• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
 
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | اللغة .. والقلم   أدبنا   من روائع الماضي   روافد  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أهمية اللغة العربية وطريقة التمهر فيها
    أ. سميع الله بن مير أفضل خان
  •  
    أحوال البناء
    عصام الدين بن إبراهيم النقيلي
  •  
    وقوع الحال اسم ذات
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    ملامح النهضة النحوية في ما وراء النهر منذ الفتح ...
    د. مفيدة صالح المغربي
  •  
    الكلمات المبنية
    عصام الدين بن إبراهيم النقيلي
  •  
    بين العبادة والعدالة: المفارقة البلاغية والتأثير ...
    عبد النور الرايس
  •  
    عزوف المتعلمين عن العربية
    يسرى المالكي
  •  
    واو الحال وصاحب الجملة الحالية
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    تسع مضين (قصيدة)
    عبدالله بن محمد بن مسعد
  •  
    أهل القرآن (قصيدة)
    إبراهيم عبدالعزيز السمري
  •  
    إلى الشباب (قصيدة)
    عبدالله بن محمد بن مسعد
  •  
    ويبك (قصيدة)
    عبدالستار النعيمي
  •  
    الفعل الدال على الزمن الماضي
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    أقسام النحو
    عصام الدين بن إبراهيم النقيلي
  •  
    نكتب المنثور (قصيدة)
    عبدالستار النعيمي
  •  
    اللغة العربية في بريطانيا: لمحة من البدايات ونظرة ...
    د. أحمد فيصل خليل البحر
شبكة الألوكة / حضارة الكلمة / أدبنا / دراسات ومقالات نقدية وحوارات أدبية
علامة باركود

أبو العلاء المعري يرثي صديقه أبا حمزة الفقيه

أبو العلاء المعري يرثي صديقه أبا حمزة الفقيه
د. إبراهيم عوض

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 6/10/2020 ميلادي - 18/2/1442 هجري

الزيارات: 41842

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أبو العلاء المعري يرثي صديقَه أبا حمزة الفقيه

 

غيرُ مُجْدٍ في مِلَّتي واعتِقادي
نَوْحُ باكٍ ولا تَرنُّمُ شادِ
وشَبيهٌ صوتُ النَّعِيِّ إذا قيـ
ـسَ بصَوْتِ البَشيرِ في كلِّ نادِ
أبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمامةُ أَمْ غَنْـ
ـنَتْ على فَرْعِ غُصنِها المَيَّادِ
صاحِ هَذِي قُبورُنا تَملأ الرَّحْـ
ـبَ فأين القبورُ مِن عهدِ عادِ
خفِّفِ الوَطْءَ ما أَظُنُّ أَديمَ الـ
أرضِ إلَّا مِن هذهِ الأجسادِ
وقبيحٌ بنا وإِنْ قَدُمَ العَهْـ
ـدُ هَوانُ الآباءِ والأجدادِ
سِرْ إنِ اسْطَعْتَ في الهواءِ رويدًا
لا اخْتيالًا على رُفاتِ العبادِ
رُبَّ لَحْدٍ قد صار لَحْدًا مِرارًا
ضاحِكٍ مِنْ تَزاحُمِ الأضدادِ
ودَفينٍ على بقايا دَفينٍ
في طويلِ الأزمانِ والآبادِ
فاسْألِ الفَرْقدينِ عمَّن أَحَسَّا
مِن قبيلٍ وآنَسَا مِنْ بلادِ
كم أقامَا على زوالِ نهارٍ
وأَنارَا لمُدْلِجٍ في سَوادِ
تَعَبٌ كلُّها الحياةُ فما أعْـ
ـجَبُ إلَّا مِن راغبٍ في ازْديادِ
إنَّ حزنًا في ساعةِ الموتِ أضعا
فُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ
خُلِقَ الناسُ للبقاء فضلَّتْ
أُمَّةٌ يَحْسَبونَهمْ للنَّفَادِ
إنَّما يُنقَلونَ مِن دارِ أعما
لٍ إلى دارِ شِقْوةٍ أو رَشادِ
ضِجعةُ الموتِ رَقْدةٌ يستريح الـ
ـجِسمُ فيها والعيشُ مثلُ السُّهادِ
أَبناتِ الهديلِ أَسْعِدْنَ أَوْ عِدْ
نَ قليلَ العَزاءِ بالإسعادِ
إيْهِ للهِ دَرُّكُنَّ فأنتُنْ
نَ اللواتي تُحسِنَّ حِفْظَ الوِدادِ
ما نَسِيتُنَّ هالكًا في الأوانِ الـ
ـخالِ أَوْدَى مِن قَبْلِ هُلْكِ إيادِ
بَيْدَ أنِّي لا أَرتَضي ما فَعَلْتُنْـ
ـنَ وأَطواقُكنَّ في الأَجيادِ
فتَسلَّبْنَ واسْتعَرْنَ جميعًا
مِن قميصِ الدُّجى ثيابَ حِدادِ
ثُمَّ غَرِّدْنَ في المآتِمِ وانْدُبْـ
ـنَ بَشَجْوٍ مع الغواني الخِرادِ
قصَد الدهرُ مِن أبي حمزة الأَوْ
وَابِ مَولَى حِجًا وخِدْنَ اجْتِهادِ
وفقيهًا أفكارُهُ شِدْنَ للنُعْـ
ـمانِ ما لَمْ يَشِدْهُ شِعْرُ زِيادِ
وخطيبًا لو قام بينَ وُحوشٍ
عَلَّمَ الضارياتِ بِرَّ النِّقادِ
راويًا للحديثِ لم يُحْوِجِ الْمَعْـ
ـروفَ مِنْ صِدْقِه إلى الإسنادِ
أنفَق العُمْرَ ناسكًا يَطلُبُ العِلْـ
ـمَ بكَشْفٍ عَن أَصْلِه وانتِقادِ
ذا بَنانٍ لا تَلمِسُ الذَّهبَ الأحْـ
ـمرَ زُهدًا في العَسْجدِ المُستفادِ
ودِّعا أيُّها الحَفِيَّانِ ذاك الشْـ
ـشَخْصَ إنَّ الوداعَ أيْسرُ زادِ
واغْسِلاهُ بالدمعِ إِنْ كان طُهْرًا
وادْفِناهُ بين الحَشا والفُؤادِ
واحْبُواهُ الأكفانَ مِن وَرَق المُصْـ
ـحفِ كِبْرًا عن أَنْفَسِ الأبْرادِ
واتْلُوَا النَّعْشَ بالقراءةِ والتَّسْـ
ـبيحِ لا بالنَّحيبِ والتَّعْدادِ
أَسَفٌ غيرُ نافعٍ واجتهادٌ
لا يُؤدِّي إلى غناءِ اجْتهادِ
طالَما أَخْرَجَ الحَزينُ جَوَى الحُزْ
نِ إلى غيرِ لائقٍ بالسَّدادِ
كيفَ أصْبحتَ في مَحلِّكَ بَعْدي
يا جديرًا مني بحُسْنِ افْتقادِ
قد أَقرَّ الطبيبُ عنكَ بعَجْزٍ
وتَقَضَّى تَرَدُّدُ العُوَّادِ
وانتَهى اليأسُ منك واستَشْعَر الوَجْ
دُ بأنْ لا مَعادَ حتَّى المَعادِ
كنتَ خِلَّ الصِّبا فلمَّا أَرادَ الـ
ـبَينُ وافَقْتَ رَأيَهُ في المُرادِ
ورأيتَ الوفاءَ للصاحبِ الأَوْ
وَلِ مِن شِيمةِ الكريمِ الجَوَادِ
وخلَعتَ الشبابَ غَضًّا فيَا لَيْ
تَكَ أَبْلَيتَه معَ الأَنْدادِ
فاذْهَبا خَيرَ ذاهبَيْنِ حَقيقَيْـ
ـنِ بسُقْيا رَوائحٍ وغَوادِي
ومَراثٍ لو أَنَّهنَّ دُموعٌ
لَمَحَوْنَ السُّطورَ في الإنْشادِ
زُحَلٌ أَشْرفُ الكواكبِ دارًا
مِن لقاء الرَّدى على مِيعادِ
واللبيبُ اللبيبُ مَنْ ليس يَغْتَرْ
رُ بكونٍ مَصيرُهُ للفَسادِ

 

هذه القصيدة تدور حول موضوع واحدٍ، هو رثاء أبي حمزة الفقيهِ الحنفي الذي كان مِن الواضح أن أبا العلاء المعرِّي يُجِلُّ أخلاقَه وزهدَه، وانصرافَه إلى العلم عن اللُّهاث خلفَ لذائذ الحياة الدنيا، وهي المناقبُ التي كان أبو العلاء المعرِّي نفسُه يتحلَّى بها، ويراها هي الأجدرَ بأن يستمسكَ بها الناسُ جميعًا، وبخاصةٍ أن الدنيا مصيرُها إلى انتهاء، وأنْ لا أحدَ ولا شيء مُخلَّد على وجه الدهر، ومِن الواضح كذلك أن جوًّا نفسيًّا واحدًا ينتظمُ القصيدة كلَّها مِن أولها إلى آخرها، هو جو الحسرة على أحوال الدنيا التي يتسرَّب كلُّ شيءٍ فيها - مِن عُمر وأصدقاء وهناءةِ بالٍ - من بين أيدينا، وعلى صديقه الذي قضى ولَمَّا يكن قد جاوَز سنَّ الشباب، فخلَّف الشاعر ليُحِسَّ بمزيدٍ مِن الوَحشة والأسى.

 

ومع وَحدة الموضوع ووَحدة الجو النفسي، فإن القصيدة لا تخلو من بعض التناقضات والعيوب الأخرى التي تنالُ مِن جمالها، وتُضعِف مِن قوةِ تأثيرها، كما سنرى بعدُ.

 

لقد بدأ الشاعرُ قصيدتَه بمقدِّمة فلسفية تفكَّر فيها في أحوال الدنيا، وانتهى إلى أن كل شيء فيها هالكٌ، وليس فيها ما يُغرِي بالحرص عليها، ومِن ثَمة فلا فرقَ في نظره بين مُتَعها وأحزانِها، وما دام الحال كذلك، فعلى كل إنسانٍ أن يتحلَّى بالتواضع، وأن يكف عن الاحتيال فوق أديم الأرض.

 

ويَخرج أبو العلاء من هذه المقدمةِ إلى مخاطبة الحمائم اللاتي لا يَكْفُفْنَ عن الهديل بكاءً على فرخ الحمام الذي تقولُ الحكايات: إن طيرًا جارحًا في قديم الأزمان قد انقضَّ عليه وافترَسه، فيَطلُب منهنَّ أن يُشارِكنَ في النَّوحِ على أبي حمزة الفقيهِ صاحب العقل الذكي، والخطيب الألمعي، وراوي الحديث العدل... إلخ.

 

ويخرج من ذلك مرةً أخرى إلى مخاطبةِ صديقين لأبي حمزة، فيَلتمس منهما أن يُغسِّلاه بالدمعِ الطاهر، وأن يُكفِّناه في وَرَق المصحف، ويُحذِّرهما من الانقياد وراء البكاء وتَعداد المناقب، فهما لا يُجْدِيان شيئًا، وهنا يتَّجِه بالخطاب إلى أبي حمزةَ متعجبًا من صروف الدهر، وكيف أنه ما كاد يرتدي بُرْدَ الشباب حتى خلَعه، بل خلَع بُرْدَ الحياة ذاتها!

 

وفي آخر القصيدة يعود فيَعزِف نغمةَ أن كلَّ شيء في الدنيا هالك، وأن العاقل مَن لا يَغترُّ بشيء فيها.

 

فأنت ترى من هذا التحليل السريع كيف أن القصيدةَ متماسكةُ الأفكار والمشاعر، «على أن يكون مفهومًا أني قد تعمَّدتُ في هذا التحليل أن أَقفِز فوق ما فيها مِن مآخِذَ سأتناولُها فيما بعد».

 

والحقيقة أن أجملَ أجزاء القصيدةِ هو المقدِّمة الفلسفية؛ بما فيها من عُمق وجلال وسخرية خافتةٍ بالمغرورين المختالين الذين يَنسَون أنهم مجرَّد مخلوقات عابرة فانية، فيضرب الواحد منهم وجه الأرض بقدمَيْه، ظنًّا منه أنه يستطيع أن يَخرِقَ الأرض أو يبلُغَ الجبال طولًا.

 

ويضاف إلى هذا الجزء الأبياتُ التي يلتمِسُ فيها الشاعر ممَّن يُحِبَّانِ أبا حمزة أن يُغسلاه بالدمع الطاهر، وأن يُكفناه بأوراق المصحف... إلخ، فهذه الأبيات تغزو الفؤاد غزوًا.

 

أما بقية القصيدة، فمعظمُها لا يبلغ من الجَودةِ شأوًا بعيدًا، وبعضها يَقصُر عن حد الجودة قَصْرًا.

 

أما في المقدمة الفلسفية، فإن الشاعر يتناول ثلاثَ أفكار فرعية:

هي أن كل شيء في الدنيا يستوي مع كل شيء آخر.

 

وأنْ لا أحدَ يبقى على الحدثان، «حتى إنه ليرى الأرض كلها قبرًا كبيرًا ينبغي أن نُحاذر المشي فوقَه ما أمكَن؛ احترامًا لرُفات الآباء والأجداد».

 

وأن الحياة هي التعب والشقاء بعينه، فلا معنى لتعلُّق الناس بها.

 

وهو في تناولِه للفكرةِ الأولى يُخصِّص لها ثلاثةَ أبيات، مستعرضًا في كل بيت منها مظاهرَ استواء كلِّ شيء مع كل شيء، فهو لا يرى فرقًا بين نَوْحِ الباكي وغناء المترنِّم، أليست كلها أصواتًا تخرجُ مِن فم الإنسان، وهو مخلوقٌ عابر، فكل ما فيه وكل ما يفعله مِن ثَمَّ عابرٌ فانٍ؟! وهو لا يجد اختلافًا بين صوت مَن يأتينا بخبر وفاة عزيزٍ، وصوت مُن يُبشرنا بميلاد طفلٍ جديد، فإذا كان ذلك قد ودَّع الدنيا، فإن هذا سيَقفوه عما قليل، كما أنه لا يستطيع أن يُحدد من هديل الحمامة التي يتمايل بها غصنُها على الشجرة القريبة، أهي تبكي أو تُغنِّي! فقد استوى الغناء والبكاء في أُذنَيْه؛ لأنه لم يَعُدْ يُبالي بمظاهرِ الحياة؛ إذ تعمَّق فيها حتى بلغ حقيقتها، فإذا هي سرابٌ خدَّاعٌ، وهذا البيت الأخير - وما فيه مِن تساؤل ساخرٍ يوحي بفِقدان شَهيَّة الحياة - هو أقوى الأبيات الثلاثة:

أبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمامةُ أَمْ غَنْـ *** ـنَتْ على فَرْعِ غُصنِها المَيَّادِ؟

 

وبعد ذلك نراه يُلِحُّ على فكرة الموت، فهذي القبور تُطالِعُنا في كلِّ مكان، فإذا عرَفنا أن أممًا وأجيالًا لا يُحِصيها إلا خالقُها، منذ أن بدأتِ الحياة على وجهِ الأرض - قد أتت في الدنيا ومضَت، فأين يا تُرى قبورهم؟! وأين عظامُ موتاها ورُفاتهم؟!

 

إن النتيجة المنطقية هي أن الأرض التي نمشي عليها الآن، قد كانت مَدفنًا لجيلٍ قبلنا، كما أن قبورَنا سوف تتحوَّل مع الأيام إلى أرضٍ يَدِبُّ فيها مَن سيأتون بعدَنا، ومعنى هذا أن الأرض كلها قبرٌ كبير، وأن التراب الذي نَطَؤُه بأقدامنا وأحذيَتِنا هو في الحقيقة رُفات الذاهبين، فانظر كيف يَظَلُّ المعري يَتغلغل في فكرته واصلًا منها إلى الحقيقة المرَّة، ساخرًا ممن تَستغرقُهم اللحظة الحاضرة، فيَعمَوْن عن هذه الحقيقة، ويُخيِّل إليهم غُرورُهم أنهم شيءٌ، وما هم بشيءٍ، فتَراهم يَمشون مختالِينَ، ناسين أنهم سيكونون عما قريب ترابًا تَدوسُه الأقدام المختالة كما يفعلون الآن برُفات أسلافهم، ومتهكمًا أيضًا بمصير البشر؛ إذ يقضُون حياتَهم في نزاع وخصام، ثم يجمع المتنازعين في النهاية نفسُ القبر الذي يَضحكُ في هذه الحالة منهم ومِن عنائهم في غير طائلٍ!

 

خفِّفِ الوَطْءَ ما أَظُنُّ أَديمَ ال
أرضِ إلَّا مِن هذهِ الأجسادِ
وقبيحٌ بنا وإِنْ قَدُمَ العَهْـ
ـدُ هَوانُ الآباءِ والأجدادِ
سِرْ إنِ اسْطَعْتَ في الهواءِ رويدًا
لا اخْتيالًا على رُفاتِ العبادِ
رُبَّ لَحْدٍ قد صار لَحْدًا مِرارًا
ضاحِكٍ مِنْ تَزاحُمِ الأضدادِ

 

وكأنَّ أبا العلاء يرى أن سامعه ربما لا يزال غيرَ مُصدِّق هذه الحقيقة، فنراه يَلفِته إلى مظاهر الطبيعة، ويطلب منه أن يَسألَ الشمس والقمر عن أجيال البشر التي أنارَا لها ليلًا ونهارًا، ثم يَخلُص إلى وصفِ مشاعره تُجاه الحياة وتكالُب الناس على البقاء فيها، متعجبًا مِن هذا التكالب على حياةٍ كلُّها تعبٌ وشقاءٌ وسُهادٌ، ومِن الخوف مِن الموت والنفورِ منه، مع أنه في حقيقته رَقدةٌ يستريح الإنسان فيها مِن تلك المتاعب وهذا السهاد الطويل.

 

ولكن لماذا يُؤثِّر فينا هذا الكلام؟! يؤثر فينا لأنه في الحقيقة صدًى لِما نشعُرُ به في أعماقنا، ولكن على نحوٍ غير واضح، ثم إنه يضع أيديَنا على حقيقةٍ من حقائق الحياة التي كثيرًا ما ننساها في غمرة اللهاث وراء مُتَع الدنيا، إن للحياةِ إغراءَها الذي لا يُقاوَم، ولكنه يُكلِّفنا كثيرًا من الإرهاق والألم مِن جرَّاء النشاط المحموم الذي يقتضيناه هذا الإغراء، فإذا جاء إنسانٌ وأصاخَ بنا أن نَقِفَ لحظةً ونُفكِّر في نتيجة هذا السعي المتواصل المحموم، وبصَّرنا بأن هذا السعيَ مُنْتهٍ غيرُ طائلٍ، وكان هذا الإنسان صاحبَ نصيبٍ كبير من الحكمة وعُمق النظرة - فلا شك أن كلامَه سيُوقِظ فينا ما كنا نشعُرُ به في غير وضوحٍ مِن إرهاقٍ وألَمٍ، وسيُوقِظ فينا أيضًا رغبتَنا في أن نَحصُل على الراحة من كل هذا العناء، ومِن ثَمَّ نتجاوب مع ما يقول تجاوبًا كبيرًا؛ ذلك أنه باختصار يقول ما كان ينبغي أن نقوله، أو ما كنا نَوَدُّ أن نقوله.

 

ومما يجعل لهذا الكلام زيادةَ قَبولٍ في نفوسنا ما فيه مِن مقدرةٍ فنية، وقد رأيتُ ما في تساؤله: «أبكَت تلك الحمامة أم غنَّت... إلخ؟» - مِن تَهكُّم وسخرية نَستطيع أن نَراهما أيضًا في هذه العبارة الموجزة: «خفِّف الوطء!»، إنه التهكم بالغرور المختال الجاهل الذي يحاول الشاعر أن يَصطنع في مواجهته أسلوبَ التواضع حين يقول: «ما أَظُنُّ أَديمَ الأرض إلا من هذه الأجساد!»، فهو لا يريد أن يقطع بالحكم، ولكنه يتظاهَرُ بعدم التأكد؛ رغبةً منه في تعليم المختال الجاهل فضيلةَ التواضع، والشيءُ نفسُه تَلمِسُه في قوله: «العباد» [التي تساوى قولنا بالعامية «الناس الغلابة»]:

سِرْ إنِ اسْطَعْتَ في الهواءِ رُويدًا *** لا اخْتيالًا على رُفاتِ العبادِ

 

بدلًا من «الناس» أو «الخلق»، وهما لفظتانِ ليس فيهما هذا الوَخْز الذي يحتاجه دور الإحساس الغليظ الذي لا يَملأ عيونَهم أحدٌ؛ كي يُفيقوا من تعاليم وإحساسهم الغبي المتضخِّم بأنفسهم.

 

ومع ذلك كله فإن الشاعر في هذا الجزء من القصيدة قد أقحم بيتينِ لا ينسجمان مع السياق، وهما:

خُلِقَ الناسُ للبقاء فضلَّتْ
أُمَّةٌ يَحْسَبونَهمْ للنَّفَادِ
إنَّما يُنقَلونَ مِن دارِ أعما
لٍ إلى دارِ شِقْوةٍ أو رَشادِ

 

وخروجهما على السياقِ يَكْمُنُ في أن الفكرة التي تدور حولها الأبيات التي ورَدا فيها، هي أنْ لا شيء ولا أحدَ مُخلَّد في هذه الدنيا، ومن ثَمَّ فعلى رغمِ أن هذين البيتين يُعبِّرانِ عن عقيدتنا نحن المؤمنين بالله واليوم الآخر، فإنهما قد أُقحِما في غير موضعهما إقحامًا، علاوةً على أن قولَه بُعيدَ ذلك:

ضِجعةُ الموتِ رَقْدةٌ يستريح الـ  *** ــجِسمُ فيها والعيشُ مثلُ السُّهادِ

 

يتناقض مع مضمونِ هذين البيتين؛ إذ كيف يكون الموتُ ضِجعةً يَستريح الجسمُ فيها من السهاد والألم، والبيتانِ يُؤكِّدان أن الإنسان يترُك الدنيا ليَنتقل إلى الجنة أو النار؟! إن الموتَ إذًا ليس نومًا، بل يقظة تامَّة، وإذا ما قصَر بالإنسان عملُه، فهل يَنتظره إلا النار وسُهادُها الذي يتضاءل بجَنبه كلُّ سهادٍ؟!

 

أما في الجزء الثاني الذي يتَّجه بالخطاب فيه إلى الحمائم الهادلة فوق غُصون الأشجار، فإنه ما إن يبدأ هذه البداية الموفَّقة المؤثِّرة حين ينادي بنات الهديل، ويَطلُب منهنَّ تَعزيتَه عن الآلام التي كان يُحِسُّها لفَقْد صديقه، وحين يتعجَّب مِن وفائهن هذا التعجب الحلو الرقيق:

إيْهِ للهِ دَرُّكُنَّ فأنتُنْـ
ـنَ اللواتي تُحسِنَّ حِفْظَ الوِدادِ
ما نَسِيتُنَّ هالكًا في الأوانِ الـ
ـخالِ أَوْدَى مِن قَبْلِ هُلْكِ

 

• حتى نراه يأخُذُ على هذه الحمائم أنها تضَعُ في أجيادها أطواقًا للزينة، وأن الأحرى بها أن تَخلَع هذه الأطواق؛ ليكونَ حِدادُها كاملًا، وهي مؤاخذة تثيرُ الابتسام، فلَسْنَ هنَّ اللاتي وضَعْنَها في أعناقهنَّ، لا، ولا هنَّ مستطيعات أن يَخلَعْنَها.

 

والشيء ذاته يَنطبق على تلاعُبه بالتَوْرِيةِ في البيت الثاني من الأبيات التي يَرثي فيها صديقَه ويُشيد بمناقبه، وهو:

وفقيهًا أفكارُهُ شِدْنَ للنُعْــ *** مانِ ما لَمْ يَشِدْهُ شِعْرُ زِيادِ

 

إذ معنى البيت هو أن أبا حمزة قد شاد بأفكارِه لأبي حنيفة النعمان ما لم يستطع شعرُ النابغة أن يَشيده للنعمان بن المنذر، ولكن أبا العلاء اكتفى بإيرادِ لفظة «النعمان» مرة واحدة، وكأن النعمان الذي شاد له أبو حمزة شهرةً علمية، هو هو النعمان الذي شاد له زياد مَجدًا في دنيا الشعر والأدب، فهذا تلاعُب بالألفاظ لا يناسب تمامًا جوَّ الحزن الذي يُخيِّم على القصيدة كلها، فإذا أضَفْنا إلى ذلك أن هذا الجزء من القصيدة إنما هو عبارةٌ عن تقريرات عادية يعدِّد فيها مناقبَ صديقه المتوفَّى واحدةً وراء الأخرى بأسلوب خالٍ من رَواء الفن - عرَفْنا إلى أي مدًى لم يُوفَّقِ الشاعر في هذه الأبيات.

 

ونصل الآن إلى هذه الأبيات الجميلة:

ودِّعا أيُّها الحَفِيَّانِ ذاك الشْـ
ـشَخْصَ إنَّ الوداعَ أيْسرُ زادِ
واغْسِلاهُ بالدمعِ إِنْ كان طُهْرًا
وادْفِناهُ بين الحَشا والفُؤادِ
واحْبُواهُ الأكفانَ مِن وَرَق المُصْـ
ـحفِ كِبْرًا عن أَنْفَسِ الأبْرادِ
واتْلُوَا النَّعْشَ بالقراءةِ والتَّسْـ
ـبيحِ لا بالنَّحيبِ والتَّعْدادِ

 

فالغموض الذي يُحِيط بهذينِ الشخصين اللذينِ يُوجِّه إليهما الخطاب، ولفظة «الحَفيان»، بما يدل عليه من إعزاز وإكرامٍ ووُدٍّ واهتمامٍ، وهذه الصور الحالمة المشعَّة وَضَاءةً ونُبلًا التي يقفو بعضها بعضًا: «اغْسلاه بالدمع إن كان طُهرًا»، و«ادْفِناه بين الحشا والفؤاد»، و«احْبواه الأكفان من وَرَق المصحف»، و«اتْلُوا النعش بالقراءة والتسبيح»، كل هذا يدخل إلى القلب، فيستولي عليه استيلاءً.

 

وتبقى بعد ذلك الأبياتُ الأخيرة التي يُخاطب فيها صديقه الراحل، مُتذكِّرًا مرضَه وعَجْز الطبيب عن أن يفعل له شيئًا، وداعيًا له بالسُّقيا، ومتفجعًا على فَقْده، والتي تنتهي بهذينِ البيتين:

زُحَلٌ أَشْرفُ الكواكبِ دارًا
مِن لقاء الرَّدى على مِيعادِ
واللبيبُ اللبيبُ مَنْ ليس يَغْتَرْ
رُ بكونٍ مَصيرُهُ للفَسادِ

 

وهما أجمل هذه الأبيات، وبخاصة الصورةُ التي رسم فيها مصيرَ الكوكب «زُحل»؛ إذ جعله على ميعادٍ من لقاء الرَّدى، وذلك إلى جانب ما في العبارة من تقديم وتأخير، جعل المعنى لا يتَّضِح إلا مع آخر كلمة فيها، وكذلك تعبيرُه عن تفتُّت الكوكب واندثاره في الهواء بـ«لقاء الردى»، وفضلًا عن جمال الصورة وطرافة التركيب، فهناك التأكيد في قوله: «واللبيب اللبيب»، بما يوحي به مِن شدة حب الشاعر لبني البشر، ورغبته الطاغية في أن يَنصَحَهم ويُرشِدَهم ويَرُدَّهم عن مَهاوي الاغترار بكَوْنٍ مصيرُه - كما يقول - للفسادِ، ولاحِظْ أن تحذيرَه ينصبُّ على «الكون» كله، أليس فاجعًا أن يكون هذا الكون كله - بسماواته وأرضه وفضائه وشموسه وأقماره، وناسه، وحيوانه ونباته، وماضيه وحاضره ومستقبله، على مدى الأجيال المتلاحقة التي لا يُحصيها إلا بارئها - إلى فسادٍ؟! والبيتان من ناحية أخرى يعودان بالقصيدة عودًا على بَدْءٍ، فيُضْفِيان عليها مزيدَ تماسُك، ولكن أُحبُّ أن أُنبِّه إلى ما كنتُ أسلفتُ الإشارة إليه، وهو ما في القصيدة مِن تناقضٍ، لقد رأينا جانبًا منه في نُبُوِّ بعض الصور أو التعبيرات عن سياقها، ولكن هناك وجهًا آخر لهذا التناقض؛ إذ بينما نرى الشاعر يُلِحُّ على أنه لا فائدة من البكاء والنحيب على الموتى، إذا به يطلُبُ مِن بنات هديل أن يُشاركنَ «الغواني الخِراد» في نَدْبِهنَّ صديقَه المأسوفَ عليه، وبينما نجده يقول:

تَعَبٌ كلُّها الحياةُ فما أعْــ *** ــجَبُ إلَّا مِن راغبٍ في ازْديادِ

 

نراه يعود فيتمنَّى لو أن هذا الصديق قد طال عمرُه ولم يقضِ نحبَه في غضارة الشباب:

وخلَعتَ الشبابَ غَضًّا فيَا لَيْـ *** تَكَ أَبْلَيتَه معَ الأَنْدادِ

 

صحيح أن من الممكن الردَّ بأن هذا التناقض إنما تسأل عنه الطبيعة البشرية؛ إذ كثيرًا ما تقتنع عقولنا بشيءٍ، لكن قلوبنا لا تَقتنع به، ولا تستجيب للأحداث بمقتضاه، إلا أن ما يؤخذ على الشاعر أنه أسرَف في الإلحاح على فكرةِ أنْ لا جَدْوى من البكاء والحزن، إسرافًا سدَّ عليه الطريق فيما بعد، وقيَّد حريته، فلما عاد يتصرَّف كما يتصرَّف الناس العاديون، فيَندُبُ الموتى ويُعدد مناقبهم، ويتمنَّى لو كانوا بقُوْا على قيد الحياة - أضحى موقفه حرجًا.

 

وبعد:

فالقصيدةُ رغم ما في بعض أجزائها من قوة وجمال، فإنها لا ترقى إلى المصفِّ الذي وضعها أحد النقاد فيه؛ إذ يقول: إنه «ربما كانت هذه المرثية خيرَ مراثي العربية على الإطلاق»، فقد رأينا كيف أنها لا تخلو من بعض العيوب الفادحة، علاوةً على أن بعض أجزائها فاترٌ يَلمِس صفحةَ النفس فلا تَهتزُّ له، ومن الإجحاف أن نُفضِّلها على قصيدة كتلك التي يرثي فيها مالك بن الريب نفسَه، أو تلك التي يتفجَّع فيها أبو ذُؤَيب الهُذَلي على أولادِه، أو ابن الرومي على ابنه الأوسط، أو قصيدة العقاد في «رثاء طفلة» [وهذا قليل من كثير]؛ ذلك أن قصيدة أبي العلاء تفتقرُ إلى ما في هذه القصائد من ألَمٍ يَصهَر الفؤاد صَهْرًا؛ إذ إن الألم الذي تبعثُه في نفوسِنا هو ألَمٌ مَبعثُه العقلُ والتفلسفُ، وهو ألم عامٌّ يتعلق بمصير الكون كلِّه بالدرجة الأولى.





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ابن الرومي في رثاء ابنه محمد
  • البحتري في وصف إيوان كسرى
  • ميمية المتنبي في عتاب سيف الدولة

مختارات من الشبكة

  • مخطوطة ديوان ملقى السيل لأبي العلاء المعري(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • مخطوطة أجوبة زين الدين حمزة الشافعي عن أسئلة وردت إليه(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • مخطوطة أجوبة زين الدين حمزة الشافعي عن أسئلة وردت إليه (نسخة ثانية)(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • صحح نسختك (4)(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • المسائل النحوية والصرفية في شرح أبي العلاء المعري على ديوان ابن أبي حصينة(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • عبث الوليد لأبي العلاء المعري(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • أبيات لأبي العلاء المعري المتوفى سنة 449هـ(مقالة - حضارة الكلمة)
  • أبو موسى وعمه أبو عامر الأشعريان وقصة عجيبة دروس وعبر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المناظرات الفقهية بين فقهاء العراق: أبو إسحاق الشيرازي وأبو عبدالله الدامغاني نموذجا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ابن منده صاحب كتاب الإيمان وأبناؤه أبو القاسم وأبو عمرو ويحيى بن منده(مقالة - ثقافة ومعرفة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • الدورة الخامسة من برنامج "القيادة الشبابية" لتأهيل مستقبل الغد في البوسنة
  • "نور العلم" تجمع شباب تتارستان في مسابقة للمعرفة الإسلامية
  • أكثر من 60 مسجدا يشاركون في حملة خيرية وإنسانية في مقاطعة يوركشاير
  • مؤتمرا طبيا إسلاميا بارزا يرسخ رسالة الإيمان والعطاء في أستراليا
  • تكريم أوائل المسابقة الثانية عشرة للتربية الإسلامية في البوسنة والهرسك
  • ماليزيا تطلق المسابقة الوطنية للقرآن بمشاركة 109 متسابقين في كانجار
  • تكريم 500 مسلم أكملوا دراسة علوم القرآن عن بعد في قازان
  • مدينة موستار تحتفي بإعادة افتتاح رمز إسلامي عريق بمنطقة برانكوفاتش

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1446هـ / 2025م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 11/11/1446هـ - الساعة: 0:55
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب