• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الشيخ عبدالرحمن الشثريالشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري شعار موقع الشيخ عبدالرحمن الشثري
شبكة الألوكة / موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري / خطب منبرية


علامة باركود

تسبيح الله تعالى: فضائله، وآدابه، وأحكامه، ومناسباته في السنة النبوية (خطبة)

تسبيح الله تعالى: فضائله، وآدابه، وأحكامه، ومناسباته في السنة النبوية (خطبة)
الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري


تاريخ الإضافة: 16/9/2026 ميلادي - 5/4/1448 هجري

الزيارات: 233

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تسبيح الله تعالى

فضائله، وآدابه، وأحكامه، ومناسباته في السنة النبوية

 

إِنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وسلم.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وتَذَكَّرُوا أنَّ لِذِكْرِ اللهِ عُمُومًا ولِتَسْبِيحِهِ خُصُوصًا مَكَانَةً عَالِيَةً وَمَنْزِلَةً جَلِيلَةً لا تَخْفَى عَلَى مُسْلِمٍ فَضْلًا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ كَانَ تَسْبِيحُ اللهِ هُوَ حَدِيثَ نُفُوسِ الصَّالِحِينَ في نَوْمِهِمْ ويَقَظَتِهِمْ، وهُوَ قُرَّةَ عُيُونِهِمْ، وعَلَى رَأْسِهِمْ إِمَامُ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، فَقَدْ كَانَ يُسَبِّحُ اللهَ الْوَقْتَ الطَّوِيلَ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَنَامَ عَيْنُ خَادِمِهِ، فعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: (كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَقُومُ لَهُ في حَوَائِجِهِ نَهَارِي أَجْمَعَ، حَتَّى يُصَلِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، فَأَجْلِسَ بِبَابِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ أَقُولُ: لَعَلَّهَا أَنْ تَحْدُثَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةٌ، فَمَا أَزَالُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ«، حَتَّى أَمَلَّ فَأَرْجِعَ، أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنِي فَأَرْقُدَ) الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وحَسَّنَهُ مُحَقِّقُو الْمُسْنَدِ.


فَمَا مَعْنَى تَسْبِيحِ اللَّهِ، وَمَا فَضْلُهُ وَمَنْزِلَتُهُ، وَكَيْفِيَّةُ عَدِّهِ، وَالْمَوَاضِعُ الْفَاضِلَةُ في التَّسْبِيحِ، ومُنَاسَبَاتُهُ في السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَآدَابُهُ.


أَمَّا مَعْنَى التَّسْبِيحِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: (أَصْلُ التَّسْبِيحِ: ‌التَّنْزِيهُ ‌وَالتَّقْدِيسُ والتَّبْرِئَةُ مِنَ النَّقَائِصِ) انْتَهَى، وَمَعْنَى سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ: تَنْزِيهُ اللهِ تَنْزِيهًا مَقْرُونًا بِحَمْدِهِ، فَتَكُونُ بِمَعْنَى: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ.

 

وَقَدْ جَاءَ التَّسْبِيحُ في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِعِبَارَاتِ: (سَبِّحْ) بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَ(سَبَّحَ) بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَ(يُسَبِّحُ) بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ، و(سُبْحَانَ)، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى الاعْتِنَاءِ بِشَأْنِ التَّنْزِيهِ نَظَرًا لِكَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ، ولِذَلِكَ وَرَدَتْ هَذِهِ التَّنْزِيهَاتُ كَثِيرًا في إِثْرِ نِسْبَةِ الْكُفَّارِ إلى اللهِ الشَّرِيكَ وَالصَّاحِبَةَ والْوَلَدَ، قَالَ تَعَالَى: [وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُون]، وَغَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ في الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: (‌فَسُبْحَانِي ‌أَنْ ‌أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَوَرَدَ إِطْلاقُ التَّسْبِيحِ عَلَى صَلاةِ النَّافِلَةِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ صَلاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السَّفَرِ: (ولا ‌يُسَبِّحُ ‌بَعْدَ ‌الْعِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي، وَقَدْ يُطْلَقُ التَّسْبِيحُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: (كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ ‌سَتَرَوْنَ ‌رَبَّكُمْ ‌كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لا تُضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» يَعْنِي: الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ: [وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا])؛ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.


عِبَادَ اللهِ: إِنَّ تَسْبِيحَ اللهِ مِن أَجَلِّ الأَعْمَالِ وأَفْضَلِهَا عِنْدَ اللهِ، وقد وَعَدَ عَلَيْهِ بما لم يَعِدْ بهِ على غيرِه.


أولًا: هُوَ عِبَادَةُ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَصَلاةُ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ سُبْحَانَهُ: [تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا].

 

ثَانِيًا: هُوَ أَفْضَلُ الْكَلامِ وأَحَبُّهُ إلى اللهِ: سُئِلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّ الْكَلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلائِكَتِهِ، أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ») أخرجه مسلم، قال تعالى: [وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ]، وقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَحَبَّ الْكَلامِ إلى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.


ثَالِثًا: أُمِرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ وَذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ بِأَنْ يُسَبِّحَ اللهَ، قَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (يا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تُكْثِرُ مِنْ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، لا تَذْهَبُ ولا تَجِيءُ، ولا تَقُومُ ولا تَقْعُدُ إِلاَّ قُلْتَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، قَالَ: «إِنِّي أُمِرْتُ بِهَا»، فَقَالَ: [إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح] إلى آخِرِ السُّورَةِ) أخرجه ابنُ جريرٍ وصحَّحه الألباني.


رابعًا: التسبيحُ يَغْفِرُ الذنوبَ ويَمْحُو الْخَطَايَا، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ ‌زَبَدِ ‌الْبَحْرِ) أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ، و(قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ ‌وَبِحَمْدِهِ، ‌حَطَّ ‌اللهُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ وإنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ») أخرجهُ النَّسَائِيُّ في الْكُبْرَى وَصَحَّحَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَالأَلْبَانِيُّ.


خامسًا: مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ، قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لابْنِهِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: (وَآمُرُكُمَا بِسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ») أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.


سادسًا:كَثْرَةُ ثَوَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اذْكُرُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَإِنْ قَالَ الْعَبْدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا عَشْرًا، وَمِنْ عَشْرٍ إِلَى مِائَةٍ، وَمِنْ مِائَةٍ إِلَى أَلْفٍ، ‌وَمَنْ ‌زَادَ ‌زَادَهُ ‌اللهُ) الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ وَحَسَّنَهُ مُحَقِّقُهُ، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: («أيَعْجِزُ أحدُكُم أنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنةٍ؟» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يُسْبِّحُ مِائَةَ تَسْبيحةٍ فيُكتَبُ لهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ») أخرجه مسلم.


سابعًا: شَجَرُ الجنةِ ونخيلُها مِن التسبيحِ، (قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ») أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَحَسَّنَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَعَلَّقَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: (فَانْظُرْ إِلَى مُضَيِّعِ السَّاعَاتِ كَمْ يَفُوتُهُ مِنَ النَّخْلِ) انْتَهَى، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (‌مَنْ ‌قَالَ: ‌سُبْحَانَ اللهِ ‌الْعَظِيمِ، غُرِسَتْ لَهُ شَجَرَةٌ في الْجَنَّةِ)؛ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ في الْكُبْرَى وصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.


ثامنًا: الْمُسبِّحُ حبيبُّ الرَّحْمَنِ: (قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ») أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، و(قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الْكَلامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، ولا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ»)، وَ(قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، ولا إِلَهَ إلا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ») أَخْرَجَهُما مُسْلِمٌ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: (وَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ.. وَمِنْ لازِمِ الْمَحَبَّةِ إِكْثَارُ الذِّكْرِ بِهَا، فَإِنَّ الْمُحِبَّ لا يَغِيبُ عَنْ مَحْبُوبِهِ مَعَ ذِكْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِمَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ: الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا، فَإِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ عَلَيْهَا وَتَغِيبُ عَنْهَا) انْتَهَى.


تاسعًا: التسبيحُ يُذَكِّرُ بِكَ فِي الْمَلإِ الأَعْلَى إِذَا وَقَعْتَ في شِدَّةٍ، (قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلالِ اللهِ؛ التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّحْمِيدَ، يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، ‌لَهُنَّ ‌دَوِيٌّ ‌كَدَوِيِّ ‌النَّحْلِ، ‌تُذَكِّرُ ‌بِصَاحِبِهَا، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ -أَوْ لا يَزَالَ لَهُ- مَنْ يُذَكِّرُ بِهِ؟») أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْبُوصِيرِيُّ، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: («ألا أُخْبرُكُم أوْ أُحدِّثُكُم بشيءٍ إذا نَزَلَ برَجُلٍ منكُمْ كَرْبٌ أوْ بَلاءٌ مِن أَمْرِ الْدُّنْيَا دَعَا ربَّهُ ففَرَّجَ عنهُ»؟ قالَ: فقالُوا: بَلَى، قالَ: «دُعَاءُ ذِي النُّونِ، قالَ: [إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين]») أخرجه ابنُ أبي الدُّنيا وصَحَّحهُ الذهبيُّ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: (الأَعْمَالُ تَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا عِنْدَ اللهِ، وَتُذَكِّرُ بِهِ إِذَا وَقَعَ في الشَّدَائِدِ، قالَ تعالى عَنْ ذِي النُّونِ: [فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِين - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون] ). انتهى


عاشرًا: التسبيحُ يَمْلأُ ما بينَ السماواتِ والأرضِ: (قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «‌الطُّهُورُ ‌شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وسُبْحَانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ -أَوْ تَمْلأُ- ما بَيْنَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ») الحديث أخرجه مسلمٌ، فلو قُدِّر ثوابهما جسمًا لَمَلأَ ما بين السماواتِ والأرضِ.


الْحَادِيَ عَشَرَ: التَّسْبِيحُ أَفْضَلُ أَعْمَالِ الآخِرَةِ، (قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ») أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

الثانيَ عَشَرَ: الْمُسبِّحون في الدنيا هم أول زمرة يدخلون الجنة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ.. ‌يُسَبِّحُونَ ‌اللهَ ‌بُكْرَةً وَعَشِيًّا») أخرجه البخاري ومسلم، اللهم اجعلنا ووالدينا وأهلينا منهم، آمين.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.

أمَّا بعدُ: وَأَمَّا عَنْ كَيْفِيَّةِ عَدِّ التَّسْبِيحِ وَعَنْ حُكْمِ التَّسْبِيحِ بِالْمِسْبَحَةِ وَالْخَاتَمِ وَنَحْوِهِمَا، فَقَدْ قَالَ شَيْخُ الإِسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: (قَدْ عُلِمَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ.. كَانُوا يُسَبِّحُونَ وَيَعْقِدُونَ عَلَى أَصَابِعِهِمْ)، وقال أيضًا: (عَدُّ ‌التَّسْبيحِ بالأَصَابعِ سُنَّةٌ، كَمَا قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ للنِّسَاءِ: «سَبِّحْنَ واعْقِدْنَ بالأَصَابعِ فإنَّهُنَّ مَسْئُولاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ»، وأمَّا عَدُّهُ بالنَّوَى والْحَصَى ونَحْوُ ذلكَ فَحَسَنٌ، وكانَ من الصَّحابةِ رضيَ اللهُ عنهُم مَنْ يَفْعَلُ ذلكَ، وقَدْ رَأَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمَّ المؤمنينَ تُسَبِّحُ بالْحَصَى وأَقَرَّهَا على ذلكَ، ورُوِيَ أنَّ أبا هُريرةَ كانَ يُسَبِّحُ بهِ، وأمَّا التسبيحُ بما يُجْعَلُ فِي نِظَامٍ من الْخَرَزِ ونحوِهِ: فَمِنَ الناسِ مَنْ كَرِهَهُ ومنهم مَن لَمْ يَكْرَهْهُ، وإذا أُحْسِنَتْ فيهِ النِّيَّةُ فهُوَ حَسَنٌ غيرُ مكْرُوهٍ، وأمَّا اتِّخَاذُهُ من غيرِ حاجةٍ أو إظهارُهُ للناسِ، مِثلُ تعليقِهِ في الْعُنُقِ أو جَعْلِهِ كالسُّوَارِ في الْيَدِ أو نحوِ ذلكَ، فهذا إمَّا رِياءٌ للناسِ أو مَظِنَّةُ الْمُراءَاةِ، ومُشابَهَةِ الْمُرائينَ من غيرِ حاجةٍ: الأوَّلُ مُحَرَّمٌ، والثاني أقَلُّ أحوالهِ الكَرَاهةُ، فإنَّ مُراءاةَ الناسِ في العباداتِ الْمُختصَّةِ كالصَّلاةِ والصِّيامِ والذِّكْرِ وقِراءَةِ القُرآنِ مِنْ أعظَمِ الذُّنُوبِ) انتهى.


عباد الله: وأما أفضل المواضع للتسبيح فهي بُيوتُ الله، قال تعالى: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال].


وَاحْرِصْ عَلَى التَّسْبِيحِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوْجَتَهُ جُوَيْرِيَةَ، فعَنِ (ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جُوَيْرِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ») أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.


وَأَمَّا مُنَاسَبَاتُ التَّسْبِيحِ: فَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مُنَاسَبَاتِ التَّسْبِيحِ، وَمِنْهَا وَفِي طَلِيعَتِهَا: تَسْبِيحُهُ لِلَّهِ تَعَالَى تَنْزِيهًا وَتَعْظِيمًا، وَالتَّسْبِيحُ فِي الصَّلاةِ: في دُعَاءِ الاسْتِفْتَاحِ، وفي الرُّكُوعِ وفي السُّجُودِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وبعد الوِتْرِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي أَثْنَاءِ التِّلاوَةِ، وَالتَّسْبِيحُ في الصَّلاةِ للأَمْرِ الْعَارِضِ، وَالتَّسْبِيحُ بَيْنَ يَدَيِ الدُّعَاءِ وَعِنْدَ الْكَرْبِ، وَالتَّسْبِيحُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي دُعَاءِ السَّفَرِ، وَالتَّسْبِيحُ عِنْدَ الصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ، وَالتَّسْبِيحُ قَبْلَ النَّوْمِ، وَالتَّسبيحُ فِي خَاتِمَةِ الْمَجَالِسِ.


مِن آدَابِ التسبيحِ: إِخْلاصُ النِّيَّةِ للهِ، وَحُضُورُ الْقَلْبِ وَمُوَافَقَتُهُ لِلِّسَانِ، والْجُلُوسُ في حِلَقِ الذِّكْرِ، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (إنَّ للهِ تباركَ وتعالى ملائكةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فإذا وجَدُوا مَجْلِسًا فيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وحَفَّ بعْضُهُمْ بعْضًا بأَجْنِحَتِهِمْ، حتى يَمْلَئُوا ما بينَهُمْ وبينَ السَّمَاءِ الْدُّنْيَا، فإذا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وصَعِدُوا إلى السَّمَاءِ، قالَ: فيسأَلُهُمُ اللهُ عزَّ وجَلَّ وهوَ أعلَمُ بهِمْ: مِنْ أينَ جِئْتُمْ؟ فيقُولُونَ: جِئْنا مِنْ عندِ عِبادٍ لكَ في الأرضِ، يُسَبِّحُونَكَ ويُكَبِّرُونَكَ ويُهَلِّلُونَكَ ويَحْمَدُونَكَ، ويَسْأَلُونَكَ، قالَ: وماذا يَسْأَلُوني؟ قالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتكَ، قالَ: وهَلْ رَأَوْا جَنَّتي؟ قالُوا: لا أيْ رَبِّ، قالَ: فكيفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتي؟ قالُوا: ويَسْتَجِيرُونَكَ، قالَ: ومِمَّ يَسْتَجِيرُونَني؟ قالُوا: مِنْ نارِكَ يا رَبِّ، قالَ: وهَلْ رَأَوْا نارِي؟ قالُوا: لا، قالَ: فكيفَ لوْ رَأَوْا نارِي؟ قالُوا: ويَسْتَغْفِرُونَكَ، قالَ: فيقُولُ: قدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فأَعْطَيْتُهُمْ ما سَأَلُوا، وأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجارُوا، قالَ: فيقُولُونَ: رَبِّ فيهِمْ فُلانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إنَّما مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قالَ: فيقُولُ: ولَهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُمْ)؛ أَخْرَجَهُ البخاري ومُسْلِمٌ.


أَلا فَلْنُكْثِر من ذِكْرِ اللهِ تسبيحهِ، قيامًا وقعودًا وعلى جُنوبنا، وَلْنَعْمُرْ أَوْقَاتَنَا بِقِرَاءَةِ كِتَابِهِ وَتَدَبُّرِهِ، وَلْنُكْثِرْ مِنَ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَهْرِنَا عَامَّةً وفي يَوْمِ وَلَيْلَةِ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً، فَإِنَّ صَلاتَنَا مَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَمَنْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَفَاهُ مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ وَغَفَرَ لَهُ ذَنْبَهُ، اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • خطب منبرية
  • مقالات
  • كتب
  • صوتيات
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة