• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / ملف الحج / خطب الحج
علامة باركود

خطبة: أسرار ومقاصد الحج

خطبة: أسرار ومقاصد الحج
مطيع الظفاري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/5/2026 ميلادي - 23/11/1447 هجري

الزيارات: 116

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أسرار ومقاصد الحج

 

الحمد لله ربِّ العالمين، الحمد لله القائل: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ [البقرة:197]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلِد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، نَحمَده تعالى حمدًا كثيرًا، نحمَده تعالى فهو الذي جعل فريضةَ الحج فيها أسرارٌ ومقاصدُ ومنافعُ للناس، ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج:28]، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا ومعلمنا محمدٌ عليه الصلاة والسلام القائل في حَجته الوحيدة: (خُذوا عني مناسككم)، أشهد أنه بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وأَتَمَّ الله به الملة، أشهد أنه ترَكنا عن المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات ربي وسلامه عليه تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:

فأوصيكم يا عباد الله بالتقوى، والاستمساك بالعُروة الوثقى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].

 

عباد الله، إن الحج فريضة من فرائض الدين، وشعيرة من شعائر الإسلام، فهو الركن الخامس من أركان الإسلام لمن كان قادرًا ومستطيعًا، وتوفر له الزاد والراحلة، وأمِنَ الطريق، وتوفر المحرم بالنسبة للمرأة، فمَن لم يحج وهو قادر أن يحجَّ، فلْيَمُتْ إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا؛ كما جاء في الأثر.

 

أيها المسلمون، لقد وقف الرسول صلى الله عليه وسلم على جبل عرفات لأداء فريضة الحج؛ امتثالًا لأمر الله، واقتداءً بنبي الله إبراهيم عليه السلام، فبعد أن أمَر اللهُ نبيه إبراهيم وابنه إسماعيل برفع القواعد من البيت الحرام، بعدها أمره أن ينادي في الناس بالحج، فقال نبي الله إبراهيم: يا رب، وكيف يبلغ صوتي الآفاق؟ فقال الله: يا إبراهيم، عليك النداء، وعلينا البلاغ، (عليك النداء وعلينا الإسماع)، ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [الحج: 27]، فنادى نبي الله إبراهيم: (أيها الناس، إنَّ ربَّكم قد اتَّخذ له بيتًا، وأمركم أن تحجُّوا إليه)، فسمعه كلُّ مَن في السماوات والأرض، حتى الحجر والشجر سمعه ولبَّى النداء؛ كما قال ابن عباس ذلك، فأجابوا كلهم جميعًا حينها، وقالوا: لبَّيك اللهمَّ لبيك.

 

• كلما جاء موسم الحج يذكِّرنا ذلك بنبي الله إبراهيم عليه السلام، بل يذكرنا ذلك بأسرة نبي الله إبراهيم كلها، فالحجُّ يذكرنا بنبي الله إبراهيم، وابنه إسماعيل، وأمِّنا هاجر، عليهم جميعًا منا أفضل الصلاة والسلام، فكل ركن أو مَنسك من مناسك الحج، يذكرنا بقصة هذه الأسرة المباركة، حتى شعيرة الأضاحي تذكِّرنا بقصة ذبح إبراهيم لابنه إسماعيل، فأعمال الحج من طوافٍ وسعي ورمي، وذبح ونحرٍ، وشرب ماء زمزمٍ، تذكِّرنا كل هذه بقصة هذه الأسرة المباركة.

 

عباد الله، إنَّ فريضة ومناسك الحج فيها أسرار ومقاصد ودروس قد تغيب عنا، فالحج يعلمنا أسرارًا ومفاهيمَ قد تغيب عند كثير من المسلمين.

 

فالحج يُعَدُّ مدرسة إيمانية، وجامعة أخلاقية، فيها دروس تربوية، فالحج رحلة قدسية عظيمة، اجتمع فيها شرف الزمان، وشرف المكان، وشرف العمل.

 

فالحج مدرسة عظيمة تَحمِل في طيَّاتها الكثير من المقاصد، والعديد من الأسرار والمفاهيم، وإليكم بعضها:

1- الأول إظهار توحيد الله:

يعلمنا الحج التوحيد، يعلمنا توحيد الله وإفراده بالعبودية، يعلمنا الحج أن لهذا الكون إلِهًا ومعبودًا واحدًا، لا ندَّ له، ولا شريك معه، وهذا التوحيد هو أعظم مقصدٍ من مقاصد الحج، فالحج هو إعلان للتوحيد منذ اللحظة الأولى لمناسك الحج، وحتى آخر المناسك.

 

فإحرام الحاج هو توحيد، وتلبيته توحيد، وطوافُه توحيد، وسعيه توحيد، ووقوفه في عرفات توحيد، ومبيته في مزدلفة عند المشعر الحرام توحيد، ورميه للجمار في مِنى كذلك توحيد، وحلقه وتقصيره لشعره توحيد، ووداعه للبيت الحرام توحيد، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].

 

إن التلبية التي يردِّدها الحجيج، وتَلهَج ألسنتهم بها ليلَ نهارَ، هي في حدِّ ذاتها توحيد! (لبَّيك اللهم لبَّيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلك، لا شريك له)، (لا شريك لك لييك)، فلا أحد يُشارك اللهَ في ربوبيته، ولا في أُلوهيته، ولا في أسمائه أو صفاته، ولا في أقواله ولا في أفعاله، لا شريك له سبحانه وبحمده.

 

(إن الحمد والنعمة لك والمُلك، لا شريك لك)، فلا يستحق الحمد إلا هو سبحانه، ولا يُنزِّل النعمة إلا هو جل وعلا.

 

(والمُلك لك)، فهو مالك السماوات والأرض، ومالك هذا العالَم أجمع، فالكون كله لله وحده لا شريك له، ولا ينازعه فيه أحد، ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ [الإسراء: 111]، فهذا هو شعار الحجيج، وهذا هو شعار التوحيد، فالكلُّ يهتف بهذا الشعار، يهتفون به بكل لغات العالم، (لا شريك لك)، فالكل ينادون اللهَ، ويناجونه بكل لغات العالم المختلفة، فهم يناجون اللهَ المَلك الواحد، الذي يفهم كل هذه اللغات، ويُعطي كلَّ هذه الحاجات، ويُلبِّي لهم كل هذه الرغبات سبحانه وبحمده، ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196]، نعم لله، لا شريك له، ولا إله معه.

 

عباد الله، جاء في الأثر عند الترمذي وغيره أن قريشًا أرسلت الحصين - أبا عمران بن الحصين - إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكفَّ محمد عن سبِّ وشتم آلهة قريش، فلما دخل الحصين على رسول الله وكلَّمه، وانتهى من كلامه، قال له رسولُ الله: يا حصين، يا أبا عمران، كم إلِهًا تعبد اليوم؟ فقال: أعبُد سبعة! ستة في الأرض، وواحدًا في السماء! فقال له رسولُ الله: فمن تُخبِئ له رغبتك ورهبتك؟ قال للذي في السماء، فقال رسولُ الله وهو يُعلمه التوحيد: فإذا هلك المال من تدعو؟ قال: أدعو الذي في السماء، فقال له: فإذا انقطع المطر من تدعو؟ قال: الذي في السماء، قال رسولُ الله: فيستجيب لك وحده أم يستجيبون لك كلهم؟ قال: يستجيب هو وحده، فقال رسولُ الله: يستجيب لك وحده وتُشركهم معه؟! فقال رسولُ الله: يا حصين، أَسلِم، فما زال به يعلِّمه التوحيد، ويُعرِّفه بالواحد الأحد، فما خرج من عند رسول الله إلا وهو ومسلم.

 

اللهُ أكبر هذا هو الله، وهذا هو التوحيد، فالحج يُعلِّمنا ويغرس فينا تحقيق هذا التوحيد، الحج يُعمِّق فينا عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

 

إن الحاج ينادي اللهَ، ويناجي ربه بلغةٍ لا يَفهَمها مَن هو بجواره، لكنَّ اللهَ السميع القريب، والإله العليم البصير، يَفهَم هذه اللغات، ويُدرك هذه الدعوات، ويعلم هذه النيات سبحانه وبحمده، فهذا يطلب من الله مالًا، وهذا يسأل اللهَ رزقًا، وهذا يريد زوجة، وذاك يريد ولدًا، وهذا يتمنى شفاءً، وهذا يدعوه ليَكشف عنه ربُّه كُربة، أو يُفرِّج عنه هَمًّا، أو يقضي عنه دَينًا، وهذا وهذه وهؤلاء وهَلُمَّ جرًّا … فمِن هؤلاء من يدعو ربه بالهندية، ومنهم مَن يُلح على ربه بالروسية، وهذا يبتهل إلى الله بالصينية، وآخر يتضرَّع إلى الله بالإنجليزية، وهذا يناجي ربه بالفارسية، وهذا يبكي ويرفع يديه شاكيًا همومه إلى مولاه بالعربية، وهذا وذاك، ملايين البشر تدعوه وترجوه، وتسأله في وقتٍ واحد، فسبحانه لم يشغله تداخل هذه الأصوات، ولم يُعجزه تغايرُ هذه اللغات، فهو سميع بصير عليم قريب، مُجيب الدعوات، فهو يسمع الجميع، ويرى الجميع، ويعلم بحال الجميع، فيُعطي حينها كلَّ ذي مسألةٍ مَسألتَه، ويقضي لكل مَحتاج حاجته، ويُلبي لكل راغب رغبته، ويغفر لكل عاصٍ معصيته، فيرجع الحاجُّ من حجته خاليًا من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه، (فمن حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق، عاد كيوم ولدته أمُّه)، فاللهمَّ ارزقنا حَجةً لبيتك الحرام يا رب العالمين.

 

يذكِّر الحج هذه الأمة بأن أعظم شيء يجب أن تهتم به وتحافظ عليه، وتَغرسه في أجيالها - هو توحيد الله، توحيد توجهًا وإرادة، وقصْدًا وعملًا، وعقيدة وشريعة، وأخلاقًا ومعاملة، فلا خير في الدنيا بلا توحيد، ولا فلاح في الآخرة بلا توحيد، فمَن أجل التوحيد قامت السماوات والأرض، ومن أجل التوحيد خُلِقت الجنُّ والإنس، وخُلقت الملائكة وخُلقت الجنة والنار، ومن أجل التوحيد أُنزلت الكتب، وأُرسلت الرسل … فلا إله إلا الله، ولا معبود بحقٍّ إلا الله، (لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والمُلك، لا شريك لك)، فهذا هو المقصد الأول.

 

2- الثاني: من مقاصد الحج وأسراره: مقصد تحقيق الأُخوة الإيمانية، والوَحدة الإسلامية:

فالمقصد الأول من الحج كان في تحقيق كلمة التوحيد، والمقصد الثاني من الحج هو تحقيق توحيد الكلمة.

 

إن الحج يُعلِّمنا توحيد الكلمة، توحيد الصفوف، فكل الحجيج يقفون في صعيد واحد، ويلبسون لباسًا واحدًا، ويلبون تلبيةً واحدة، رغم اختلاف أوطانهم وأجناسهم ولغاتهم، ويتجهون كلهم إلى قِبلة واحدة، سائلين ربًّا واحدًا، فالحجُّ يُعلِّمنا أنَّ هذه الأمَّةَ هي أمةٌ واحدة ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92]، فالحج يُعلمنا ويغرس فينا معنى الوَحدة، ووجوب التلاحم، ولكنَّ العجب والمؤسف في نفس الوقت هو اختلاف المسلمين! فكلمة التوحيد تجمعهم، ولكن المذاهب والأحزاب والحدود تُفرِّقهم، فأمةُ الإسلام اليوم يجمعهم الحج، ويجمعهم القرآن، وتَجمَعهم الوجهة الواحدة، ومع ذلك ما زالوا متفرقين، فجسد أمة الإسلام اليوم يُقطَّع إلى أشلاء في غزة وفي فلسطين وفي غيرها، وأمة المليار لا تشعر ولا تحس بهذا التقطيع، ولا تتألم منه.

 

فوالله لو اجتمع المسلمون في كلمتهم وفي قرارهم كما يجتمعون في حجهم هذا - لَما تسلَّط عليهم الأعداء، ولَمَا أصبحوا لقمةً سائغة للآكلين.

 

فيا أمة المليار، ويا حجاج بيت الله الحرام، يا مَن أتيتم من كل فجٍّ عميق، واجتمعتم في أرجاء هذا البيت العتيق، فهذه قِبلتكم قبلةً واحدة، وهذه أمتكم أمةً واحدة، فلماذا هذا الاختلاف وهذه الفُرقة؟!

 

أما تعلمون أنَّ في فُرقتكم واختلاف رأيكم ذهابَ رِيحكم، وضياع هيبتِكم، وكسْر شوكتِكم، وتَسلُّط الأعداء عليكم؟ كما قال ذلكم ربُّكم: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46].

 

أمَا آن لكم يا أمة الإسلام أن تتَّحدوا؟ أما آن الأوانُ لكي تتوحَّدوا؟ ألم يحن الوقت أن تتفقوا ولا تختلفوا، وتتفاعلوا مع قضايا أُمتكم فلا تتخاذلوا، أما آن الأوانُ لكي توحِّدوا السيفَ والميدانَ والقلمَ، أمَا آن للأمس أن تُطوَى صحائفُه، وللمواجع أن تُكوى لتلتئِمَ، قولوا نعم، أثْلِجوا صدر الزمان بها، وقدِّسوا اليوم من أقوالكم نَعَمَ.

 

أيها المسلمون، إن علينا جميعًا أن ننقل ما نشاهده في مناسك الحج من مظاهر الوحدة، ومن مشاعر التلاحم والتآخي والعدل والمساواة، يجب أن ننقل ذلك إلى واقع عملي ملموس، فما الحج إلا نقطة انطلاق لنشر حِكَمه ومقاصده في شتى الأقطار والأمصار.

 

إنه ينبغي لكل حاج أن يرجع إلى بلده وإلى قومه وهو يحمل في نفسه معاني الوحدة، وحاجة الأمة الملحة لهذه الوحدة، وأن هذه الوحدة لا يمكن أن تتحقق إلا بمصدرها الأساسي، وهو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا حلَّ لمشاكل هذه الأمَّة - المشاكل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والأخلاقية، وغيرها - إلا بتحقيق كلمتين؛ هما: تحقيق كلمة التوحيد، وتحقيق توحيد الكلمة، وبهاتين الكلمتين تجتمع الأمَّة، وتُحَلُّ مشاكلُها، ويُلَمُّ شعثُها، ويُوحَّد صفُّها، ويَهابها عدوُّها … وإلا سوف يستمر حالها كما هو في آخر الركب، وفي نهاية القافلة، وسوف تعيش طول حياتها في هامش التأريخ.

 

فاللهم اجمع كلمة المسلمين حكَّامًا وشعوبًا، ووحِّد صفَّهم، وألِّف بين قلوبهم، ورُدَّهم إليك ردًّا جميلًا يا رب العالمين.

 

3- أما المقصد الثالث من مقاصد الحج، فهو تحقيق مبدأ العدل والمساواة بين بني البشر:

وهذا مقصد واضح يُعلِّمنا إيَّاه الحج، فإن كلَّ الناس في الحج سواسية، فلا تمييز بينهم، فالكل بلباس أبيض واحد، لا تستطيع أن تُميِّز بين غني وفقير، ولا بين رئيس ومَرؤوس، ولا بين أمير وغير أمير، ولا بين سيِّد أو عبد، ولا بين أبيض أو أسود، فلا فضل أو فصل بين هذا أو ذاك، مهما كانت دولته، أو قبيلته، أو نسبه، أو لغته، أو قوته، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح.

عباد الله، لقد كان كفار قريش قديمًا يَفرضون على مَن أراد أن يطوف بالبيت العتيق أن يلبس لباسًا معينًا، وكان هذا اللباس غالي الثمن، لا يقدر أن يشتريه أو يلبسه إلا الأغنياء والشُّرفاء من القوم؛ أما الفقراء والمحتاجون، فكانوا يطوفون بالبيت عراةً، لعدم تَملُّكهم قيمة هذا اللباس الثمين، فلما جاء الإسلام ودخل رسولُ الإسلام مكة فاتحًا، ألغى هذا الاعتبار، وأبطَل هذا المعتقد، ورفض هذا التمييز والتعجيز، فقام رسولُ الله خطيبًا ليُصحح هذا المفهوم الخاطئ، ويلغي كل الطبقية والعنصرية في هذا اللباس، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يحج بعد هذا العام مشركٌ، ولا يطوفنَّ بالبيت عُريان)، فهذا اللباس الأبيض الموحد الذي نراه على أجساد الحجيج اليوم، قد جمع اللهُ به بين كل طبقات المجتمع المسلم، فانتهت عنده كل النعرات الجاهلية، وكل الفوارق المجتمعية والطبقية.

 

فالحج يا عباد الله يُعلِّمنا أن الناس سواسية، لا فضل لأحد على أحد، لا بمنصب، ولا بجاه، ولا بعلم، ولا بنسب، فقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا في يوم عرفة؛ ليغرس في المسلمين هذا المفهوم، مفهوم إنسانية الإنسان، فقال عليه الصلاة والسلام: (أيها الناس، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى).

 

فهذا هو المعيار الأصيل، والمقياس الدقيق والوحيد في تفاضُل الناس فيما بينهم، إنه مقياس: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].

 

فرُؤية جبال وأرض مكة بيضاءَ أيام الحج، لهو منظر في منتهى الروعة، ومشهد في غاية الجمال، يُجسِّد لنا هذه المعاني، فالغني يجلس بجوار الفقير، والأسود يقترب من الأبيض، والمسلم الغربي يُعانق أخاه المسلم الإفريقي، والمؤمن الآسيوي يحتضن أخاه المؤمن الأوروبي، والحاج العربي يخدم أخاه الحاج الأعجمي، فالكل جميعًا قد تناسَوْا تمامًا كافةَ الوثائق الرسمية، والْهُويات الشخصية، والانتماءات الوطنية، فلقد انصهرت كلُّ العوائق، وكل الفوارق في بَوتقة الإسلام الواحدة والخالدة، مجسِّدين قول الله تعالى في هذه الأمَّة: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92].

 

أَبي الإسلام لا أبَ لي سواه
إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ

وأصدق من ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].

 

قلت ما سمعتم، فاستغفروا اللهَ العظيمَ لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

4- ومن مقاصد الحج وأسراره أن الحجَّ يذكِّرنا بيوم القيامة، وباليوم الآخر، وبالعرض الأكبر على الله، كما ذكر بعض العلماء ذلك، فلقد ذكر الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه (إحياء علوم الدين) بعض هذه المشاهد والصور التي ترتبط بين الحج وبين مشاهد يوم القيامة، منها (بتصرف):

إن الحج يصوِّر لنا هذا المقصد تصويرًا عجيبًا من أول مناسك الحج إلى آخر المناسك، فإن الحج يذكرنا بالآخرة، فاجتماع الحجيج في صعيد واحد، وبلباس واحد، وفي وقت واحد، راغبين راهبين مزدحمين، يذكرنا بيوم المحشر يوم الزحام، فلباس الإحرام الأبيض يذكرنا بلباس الكفن الأبيض، وترك لُبس المخيط للحاج يذكرنا بتجريد الميت من لباسه المخيط، وإلباسه كفنه الأبيض، وترك الحاج لأهله وولده ووطنه، وسفره وانتقاله إلى مكة (غير بلده الأصلي)، يذكِّرنا كذلك بترك الميت لأهله وولده ووطنه، وسفره إلى دار أخرى غير داره الأولى، لانتقاله من دار الدنيا إلى دار الآخرة.

 

والحجيج يقفون في مَحشر واحد كاشفي الرؤوس، والشمس ساطعة فوقهم، والحرُّ شديد، والزحام أشدُّ، والعرق يتصبب من الحجاج صبًّا من الرجال والنساء … كل ذلك يذكرنا بيوم القيامة يوم الزحام، يوم دُنوِّ الشمس من الرؤوس، يذكرنا بذلك بغزارة العرَق، وإلجامه للناس إلجامًا يوم المحشر، فكل هذه المواقف وهذه المشاهد يصورها لنا الحجُّ، ويُقرِّبها لنا كأنها رأيُ العين!

 

لذلك كان العجب في الربط بين بداية سورة الحج، وبين الأمر بقيام فريضة الحج، فقد بدأت سورة الحج بالأمر بالتقوى من جميع الناس، ثم ذكرت الآيات بعض مشاهد يوم القيامة والتخويف منها، فقال اللهُ تعالى في بداية هذه السورة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1، 2]، فبداية السورة تكلمت عن بعض مشاهد أهوال يوم القيامة، ثم بعد ذلك جاء الأمر بقيام بفريضة الحج، حين قال الله لنبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [الحج: 27].

 

لأجل ذلك جاء الربط والتوافق العجيب، بين مناسك الحج وبين بعض مشاهد يوم القيامة.

 

وهناك مشاهد أخرى في الحج يا عباد الله تذكِّرنا بيوم القيامة، فالسعي بين الصفا والمروة ذهابًا وإيابًا، يذكِّر المؤمنَ بخروج الناس من قبورهم سراعًا لأرض المحشر، وذَهابهم وسعيهم بين الأنبياء، من نبي إلى نبي، يتوسَّلونهم لأجل الشفاعة؛ كي يشفعوا لهم عند ربهم يوم الحساب، ذهابًا وإيابًا من نبي إلى نبي آخر، وهكذا!

 

فأجواء أيام الحج أشبه ما تكون بأجواء يوم القيامة، فالناس واقفون في زحام شديد، أشبه بزحام يوم القيامة، حتى قال بعض العارفين: إن يوم الحج هو الموقف الأصغر، ويوم القيامة هو الموقف الأكبر، لوقوف الناس لربِّ العالمين، فهناك تشابهٌ عجيب، وربط عميق بين هذين الموقفين، فاللهمَّ ارحمنا برحمتك يوم العرض الأكبر عليك يا رب العالمين.

 

فيا عباد الله، هذه بعض أسرار ومقاصد الحج العظيمة، فعلِّموا أولادكم وأجيالكم هذه الأسرار وهذه المفاهيم، وتلك المقاصد من هذا الركن العظيم، ركنِ الحج.

 

• حدِّثوهم عن الكعبة، وكيف بناها ورفع قواعدَها أبٌ صالح وابنٌ بارٌّ!

 

• حدِّثوهم عن ماء زمزم كيف تفجَّرت تحت أقدام طفل رضيع، استودَعه أبوه عند أمِّه في أرض صحراء قاحلة!

 

• حدِّثوهم عن قصة الجمرات، وكيف رجم هذا الوالدُ هذا الشيطان الرجيم، فكان هذا الرجم منسكًا من مناسك الحج!

 

• حدِّثوهم وعلِّموهم عن البيت المسلم الذي أصلح ما بينه وبين ربه، فأصلح اللهُ هذا البيت، ورفع ذكرَه، وأعلى شأنه، فجعل اللهُ مسعى الزوجة نُسكًا، وفِداء الولد هديًا، وبناء الأب طَوافًا، ومقام الوالد مُصلًّى!

 

• حدِّثوهم وحدِّثوهم، وأخبروهم عن كل المناسك، وشوِّقوهم إلى زيارة هذا البيت وهم صغار، حتى يُعظِّموه وهم كبار!

 

عظِّموا في قلوبهم هذا الفرض، وهذه النُّسك، واغرسِوا فيهم هذه المشاعر، لتَكبُر وتَعظُم فيهم هذه الشعائر، فالحج ليس للحجيج الذين هم في مكة فقط، لا، بل الحج مشاعر تُقاس وتُعاش في كل قلب مؤمن، ومعانٍ يجب أن تُغرس في كل بيت مسلم.

 

وفي الختام يا عباد الله، إليكم بعض هذه الكلمات النافعة:

فمَن فاته هذا العام القيام والوقوف في عرفة، فلْيقُم لله بحقِّه الذي عرَفَه.

 

ومن عجز عن المبيت بمزدلفة، فلْيُبَيِّتْ عزمَه على طاعة الله، وقد قرَّبهُ اللهُ إليه وأزْلفَه.

 

ومَن لم يقدِر على نحْر هديه في مِنى، فليذْبح هواهُ هنا، حتى يبلُغَ المُنى.

 

ومَن لم يقدِر أن يصل إلى البيت العتيق لأنه منه بعيد، فليقصد ربَّ هذا البيت، فإنَّه أقرب إليه من حبل الوريد.

 

عباد الله، لا تَنسَوْا في مثل أيام العيد من إسعاد الآخرين، إسعاد الفقراء والأرامل والأيتام، وكل المحتاجين.

 

فيا أيها الأغنياء، ويا أيها الْمُوسِرُون، يا مَن أعطاكم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض، يرحمكم مَن في السماء، (طُوفوا بأموالكم على بيوت الفقراء، واسْعَوْا بخيراتكم بين حارات المحتاجين، وارموا بحجَرِ الكرَم عقبةَ البخل، وارجموا بحصى الصدقة جمرةَ الخوف من الفقر)، فإن ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268].

 

تقبل اللهُ منا ومنكم صالح الأعمال، ووفَّقنا وإياكم إلى أفضل الأعمال، وجنَّبنا اللهُ وإياكم سيئ الأقوال والأفعال، وأصلحنا اللهُ، وأصلح أهلنا وأولادنا، وحوَّل اللهُ حالنا وحال أمتنا إلى أحسن حال، آمين يا سميع يا قريب، يا مجيبٌ، يا شديد المحال.

 

هذا وصلُّوا وسلِّموا على نبيكم العدنان، نور شمس العرفان، ومَهبط أسرار القرآن، بعدد الإنس والجان، من يومنا هذا إلى آخر الزمان، فـ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • مقاصد الحج (خطبة)
  • التقاء المحدثين من مقاصد الحج
  • مقاصد الحج الكبرى
  • من مقاصد الحج (خطبة)
  • من مقاصد الحج التزود بالتقوى (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • إطلالة على مشارف السبع المثاني (1) بين يدي السورة: فضائل وأنوار - مقاصد وأسرار (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحج امتداد بين نداء إبراهيم وبلاغ محمد صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وجوب الحج والمبادرة إليه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من دروس الحج أن نتعلم كيف نتحد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الشوق إلى الحج واتخاذ الأسباب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بادروا إلى الحج (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: فضل الحج والمسارعة في الحصول على التصاريح(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إعادة الحج (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: ماذا بعد الحج(مقالة - آفاق الشريعة)
  • غنيمة الأشهر الحرم وأسرار ذي القعدة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 23/11/1447هـ - الساعة: 12:23
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب