• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / اللغة .. والقلم / الوعي اللغوي


علامة باركود

بين المبارك والخطيب (كلمة في استثمار المعرفة)

بين المبارك والخطيب (كلمة في استثمار المعرفة)
د. محمد مصطفى الكنز


تاريخ الإضافة: 29/10/2026 ميلادي - 19/5/1448 هجري

الزيارات: 106

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

بين المبارك والخطيب

(كلمة في استثمار المعرفة)


إذا تأملنا صنيع الدكتور مازن المبارك والدكتور عبداللطيف الخطيب رحمهما الله رأينا عالمين جليلين اجتمعا على خدمة العربية، ولكن كلًّا منهما أخذ منها ناحيةً غير ناحية صاحبه؛ فالمبارك دخل إلى العربية -في مجمل ما أنجزه- من باب العقل الذي أنشأها، والخطيب دخل إليها -في مجمل ما أنجز- من باب المادة التي حفظتها، كان المبارك يسأل: كيف فكر النحاة العرب حين أرادوا أن يفسروا العربية؟ في حين سأل الخطيب: أين مادة اللغة التي ينبغي أن ينظر فيها الباحث قبل أن يحكم على العربية؟

 

ويُعد مشروع العلة من أبرز المشاريع التي أنتجها المبارك، ومشروع القراءات القرآنية من أبرز المشاريع التي أنتجها الخطيب، المبارك جعل من العلة طريقًا إلى تاريخ العقل النحوي، والخطيب جعل من جمع القراءات طريقًا إلى تاريخ العربية في تنوعها، الأول نظر في الجهاز الذي يفكر به النحو، والثاني نظر إلى المادة التي يستطيع ذلك الجهاز أن يعمل فيها، وهذا عمل تكاملي كما يبدو لنا.

 

ثمة جهة أخرى في صنيع المبارك والخطيب، هي عندي من أجَل ما في عملهما وأدله على قدرة العقل العربي على إنتاج المعرفة؛ فإنهما لم يجعلا التراث خصمًا يقفان في ساحته ليحصيا عيوبه كما وقع في إسار ذلك كثيرون، ولم يجعلاه مخزنًا مغلقًا يستعيران من خارجه نماذج غربية جاهزة، ثم يحكمان بها على علومه، وإنما فعلا ما هو أجدى وأبقى أثرًا؛ استثمرا معرفة الأجداد استثمارًا فاعلًا، لم يقع المبارك أسيرًا في قبضة نقد العلة، وإنما دخل إلى تاريخها ليفهم طرائق العقل الذي أنشأها، ثم جعل من ذلك الفهم سبيلًا إلى بناء وعي لغوي جديد، ولم يكتفِ الخطيب بحفظ القراءات في مواضعها الموروثة، ولم يستبدل بها تصورات من خارجها، وإنما جمع مادتها، ووثق طرقها، ونظم اختلافها، ثم أتاح لها أن تصبح مادةً لأسئلة جديدة في العربية وعلومها، لقد أدرك الرجلان أن التراث لا تكون قيمته في أن نبقيه غفلًا كما ورثناه، ولا أن نعمل فيه مبضع النقد والتجريح، ولا أن نهدمه لنقيم مكانه ما نستعيره، وإنما في أن نأخذ منه قوة التوليد التي جعلته تراثًا أصيلًا، فنقرأ ما أنتجه الأقدمون لنعرف كيف أنتجوه، ثم نستأنف من حيث انتهوا إنتاجًا آخر يجيب عن أسئلة عصرنا، وهذا هو الفارق بين عقل يستهلك التراث وعقل يستثمره؛ فالأول يجعل الماضي غايةً، والثاني يجعله مادةً، الأول يراوح بين التقديس والقطيعة، والثاني يجعل منه طريقًا إلى المستقبل، ولعل في صنيع الرجلين شاهدًا على أن البعث العلمي لا يكون باستيراد العقول كما تستورد الأدوات، ولا بإعلان القطيعة مع الأسلاف، وإنما باسترداد القدرة على الخلق من داخل هذا الموروث.

 

ويمكن لدراسة المبارك للعلة أن تكون مدخلًا لنا نحن الخالفين إلى بناء نظرية مكتملة في التعليل النحوي، ثم إلى دراسة أوسع في آليات إنتاج المعرفة، إننا إذا أحسنا استثمار العلة، فلن تكون العربية في أذهان أبنائها أحكامًا مجردة تُحفظ، أو مادة موقوفة قواعدها على حدود التلقي والتلقين، وإنما تغدو نظامًا حيًّا يفهم، وبناء منطقيًّا مكتملًا، وأداة فاعلة للتفكير وصناعة المفاهيم، وعندئذٍ لن تكون خدمة العربية في الإبقاء على قواعدها فحسب، بل في استعادة قدرتها على التحليل والتفسير وبناء النماذج، فتخرج من وظيفة الضبط إلى وظيفة الفعل الحضاري.

 

وأما موسوعة الخطيب في القراءات، فيمكن أن تكون أساسًا لاستثمار آخر؛ أن تنتقل القراءات من كونها مادة محفوظة إلى أن تكون مادة قابلة لبناء المعرفة التاريخية وبناء الأطلس الجغرافي للقراءات؛ فتدرس من خلاله الظواهر الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، وتربط بالقرَّاء والرواة والطرق واللهجات القديمة والحديثة، وأماكن كل ذلك على خارطة الوطن العربي، ثم ينظر في توزع هذه الأنساق وتداخلها، بحيث يمكن أن تنشأ من ذلك خرائط لغوية تكشف شيئًا من جغرافية العربية وتنوعها، مهمتنا نحن الخالفين أن نستثمر هذا المنجم المعرفي استثمارًا إحصائيًّا وحاسوبيًّا، ورقمنته بما يسهم في تغذية الدراسات اللغوية والإنسانية المعاصرة، وتقديم نموذج حي على تحويل التراث من كونه ذاكرةً للماضي، ليكون قوةً لبناء المستقبل.

 

لقد سلمنا المبارك مفتاحَ النظر، وسلمنا الخطيب خزانة المادة، وليس من شأن الجيل الذي بعدهما أن يبقى حارسًا للمفتاح والخزانة، وإنما شأنه أن يفتح الخزانة بالمفتاح، ثم يرى ما الذي يمكن أن يصنعه بهاتين التركتين الثمينتين.

 

وإذا كان المبارك قد أجاب عن سؤال: كيف نفكر؟ والخطيب قد أجاب عن سؤال: كيف نحسن في تفكيرنا؟ فإن الباحث القادم مطالب بأن يجيب عن سؤال: كيف ننتج من هذا التفكير معرفة جديدة؟





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة