• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الشيخ عبدالرحمن الشثريالشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري شعار موقع الشيخ عبدالرحمن الشثري
شبكة الألوكة / موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري / خطب منبرية


علامة باركود

الفوائد العقدية والتربوية من قصة نبي الله سليمان عليه السلام (خطبة)

الفوائد العقدية والتربوية من قصة نبي الله سليمان عليه السلام (خطبة)
الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري


تاريخ الإضافة: 30/9/2026 ميلادي - 19/4/1448 هجري

الزيارات: 115

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الفوائد العقدية والتربوية من قصة نبي الله سليمان عليه السلام

 

إِنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ مُحمَّداً عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وسلم.

 

أما بعد: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، وآمنوا ﴿ باللهِ ورُسُلِهِ وإِنْ تؤمنوا وتتقوا فلكمْ أجرٌ عظيمٌ ﴾ [آل عمران 179]، ألا وإِنَّ مِنْ رسلِ اللهِ الذينَ قصَّهُمُ اللهُ في كتابِهِ وفي سنَّةِ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: نبيُّ اللهِ سليمانُ بنُ نبيِّ اللهِ داودَ عليهما السلامُ، فقدْ ذكَرَهُ اللهُ في القرآنِ سبعةَ عَشَرَ مرَّةً، في سبعِ سُورٍ: البقرةِ والنساءِ والأنعامِ والأنبياءِ والنملِ وسبأٍ وص.

 

وهوَ مِن ذريَّةِ إبراهيمَ وإبراهيمُ مِن ذريَّةِ نوحٍ، قالَ تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين ﴾ [الأنعام 84].


وهوَ هبةٌ مِن اللهِ لأبيهِ داودَ، فَمِن أعظمِ الهباتِ أَنْ يمنحَكَ اللهُ ذريةً صالحةً، قالَ تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب ﴾ [ص30].


وورثَ سليمانُ مِنْ أبيهِ النبوَّةَ والْمُلكَ والْحِكمةَ والفهمَ والعِلمَ، قالَ جلَّ وعلا: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ [النمل 16]، وسَمَّاهُ وِرَاثةً مَجَازاً لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ( إِنّا مَعْشرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ ) أخرجَهُ الإمامُ أحمدُ وصحَّحَهُ مُحقِّقو المسندِ.

 

وقدْ أثنَى اللهُ علَى نبيِّهِ سليمانَ بما أعطاهُ مِن الْمُلكِ الضخمِ وتسخيرِ الريحِ والإنسِ والْجِنِّ والطيرِ، وما أعدَّ اللهُ لهُ في الآخرةِ مِن الزُّلْفَى والْجَنَّةِ، قالَ تباركَ وتعالَى: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَاب * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاص * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَاد * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب * وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب ﴾ [ص35-40]، قالَ ابنُ كثيرٍ: ( أَيْ: هذا الذي أعطينَاكَ مِن الْمُلكِ التامِّ والسلطانِ الكاملِ كما سَأَلْتَنَا، فأعطِ مَن شئتَ، واحرمْ مَن شئتَ لا حِسابَ عليكَ؛ أَيْ: مهما فعلتَ فهو جِائزٌ لكَ، احكمْ بما شئتَ فهو صوابٌ) انتهَى.

 

ثمَّ مَدَحَهُ رَبُّ العالَمِينَ فقالَ: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب ﴾ [ص30]، أيْ: رجَّاعٌ إلى الله بالتوبةِ أو إلى التسبيحِ مَرْجِعٌ له.

 

وحكَى اللهُ بعضَ ما آتاهُ مِن الفهمِ والعِلْمِ والْحِكمةِ، فقال تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [الأنبياء 78-79]، فقدْ تحاكمَ إلى داودَ رَجُلانِ أحدُهما لهُ بستانٌ والآخرُ لهُ غَنمٌ، فدَخَلَتِ الغَنَمُ إلى البُستانِ ليلاً فأفسدتْهُ وأكَلَتِ الثمارَ، فَحَكَمَ داودُ عليهِ السلامُ لصاحبِ البُستانِ بأخذِ الغَنَمِ تعويضاً عن بُستانِهِ، فَخَرَجَا وقابلَهُما سليمانُ عليهِ السلامُ وسألَهُما عمَّا حَكَمَ بهِ أبوهُ، فأخبراهُ، فقالَ: لوْ قضيتُ لَحَكَمْتُ لصاحبِ البُستانِ بالغَنَمِ ليستفيدَ مِن لَحْمِها وصُوفِها ولَبنِها، ولصاحبِ الغَنَمِ بالبُستانِ يَحرُثُهُ ويَعتنِي بهِ حتَّى يعودَ كما كانَ لِكُلٍّ منهُما مالُهُ، فَعَلِمَ داودُ بِحُكْمِ ابنِهِ وحَكَمَ بهِ، فأثنَى اللهُ علَى حُكْمَيْهِما وأنَّ الابنَ كانَ أصوبَ، فقالَ سبحانَهُ: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [الأنبياء 79].

 

وقد أكرم الله نبيَّه سليمان بِنِعَمٍ وآياتٍ كثيرةٍ، وجَمَعَ له بين خيريِ الدُّنيا والآخرةِ، وآتاه الْمُلك والنُّبوَّة والعِلْمَ والفَهْمَ والحِكمة، وزاده بِنِعَمٍ وآياتٍ أُخرى:

فمنها: تفهيمُه لغةَ الطيرِ والحَيَوانِ، فقال سبحانه: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين ﴾ [النمل 16]، وعَن فَهْمهِ لكلامِ الحيواناتِ، قالَ سبحانه: ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين ﴾ [النمل 18-19]، فتبسَّمَ ضاحِكًا مِن حَذَرِها وصياحِها في النِّمالِ واهتدائِها إلى مَصالِحِها وسُرورًا بما خصَّهُ اللهُ مِن إدراكِ هَمْسِها وفهمِ غَرَضِها، وسألَ اللهَ أنْ يُلْهِمَهُ شُكْرَ نِعَمِهِ عليهِ وعلَى والدَيْهِ، وأنْ يُوَفِّقَهُ لِكُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ، وأنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ مَعَ عبادِهِ الصالِحينَ.

 

وأيضًا: مِن فَهْمِهِ لِلُغَةِ الطَّيْرِ معَ تفقُّدِهِ لِرَعِيَّتِهِ حتَّى الْحَيَوانَاتِ والطُّيُورِ، ما ذكَرَ اللهُ فِي قِصَّتِهِ عليهِ السلامُ معَ الهُدْهُدِ: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِين ﴾ [النمل 20]، فهو يتفقَّدُ جُنودَه بنفسهِ، فَفَقَدَ أحدَ الْجُنودِ مِن الطيرِ وهو: الْهُدْهُد، فقال: ما الذي حال بيني وبين رُؤيته، ﴿ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾ [النمل 20]، ثمَّ تأكَّد مِن غيابه، ﴿ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِين ﴾ [النمل 20]، فتوعَّده بالتعذيب أو القتلِ أو أنْ يُبرِّرَ سَبَبَ غيابهِ بِحُجَّةٍ بيِّنة، ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ [النمل 21]، ثمَّ جاءَ الْهُدهدُ ولَم يَطِلْ في غِيابهِ، وأتى مِن قِبَلِ سَبَأٍ باليَمَنِ بِخَبَرٍ أَكيدٍ، ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِين ﴾ [النمل 22]، وهو أنَّ القبيلةَ تَحكمُهم امرأةٌ مَملكَتُها وكُرْسِيُّ عَرشِها عظيمانِ، ﴿ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيم ﴾ [النمل 23]، وهذه المرأةُ وقبيلتُها مُشركون، فهم عَبَدَةٌ للشمسِ، ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُون ﴾ [النمل 24]، فقالَ لَهُ سليمانُ: خُذْ هذا الكتابَ أَيْ الخطابَ إلَى مملكةِ سَبأٍ وانظرْ ماذا يقولُ بعضُهُمْ لبعضٍ، ﴿ اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُون ﴾ [النمل 28]، فأرادت بلقيسُ الذكيةُ أن تَمْتَحِن سليمانَ فأرسلت إليهِ بهديةٍ، وقالت لقومها: إنْ قَبِلَها فهو مَلِكٌ فقاتلُوه وإن لم يَقبلها فهو نبيٌّ فاتبعوه، ومع ذلكَ فلم تثقْ بهديتها: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُون} [النمل 35]، وأمرَ سليمانُ قبلَ قُدومِ ملكةِ سبأٍ ببناءِ قصرٍ مِن زُجاجٍ أبيضَ، ثمَّ أرسلَ الْماءَ تحتَهُ وألقَى فيهِ السمكَ وغيرَهُ، ليزيدَها استعظامًا لأمرِهِ وتحقُّقًا لنبوَّتِهِ، ولَمَّا أرادتْ أَنْ تَخوضَ الْماءَ كشفتْ عن ساقَيْها لكيْ تَخوضَ الْماءَ، وهذا الفعلُ هوَ عادةُ كلِّ مَن كانَ لابساً وأرادَ أنْ يَخُوضَ الْماءَ إلَى مكانٍ آخَرَ، قالَ سبحانَهُ: ﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ﴾ [النمل 44].

 

ومِن الآياتِ التي أكرم الله بها نبيَّه سليمانَ عليه السلامُ: تسخيرُ الرِّيحِ تَجري بأمرهِ إلى حيثُ يُريدُ، قال سبحانه: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَاب ﴾ [ص 36]، وكانت هذه الرِّيحُ لَيِّنةً لا زعزعةَ في هُبُوبها، وقال تعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِين ﴾ [الأنبياء 81]، فسخَّرَ اللهُ لَهُ أيضًا الرِّيحَ العاصفةَ الشديدةَ السُّرعةِ والْهُبُوبِ، تَجْرِي بأمرِهِ وتَخضعُ لِحُكْمِهِ، وأيضًا: تقطعُ بِهِ الرِّيحُ فِي الغُدُوِّ إلَى قُرْبِ الزوالِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وتقطعُ بهِ في الرَّوَاحِ مِن بعدِ الزوالِ إلى الغُروبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، فَهِيَ تقطعُ بهِ مَسَافَةَ شَهْرَيْنِ في يَوْمٍ واحِدٍ، وأُضِيفَتْ إليهِ بلامِ التَّمْلِيكِ لأنَّها في طَاعَتِهِ وتَحتَ أَمرِهِ، قالَ سبحانه: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ [سبأ 12].

 

ومنها: تسخير الشياطينِ والْجِنِّ، فكان منهم مَن يَغُوصُ في البحرِ ليستخرجَ الدُّرَ واللؤلؤَ، ومنهم مَن يعملُ للبناءِ وغير ذلك، قال سبحانه: ﴿ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِين ﴾ [الأنبياء 82]، وقال سبحانه: ﴿ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور ﴾ [سبأ 12-13].

 

ومنها: إذابةُ النحاسِ، قال تعالى: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ﴾ [سبأ 12]، فأذابَ اللهُ له النحاسَ حتى كان يَجري كأنه عَيْنُ ماءٍ مُتدفقةٌ مِن الأرضِ.

 

ومنها: أنَّهُ فِي اشتغالِهِ في تدبيرِ ممالكِهِ إذَا أرادَ الغزوَ أمرَ بإحضارِ الخيلِ وأمرَ بإجرائِها، وأنَّهُ لا يُحبُّها لأجلِ الدنيا ونصيبِ النفسِ، وإنما يُحبُّها لأمرِ اللهِ وطلبِ تقويةِ دينِهِ، ويأمُرُ بإعدادِها وتسييرِها حتَّى تغيبَ عن بصرِهِ، ثمَّ يأمُرُ الرائضينَ بأنْ يردُّوا تلكَ الْخيلَ، فلمّا عادتْ طَفِقَ يَمْسحُ سُوقَها وأعناقَها تشريفًا لها لأنَّها ممّا يُستعانُ بِهِ في الجهادِ، وفحصًا لها عن الأمراضِ والعُيوبِ، قالَ سبحانَهُ: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَاد * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاق ﴾ [30-33]، فصلواتُ اللهِ وسلامُهُ علَى أنبيائِهِ ورُسُلِهِ، ورزقَنَا التوبةَ والإنابةَ إليهِ، آمين.

 

الخطبة الثانية

أما بعد: فلقدْ فُتِنَ نبيُّ اللهِ سليمانُ عليهِ السلامُ فنسِيَ أَنْ يقولَ إِنْ شاءَ اللهُ علَى أمرٍ أرادَهُ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم:  «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، ‌تَلِدُ ‌كُلُّ ‌امْرَأَةٍ غُلامًا يُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ ونَسِيَ، فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ» أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاب - قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب ﴾ [ص34-35]، فالْجَسَدُ الْمُلْقى على كُرْسِيِّه هو نِصْفُ إنسانٍ، فلم تتحقَّق رغبتُه في أن يَلِد لَه مائةُ ولَدٍ يُجاهدون في سبيلِ اللهِ، لنسيانه قولَ: إنْ شاءَ اللهِ، قال صلى الله عليه وسلم:  «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ ‌دَعْوَةَ ‌أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا» أخرجَهُ البخاريُّ.

 

ولَمّا نبذَ اليهودُ عهدَ اللهِ واتبعُوا ما تتلُو الشياطينُ أيامَ سليمانَ عليهِ السلامُ، وأرادُوا أَنْ ينسبُوا كلَّ شيءٍ في عهدِ سليمانَ علَى أنَّهُ سحرٌ وعَمَلُ شياطينَ، وأرادُوا أَنْ يُوهمُوا الناسَ أَنَّ منهجَ سليمانَ عليهِ السلامُ هوَ من السحرِ ومن الشياطينِ، فبرَّأَ اللهُ نبيَّهُ سليمانَ وأخبرَ سبحانَهُ أَنَّ تعلُّمَ السحرِ كُفرٌ وعملَهُ كفرٌ، فقال سبحانه: ﴿ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون ﴾ [البقرة 102].

 

وأخيراً يموت نبيُّ الله سليمانُ عليهِ السلامُ ولم تُدْرِكِ الْجِنُّ مَوْتَهُ إلاَّ بعدَ أنْ أَكَلَتِ الأَرْضَةُ عَصَاهُ فسَقَطَ جَسَدُه الشريفُ، مما يَدُلُّكَ على محدوديةِ عِلْمِ الْجِنِّ رَغْمَ ما أعطاهُم اللهُ مِن قُدُراتٍ خارقةٍ، ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِين ﴾ [سبأ 14].

 

عبد الله: إِنَّ قصةَ نبيِّ اللهِ سليمانَ عليهِ السلامُ نموذجٌ رائعٌ للقَصَصِ القرآنيِّ في الأداءِ النفسيِّ والعَقَدِيِّ والتربويِّ والإداريِّ والاجتماعيِّ والقِتَاليِّ، لِما لَها من أثرٍ عجيبٍ في النُّفوسِ، بما فِيها من مواقفَ متعدِّدةٍ تدعُو إلى الدَّهْشَةِ والاعتبارِ والاستمتاعِ، وكلَّما قرأتَها عبدَ اللهِ وأعدتَ قراءتَها استخرجتَ مِنها العديدَ من الفوائدِ، ألا فَلْنَعْمُرْ أوقاتَنَا بقراءةِ كتابِ ربِّنا وتَدَبُّرِ قَصَص أنبيائهِ، ولنُكْثِر مِن الصلاةِ والسلامِ على نبيِّنا صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ في دَهْرِنا عامَّةً وفي يومِ وليلةِ الْجُمُعَةِ خاصَّة، فإنَّ صَلاتَنا مَعْرُوضَةٌ عَلَيهِ، ومَنْ صَلَّى عَلَيهِ صلاةً صَلَّى اللهُ عليهِ عَشْرَاً، ومَنْ صلَّى اللهُ عليهِ كَفَاهُ مَا أَهَمَّهُ مِن أَمْرِ دُنياهُ وأُخراهُ، وغَفَرَ لهُ ذَنْبَهُ..





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • خطب منبرية
  • مقالات
  • كتب
  • صوتيات
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة