الإنسان إلى حياته اليومية؛ إلى العمل، والانشغال، وضغط الأيام، لكن يبقى السؤال الحقيقي: ماذا بقي في القلب بعد ذلك كله؟ هل كانت تلك المواسم مجرد مشاعر عابرة انتهت بانتهاء أيامها، أم أنها تركت أثرًا حيًّا في علاقتنا بالله؟

 

ولهذا لا تبدو بقية أشهر السنة فراغًا تعبديًّا، بل تمثل المساحة التي تظهر فيها آثار ما حمله الإنسان من تلك المواسم، فالقيمة الحقيقية ليست في لحظات الإقبال المؤقتة، بل في القدرة على الحفاظ على أثرها بعد هدوء أجوائها؛ ولهذا كان من أحب الأعمال إلى الله «أدومها وإن قل»؛ (صحيح البخاري)، لأن الغاية ليست مجرد عبادة موسمية عابرة، بل بناء صلة متجددة بالله تبقى حيَّة وسط زحام الحياة وتقلباتها.

 

5-ماذا تقول العلوم الحديثة؟

ومن اللافت أن بعض ما توصَّلت إليه الدراسات الحديثة في علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي يسلِّط الضوء على أهمية التكرار والتدرُّج وإعادة الاستحضار الدوري في ترسيخ التعلُّم وتشكُّل السلوك الإنساني. فقد أظهرت أبحاث الذاكرة أن المعاني والخبرات لا تترسخ غالبًا عبر تعرُّض واحد عابر، بل تحتاج إلى إعادة استدعاء متكررة عبر الزمن حتى تنتقل من التأثر المؤقت إلى قدر أكبر من الثبات والاستقرار.

 

ومن أبرز المفاهيم التي تناولتها هذه الدراسات ما يُعرف بـ "التعلُّم المتباعد" (Spaced Learning)، وهو مبدأ يشير إلى أن توزيع التعلُّم أو التجربة عبر فترات زمنية متباعدة يؤدي إلى ترسيخ أعمق وأدوم من التكثيف القصير المتواصل، كما تتحدَّث أبحاث "الاسترجاع وإعادة التذكُّر" (Recall/Retrieval Practice) عن أن استدعاء المعاني بصورة متكررة لا يقتصر أثره على حفظها، بل يسهم أيضًا في تقوية الروابط المرتبطة بها وإعادة تثبيتها داخل الذاكرة.

 

وترتبط هذه العمليات بما يُعرف بـ "المرونة العصبية "(Neuroplasticity)؛ أي: قدرة الدماغ على إعادة تشكيل الروابط العصبية تدريجيًّا تحت تأثير التكرار والخبرة المستمرة، كما تشير الدراسات المتعلقة بالخبرات ذات الأثر الوجداني المرتفع إلى أن التجارب التي تحمل كثافة شعورية قوية تترك أثرًا أعمق وأكثر رسوخًا في الذاكرة والانتباه والسلوك.

 

ومن اللافت أن المواسم الإيمانية في الإسلام تقوم على قدر واضح من التدرُّج والتكرار وإعادة التذكير، وتتخللها مواطن يبلغ فيها الحضور الإيماني درجة أعلى من الكثافة والتركيز؛ كالعشر الأواخر، وليلة القدر، ويوم عرفة. وهي مواسم لا يقتصر أثرها على الأداء التعبُّدي الوقتي، بل تمتد لتترك أثرًا أطول في النفس والسلوك.

 

ومع ذلك، فمن المهم التأكيد على أن هذا التقاطع لا يعني أن التشريع الإسلامي بُني على النظريات العصبية الحديثة، ولا أن العلوم المعاصرة قادرة على الإحاطة بحِكم العبادات ومقاصدها؛ وإنما المقصود أن بعض المبادئ التي تكشفها الدراسات الحديثة حول طبيعة التعلُّم والتغيير الإنساني تبدو منسجمة، في بعض جوانبها، مع هذا البناء المتدرج والمتكرر للمواسم الإيمانية في الإسلام.

 

6- ما الذي يميز التصور الإسلامي للإنسان؟

ورغم ما تقدمه العلوم النفسية والعصبية الحديثة من أدوات مهمة لفهم التعلُّم والسلوك، فإن التصور الإسلامي للإنسان يقوم على أصل محوري يتمثل في مركزية "القلب" في صلاح الإنسان وفساده. فالإنسان في الإسلام لا يُنظر إليه بوصفه مجموعة من الأفكار والانفعالات والسلوكيات والعمليات العصبية فحسب، بل باعتباره كائنًا يرتبط إيمانه واستقامته وتوجُّهه بحال قلبه.

 

ولهذا لا يقتصر الخطاب القرآني على الحديث عن العقل أو السلوك وحدهما، بل يتكرر فيه الحديث عن القلب بوصفه موضع الفهم والهداية والخشوع والغفلة، كما في قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ [الحج: 46]. فالقلب في التصور الإسلامي ليس مجرد موضع للمشاعر العابرة، بل هو موضع الإيمان والإرادة والإنابة والخشية.

 

ومن هنا تصبح الغفلة أعمق من مجرد ضعف في الانتباه أو تراجع في الدافعية؛ إنها حالة يبهت فيها أثر الإيمان ويضعف فيها حضور الذكر، حتى وإن استمر الإنسان في ممارسة كثير من أعماله اليومية بصورة طبيعية؛ ولذلك لا تركز المواسم الإيمانية على تقويم السلوك الظاهر فحسب، بل تهدف أيضًا إلى إحياء القلب وتجديد صلته بالله.

 

ولعل هذا ما يفسر كثافة حضور الذكر في الإسلام؛ فالذكر، كما يبين ابن تيمية، لا يقتصر على الألفاظ التي تُقال باللسان، بل يشمل كل ما يقرب العبد إلى الله من اعتقاد وتفكر ومحبة وخوف وطاعة؛ ومن ثمَّ لا يبدو الذكر في التصور الإسلامي ممارسة عابرة، بل وسيلة لحفظ حياة القلب واستبقائه حاضرًا مع الله وسط ما تفرضه الحياة من اعتياد وانشغال واستغراق في الماديات.

 

ومن هنا تبدو المواسم الإيمانية في الإسلام وكأنها مساحات متجددة يعاد فيها توجيه القلب إلى الله كلما أثقلته الغفلة أو استهلكه الاعتياد، حتى لا يتحول الدين إلى ممارسة شكلية خالية من الخشوع والحضور، ولا تتحول الحياة إلى انشغال مادي متواصل يفقد الإنسان داخله معنى العبودية والإنابة.

 

خاتمة:

حين نتأمل البناء المتكرر للمواسم الإيمانية في الإسلام، يصعب النظر إليها بوصفها مجرد توزيع زمني للعبادات على مدار السنة؛ فالأمر يبدو أعمق من ذلك. فالإنسان ليس كائنًا ثابتًا؛ إيمانه يضعف ويقوى، وقلبه يتقلَّب، والحياة بما فيها من انشغال واعتياد وضغط يومي قادرة على أن تُبهت داخله المعاني الكبرى مع مرور الزمن.

 

ولذلك لم يجعل الإسلام التذكير بالله أمرًا عابرًا، بل نسج عبر السنة مواسم متكررة تعيد إلى القلب حضوره، وتربط الإنسان مرة بعد مرة بمعاني الذكر والعبودية والإنابة. ومن اللافت أن هذه المواسم لا تسير على وتيرة واحدة، بل تقوم على تدرج متكرر: تهيئة، ثم تكثيف، ثم تثبيت واستمرار. فتسبق مواسم الإقبال مراحل من الانتباه وإعادة توجيه النفس، ثم تأتي فترات يشتد فيها حضور العبادة والذكر، قبل أن يعود الإنسان إلى حياته اليومية وهو مطالب بالحفاظ على أثر تلك المواسم داخل سلوكه وعلاقته بالله.

 

ومن هنا لا يبدو أن الإسلام يبني الإنسان عبر اندفاع وجداني مؤقت، بل عبر تربية ممتدة عبر الزمن، تعيد القلب إلى الله كلما أثقلته الغفلة أو استغرقته الماديات؛ ولهذا تبدو المواسم الإيمانية رحمة متجددة ترافق الإنسان طوال العام، تحفظ للقلب يقظته، وتمنحه فرصة متكررة للعودة كلما فتر أو ابتعد.

 

ولعل هذا ما يجعل المؤمن أكثر وعيًا بهذه المواسم؛ فهي ليست مجرد تواريخ تمرُّ في التقويم، بل نفحات متجددة يفتح الله فيها لعباده أبوابًا من الرحمة والقرب والتغيير. وقد جاء في الحديث: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها»؛ (المعجم الأوسط للطبراني)؛ ولذلك، فكما يحرص الإنسان على تنظيم مواعيده ومشاريعه الكبرى، يحتاج أيضًا أن يجعل لهذه المواسم مكانًا حاضرًا في حياته، يتهيأ لها بقلبه ووقته؛ لأنها ليست أزمنة عابرة، بل فرص متجددة لإحياء الإيمان وتجديد الصلة بالله وسط زحام الحياة وتقلباتها.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • السنة الهجرية الجديدة
  • هل يحتفل المسلم برأس السنة الهجرية؟
  • السنة الهجرية (خطبة)
  • أرجوزة الأنجم الدرية في نظم أسماء شهور السنة الهجرية
  • محرم بداية السنة الهجرية وعاشوراء وفضل آل البيت (خطبة مختصرة)

مختارات من الشبكة

  • خطبة: مواسم الرحمة ويقين الموحد: من شهر الله المحرم إلى بحر موسى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مواسم الطاعة في مطلع العام: أجور تنال وبدع تزال (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المهمات بعد مواسم الخيرات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الثبات بعد مواسم الطاعات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مواسم قد لا تعود (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الانتحار في ميزان السنة النبوية: قراءة عقدية ودعوية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • السنن العشر ليوم الجمعة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قراءة القرآن في رمضان وتلاوته آناء الليل والنهار(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • حين تقودك الآيات إلى محبة الله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شمولية التعبد وحراسة شعيرة الأضحية: قراءة عقدية في فقه النوازل وتفكيك المقاصد الموهومة(مقالة - ملفات خاصة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بينزا تستضيف برنامجا صيفيا لتعليم الأطفال القرآن والعلوم الإسلامية
  • اختتام النسخة الـ18 من مسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في البوسنة والهرسك
  • انطلاق دورات «القرآن في قلوبهن» للفتيات بالمسجد التاريخي في إندركا
  • انطلاق الحملة السنوية لتوفير المستلزمات المدرسية لأبناء المسلمين في تتارستان
  • انطلاق برنامج قرآني صيفي لتنمية مهارات التلاوة في عاصمة بولندا
  • تخريج دفعة جديدة من دارسي العلوم الإسلامية في ألبانيا
  • مسجد أكسينوفو يختتم دوراته الصيفية بنجاح بموردوفيا
  • أزناكايفو تستضيف النسخة التاسعة من مسابقة «الإسلام» للقرآن الكريم

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/2/1448هـ - الساعة: 15:30
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب