• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / محمد صلى الله عليه وسلم / خطب منبرية
علامة باركود

التحاكم إليه صلى الله عليه وسلم والنزول على حكمه

التحاكم إليه صلى الله عليه وسلم والنزول على حكمه
السيد مراد سلامة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 16/2/2026 ميلادي - 29/8/1447 هجري

الزيارات: 73

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

التحاكم إليه صلى الله عليه وسلم والنزول على حكمه


الخطب الأولى

الحمد لله الواحد القهَّار، العزيز الغفَّار، مُقدِّر الأقدار، مُصرِّف الأمور، مُكوِّر الليل على النهار، تبصرةً لأُولي القلوب والأبصار، الذي أيقَظ مِن خلْقه مَن اصطفاه، فأدخله في جملة الأخيار وَفْقَ مَن اختار من عبيده، فجعله من الأبرار، وبصَّر مَن أحبَّه للحقائق، فزهِدوا في هذه الدار، فاجتهدوا في مَرضاته والتأهُّب لدار القرار، واجتناب ما يُسخطه، والحذر من عذاب النار.

 

وأشهد أنْ لا إله إلا الله إقرارًا بوحدانيته، واعترافًا بما يجب على الخلق كافة من الإذعان لربوبيَّته.

 

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيُّه من خلقه وحبيبه المصطفى من خليقته، وأكرم الأولين والآخرين من بريَّته، أكرم الخلق وأزكاهم وأكملهم، وأعرَفهم بالله تعالى، وأخشاهم وأعلمهم وأتقاهم، وأشدُّهم اجتهادًا وعبادة وخشية وزَهادة، وأعظمهم خُلقًا، وأبلغهم بالمؤمنين تَلطفًا ورَحِمًا، أرسله بحقٍّ شرَعه وشرعٍ حقَّقه، وأخمَد بنور بُرهانه لهبَ الباطل وأزهَقه، ودمَغ بسيف تحقيقه دماغَ البُهتان، فأزال بَخْسَه ورَهَقَه.

 

وعلى آله وأصحابه، ومَن سار على نَهْجه، وتمسَّك بسُنته، واقتدى بهدْيه، واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين ونحن معهم يا أرحم الراحمين؛ أما بعد:

فإخوة الإسلام، يتجدَّد اللقاء مع سيد الأصفياء صلى الله عليه وسلم، ومع حقٍّ من حقوقه على أمته، حقٍّ قد فرَّطت فيه الأمة، وضيَّعه كثيرٌ من المسلمين - إلا مَن رَحِمَ ربُّك - وهذا الحق هو حقُّ التحاكم إليه.

 

اعلموا - علَّمني الله وإياكم - أنَّكم إذا تنازعتم في شيء، فيجب عليكم ردُّه إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:59]، ولم يجعل طاعة أولي الأمر مستقلة، بل تابعة لطاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

بل أناط الله جل في علاه الإيمان بالتحاكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب: 36]، فنفى الإيمان، فلا يمكن أن يكون مؤمنًا من لم يعمل بهذه الآية، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:36]، فإذا قيل لك: قال رسول الله في المسألة، فاضرب قول أي أحدٍ عُرض الحائط، وخُذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب:36].

 

قال تعالى: ((فَلا وَرَبِّكَ))، وهذه الآية من أقوى ما يكون، وهي زاجرٌ ورادع شديد لكل من لا يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يتحاكم إلى كتاب الله جل في علاه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65]، هذه الآية من أقوى الآيات في الحث على الاتباع والتحاكم لله ولرسوله، وفيها أمور ثلاثة:

قال الله تعالى: ((فَلا وَرَبِّكَ))، وهو قسم فيه مؤكدات ثلاثة ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ﴾، حتى: جعلها للغاية، فالتحكيم ليس فقط هو الذي يدل على الإيمان، بل لابد من أمور أخرى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65].

 

لقد أقسم الله بربوبيَّته على نفي الإيمان عمن لم يتحاكم إلى شرعه، فهل لا يؤمن حتى يحكم الشرع لله أم لا يؤمن حتى تتوفر أمور أخرى؟!

 

هناك قاعدة قعَّدها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي: أن الحكم إذا أُنيط بعللٍ أو بشروطٍ، لا يكون متحققًا إلا بتوفر الشروط، ولو غاب شرط واحد لا يتحقق الحكم، إذًا قول الله تعالى: (لا يؤمنون) نفى الإيمان، ((حَتَّى يُحَكِّمُوكَ))، هذا أول شرط حتى يكون الإيمان موجودًا في القلب: (يحكِّموك)، فلا بد أن تتحاكم لله ولرسوله؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى:10] يعني: إلى كتابه، وإذا قال: (إلى الله)، يتضمن ذلك إلى الرسول؛ لأنه مبلِّغ عن الله، وإذا قلنا: (إلى الله)؛ يعني: إلى كتاب الله، وكتاب الله قد أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:7].

 

قال: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:65]، صغير أو كبير، دقيق أو جليل، وحتى في البيوت نحن نقول للمرأة مع زوجها: إن أردت الخير، فاجعلي الشرع حاكمًا بينك وبين زوجك، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء:59]، ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى:10].

 

فلَنِعْمَ البيت الذي يقام على الشرع! ولنِعْم البيت الذي يتحاكم فيه الزوج مع الزوجة بشرع الله جل في علاه، ولنعم التربية إن كانت على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان الخلل موجودًا، لكن رأس الأمر عند الرجل والمرأة والأولاد والأصدقاء والإخوان، هو أن مردنا إلى الله ورسوله، فهو أهمُّ شيء، أما الآن فالْمَرَدُّ إلى الأهواء أو الخبراء، والصحيح أن المرد لابد أن يكون لله وللرسول.

 

قال تعالى: ﴿ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النساء:65]: هذا الشرط الثاني: قال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم)، فلو وجد امرؤ وهو يتحاكم لله ولرسوله الحرجَ، نقول له: الإيمان قد انتفى من صدرك.

 

فالشرط الثالث هو: التسليم العام، فلابد بعد أن تَحاكمتُم بشرع الله، ألا تَجد في صدرك حرجًا، وأن تُسلم تسليمًا كاملًا.

 

وَمِنَ الأدلَةِ على وُجُوبِ الرُّجُوعِ إلى الكِتَابِ وَالسَّنةِ عِندَ التَّحَاكُمِ مَا يَلِي:

قَالَ تَعَالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 89].

 

وَقَالَ تَعَالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [النساء: 59].

 

وَقَالَ تَعَالى: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الأعراف: 3].

 

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «تَرَكْتُكُمْ عَلى الْمَحَجَّةِ البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ»، وَقَالَ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ: «مَا بُعِثَ مِنْ نَبِيَّ إِلا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أَمَّتَهُ على خَيْرِ مَا يَعْلَمَهُ لَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمَهُ لَهُمُ»، وَقَالَ أَبُو ذَرْ: لَقَدْ تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَا طَائُرٌ يُقَلِّبُ جِنَاحَيْهِ في السَّمَاءِ إِلا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا.

 

التحذير عن الحكم بغير ما أنزل الله:

وَقَالَ فِي تَحْذِيرِ أَهْلِ الإِيمَانِ عَنِ الحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ بَعْدَ سِيَاقِهِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 60]، ثُمَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ الْمَجِيدِ فِي الزِّجْرِ عَنِ اتِّبَاعَ القَوَانِين البَشَرِيَّةِ غَيْرُ هَذِهِ الآيةِ الكَرِيمَةِ، لَكَفَتْ العَاقِلَ اللَّبِيبَ الذي أُوتِيَ رُشْدَهُ وَأَهَمَّهُ صَلاحُ قَلْبِهِ عَنْ تَطَلُّبِ غَيْرِهَا، فَكِيفَ وَالقُرْآنِ كُلَّهُ يَدْعُو إِلى تَحْكِيمِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَعَدَمِ تَحْكِيمِ مَا عَدَاهُ، إِمَّا تَصْرِيحًا وَإِمَّا تَلْوِيحًا، وَلَهُ جَاهَدَ وَيُجَاهِدُ مِنْ عِبَادِ اللهِ الْمُتَّقونَ مِنْ لَدُنْ بُعِثَ سَيِّدُنا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم إلى يومِ تَقُومُ السَّاعَةُ.

 

إخواني في الله، روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الشروط، في باب الشروط التي لا تحل بالحدود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد رضي الله عنهما أنهما قالا: إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم، فاقضِ بيننا بكتاب الله، وأذِن لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنا بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت ابني منه بمائة شاة، ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن ما على ابني مائة جلدة، وتغريب عام، وإن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لأَقضينَّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، اغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترَفت فارْجُمْها، قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمَر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرُجمت..

 

هذا الحديث العظيم الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه يُخبرنا عن حادثة من الحوادث التي وقعت على عهد رسول الله، فكيف كان الحكم فيها؟ كيف حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

 

هذان الرجلان جاءا من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما يشتكي: يا رسول الله، أنشدك بالله إلا قضيتَ لي بكتاب الله، يُلح على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقضي له بكتاب الله، وهذا من قلة فقهه؛ إذ إن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الله لا يحتاج إلى إلحاح، ولا إلى زيادة في الطلب، فإنه صلى الله عليه وسلم لا يقضي بغير كتاب الله مطلقًا، فقال الخصم الآخر، وهو أفقه منه: نعم، فاقضِ بيننا بكتاب الله، وأذِن لي، كان مؤدبًا في سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: نعم، أوافق خصمي على ما قال، اقض بيننا بكتاب الله، ولكن أرجو أن تسمح لي أن أتكلَّم، وأن أفصِّل لك في الموضوع، وحُسن السؤال نصف العلم، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل الثاني: قل، قال: إن ابني كان عسيفًا يعني كان أجيرًا، أو خادمًا عند هذا الرجل الخصم، ابني كان خادمًا عند خَصمي، فزنا بامرأته، ابني الشاب الأعزب زنا بامرأة هذا الرجل، وهو خادم عنده، وإني أُخبرت، وفي رواية أخرى: فسألت مَن لا يعلم، سألت أناسًا جهالًا، لا يعلمون بأحكام الدين، فقالوا: إن على ابني الرجم، إن حكم ابني الذي زنا، وهو أعزب أنه يُرجَم، فلما علمت هذا الحكم، ذهبت إلى هذا الرجل، زوج المرأة، فحاولت أن أُراضيه، أو أرضيه بشيء من المال، فأرضيته، فاصطلحنا، واتَّفقنا على أن أُعطيه مقابل الزنا الذي حصل بامرأته، أُعطيه مائة شاة، وخادمة، ووليدة جارية، ثم أني سألت أهل العلم الحقيقيين، سألت أهل العلم بكتاب الله، فأخبروني أن ما على ابني مائة جلدة، وتغريب عام، أن يذهب به بعيدًا عن أرضه ووطنه مدة عام، إضافة إلى الجلد مائة جلدة، وهذا هو حد الزاني غير المحصن الأعزب الذي لم يتزوَّج، وأن على امرأة هذا الرجل الآخر الرجم، لا بد أن تُرجم؛ لأنها محصنة ومتزوجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لأَقضينَّ بينكما بكتاب الله، يعني: بحكم الله تعالى، بحكم الله سواء في القرآن أو في السنة، الوليدة والغنم رَدٌّ عليك، يا أيها الخصم، ارجع المائة شاة والجارية إلى الرجل، رَدٌّ عليك، تُرد إلى هذا الرجل، هذا شيء باطل، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، سنجلد ابنك الزاني مائة جلدة، ونُغربه عامًا بعيدًا عن وطنه، واغدُ يا أنيس، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد الصحابة الذين كانوا يوكَّلون بإقامة الحدود، واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا الرجل، اذهب إليها، وأقْرِرها وقرِّرها، فإن اعترفت فارجُمها، قال: فغدا عليها أنيس إلى هذه المرأة، فاعترفت، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرُجمت.

 

وفي كِتَابِ عُمْرَ بِنْ عَبْدِ العزيزِ إلى عُرْوَة: كَتَبْتَ إليَّ تَسْأَلَنِي عَنْ القضاءِ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِنَّ رَأَسَ القَضَاءِ اِتَّبَاعُ مَا فِي كِتَابِ اللهِ ثُمَّ القَضَاءُ بِسُنَّةِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ بِحُكمِ أَئِمَّة الْهُدَى، ثُمَّ اسْتِشَارَةِ ذَوِي العلمِ وَالرَّأيِ، وَذُكِرَ عَنْ سُفْيَانَ ابنُ عُيَينَةِ قَالَ: كَانَ ابنُ شُبْرَمَةَ يَقُولَ:

مَا في القَضَاءِ شَفَاعَةٌ لِمُخَاصِمٍ
عِنْد اللَّبِيبِ ولا الفَقِيهِ العَالِمِ
هَوِّنْ عَلَيَّ إِذَا قَضَيْتُ بِسُنَّةٍ
أَوْ بالكِتَابِ بِرَغْمِ أَنْفِ الرَّاغِمِ
وَقَضَيْتُ فِيمَا لَمْ أَجِدْ أَثَرًا بِهِ
بِنَظَائِرِ مَعْرُوفَةٍ وَمَعَالِمٍ

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

أما بعد: فَعَنْ بن وَهْبِ قَالَ: قَالَ مَالِكُ: الْحُكْمُ حُكْمَانِ، حُكْمٌ جَاءَ بِهِ كِتَابَ اللهَ، وَحُكْمُ أَحْكَمَتَّهُ السُّنَة، قَالَ: وَمُجْتَهِدٌ رَأْيَهُ فَلَعَلَّهُ يُوَفَّق.

 

عن إبراهيم بن نافع أن قومًا من أهل البصرة تنازعوا في نهر من أنهار البصرة، فقال: إن الأرض لله في أيدينا للمسلمين، فما لم يقع له ابتاعَ منها، يعود ثمنه على كافتهم في مصلحتهم، فلا سبيل لأحد عليه، قال: القوم هذا النهر لنا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: من أحيا أرضًا ميتة فهي له)[1]، وهذا موات، فوثب المهدي عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ألصق خدَّه بالتراب، وقال: سَمِعت لما قال، وأطعت ثم عاد، وقال: بَقِيَ أن تكون هذه الأرض مواتًا حتى لا أعرض فيها، وكيف تكون مواتًا والماء مُحيط بها من جوانبها؛ فإن أقاموا البيِّنة على هذا سلِمت[2].

 

يقول ابن كثير - رحمه الله -: يقول ابن الأثير: إن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يلعب بالكرة إذ رأى رجلًا يحدِّث آخر ويومئ إلى نور الدين، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه، فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، يزعم أن له على نور الدين حقًّا يُريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين، وأعلمه ألقى الجولكان من يده، وأقبَل مع خَصمه ماشيًا إلى القاضي الشهرزوري، وأرسل نور الدين إلى القاضي ألا تعاملني إلا معاملة الخصوم، فحين وصلا وقف نور الدين مع خَصمه بين يدي القاضي، حتى انفصلت الخصومة والحكومة، ولم يثبُت للرجل على نور الدين حقٌّ، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبيَّن ذلك قال السلطان: إنما جئت معه لئلا يتخلَّف أحدٌ عن الحضور إلى الشرع إذا دُعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شجنكية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولشرعه، فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمَر به امتثلناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لا حق للرجل عندي، ومع هذا أُشهدكم أني قد ملَّكته ذلك الذي ادَّعى به ووهبتُه له[3].

 

نتيجة الإعراض عن حُكم والله وحُكم رسوله صلى الله عليه وسلم:

يقول ابن القيم رحمه الله - وهو يبيِّن آثار الإعراض عن التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم-: لَما أعرَض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدَلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرَض لهم من ذلك فسادٌ في فِطرهم، وظُلمة في قلوبهم، وكَدرٌ في أفهامهم، ومَحقٌ في عقولهم، وعمَّتهم هذه الأمور، وغلَبت عليهم، حتى رُبِّي فيها الصغير، وهَرِمَ عليها الكبير، فلم يَروها مكرًا، فجاءتهم دولة أخرى، قامت فيها البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور وأهلها، هم المشار إليهم، وكانت قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلها هم المشار إليهم.

 

فإذا رأيت دولةَ هذه الأمور قد أقبَلت، وراياتها قد نُصبت، وجيوشها قد ركِبت، فبطنُ الأرض والله خيرٌ من ظهرها، وقُلَل الجبال خيرٌ من السهول، ومخالطة الوحش أسلمُ من مخالطة الناس.

 

اقشعرَّت الأرض، وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفَجرة، وذهبت البركات، وقلَّت الخيرات، وهَزَلت الوحوش، وتكدَّرت الحياة من فِسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح، وهذا والله منذرٌ بسيل عذاب قد انعقد غمامُه، ومُؤذِن بليلِ بلاءٍ قد ادْلَهَمَّ ظلامه، فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبةٍ نصوح ما دامت التوبة مُمكنةً وبابُها مفتوحًا، وكأنكم بالباب وقد أُغلق، وبالرهن وقد غُلِّق، وبالجناح وقد علِّق ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227][4].

واللهِ مَا خَوْفِي الذُّنُوبَ فَإِنَّها
لَعَلَى سَبِيلِ الْعَفْوِ وَالغُفْرَانِ
لَكِنَّمَا أَخْشَى انْسِلاخَ القَلْبِ مِنْ
تَحْكِيمِ هَذَا الوحْي والقُرْآنِ
وَرِضَا بآرَاء الرِّجَالِ وَخُرْصِهَا
لا كَانَ ذَاكَ بِمِنَّةِ الْمَنَّانِ
فَبأيِّ وَجْهٍ أَلْتَقِي رَبِّي إِذَا
أَعْرَضْتُ عَنْ ذَا الوَحْي طُولَ زَمَانِ
وَعَزْلتُهُ عَمَّا أُرِيدُ لأَجْلِهِ
عَزْلًا حَقِيقِيًّا بلا كِتْمَانِ

 

‌اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عِصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ، وأحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة.

 

‌اللهم مَن أرادنا وأراد ديننا وديارنا وأمنَنا وأُمتنا، وولاةَ أمرنا، وعلماءَنا واجتماعَ كلمتنا - بسوءٍ اللهم، فاشْغله بنفسه، واجعل كيده في نَحْره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين.

 

‌اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين، فإنهم لا يُعجزونك، اللهم وأَنزِل بهم بأسك الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين، اللهم إنا نَدرأُ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.

 

اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتَح لنا أبوابَ القبول والإجابة، اللهم تقبَّل طاعاتنا، ودعاءنا، وأصلِح أعمالنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتُب علينا، واغفِر لنا وارْحَمنا، يا أرحمَ الراحمين.



[1] أخرجه مالك (2/744، رقم 1425)، والطحاوي (3/270)، وصحَّحه الألباني في الإرواء ح 1551.

[2] تاريخ الخلفاء، (1 / 239)، تاريخ الخلفاء ص320.

[3] البداية والنهاية - (12 / 345).

[4] «الفوائد لابن القيم ط عطاءات العلم» (1/ 65).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • فيح الأزهار من كرم النبي المختار صلى الله عليه وسلم (خطبة)
  • تذكرة النبلاء بحياء سيد الأتقياء صلى الله عليه وسلم
  • رفق النبي صلى الله عليه وسلم
  • وجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم

مختارات من الشبكة

  • وجوب التحاكم إلى القرآن(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • وجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • Kewajiban Berhukum Kepada Al-Qur’an (وجوب التحاكم إلى القرآن) (PDF)(كتاب - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • خطورة التحاكم للأعراف والتقاليد القبلية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التحاكم لغير شرع الله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التحاكم إلى الشريعة فرض ملزم لكل مسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ألمانيا: باحث يحذر من تأثير التحاكم للشريعة على القضاء الألماني(مقالة - المسلمون في العالم)
  • تخريج حديث: كان أحب ما استتر به النبي صلى الله عليه وسلم إليه لحاجته(مقالة - آفاق الشريعة)
  • النبي القدوة -صلى الله عليه وسلم- في الرد على من أساء إليه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الطريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تدريب عملي للطلاب المسلمين على فنون الخطابة والتواصل الفعال
  • لقاءات علمية واستعدادات رمضانية في تتارستان
  • ندوة مهنية في مدينة توزلا لتعزيز كفاءات الأئمة والمعلمين الشباب
  • مساجد فيكتوريا تنشر الإسلام وتعزز الروابط المجتمعية في يوم المسجد المفتوح
  • مناقشة الفضائل الأخلاقية والإيمانية للإمام في ندوة علمية بعاصمة الجبل الأسود
  • ورشة عمل تحضيرية لاستقبال شهر رمضان في مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية
  • قمة شبابية دولية في أستراليا لتعزيز الهوية والقيادة الإسلامية
  • ندوة علمية في ساراتوف تبحث أحكام الزكاة وآليات تطبيقها

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 29/8/1447هـ - الساعة: 2:21
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب