• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / خطب رمضان والصيام
علامة باركود

فطام الجوارح في شهر المرابح (خطبة)

فطام الجوارح في شهر المرابح (خطبة)
وضاح سيف الجبزي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/2/2026 ميلادي - 29/8/1447 هجري

الزيارات: 96

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

فطام الجوارح في شهر المرابح

 

الحمد لله، الحمد لله النافذ أمره، الدائم بره، الشديد بطشه وقهره، الواجب حمده وشكره، لا يرجى إلا نفعه، ولا يخشى إلا ضره، فتبارك اسمه، وجل ذكره، وسبحانه وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، وسبحان من تسبح له سماؤه وأرضه، وبره وبحره، وجنه وإنسه، وأملاكه وأفلاكه ودهره؛ ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 180 - 182].

 

ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، جعل الليل والنهار آيتين، فمبصرة وممحوة، ﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾ [يونس: 5]، وآياته مفصلةً مبينة مجلوة، فـ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ [الرحمن: 5، 6]، فيا لها من قدرة، وأعظم بها من قوة!

 

ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، سيد الخليقة، وإمام الحقيقة، اللهم فصلِّ وسلم على سيدنا محمد الموصوف بأشرف الصفات الإنسانية والمروة، والمعروف بماضي عزيمته وكمال الفتوة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين اعتزت بهم الرسالة والنبوة، وعلى التابعين لهم في صادق الإيمان ومحاسن الأخوة، ومن تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [العنكبوت: 58].

يا رب صلِّ على النبي وآله
وعلى الذين مضوا على منواله
واجعل لعبدك في نبيك أسوةً
ينجو بها في الحشر من أهواله
ليس المحب من ادعى بلسانه
والحال منه مكذب لمقاله
إن المحب إذا ذكرت حبيبه
لم يخفَ منه هوى المحب الواله
صلى عليك الله يا بدر الدجى
ما عم مخلوقًا عظيم نواله

 

فاللهم أرضِه صلاةً وتسليمًا، وأولِه تشريفًا وتكريمًا، وزده محبةً وتعظيمًا؛ أما بعد:

حملت جمعة شعبان الأخيره
بشريات القادم الغالي القريب
موسم تستنشق الدنيا عبيره
وشذى أطيابه بعد المغيب
رب بلغنا لياليه المنيره
بالسنا والطهر والفضل العجيب
وأنلنا فيه أرواحًا جديرة
بالرضا والفوز يا نعم المجيب

 

أيها المسلمون، هذا سيد الشهور قد أقبلت في صفحات الأيام مواكبه، وأشرقت في أفق الدهر العاتم كواكبه، ولاحت في بحر الزمن سفنه ومراكبه، وعادت نفحاته بحسن الإياب، بعد أشهر من الغياب، وعما قريب ستكون صفحاته مجلوة، وآياته متلوة، وهباته مرجوة.

عن قريب يطل أكرم زائر
حاملًا للعباد أغلى البشائر
كم هفونا لوصله يا إلهي
فأنلنا كنوزه والذخائر
فاستعدوا بكل روح طموح
ويقين وكل جهد مثابر

 

فهو شهر الله، الذي فضله على ما سواه، وشهر النجاة والمناجاة، وشهر نزول الرحمة، ووفور النعمة، وشهر إنزال الكتاب، ومضاعفة الثواب، وهو زمان المشمرين، وأوان المجدين، وأمل البائسين، وبشير التائبين، وبغية المخبتين، وكنز الراغبين، وروضة الطالبين.

رمضان فيه تفيض أنهار السما
بالخير والبركات والرحمات
ومواهب الرحمن جل جلاله
تترى وتسعد كاتب الحسنات
للصائمين جوارحًا ومشاعرًا
عن سائر الهفوات والشهوات
والسابقين إلى مراضي ربهم
سبحانه والفوز بالجنات

 

إنه فرصة العمر السانحة، وموسم التجارة الرابحة، وميدان الأعمال الصالحة، وميزان الكفة الراجحة، ومهب الريح الغادية بالخير والرائحة.

فعطايا رب البريات تترى
فيه هطلًا تفوق ودق الغمام

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184].

 

وأصل الصوم والصيام في اللغة: الإمساك، يقال: صامت الريح: إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل: إذا وقفت، وأمسكت عن السير؛ قال النابغة:

خيل صيام وخيل غير صائمة
تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما

ويقال: صام النهار: إذا اعتدل، وقام قائم الظهيرة؛ لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت، وأمسكت عن السير سويعة، قال الراجز:

حتى إذا صام النهار واعتدل
وسال للشمس لعاب فنزل

ويقال للرجل إذا صمت وأمسك عن الكلام: صام؛ قال الله تعالى: ﴿ فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ [مريم: 26]؛ أي: صمتًا.

 

فالصوم: هو الإمساك عن المعتاد من الطعام، والشراب، والجماع[1].

 

معاشر المؤمنين، إن الصيام دأب الصالحين، ولجام المتقين، ونزهة المشتاقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار المقربين، وبراق أوراد السالكين، وهو خالص لرب العالمين، ورمضان مدرسة ربانية، ومحضن إيماني، يتلقى فيه الصائم دروس الأخلاق، ويتربى على جميل الطباع، ويكبح جماح النفس عن الاسترسال في الرغبات والملذات، والانغماس في الشهوات والمحبوبات، ويحفظ جوارحه من الوقوع في المنكرات والمخالفات، والتلطخ بالموبقات والخطيئات، والتلبس بالآفات والمهلكات.

وقد قيل: الصيام عن الطعام، يكسر تطلع النفس للآثام.

ومن البلاء وللبلاء علامة
ألا يرى لك من هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها
والحر يشبع تارةً ويجوع

 

عباد الله، إن أيام رمضان عظيمة المنزلة والشأن، وهي تاج على رأس الزمان، فيجب أن تُعظم وتُصان، وتُكرم ولا تُهان، ولتقصر فيها عن التقصير الأبدان، وليحفظ اللسان من اللغو والفحش والخصومة والهذيان، ولتحرس من فضول النظر العينان، ولتمنع من الخطى في الخطأ القدمان، وليحذر الصائم من التعرض للمساخط، ومقارفة المظالم والمساقط، وإن كان ذلك واجبًا في كل زمان، إلا أنه يتعاظم في شهر رمضان، وهو من لوازمه الشرعية، وسننه المرعية.

الصوم ترك القيل في
هذا وذاك وهم وهنه
الصوم إمساك عن الش
هوات لا ترك الأعنه
دع كل سباب وعي
اب وكذاب وشأنه
يا ضيعة الأعمار وال
أيام تجري بينهنه
من يبتغ الريان ي
وم الحشر في روضات جنه
فليأته بالصوم مس
رور الفؤاد ومطمئنه

 

إن عبادة الصيام هي عبادة السر المقربة إلى الله زلفى، الخالصة لمن يعلم السر وأخفى، فيجب أن تحبس معها الأغراض عن فضول الكلام والنظر، وتكف الجوارح عن اللهو والأشر، وأن تُحمى الحواس من الخسارة والإفلاس، وأن تجتنب على الدوام جميع المعاصي والآثام.

فالصوم ليس فقط بمن
ع النفس من أكل ومشرب
من لم يهذبه الصيام
من الصعوبة أن يهذب
من لم يعلمه الصيام
فإنه للجهل أقرب
من لم تصم منه الجوارح
لم ينل أجرًا ومكسب

 

فيا عجبًا -يا عباد الله- ممن يدرك رمضان فلا ينهره صيامه، ولا ينهزه قيامه، ولا تغيره أيامه، ويا ضيعة من فاته خير رمضان ويا شقوة من أضاع شهر رمضان ((ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له))[2].

 

أيها المسلمون، إن من أعظم مقاصد الصوم وثمراته: صيانة الجوارح عن استرسالها في المخالفات، فإن النفس إذا مسها ألم الجوع ذلت وانقادت، وأذعنت، واشتغلت بما هي فيه عن امتداد أملها إلى الفكر الدنية، فتسكن جوارحها عن الحركات الردية، وتمتنع عن انتهاك المحارم المردية، والنفس هي الممدة لجميع الجوارح، وهي الأصل عند الاعتبار، فإذا ضعف الأصل ضعف الفرع، وهذا هو سر الصوم، ولأجل ذلك قيل:

إذا ما المرء صام عن الخطايا
فكل شهوره شهر الصيام

ومن رعى جوارحه في صيامه، أمنه الله في الآخرة من انتقامه؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم))[3].

 

إن من حق الصوم عليك -يا عبدالله- أن تعلم أنه حجاب ضربه الله على بطنك ولسانك، وسمعك وبصرك، بل وجميع جوارحك، ليقيك من النار، ويحميك من الهلاك والبوار.

 

فيا أيها الصائم:

حصن صيامك بالسكوت عن الخنا
أطبق على عينيك بالأجفان
لا تمشِ ذا وجهين من بين الورى
شر البرية من له وجهان

 

عن جابر -رضي الله عنه- قال: "إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك، ويوم صيامك سواء"[4].

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر))[5].

إذا لم يكن في السمع مني تصاون
وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذًا من صومي الجوع والظمأ
وإن قلت: إني صمت يومًا فما صمت

 

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "الإثم حوَّاز[6] القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع"[7].

 

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه))[8].

 

فاحذروا -أيها المسلمون- ما أعده لكم أولو الإفك والبهتان، وأهل الفحش والشنآن، وحماة الإفك والانحلال، ودعاة الفساد والضلال، من أنشطة إغوائية، وبرامج إلهائية، ومصائد مضلة، ومشاهد مخلة، ومكائد معلة، تستهدف الدين، وتحارب الفضيلة، وتروج للرذيلة، وتزعزع الإيمان، وتمرض القلوب، وتنشر الفحشاء، وتزرع الشحناء، وتفتح مسالك الإغواء، وتوسع مدارك الأهواء، وتسهل طرق الزيغ والانحراف، وتؤدي إلى الضياع والتيه، وتورث الخسارة والشقاء؛ ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27].

 

قوم مستولغون لا يبالون ذمًّا، وضمنون لا يخافون عتبًا ولا لومًا، وآمنون يتمادون عدوانًا وظلمًا، ومجرمون لا يراعون فطرًا ولا صومًا، قد جرعوا الشباب مسموم الشراب؛ ﴿ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 221].

 

فابتعدوا –يا عباد الله- عن مزلة الأقدام، ومدحضة الأفهام، ومضلة الأنام، وإياكم ومن رضي لنفسه سوء المصير، وارتكب أسباب التضييق والتحقير، واحذروا أن يكون أحب الأمر إليكم، أزواهما بالمضرة عليكم، أخسر بها من صفقة، وأقبح بها من رفقة!

وبأي وجه أرتجيه زوال ما
أعيا الفؤاد من الأذى والهم؟
وبأي عين يخشع البصر الذي
ألف الحرام معاقرًا للوهم؟
بل كيف ألهج يا إلهي داعيًا
ولكل جارحة مسيرة إثم؟

 

معاشر الأحبة، ومما يحفظ به الصيام: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه؛ ولذلك سوى الله بين المستمع وآكل السحت فقال: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ [المائدة: 42]، وقال عز وجل: ﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [المائدة: 63].

وسمعك صن عن سماع القبيح
كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند استماع القبيح
كصون اللسان عن النطق به

 

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68]، ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36].

 

معاشر المؤمنين، ومن أوجب ما يلزم حفظه على الدوام، ويتأكد ذلك في الصيام: اللسان؛ يقول عليه الصلاة والسلام: ((والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم))[9] ؛ ويقول صلى الله عليه وسلم: ((إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم))[10] ، وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه))[11].

 

ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكنه من الكذب، والباطل، واللغو، والحلف))[12].

صوم اللسان عن الرذائل واجب
ما نفع صومك واللسان طليق

عن حفصة بنت سيرين قالت: "الصيام جنة ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة"[13].

يا مديم الصوم في الشهر الكريم
صم عن الغيبة دومًا والنميم

يروى أن قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي -وهما من الحكماء- اجتمعا، فقال أحدهما: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، ووجدت خصلةً إن استعملها سترت العيوب كلها، قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان[14].

 

قال عبدالجبار السرتي: الصوم عن الكلام أثقل من الصوم عن الطعام، ومن خزن لسانه، كثر في الدنيا والآخرة أمانه، ومن خلا بربه، لم يعدم النور من قلبه[15].

 

ألا فاتقوا الله يا من أمسكتم عن المفطرات والمفسدات أثناء الصيام، وفعلتم ما يجب اجتنابه، ويحرم ارتكابه على الدوام.

 

اتقِ الله يا من صمت عن طعامك وشرابك، وأطلقت لسانك في عرض إخوانك، وثلب خلانك.

أتأكل في نهار الصوم لحمي
وتمسك عن شرابك والطعام؟
لأجل الله جل علاه أقصر
ولا تجرح قداسات الصيام
إذا استحللت لحم أخيك ميتًا
فلحمك سوف ينبت من حرام

 

قال بعض العلماء: أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة، ولكن في الكف عن أعراض الناس[16].

 

فاجعل -يا عبدالله- نصب عينيك قول ملك الملوك: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، وقول نبيك صلى الله عليه وسلم: ((من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه، أضمن له الجنة))[17] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت))[18].

استر العي ما استطعت بصمت
إن في الصمت راحةً للصموت
واجعل الصمت إن عييت جوابًا
رب قول جوابه في السكوت

 

يقول الإمام النووي: "اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء"[19].

وقائلة لي ما لي أراك مجنبًا
أمورًا وفيها للتجارة مربح
فقلت لها: كفِّي ملامك واسمعي
فنحن أناس بالسلامة نفرح

 

فكونوا -يا عباد الله- من ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63]، ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان: 72]، ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ [القصص: 55].

 

واعلموا أنه من طلب مرضاة الله فيما ينتحيه، آتاه الله التوفيق من نواحيه.

 

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 1 - 11].

 

بارك الله لي ولكم في الأعمار والأعمال، ووفقنا لما يحبه من الخلال والخصال، وجنبنا بمنه ورحمته موارد الزيغ والضلال، وبلغنا صيام رمضان وقيامه على التمام والكمال.

 

قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه كان غفارًا.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، وبعث فينا رسولًا منا يتلو علينا آياته، ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، أحمده على نعمه الجمة.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تكون لمن اعتصم بها خير عصمة.

 

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله ربه للعالمين رحمة، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه صلاةً تذهب الهم، وتكشف الغمة، وتكون لنا نورًا من كل ظلمة؛ أما بعد:

فقد تبين لنا أن الصوم ليس فقط عن الشراب والطعام، وإنما هو -أيضًا- صوم الجوارح عن الآثام، وصمت اللسان عن فضول الكلام، وغض العين عن النظر إلى الحرام، وكف الكف عن أخذ الحطام، ومنع الأقدام عن قبيح الإقدام.

 

فاتقوا الله -عباد الله- في سركم وجهركم، واعرفوا شرف أقداركم، وقوموا بحق شهركم، وافعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم، وابذلوا في الطاعة طاقتكم وجهدكم، واحفظوا صيامكم من كل ما يردي، وصونوا جوارحكم من الوقوع فيما يؤذي، وترفعوا عن المجاراة فيما يزري، وطهروا قلوبكم من المهلكات، وتجنبوا موارد الهلكات، واكبحوا الألسن عن ذلاقتها وطلاقتها، ولا تكلفوا العقول فوق طاقتها، واعلموا أن الحركة بركة، والتواني هلكة، وأن الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة، واللبيب من إذا رأى طريق خير سلكه، وإذا شك في أمر تركه؛ حاله:

ما إن دعاني الهوى لفاحشة
إلا نهاني الصيام والكرم
فلا إلى منكر مددت يدي
ولا مشت بي لريبة قدم

 

فيا من تسأل عن غبار الطريق، وغربلة الدقيق، وابتلاع الريق، يا من تحترز عن هذه الأمور اليسيرة، وتفرط في الأمور الجليلة.

تصوم عن الحلال ولا تبالي
بما اقترفت يداك من الحرام
وتسأل حكم بلع الريق فيه
وكم أسرفت في ظلم الأنام
وجارك يشتكي جوعًا ولما
يرق له سوى ريح الطعام
غني أنت عن صوم كهذا
ولم تفقه به معنى الصيام

 

يا من ستصوم عن الأكل والشرب، صم عن غيبة المسلم وسبه، واستباحة حرمته وثلبه، وشتمه وانتقاصه وسلبه، وفري عِرضه ولبه، صم عن ظلم أخيك، والاستطالة عليه، وأمسك عن أكل ماله، وإضاعة حقه.

وصلِّ صلاة من يرجو ويخشى
وقبل الصوم صم عن كل فحشا

يا طليقًا برأي العين وهو أسير، يا مسامًّا حياض الردى وهو ضرير، يا من رضي عن الصفاء بالأكدار، وقضى الأسحار في العار والشنار، عجبًا كيف تجتنب الطريق الواضح، وتسلك مسالك الردى والقبائح؟

يا ذا الذي صام عن الطعم
ليتك قد صمت عن الظلم
هل ينفع الصوم امرأً ظالمًا
أحشاؤه ملأى من الإثم؟

 

ما بال سمعك عليه ستور؟ ما بال بصرك لا يرى النور؟ وأنت في غفلة وغرور، وما أنت في ذلك بمعذور، فبادر لحظات الأعمار، واحذر رقدات الأغمار، ولا تكن ممن يقذفون بالغيب من مكان بعيد، وإذا قيل لهم: توبوا، سوَّفوا، ولا مجيب.

ومن البلاء وللبلاء علامة
ألا يرى لك من هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها
والحر يشبع تارةً ويجوع

 

فطوبى لقوم أذبلوا الشفاه يطلبون الشفاء بالصيام، وأنصبوا لما انتصبوا الأجساد، يخافون المعاد بالقيام، وحفظوا الألسنة عما لا يعني عن فضول الكلام، وأناخوا على باب الرجا في الدجى إذا سجى الظلام، فأنشبوا مخاليب طمعهم في العفو، فإذا الأظافير ظافرة[20].

من يرد ملك الجنان
فليدع عنه التواني
وليقم في ظلمة اللي
ل إلى نور القران
وليصل صومًا بصوم
إن هذا العيش فان
إنما العيش جوار ال
له في دار الأمان

 

جعلني الله وإياكم ممن أدرك رمضان، وصامه وصانه، ولم يكدر بالذنوب عمله وإحسانه.

 

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، ونسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، ونسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب.



[1] تفسير الثعلبي (4/ 398-400)، وينظر: غريب الحديث لأبي عبيد (3/ 332)، الصحاح للجوهري (5/ 1970).

[2] رواه الترمذي (3545)، وأحمد (7451)، وابن حبان (908)، الصحيح المسند للوادعي (1282).

[3] رواه أحمد (22757)، وابن حبان (271)، وينظر: السلسلة الصحيحة (1470).

[4] المصنف لابن أبي شيبة (8880).

[5] رواه أحمد (8856) وقال الأرنؤوط: إسناده جيد، وأبو يعلى (6551) وقال حسين أسد: صحيح، وابن خزيمة (1997) وقال الأعظمي: صحيح. ينظر: صحيح الترغيب والترهيب (1076).

[6] حوَّاز: الأمور التي تحُزُّ فيها، أي: تؤثر فيها. النهاية (1/ 377).

[7] شعب الإيمان للبيهقي (5051)، صحيح الترغيب والترهيب (1907).

[8] رواه مسلم (2657).

[9] رواه البخاري (1904).

[10] رواه مسلم (1151).

[11] رواه البخاري (6057)، وأحمد (9839).

[12] مصنف ابن أبي شيبة (8882).

[13] مصنف عبدالرزاق الصنعاني (7895).

[14] الأذكار للنووي (534).

[15] ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض (4/ 388).

[16] الصمت وآداب اللسان، لابن أبي الدنيا (129).

[17] رواه البخاري (6474).

[18] رواه البخاري (6475)، ومسلم (47).

[19] رياض الصالحين (543).

[20] التبصرة لابن الجوزي (2/ 117).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • نسائم رمضان (خطبة)
  • من وحي رمضان (خطبة)
  • خطبة: رمضان... ودأب الصالحين (القيام)
  • أنا رمضان (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • مرويات الهجوم على بيت السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها: دراسة نقدية تاريخية (PDF)(كتاب - آفاق الشريعة)
  • ذكر يقوي بدنك فلا تحتاج إلى خادم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حديثك يا رسول الله، إن زوجي طلقني ثلاثا(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • الشيطان وما الشيطان!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ما أحوجنا إلى الفطام: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} بناء العقيدة الصحيحة(مقالة - موقع أ. د. فؤاد محمد موسى)
  • الفطام(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • خطبة بعنوان: نعمة إدراك شهر رمضان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استقبال شهر رمضان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة ذنوب الجوارح - خطبة: جارحة القلب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الغفلة عن شهر شعبان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • استعدادات رمضانية تنطلق بندوة شبابية في أوسلو
  • مبادرة رمضانية في ميشيغان لإطعام الأسر المحتاجة
  • تدريب عملي للطلاب المسلمين على فنون الخطابة والتواصل الفعال
  • لقاءات علمية واستعدادات رمضانية في تتارستان
  • ندوة مهنية في مدينة توزلا لتعزيز كفاءات الأئمة والمعلمين الشباب
  • مساجد فيكتوريا تنشر الإسلام وتعزز الروابط المجتمعية في يوم المسجد المفتوح
  • مناقشة الفضائل الأخلاقية والإيمانية للإمام في ندوة علمية بعاصمة الجبل الأسود
  • ورشة عمل تحضيرية لاستقبال شهر رمضان في مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 29/8/1447هـ - الساعة: 17:42
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب