• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | المكتبة المرئية   المكتبة المقروءة   المكتبة السمعية   مكتبة التصميمات   المكتبة الناطقة   كتب د. خالد الجريسي   كتب د. سعد الحميد  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    حديث الجمعة: قوله تعالى {ففروا إلى الله إني لكم ...
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    هل تضعيف أجر الصلاة خاص بمسجد الكعبة أم عام لكل ...
    الشيخ عايد بن محمد التميمي
  •  
    مع سورة الحاقة (WORD)
    د. خالد النجار
  •  
    المختار من الأدعية والأذكار (PDF)
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الأذى.. وأنواعه.. وإماطته
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    أقسام الأخلاق الإسلامية (محبة الله)
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    صيام شعبان
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    نقد عقيدة اليهود في الله وفي الأنبياء وآثارها ...
    سعاد الحلو حسن
  •  
    الدليل والبرهان على أن محمدا رسول الرحيم الرحمن ...
    الشيخ الدكتور سمير بن أحمد الصباغ
  •  
    حين يرقى الإنسان بحلمه
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    أقسام الأخلاق الإسلامية (الخوف والرجاء)
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    آداب حملة القرآن
    لطيفة بنت عبداللطيف
شبكة الألوكة / مكتبة الألوكة / المكتبة المقروءة / كتب / كتب التفسير وعلوم القرآن
علامة باركود

هل تضعيف أجر الصلاة خاص بمسجد الكعبة أم عام لكل حرم مكة؟

الشيخ عايد بن محمد التميمي

عدد الصفحات:18
عدد المجلدات:1

تاريخ الإضافة: 17/1/2026 ميلادي - 29/7/1447 هجري

الزيارات: 36

نسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تحميل ملف الكتاب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:

فهذا بحث عن:

هل تضعيف أجر الصلاة خاصٌّ بمسجد الكعبة أو عام لكل حرم مكة؟

نسأل الله التوفيق والقبول والسداد.

 

المدخل إلى المسألة:

♦ اتفق أهل العلم أن المراد بالمسجد الحرام في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] هو حرم مكة.

 

♦ اتفق أهل العلم على منع المشركين من دخول كامل حرم مكة، واختلاف المسافة بين حدود حرم مكة عن مسجد الكعبة ما بين 5 كم في اتجاه مسجد عائشة رضي الله عنها إلى 20 كم في اتجاه عرفة، أمارةٌ على أن النهي عن قرب المشركين؛ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28]، إنما هو لعين حرم مكة، لا لمجرد قربه من مسجد الكعبة.

 

♦ استواء العاكف والبادِ في رباع حرم مكة في مِنًى وغيرها أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].

 

♦ أن المراد بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] هو بلوغ الهديِ إلى فقراء الحرم.

 

♦ أن عامة الآيات الواردة في ذكر المسجد الحرام شملت حرم مكة، وقد يرد ذكر المسجد الحرام في خطاب الشرع ويُراد به عين الكعبة كما في استقبال القبلة، وقد يراد به مسجد الكعبة، فالعبرة بالقرائن، وإن تجرد السياق من القرائن فيبقى المعنى على عمومه.

 

♦ حرم مكة أعظم من حرم المدينة وله أحكام خاصة كجزاء الصيد واللقطة وتوقف التلبية، فقياسه على حرم المدينة قياس مع الفارق.

 

♦ اضطراب النبي صلى الله عليه وسلم بالحل يوم الحديبية، ونزوله وصلاته في أول حجه بالحَجون لعدة أيام؛ وهو الجبل المطل على مسجد الكعبة، ونزوله وصلاته بالمحصب في آخر حجه، وترك التلبية عند دخول الحرم كلها أمارات على دخول حرم مكة في حكم المسجد الحرام.

 

♦ أن تضعيف أجر الصلاة شيء، والنهي عن شد الرحل إلى بقعة بعينها شيء آخر، فقد يُنهى عن شد الرحال إلى بقاع مع ثبوت مزية في الصلاة فيها؛ كمسجد قباء وباقي المساجد التي يضاعَف أجر الجماعة فيها.

 

تصوير المسألة:

أن يصلي إنسان داخل حدود حرم مكة، فهل يضاعف أجر صلاته إلى مائة ألف صلاة كما في مسجد الكعبة أم لا؟

 

تحرير محل النزاع:

اتفق أهل العلم على شمول معنى المسجد الحرام في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] الحرم كله[1]، واتفقوا على أن النهي عن قرب المشركين للمسجد الحرام في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28]يشمل جميع حرم مكة[2]، واتفقوا على مضاعفة أجر الصلاة في مسجد الكعبة إلى مائة ألف صلاة[3]، واختلفوا في تضعيف أجر الصلاة في باقي الحرم إلى مائة ألف صلاة.

 

أقوال أهل العلم في المسألة:

القول الأول:

أن تضعيف أجر الصلاة يشمل جميع حدود الحرم، وهو قول عطاء[4]، ومجاهد[5]، وجمهور أهل العلم من الحنفية[6]، والمالكية[7]، والشافعية[8]، وهو قول ابن حزم[9]، والنووي[10]، وابن تيمية[11]، وابن القيم[12]، وابن باز[13].

 

القول الثاني:

أن تضعيف أجر الصلاة خاص بمسجد الكعبة وهو مذهب الحنابلة[14]، وقول بعض المتأخرين من الشافعية[15]، وهو اختيار ابن عثيمين[16].

 

عرض الأدلة في المسألة:

أدلة القول الأول:

الدليل الأول:

قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: 1].

 

وجه الدلالة:

أنه وردت عدة أحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أُسري به من خارج مسجد الكعبة؛ ومنها:

♦ ما جاء في الصحيحين من حديثٍ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ))؛ [متفق عليه][17].

 

♦ وما رواه الطبراني بإسناده عن عبدالأعلى بن أبي المُسَاوِرِ، عن عكرمة، عن أمِّ هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: ((بَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فِي بَيْتِي فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَامْتَنَعَ مِنِّي النَّوْمُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي، فَإِذَا عَلَى الْبَيْتِ دَابَّةٌ دُونَ الْبَغْلِ، وَفَوْقَ الْحِمَارِ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهَا))؛ [ضعيف جدًّا، عبدالأعلى بن أبي المُسَاوِر متروك][18].

 

♦ وما رواه أبو يعلى بإسناده عن أبي صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ رضي الله عنها: ((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَلَسٍ، فَجَلَسَ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَعَرْتُ أَنِّي بِتُّ اللَّيْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَأَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَذَهَبَ بِي إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ مُضْطَرِبِ الْأُذُنَيْنِ، فَرَكِبْتُ))؛ [ضعيف، أبو صالح ضعيف، ولم أعثر على ترجمة لمحمد بن إسماعيل الأنصاري][19].

 

♦ وما رواه الفاكهي في أخبار مكة بإسناده عن سفيان – الثوري - فِي قَوْلِهِ تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1] قَالَ: "أُسْرِيَ بِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ"؛ [مرسل][20].

 

ويناقش: بأن جُلَّ الأحاديث لا تخلو من مقال، والثابت أنه أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة؛ كما جاء في الصحيحين من أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: ((أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ))؛ [متفق عليه][21].

 

وما جاء في الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صَعْصَعَةَ رضي الله عنهما: ((أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ، وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ، مُضْطَجِعًا، إِذْ أَتَانِي آتٍ))[22]، والمراد بالحطيم الحِجر[23].

 

وعلى القول بثبوت أحاديث أصحاب القول الأول فيجمع بينها أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ خارج المسجد الحرام، ثم ذهب إلى المسجد الحرام، فأُسري به هناك، فلا حجة ناهضة في أن الإسراء كان خارج المسجد.

 

قال ابن حجر: "أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته - وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه - فنزل منه الملَك فأخرجه من البيت إلى المسجد"[24].

 

الدليل الثاني:

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28].

 

وجه الدلالة:

أن أهل العلم أجمعوا على أن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية هو حرم مكة كله، فلا يجوز للمشرك أن يدخلها؛ قال ابن حزم: "فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ – تَعَالَى - أَرَادَ الْحَرَمَ كُلَّهُ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالدَّعْوَى"[25].

 

ونوقش: بأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلا يَقْرَبُوا﴾ ولم يقُلْ: فلا يدخُلوا، فالمشرك ممنوع من القرب إلى المسجد الحرام، فكانت حدود الحرم مانعة من القرب من عين المسجد الحرام.

 

ويُجاب عليه بأمرين:

♦ أنه لو كان النهي محدودًا بعين مسجد الكعبة لما لزم المنع من قربه إلى هذه المسافات الشاسعة التي تصل إلى قرابة 20 كم.

 

♦ أنه لو كان خاصًّا بمسجد الكعبة، لتساوت المسافات التي نُهِي المشركون عن قربها عن مسجد الكعبة، ولم تكن بنفس حدود حرم مكة التي تتباين في أبعادها، فهي في الشمال تبعد عن مسجد الكعبة نحو 5 كم فقط، وفي الجنوب يصل البعد إلى نحو 20 كم.

 

الدليل الثالث:

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].

 

والدلالة هنا من وجوه:

♦ أن الكفار صدوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية عن عموم الحرم، وليس عند أبواب مسجد الكعبة.

 

♦ أن الله جعل المسجد الحرام يستوي فيه المكي المقيم فيه، والطارئ فيه من غير أهل مكة، ومن يرد فيه ميلًا عن الحق بالوقوع بشيء من المعاصي عامدًا، نذقه من عذاب مؤلم، وهذا متحقق في حرم مكة.

 

♦ أن مجرد إرادة الظلم في حرم مكة موجب للعذاب[26].

 

ونُوقش من وجوه:

♦ أن الكفار لم يصدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حرم مكة وإنما عن المسجد؛ لأنهم كانوا يصلون في حرم مكة أيام الحديبية.

 

♦ وأن المراد بقوله تعالى: ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [الحج: 25] هو الملازم للمسجد بالصلاة والطواف فيه، وهذا يكون في مسجد الكعبة لأنه محل ذلك.

 

وأُجيب عليه: بأن الناس يستوون في رباع مكة ومِنًى وغيرها من مشاعر حرم مكة استدلالًا بهذه الآية؛ قال ابن كثير: "وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِوَاءُ النَّاسِ فِي رِبَاعِ مَكَّةَ وَسُكْنَاهَا"[27].

 

الدليل الرابع:

قال تعالى: ﴿والْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 217].

 

وجه الدلالة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا من ديارهم في حرم مكة، وليس من داخل مسجد الكعبة.

 

ونوقش: بأن المراد هو أهل المسجد الذين يَعمرونه بطاعة الله والصلاة والطواف، وهم المؤمنون لأنهم أولياؤه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: 34]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18].

 

الدليل الخامس:

أن عامة الآيات التي وردت عن المسجد الحرام كانت بمعنى حرم مكة، كما في الآيات السابقة وهذه الآيات:

♦ قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125].

 

♦ وقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: 191].

 

♦ وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196].

 

♦ وقال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].

 

قال ابن حزم في بيان حاضري المسجد الحرام: "فَوَجَدْنَا لَفْظَةَ (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ لَا رَابِعَ لَهَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَرَادَ الْكَعْبَةَ فَقَطْ، أَوْ مَا أَحَاطَتْ بِهِ جُدْرَانُ الْمَسْجِدِ فَقَطْ، أَمْ أَرَادَ الْحَرَمَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ (مَسْجِدٍ حَرَامٍ) إلَّا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ فَقَطْ.

 

فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَرَادَ الْكَعْبَةَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ لَا يَسْقُطُ الْهَدْيُ إلَّا عَمَّنْ أَهْلُهُ فِي الْكَعْبَةِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ وَغَيْرُ مَوْجُودٍ.

 

وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ عز وجل أَرَادَ مَا أَحَاطَتْ بِهِ جُدْرَانُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قَدْ زِيدَ فِيهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةً، فَكَانَ لَا يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ يَنْتَقِلُ وَلَا يَثْبُتُ.

 

وَأَيْضًا فَكَانَ لَا يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ إلَّا لِمَنْ أَهْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَإِذْ قَدْ بَطَلَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَقَدْ صَحَّ الثَّالِثُ إذْ لَمْ يَبْقَ غَيْرُه"[28].

 

ويُناقش: بورود ما يدل على أن المراد بالمسجد الحرام هو عين مسجد الكعبة أيضًا:

♦ قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144].

 

♦ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، ومَسْجِدِ الأقْصى))[29]، كما سيأتي في أدلة أصحاب القول الثاني.

 

ويُجاب عليه: بأن المراد بالآية هنا هو الكعبة ذاتها وليس المسجد، بدليل أن الإنسان إذا كان يرى عين الكعبة في المسجد وخارجه، ففرضه إصابة عين الكعبة، ولا تصح صلاته إلا بذلك.

 

الدليل السادس:

ما رواه أحمد في مسنده قال: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن المِسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: ((خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ... وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ))؛ [فيه عنعنة ابن إسحاق، وهو إمام في السير والمغازي وهذه منها، وأصل الحديث في الصحيح بدون هذه الزيادة][30].

 

وجه الدلالة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد الصلاة في حرم مكة، مع أن خيامه وأصحابه رضي الله عنهم كانت خارج الحرم، فدلَّ على أن هناك مزية في الصلاة فيه عن غيره من الأماكن.

 

ونوقش: بضعف الحديث، وإن صح فلا يلزم منه اشتراكه في تضعيف أجر مسجد الكعبة، وإنما لأنه حرم فالعبادة فيه أفضل من غيره.

 

الدليل السابع:

ما رواه البخاري في صحيحه قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي: حدثنا فضيل بن سليمان قال: حدثني موسى بن عقبة قال: أخبرني كُرِيب، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما - في قصة حج النبي صلى الله عليه وسلم - قال: ((فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ، لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ))[31].

 

ووجه الدلالة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عند الحجون وهو الجبل المطل على مسجد الكعبة، ولم يأتِ المسجد طيلة هذه الأيام حتى رجع من عرفة مع قُربه ويُسره، ولو كان تضعيف أجر الصلاة خاصًّا بمسجد الكعبة لما تركه طيلة هذه الأيام.

 

ويناقش: بأن الحديث مجمل يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة في مسجد الكعبة لحكمة، كخشية أن يظن أحد وجوبه، أو أنه من مناسك الحج.

 

الدليل الثامن:

ما رواه البخاري في صحيحه قال: حدثنا أَصْبَغُ بن الفَرَجِ: أخبرنا ابن وَهْب، عن عَمْرو بن الحارث، عن قتادة: أنَّ أنس بن مالك رضي الله عنه حدَّثه: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ))[32].

 

ووجه الدلالة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في المحصب وصلى فيها الصلوات الأربع، ولو كانت البقعة لا تضعيف فيها لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم الإقامة عند مسجد الكعبة والصلاة فيه.

 

ويناقش: بما رواه البخاري أيضًا في باب المحصب عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ))، يَعْنِي بِالْأَبْطَحِ[33]، ففعله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أيسر للخروج وليس لتضعيف أجر الصلاة فيه.

 

ويُجاب عليه: بأن تعليل عائشة هنا كان في باب الرد على استحباب تَقصُد الحاج النزول بها، وليس ردًّا لتضعيف أجر الصلاة فيها، بل عائشة نفسها رضي الله عنها اعتكفت في جوف ثبير مما يلي مِنى كما سيأتي، ولم تعتكف في الحرم.

 

الدليل التاسع:

ما رواه البخاري في صحيحه قال حدثني يعقوب بن إبراهيم: حدثنا ابن عُلَيَّة: أخبرنا أيوب، عن نافع قال: ((كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ))[34].

 

وجه الدلالة:

أن إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن التلبية عند دخول أدنى الحرم، مع أنه لم يعاين مسجد الكعبة أمارة على شمول حرم مكة معنى المسجد الحرام؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 96، 97].

 

ويناقش: بأن هذا خاص بالتلبية ومناسك الحج والعمرة، وهو خارج عن محل النزاع.

 

الدليل العاشر:

ما رواه عبدالرزاق في مصنفه عن ابن جريج عن عطاء: ((أَنَّ عَائِشَةَ نَذَرَتْ جِوَارًا فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ مِمَّا يَلِي مِنًى، قُلْتُ: فَقَدْ جَاوَرَتْ؟ قَالَ: أَجَلْ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ نَهَاهَا أَنْ تُجَاوِرَ خَشْيَةَ أَنْ يُتَّخَذَ سُنَّةً، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَاجَةٌ كَانَتْ فِي نَفْسِي))؛ [إسناده صحيح][35].

 

وجه الدلالة:

أن اعتكاف عائشة رضي الله عنها في حرم مكة مع قرب مسجد الكعبة أمارة على أنه مشمول في حكم التضعيف، وإلا لما تركت الفاضل إلى المفضول.

 

ويناقش: بأنه نذر من عائشة لا يلزم منه مزية التضعيف، كما لو نذر إنسان أن يعتكف من مسجد معين، فلا يلزم منه تضعيف أجر الصلاة فيه، وقد عللت ذلك عائشة رضي الله عنها بأنه كان حاجة في نفسها.

 

الدليل الحادي عشر:

ما رواه الفاكهي في أخبار مكة قال: حدَّثني أبو العباس أحمد بن محمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن ليث، عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ‌"الحرم ‌كله ‌هو ‌المسجد ‌الحرام"؛ [إسناده ضعيف، لضعف ليث بن أبي سليم][36].

 

الدليل الثاني عشر:

القياس على المسجد الأقصى الذي تضاعف فيه الصلاة في أي موضع داخل المنطقة المحاطة بالسور في الجنوب الشرقي للبلدة القديمة بالقدس، ويشمل الساحات الواسعة، والجامع القبلي، وقبة الصخرة، والمصلى المرواني، والحدائق الخلفية التي لم تُبنَ.

 

ويناقش: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ إن أرض المسجد الأقصى كلها مسجد ووقف لله، لا يحل لأحد فيها التملك، ثم إنها محاطة بسور واحد، فتأخذ حكم رحبة المسجد الواحد كالمسجد النبوي، بخلاف حرم مكة الذي لم يسور مع مساحته الشاسعة.

‌‌

أدلة القول الثاني:

الدليل الأول:

قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: 1].

 

ووجه الدلالة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم أُسري به من مسجد الكعبة؛ كما جاء في الصحيحين من أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: ((أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ))؛ [متفق عليه][37].

 

ونوقش: بما استدل به أصحاب القول الأول في ذات الآية، وسبق ما نوقش به فأغنى عن الإعادة، ويزاد عليه بأنه مع التسليم بأنه أُسري به مباشرة من مسجد الكعبة، فلا يلزم منه حصر معنى المسجد الحرام فيه، فمسجد الكعبة جزء من حرم مكة.

 

الدليل الثاني:

قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144].

 

ووجه الدلالة:

أن الإنسان لا يولي وجهه قِبل حرم مكة ومساجد الحرم كلها قِبَل مسجد الكعبة، فعلم أن المراد به هو عين المسجد.

 

ونوقش: بأن المراد عين الكعبة وليس مسجد الكعبة؛ بدليل أن من في المسجد الحرام إذا رأى عين الكعبة لا تصح صلاته إلا باستقبالها.

 

الدليل الثالث:

قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: 25].

 

ووجه الدلالة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما صُدوا عن مسجد الكعبة؛ لأنهم أحرموا بالعمرة والطواف لا يكون إلا فيه، ولم يمنعوه من دخول حرم مكة، بل كان يصلي داخل الحرم رغم أن خيامه خارجها؛ كما في حديث المِسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: ((خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ... وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ))؛ [فيه عنعنة ابن إسحاق، وهو إمام في السير والمغازي وهذه منها، وأصل الحديث في الصحيح بدون هذه الزيادة][38].

 

ويناقش: بأنه لا يلزم من الصدِّ عن مسجد الكعبة عدم تضعيف الحرم وعدم الصد عنه، وحديث اضطرابه في الحل مختلف فيه، وإن صح فيُحمل على أن الصد كان عن عموم حرم مكة، باستثناء مقدار يسير في أطرافه أدى الصلاة فيه، فحمل الجزء على الكل.

 

الدليل الرابع:

ما رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى، فَقَالَتْ: إِنْ شَفَانِي اللهُ لَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَرَأَتْ، ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فَقَالَتِ: اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ))[39].

 

ووجه الدلالة:

أن الحديث صحيح صريح في أن المراد بالتضعيف هو مسجد الكعبة، وليس جميع حرم مكة.

 

ويناقش: بأن ذكر مسجد الكعبة رواية بالمعنى لا تفيد الحصر، بدليل أنه رُوي بلفظ: (المسجد الحرام) كما عند أبي يعلى بإسناد صحيح[40]، ويشهد لهذا المعنى:

ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ))[41].

 

♦ وما رواه مسلم في صحيحه أيضًا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنفس لفظ حديث أبي هريرة[42].

 

♦ وما رواه أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث أبي هريرة أيضًا[43].

 

♦ وما رواه ابن الزبير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا))[44].

 

فيكون ذكر الكعبة في حديث ميمونة رضي الله عنها من باب ذكر الجزء الذي يراد به الكل جمعًا بين الأدلة؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، فذكر الرقبة يقصد به تحرير كامل الإنسان.

 

ويُجاب عليه: بأنه لا تعارض بين ما ثبت في ذكر مسجد الكعبة والمسجد الحرام إذ إن المسجد الحرام هو مسجد الكعبة، فلا يلزم من ذكر المسجد الحرام دخول الحرم في الفضل.

 

الدليل الخامس:

ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى))[45].

 

وجه الدلالة:

أنا لو شددنا الرحال إلى مسجد من مساجد حرم مكة غير مسجد الكعبة لم يكن هذا مشروعًا، بل منهيٌّ عنه، فدل على أن معنى المسجد الحرام في حكم الصلاة يُقتصر فيه على مسجد الكعبة، وعلى اقتصار حكم تضعيف الصلاة به، وهذا من أقوى الأدلة.

 

ويناقش من وجهين:

♦ أن شد الرحل إلى البقعة شيء وتضعيف أجر الصلاة فيها شيء آخر، فكما أن الصلاة في المساجد جماعة تضاعف عن صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة[46]، وكذلك يقال في فضل الصلاة في مسجد قباء[47] ومع ذلك لا يشرع شد الرحل إلى هذه المساجد.

 

♦ أن الصلاة قد تضاعف والمصلي خارج مسجد الكعبة إذا اتصلت الصفوف، ومع ذلك لا تشد الرحل إلى خارجه.

 

ويُجاب عليه من وجهين:

♦ أن اتصال الصفوف خارج مسجد الكعبة تابعٌ لأصل الصلاة فيه، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.

 

♦ أن أحاديث تضعيف أجر الصلاة؛ كحديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ))[48]، اقتصرت على هذه المساجد الثلاثة أيضًا التي لا تشد الرحال إلا إليها، فدلَّ على ارتباط شد الرحال بتضعيف أجر الصلاة.

 

الدليل السادس:

أن الحائض ومن به جنابة لا يجوز لهم المكث في المسجد، فلو كان المسجد الحرام يشمل كل حرم مكة، لَما جاز لهم أن يلبثوا فيه، ولكن أهل العلم أجازوا لهم اللبث في حرم مكة، ولم يجيزوا له اللبث في مسجد الكعبة.

 

ويناقش: بأن هذا خارج عن محل النزاع؛ إذ إن الخلاف في أجر الصلاة فيها، لا في كونها مساجد يلزم لها تحية المسجد، واجتناب الجنب والحائض لها.

 

الدليل السابع:

القياس على عدم تضعيف أجر الصلاة في حرم المدينة؛ إذ إن أجر الصلاة في المدينة لا يضاعف إلا في المسجد النبوي.

 

ويناقش: بأنه قياس مع الفارق، فحرم مكة أعظم ولا يُقاس بالأدنى على الأعلى، وهناك اختلاف بين حرم مكة وحرم المدينة في الأحكام؛ كجزاء الصيد واللقطة وتوقف التلبية وغير ذلك.

 

الترجيح:

الذي يظهر من الأدلة والمناقشات قوة الخلاف، وأن لكل قول حظَّه من النظر، وجزء رئيس من الخلاف يدور حول المراد بلفظ المسجد الحرام عند الإطلاق، هل هو حرم مكة أو مسجد الكعبة، والذي يظهر أن غالب ذكر المسجد الحرام في كتاب الله يراد به حرم مكة، وعليه فهذا هو الأصل إلا إذا وجدت قرينة صارفة.

 

والنفس تميل لقول الجمهور بشمول أجر التضعيف جميع حرم مكة، فغالب سياق المسجد الحرام في كتاب الله يُراد بها جميع الحرم، وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالحجون في أول حجه، والأبطح في آخر حجه مع قربه المسجد الحرام، أمارة على ذلك.

 

وأما ذكر مسجد الكعبة في حديث ميمونة هو بنحو قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، الذي يراد به كامل الحرم، والنهي عن شد الرحال شيء، وتضعيف أجر الصلاة شيء آخر، كما في مضاعفة أجر الصلاة مع الجماعة في المساجد، والله أعلم.



[1] تفسير ابن جرير وابن كثير لهذه الآية.

[2] المحلى (4/243).

[3] إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي (ص 119).

[4] أبو داود الطيالسي (1464)، والفاكهي (2745).

[5] تفسير القرطبي (10/12)، ومصنف عبدالرزاق (8154).

[6] حاشية ابن عابدين (2/525)، وبدائع الصنائع (2/200).

[7] تفسير القرطبي (10/12).

[8] روضة الطالبين للنووي (1/194)، ومغني المحتاج للشربيني (6/67).

[9] المحلى (5/149).

[10] مغني المحتاج (6/ 251).

[11] مجموع الفتاوى (22/207).

[12] زاد المعاد (3/303).

[13] فتاوى الشيخ ابن باز (4/130).

[14] الآداب الشرعية لابن مفلح (3/429).

[15] روضة الطالبين للنووي (1/194)، والمجموع (3/190)، ومغني المحتاج للشربيني (6/67).

[16] الشرح الممتع (6/513).

[17] البخاري (3342)، ومسلم (163).

[18] أخرجه الطبراني في الكبير (1059) من طرق عن عبدالأعلى بن أبي المساور، عن عكرمة، عن أم هانئ به، وعبدالأعلى متهم بالكذب، قال إبراهيم بن الجنيد وعباس الدوري عن ابن معين: "ليس بشيء" زاد إبراهيم: "كذاب"؛

[تهذيب التهذيب: (2/ 466)]، وقال البخاري: "منكر الحديث"؛ [تهذيب الكمال: (16/ 366)].

[19] أخرجه أبو يعلى (4235)، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن أم هانئ به.

ولم أعثر على ترجمة لمحمد بن إسماعيل الأنصاري، وفيه أبو صالح مولى أم هانئ ضعيف، قال أبو حاتم: "يُكتب حديثه ولا يُحتج به"؛ [تهذيب الكمال: (4/ 6)]، وقال ابن حجر: "ضعيف مدلس"؛ [تقريب التهذيب: (1/ 163)].

[20] أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (2335) قال: حدثنا عبدالله بن أحمد قال: ثنا عبدالصمد بن حسان، عن سفيان به، وهو من مراسيل سفيان الثوري.

[21] البخاري (3570)، ومسلم (162).

[22] البخاري (3887).

[23] فتح الباري (7/241).

[24] فتح الباري (7/241).

[25] المحلى (5/149).

[26] تفسير السعدي لهذه الآية.

[27] تفسير ابن كثير لهذه الآية.

[28] المحلى بالآثار (5/ 149).

[29] البخاري (1189)، ومسلم (1397).

[30] أحمد (19212)، فيه محمد بن إسحاق بن يسار، واختلف في رد عنعنته، قال أحمد بن حنبل: "كان ابن إسحاق يدلس"؛ [تهذيب التهذيب: (3/ 504)]، وكذا وصفه الدارقطني، تعريف أهل التقديس: (1/ 168)، وأما علي بن المديني فكان يثني عليه ويقدمه، تهذيب الكمال: (24/ 405)، وأصل الحديث في البخاري (2731) بدون هذه الزيادة.

[31] البخاري (1545).

[32] البخاري (1756).

[33] البخاري (1765)، ومسلم (1311).

[34] البخاري (1573)، ومسلم (1188).

[35] عبدالرزاق (8021، 8022)، والفاكهي (2365) من طرق عن عائشة به.

[36] الفاكهي (1224)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، قال يحيى بن معين: "ليث بن أبي سليم ضعيف"؛ [الكامل في الضعفاء: (7/ 231)]، وقال أحمد بن حنبل: "مضطرب الحديث" تهذيب التهذيب: (3/ 484).

[37] البخاري (3570)، ومسلم (162).

[38] أحمد (19212)، فيه محمد بن إسحاق بن يسار، واختلف في رد عنعنته، قال أحمد بن حنبل: "كان ابن إسحاق يدلس"؛ [تهذيب التهذيب: (3/ 504)]، وكذا وصفه الدارقطني، تعريف أهل التقديس: (1/ 168)، وأما علي بن المديني فكان يثني عليه ويقدمه؛ [تهذيب الكمال: (24/ 405)]، وأصل الحديث في البخاري (2731) بدون هذه الزيادة.

[39] مسلم (1396).

[40] أخرجه أبو يعلى (7113)، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: سمعت نافعًا يحدث، عن إبراهيم بن عبدالله بن معبد بن عباس، عن ميمونة به، وإسناده صحيح.

[41] البخاري (1190)، ومسلم (1394).

[42] مسلم (1395).

[43] ابن ماجه (1406)، وأحمد (14920، 15504) واللفظ له، من طرق عن عبيدالله بن عمرو الرقي عن عبدالكريم، عن عطاء، عن جابر به، وإسناده صحيح.

[44] أحمد (14920)، وابن حبان (1620)، من طريق حماد بن زيد، قال: ثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما به، وإسناده ثابت، وصححه ابن حبان.

[45] البخاري (1189)، ومسلم (1397).

[46] البخاري (645)، ومسلم (650).

[47] البخاري (1193)، ومسلم (1399).

[48] البخاري (1190)، ومسلم (1394).





نسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


مختارات من الشبكة

  • نقد المنهج المعاصر في تضعيف الأحاديث الصحيحة: دراسة في مظاهر الخلل المنهجي ومخاطر الابتعاد عن أصول النقد الحديثي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مضاعفة أجر الصلاة خاص بمسجد الكعبة(مقالة - ملفات خاصة)
  • الفرع الثاني: ما يصح وما لا يصح فيه الصلاة من الأماكن(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفرق بين الخمس والعشرين والسبع والعشرين في تضعيف أجر صلاة الجماعة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تضعيف الحروف - الشدة(مقالة - حضارة الكلمة)
  • أفضل الصلاة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفرع السابع: ما يحرم لبسه في الصلاة من (الشرط السابع من شروط الصلاة: ستر العورة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • صفات اللباس المكروهة في الصلاة من (الشرط السابع من شروط الصلاة: ستر العورة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شروط الصلاة (1)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سؤال وجواب في أحكام الصلاة(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسلمون يقيمون مشروعا إنسانيا يجسد قيم الرحمة والمسؤولية الاجتماعية في بلانو
  • مبادرة تعليمية في بريطانيا لتوحيد رؤية الهلال محليا
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة
  • مسلمو توزلا ينظمون حملة إنسانية ناجحة للتبرع بالدم
  • المسلمون الأكثر سخاء في بريطانيا وتبرعاتهم تفوق المتوسط بأربعة أضعاف

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 29/7/1447هـ - الساعة: 16:42
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب