• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / المرأة الأديبة / كاتبات الألوكة


علامة باركود

وجوه من صمت الروح: الوجه: حين يختبئ الحسد خلف شعور المظلومية

وجوه من صمت الروح: الوجه: حين يختبئ الحسد خلف شعور المظلومية
نوال محمد سعيد حدور


تاريخ الإضافة: 7/8/2026 ميلادي - 22/2/1448 هجري

الزيارات: 91

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

وجوه من صمتِ الروح

الوجه: حين يختبئ الحسد خلف شعور المظلوميَّة

 

في قريةٍ شاسعةٍ تتعانَقُ فيها الحدائقُ وكرومُ العِنَب، كان أهلُها يعيشون في أُلْفةٍ عَجيبةٍ، حتى ليُخَيَّل للغريب أن الأشجار نفسها تحفظ أسماءهم وتُبادِلهم الوفاء.

 

كانت الأغصان تميل لمن يسقيها، وتلين لمن يعتني بها، وكأنَّ لكل شجرةٍ ذاكرةً خفيَّةً تكتب في أوراقها أسماء العابرين: "هذا سقاني"، و"هذا قَلَّم أغصاني"، "وهذا حافظ على ثماري من الآفات".

 

وكان أهل القرية يقولون مازِحينَ: "إن الأشجار هنا لا تَنْسى أصحاب القلوب الطيبة".

 

وذات مساءٍ غائمٍ، دخلَ شابٌّ يُدْعى سالمًا إلى البُستان الكبير، تتبعه خطواتٌ متعبةٌ ونظراتٌ قَلِقةٌ.

وقفَ أمامَ شجرةٍ وارِفةٍ، ثم ركلَ جِذْعَها بقدمِه صارِخًا:

 

لماذا يحسدني الجميع؟!

لماذا أشعر أنني غريب بينهم؟

كل العيون تُراقِبني بحِقْدٍ!

 

ارتجفت الأغصانُ، وتساقَطَتْ بعضُ الأوراقِ اليابِسةِ عند قَدَمَيْه، لكنَّ أحدًا لم يُجِبْه.

 

في آخر البُسْتان كانت هناك شجرةُ عنبٍ عجوز، يقال: إنَّ عمرَها أقدمُ مِن أعمارِ كثيرٍ من أهل القرية.

 

اقتربت أغصانُها بِبُطء، ثم سقطَتْ ورقةٌ صفراءُ على كَتِف سالم، كأنَّها تستأذن بالكلام.

 

جلس تحتها وهو يلهث من ضيق صَدْره، ثم تَمْتَمَ:

• لا أحدَ يحبُّ لي الخير…

 

فهمست الشجرة بصوتٍ يُشْبه حفيفَ الريح:

• وهل أحببتَ الخيرَ للنَّاس يا سالم؟

 

تجمَّد مكانَه، ثُمَّ قالَ مدافِعًا عن نفسِه:

• أنا المظلوم!

 

كلما نجح أحدُهم نَسُوني، وكلما اجتمعوا شعرت أنهم يتحدثون عني.

 

فقالت الشجرة:

• لأن قلبَك يدخل المجالس قبل جسدك.

رفع رأسه متعجبًا.

 

فأكملت:

• حين كانوا يفرحون بنجاح غيرهم، كنتَ تبحث عمَّن هو أقلُّ مِنْك لتطمئنَّ.

 

وحين كانوا يمدحون أحدًا، كان صدرُك يضيق وكأنَّ المديحَ انتقصَ مِنْك شيئًا.

 

اشتدَّتِ الريحُ قليلًا، وتحرَّكَت الأوراقُ المعلَّقة على الأغصانِ، فرأى سالم أسماء أهل القرية مكتوبةً عليها: "هذا سقى الجذور"، "هذا فرح حين أثمرت الأشجار"، "هذا دعا بالبركة لغيره".

 

بحث سالم طويلًا عن اسمه… فلم يجِدْه.

 

قال بصوتٍ مرتجف:

• ولماذا لم تكتبُوا اسمي؟

 

فأجابته الشجرة بحُزْنٍ:

• لأنَّك كنتَ تنظر إلى ثمار الآخرين أكثر من نظرِك إلى ما زَرَعَتْه يداك.

 

شعر سالم أن الكلمات تكشِف وَجْهًا خَفيًّا كان يهرب منه منذ سنوات.

 

تذكَّر كيف كان ينزعج إذا رأى نعمةً عند غيرِه.

 

وكيف كان يتألَّم من نجاح الآخرين أكثر مما يتألم من تقصيره.

 

كان يظنُّ أن الناسَ يحسدونه، بينما قلبُه هو الذي كان يكتوي بنار الحَسَد دونَ أن يشعر.

 

خفض رأسه وهمس:

• وهل للحسد هذا الأثرُ كلُّه؟

 

فقالت الشجرة:

• الحسدُ نارٌ تبدأ بصاحبِها قبل غيرِه، تُفْسِد راحتَه، وتسرقُ رِضاهُ، وتجعله يعيش فقيرًا ولو مَلَك الدُّنْيا.

 

ثم تلت بصوتٍ خاشعٍ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54].

 

فارتجف قلب سالم.

 

وأدرك لأول مرة أن المشكلة لم تكن في أعيُن الناس… بل في قلبه الذي اعتاد أن يقيس نعم الله بما في أيدي الآخرين.

 

وفي تلك الليلة، مرَّ سالمٌ بين الحدائق بصمتٍ مختلفٍ.

 

لم يَعُد يعدُّ نِعَم الناس، ولم يَعُد يفتِّش في العيون عن كراهيةٍ متوهَّمةٍ.

 

كان يُردِّد في سِرِّه:

"اللهم ارزقني قلبًا سليمًا، يفرح بفضلك على عبادك كما يفرح بفضلك عليَّ".

 

ومنذ ذلك اليوم، بدأت الأشجار تحفظ اسمه أخيرًا… لا لأنه كان أكثرهم مالًا أو نجاحًا، بل لأنه تعلَّم كيف يُطَهِّر قلبَه من الحَسَد قبلَ أن يشتكي مِن حَسَد الناس.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة