• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / التلفاز وخطره
علامة باركود

ظواهر إعلامية مقيتة

ظواهر إعلامية مقيتة
أشرف شعبان أبو أحمد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 20/6/2026 ميلادي - 4/1/1448 هجري

الزيارات: 93

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

ظواهر إعلامية مقيتة

 

من الظواهر التي باتت تشغل فكر وعقل ووجدان كل مسلم غيور على دينه وأهله ووطنه، ما تتجرأ عليه بعض القنوات الفضائية من الاستهزاء بآيات الله وكلماته، والطعن في الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمناداة بتعطيل بعض شعائر الإسلام بحجج ظاهرها الرحمة وباطنها الإبعاد عن الدين وإضعاف أثره في النفوس، فلا ضرورة للصيام الذي يجعل العاملين أقل نشاطًا فيتقاعسون عن أعمالهم، ولا داعي لتأدية الصلاة خلال ساعات العمل حتى لا تنقص من وقت العامل ولا من حجم الإنتاج، وللمحافظة على العملات الأجنبية فلا بأس من تقليل أعداد الحجاج والمعتمرين، وتوجيه تلك النفقات إلى الفقراء والمساكين فهم بها أولى، ويدعون إلى وقف ذبح الأضاحي حفاظًا على الثروة الحيوانية التي لا تحتمل ذبح النسك، حتى بدا كأن شعائر الإسلام عبئًا ثقيلًا على الأفراد وعلى المجتمع، يُراد التخلص منها واحدة تلو الأخرى، ويتخذون من حجة الحرية الشخصية وحرية الرأي ذريعة لهم، وكأن لم تكن لهذه الحريات حدود وقيود، كما في سائر الشرائع والقوانين حول العالم أجمع، وكأن هذه الحريات صُممت للتطاول على الثوابت الدينية، والتشكيك في أصول الدين، ودفع الناس دفعًا إلى الانحراف عنه بل وهجره، بطريقة تُحاك ببراعة، وإذا كانت بعض هذه الأباطيل قد عُرفت منذ العصور الأولى للإسلام، إلا إنها كانت يومئذٍ محصورة في بقاع محدودة، لا تصل إلى أسماع غيرها من البقاع، أما اليوم فقد غدت هذه الأكاذيب والافتراءات تُدس في العسل وتقدم في صور برَّاقة، ثم تنقل إلى كافة بقاع العالم، كل قارة وبلد وكل مدينة وقرية، وكل صقع ونجع وكل بيت وحجرة فيه، تبث بالصوت والصورة، فيسمعها ويراها المؤمن والكافر، المسلم والمنافق، العالم الراسخ في العلم، ومن لا تتعدى معلومات حدود الشهادتين وبعض العبادات المفروضة، وكل من يريد الكيد بالإسلام والمسلمين.

 

ومن هذه الظواهر أيضًا ما يعلنه بعض المشاهير، ممن يتخذهم كثير من الناس قدوة لهم، عما يسمى بالمساكنة؛ حيث يعيش الرجل مع المرأة بلا زواج، وينجبان بلا ميثاق، وبعد سنوات من العبث يقرران: أيمضيان في علاقتهما أم ينهيانها، ليخوض كل منهما تجربة مماثلة مع آخر، وهكذا تقدم الفاحشة للناس على أنها تجربة حياتية، وحرية شخصية، بينما تهدم الكيان الأسري، ولا يقف الأمر عند هذا بل الحد، بل لا يفوتون فرصة لتحريض الزوجة على زوجها، فيُلقون في ذهنها أنها غير ملزمة بخدمته، أو باستئذانه في الخروج من بيت الزوجية والمبيت خارجه، إلى آخره من صور الهدم المباشر لأسس الحياة الزوجية ومقاصدها، كما تقوم هذه الفضائيات بعرض لسلوكيات صادمة للفطرة ومناقضة للدين، تأتي متمشية مع تلك التشريعات في بعض البلدان التي أباحت زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، وقنَّنت هذا الشذوذ، وحمت أصحابها بقوة القانون؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [النور: 19]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ [الأعراف: 33]، وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ﴾ [النحل: 90]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا))، ومن ذلك أيضًا ما تبثه بعض البرامج الفضائية من محاولات لإقناع المشاهدين بقبول تقسيم الميراث بالتساوي بين الذكور والإناث، وما تثيره من دعوات لإلغاء الطلاق الشفهي، في مخالفة صريحة لشرع الله تعالى ولما تواتر من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه وما استقر عليه إجماع الفقهاء، ومثل هذه الأطروحات لا تُعد مجرد آراء شخصية، بل هي محاولة ممنهجة للانقضاض على ما تبقي من الأحكام الشرعية، واستكمالًا لمسار طويل من تعطيل الحدود الشرعية واستبدالها بقوانين وضعية ليست من الشريعة في شيء.

 

ومن الظواهر التي تسهم في هدم الكيان الأسري، بينما تقف أجهزة الإعلام حيالها صامتة لا تحرك ساكنًا، ولا توليها أدنى اهتمام، تفاقم عقوق الأبناء لآبائهم، وما يصاحبه من تمرد وعصيان وجفاء في معاملتهم، إذ يسيئون إليهم، ويُغلظون القول، وربما أهانوهم ورفعوا أصواتهم عليهم، ويهملون حق السؤال عنهم، والإحسان إليهم، فيغضبونهم ويكدرون صفوَ حياتهم ليغدو مصدرَ شقاء وعناء بدلًا من أن يكونوا موضع سعادة وباعثي فرح، وبينما يقصر الابن في حق أبويه اللذين لهما الحق الأعظم، إذ به يحسن إلى صديقه ويكرمه، ويراعي مشاعره، ويُغدق عليه ما لا يغدقه على والديه، ويطيع زوجته حتى فيما فيه إساءة للوالدين أو قطيعة رحم، ويقدم رغبتها على حق والديه، ومن أساء إلى والديه وقصَّر في حقوقهما، هان عليه هجر أقاربه وقطع صلته بهم، على اختلاف درجات قرابتهم، وهو ما يسمى شرعًا بقطع الرحم، وهي ما تتفشى صورها وتتعدد طرقها حتى صارت مشهدًا مؤلمًا في واقع كثير من الأسر، ويتحجج البعض بانشغالهم في طلب لقمة العيش ليلًا ونهارًا، بما لا يترك لهم متسعًا من الوقت ليستريحوا ويخلو أحدهم إلى نفسه، فيتساءل عن الأهل والأقارب والأصدقاء، كما يتذرعون أحيانًا بالخلافات القائمة بينهم، أو بتباعد أماكن إقامتهم ولوجود بعضهم خارج البلاد أو القُطر، لكنها حججٌ لا يُعتد بها، ولا تصح أن تكون عائقًا لصلة الرحم، ولا مبررًا لقطعها، خاصة في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي هذه؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ [الرعد: 25]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره، فليصِل رحِمه))؛ ينسأ له في أثره: يعني يؤخر له في الأجل ويطول عمره جزاء لصلة رحمه، ويكون ذلك بزيادة البركة فيه، أو أنه يكتب له عمرًا أطول، كما يوسع الله له في الرزق؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة قاطع))؛ يقصد: قاطع رحم، وهي من الذنوب التي يعجل لصاحبها العقوبة في الدنيا قبل الآخرة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذنبان يعجل الله عقوبتهما في الدنيا: البغي وقطيعة الرحم))، وفي حديث آخر: ((ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم))، ومن عاق والديه وقطع صلة رحمه، لا يبقى له في العائلة كبيرٌ يوقره أو يرجو عطفه، ويخشى جانبه، ولا يرد له كلمة ولا يعصي له أمرًا، بل قد يجترئ على الكبير إذا وُجد، مما يزيد الطين بلة.

 

ومن الظواهر التي أخذت في الانتشار ويروِّج لها أجهزة الإعلام بصورة أو أخرى، انتقاص بعض النساء اهتمامهن بالبيت والزوج والأبناء، لصالح انشغالهن واهتمامهن بالعمل، حتى إن بعضهن يفضلن النجاح المهني، وأن يصبحن سيدات أعمال أو ذوات مراكز مرموقة في ميدان عملهن على الارتباط بالزواج، وإيفاء الزوج وبيته وأولاده حقوقهم، مما يؤثر سلبًا على ترابط الأسرة واستقرارها، ويجعل من الطلاق أمرًا شائعًا ومطلبًا من الزوجة قبل الزوج، ولا غرابة في أن مثل هذه الأمور قد دفعت بعض النساء للتشبه بالرجال، وما قابله من تقليد بعض الرجال للنساء، حتى بدا كلا الجنسين متقاربين إلى حد التطابق، ولم يعد التشابه بينهما مقتصرًا على المظهر في الهيئة والملبس، ولا على السلوكيات؛ حيث يتعمد كلٌّ منهما تقمص صفات الآخر، بل تجاوز ذلك إلى الجوهر، فصار التشابه يمَس الفطرة والطباع الأساسية لكل جنس، على نحوٍ يخالف ما فطرهما الله عليه؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال))، كما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس ملابس المرأة، والمرأة تلبس ملابس الرجل؛ لذا لا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجل ولا للرجل أن يتشبه بالمرأة، فتشابه كل منهما بالآخر حرامٌ؛ قال تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ [آل عمران: 36].

 

ومن الظواهر التي تتناولها أجهزة الإعلام وتدعو لها، المقارنة بيننا وبين غيرنا من غير المسلمين، بازدراء حالنا وتبجيل حالهم، كما لو كانت تحث على تقليدهم والاقتداء بهم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))، وفي رواية: ((حُشِر معهم))؛ أي من شبه نفسه بالكفار مثلًا في اللباس وغيره أو بالفسَّاق أو الفجَّار، أو بأهل التصوف والصلحاء الأبرار فهو منهم، أي في الإثم والخير؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا النصارى))، فلا يجوز لنا تقليد الأمم الأخرى، لا في أديانهم وبدعهم وكفرهم، ولا في قوانينهم وأفكارهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ولا في طرائق معيشتهم وأساليب حياتهم، فنصبح نسخة مشوهة منهم، نسقط في مستنقع الرذيلة كما سقطوا، نفعل المعاصي والآثام والشر كما فعلوا، نأكل الربا كما أكلوا، وننشر الزنا والقبائح كما نشروا، وندعو إلى كل ما يخالف الفطرة السوية والشرائع الربانية؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لتتبعن سَنن من كان قبلكم حذوَ القُذة بالقذة - وفي لفظ: شبرًا بشبر وذراعًا بذراع - حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((حذو القذة بالقذة وفي لفظ: شبرًا بشبر وذراعًا بذراع))؛ أي إن المشابهة ستكون كاملة حتى تقترب من المطابقة، والاتباع سيكون في صغير الأمر وكبيره، جليله وحقيره، حتى لو كان منهم من يأتي أمه علانية لكان من هذه الأمة من يفعل ذلك؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه))، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته، ونتن ريحه وخباثته، ولنا أن نأخذ من علومهم الدنيوية ما ينفع دنيانا ويعيننا على ديننا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي المشركين، وحتى تعبدَ فئامٌ من أمتي الأوثانَ))؛ [الترمذي].

 

وبينما يقع على أجهزة الإعلام مسؤولية تعزيز العلاقات والروابط الإنسانية، وتسليط الضوء على النماذج الإيجابية، وتصويب السلوكيات السلبية، إذا بها في كثير من أطروحاتها، تبث وترسخ النقيض من ذلك، فهي تكرس صورًا لتعايش ظاهري بين الناس، يتقاربون فيه جسديًّا، يلتقون ويجتمعون ويخالط بعضهم بعضًا، ولكن قلوبهم متباعدة، وأرواحهم متنافرة، غاب عنها التواصل والتودد الصادق، لا يسأل بعضهم عن بعض، ولا يتفقد بعضهم أحوال بعض، ولا يساند بعضهم بعضًا في المناسبات والمواقف الصعبة، فلا رحمة تظل تعاملاتهم، ولا شفقة تلينها، ولا عطف يسودها، بل تغلب عليها القسوة، حتى غدا المجتمع إلا من رحم الله، أجسادًا متجاورة بلا مودة ولا إحساس بالأُخوة، ولعل أبرز مثال على ذلك ما تشهده تجمعات الناس ومجالسهم، في المنازل وخارجها، يلتفون ويتجالسون بعضهم بجوار بعض، لكن لا يدور بينهم حديث، ولا يصغي أحدهم للآخر، فقد استحوذ على كل منهم هاتفه المحمول، وغاب في عالمه، لا يلقي بالًا ولا يقيم وزنًا ولا اهتمامًا لما يدور حوله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))، وقال: ((من لا يَرحم لا يُرحم))، وقال: ((لا تُنزع الرحمة إلا من شقيٍّ))، ويمتد هذا الخلل ليطول الجار فيصيبه ما يصيب غيره من الجفاء وسوء المعاملة والإيذاء بالقول أو الفعل، وعدم مراعاة حقوقه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه))، وقال: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))، وقال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))، والأدهى من ذلك والأمرُّ ما أحدثته هذه الممارسات من انتزاع الثقة بين الناس، حيث غدا المرء قلقًا من أن يكون جليسه، سواء كان صديقًا أو جارًا أو أيًّا من أقاربه، سببًا في خيانته، بنقل حديثه، ويفشي سره، ويشي به، ويستخدم كلماته للإيقاع به وتوريطه فيما لا يحتمل، مما يجعل الناس جميعًا في حالة ريبة ووجَل وخوف دائم من بعضهم البعض، فلا يثق أحدهم بالآخر، ولا يتعاون بعضهم مع بعض، ويعيش كل منهم منفردًا بحالة منعزلًا عن الآخرين، كما ساهمت كثير من المنابر الإعلامية في ترسيخ سلوكيات مذمومة، فكثر بسببها الكذب، وشاعت شهادة الزور، وتجرأ الناس على الحلف بغير الله، بل صار الحلف بالله عادةً دراجة بينهم على ألسنتهم في كل كبيرة وصغيرة دون استحلاف، في استخفاف ظاهر بجلال اسم الله وتعظيمه، وغدا المرء يشهد فيما لم يشهده، ويقسم فيما لا علم له به.

 

ومن هذه الظواهر كذلك ما تبثه وسائل الإعلام على الهواء مباشرة، من حفلات ماجنة، تمتلئ بالمعازف الصاخبة والمغنيات المثيرات، والاختلاط الفاضح، والعري لا يعرف الحياء، وبيان بثها من أماكن لم يكن يخطر على بال أحد يومًا ما أن تطأها وتدنسها مثل هذه الانحرافات، حفلات تقدَّم فيها الخمور والمسكرات على الملأ، وكأنها صارت أمرًا عاديًّا ومألوفًا لديهم، غير مكترثين بعواقبها ولا بعقوبتها الشرعية، مصداقًا لقوله عليه الصلاة والسلام: ((يشرب الناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها))، ولم يتوقف الأمر عن هذا الحد، بل ظهرت منكرات أخرى، صرفت أسماؤها عن حقيقتها وأُلصق بها من العبارات مما يوحي بإباحتها، ليقبل عليها الناس بلا تورع، ومن تلك المظاهر كذلك ما تبثه وسائل الإعلام بين الحين والآخر، عن زيادة جديدة في سعر الفائدة على الإيداعات بالبنوك، أو إصدار شهادات جديدة بعوائد أكبر، فيتسابق المودعون على شراء ما هو أكثر ربحية وأعلى فائدة ربوية، وكأنها تجارة مشروعة، لا شبهة فيها، ولا أنها كبيرة من الكبائر، وقد سارت غالبية المعاملات المالية قائمة على النظام الربوي من خلال البنوك، سواء في الشراء أو البيع، الإيداع أو السحب، الإقراض أو الاقتراض، مما جعل أكل الربا واقعًا معيشًا لكثير من الأفراد والمؤسسات، حتى لو لم يدركوا ذلك.

 

وإذا كان الإعلام قد ساهم في بث ونشر بعض الأمور المقيتة، على نحو يخالف واجبه في استهجانها ورفضها، فإنه مع ذلك لم يختلق الأحداث ولم يزيف الحقائق ولم يزوِّر الوقائع، فواقع الحياة يشهد بما هو أشد فحشًا وأعظم نكرًا مما يُعرض، فها هي المعاصي تُرتكب جهارًا نهارًا، والآثام تُقترف على الملأ أمام أعين الناس، والمحرمات تسود سلوكيات كثيرين، والموبقات يُجترأ عليها بلا وجل ولا حياء، بل لقد غدا القائمون على ذلك يظهرون أنفسهم بجرأة وزهو، كأنهم يتباهون بها، في مشهد يؤكد أنها لم تعد حالات فردية، بل باتت ظاهرةً متفشية في المجتمع، وعلى مرِّ التاريخ كان شيوع مثل هذه المعاصي، سببًا لهلاك الأمم وزوال الحضارات؛ قال تعالى: ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ [الأنعام: 6]، فضلًا عن العذاب الأخروي الذي أعده الله للعاصين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتُليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجَور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القَطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم))، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المعصية إذا أُعلنت، دب بلاؤها إلى العامة والخاصة ولم يقتصر وبالها على مرتكبها.

 

وإن كان ظهور مثل هذه المنكرات والإعلان عنها، سواء من خلال أجهزة الإعلام أو من قِبل فاعليها، مصيبة حقيقية على مجتمعاتنا، فإن ما هو أفدح ضررًا وأكبر هولًا، هو ترك واجب إنكارها، فالتهاون عن هذا الحق، يزيد البلاء تفاقمًا ويجعل أثره أعظم وقعًا، فلا أحد ممن يملكون سلطة المنع والحجب ينكر أو يحظر ما يُبث ويُذاع على هذه الفضائيات، ولم تُتخذ أي من الإجراءات لمحاسبة المسؤولين عن ذلك أو مقاضاتهم ووقف برامجهم، كما أن الجهات الرسمية تتنصل من كل مسؤولية، ولا يرفع علماء الدين أصواتهم بالإنكار تجاه سائر الموبقات السالفة الذكر، فهل يُتوقع من العامة، الذين لا يعرفون من الإسلام إلا شعائره وبعض أولوياته، ولا يخطر لهم على بالٍ أن أجهزة تلفزيون بلدهم تذيع أمورًا مخالفة لدينهم، بل ومنهم من يتخذ ما يقدم لهم في البرامج التلفزيونية، مرجعًا ومصدرًا لمعلوماتهم، ويستشهدون بها في توجيه مسار حياتهم، أن ينكروا ويبغضوا ما لا يدركون أنه محرم ومخالف لتعاليم الإسلام؟ وكأن الجميع قد رضوا بالأمر الواقع فآثروا الصمت؛ وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مثَل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا - أي اقترعوا - على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مروا على مَن فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أردوا هلكوا جميعًا، وأن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجَوا جميعًا))، وإن كان لكل منكر عقوبة، فلعدم إنكاره عقوبة أيضًا، تصيب الجميع، تصيب مرتكب المنكر والعصاة والفسَّاق والظلمة من جهة، ومن جهة أخرى تصيب من لم يقترف ما اقترفوه من ذنوب، ومن لم يسلك مسلكهم، ومن ليس على شاكلتهم، لا تفرق بين صالح وطالح، وبين طيب وخبيث، فتطول الجميع وتشملهم بلا استثناء؛ قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25]، وقال ابن عباس: "أمر الله عز وجل المؤمنين ألَّا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بعذاب، يصيب الظالم وغير الظالم"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة))، وفي صحيح مسلم، عن زينب بنت جحش: ((أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث))، وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده، فقالت: يا رسول الله أمَا فيهم يومئذٍ أناس صالحون؟ قال: بلى، قلت: فكيف بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصابهم ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان))، وعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده ثم لتدعُنَّه فلا يستجيب لكم))، وإذا كان قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الأنعام: 164]، وقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر: 38]، يوجب ألَّا يُؤخذ أحد بذنب أحد، وأن تتعلق العقوبة بصاحب الذنب، إلا أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، باليد أو باللسان أو بالقلب وهو أضعف الإيمان، فإذا سكت عليه الجميع فكلهم عاصٍ، هذا بفعله، وهذا برضاه، وقد جعل الله في حكمه الراضي بمنزلة العامل، فاستحقا العقوبة، ومنها ما صحَّ عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: ((يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ [المائدة: 105]، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه))؛ [رواه أصحاب السنن إلا النسائي]؛ ولذا كان قوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]، ولتكن منا أمة فرقة جماعة أو هيئة، تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف، وتنهى أصحاب المنكر عن ارتكابه، وتأخذ على أيديهم وتمنعوهم من البغي، وتقوم بواجب النصح والإنكار، وتُقاوم فسادهم وتمنعهم من الظلم، وتتصدى لفسادهم، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، فإنكار المنكر فريضة شرعية؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في صحيح مسلم: ((من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، وفي رواية أخرى: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • أفي المال حق سوى الزكاة؟!
  • فضل الصلاة وآثارها
  • القلة والكثرة ودلالاتهما على الحق والباطل
  • إنما المؤمنون قلة
  • الزراعة وإحياء الموات
  • يعلمون.. ولا يعلمون
  • مكانة إطعام الطعام في الإسلام
  • ماذا بعد الستين؟!
  • المسلم لا يهاب الفقر ولا يرضى به
  • وإن عدتم عدنا

مختارات من الشبكة

  • ظاهرة كسب المال الحرام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الغزو الثقافي والإعلامي وأثره على العمل الدعوي في لومي: دراسة وصفية تحليلية (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • بشارات الأديب في شرح إعلام الأريب نظم أمهات آباء النبي على الترتيب (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • إعلام الأنام بأربعين حديثا في محاسن الإسلام (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • مقومات الشخصية الإعلامية في القرآن الكريم (WORD)(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • أعلام فقدوا بناتهم(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • إعلام الأنام بشرح نواقض الإسلام - بلغة الهوسا (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • من أعلام الأدب الرشيد (عماد الدين خليل أنموذجا)(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • إعلام الأنام بشرح نواقض الإسلام - باللغة الإنجليزية (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • وسائل صناعة الكراهية بين الثقافات: الاستشراق الإعلامي(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • التحضير لبناء مسجد جديد في لونغ آيلاند
  • مسجد بضواحي شيكاغو يستقبل الزوار للتعرف على الإسلام
  • مسجد ينظم حوارات مفتوحة للتعريف بالإسلام في شوارع بيرو
  • تكريم 114 حافظا للقرآن في احتفالية بتوزلا
  • مسجد جديد في أيتونا يلبي احتياجات المصلين الزائدة
  • مساجد تتارستان تستعد لاستقبال مئات الأطفال في الدورات الصيفية
  • أهالي تاتارسكوي تيكاشيفو يحتفلون بافتتاح مسجد الإخلاص
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 3/1/1448هـ - الساعة: 9:42
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب