• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / ملف الحج / خطب الحج
علامة باركود

مشاهد الحج

مشاهد الحج
د. أمير بن محمد المدري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 11/5/2026 ميلادي - 24/11/1447 هجري

الزيارات: 231

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مشاهد الحج

 

الحمد لله الذي هدى أولياءه لدين الإسلام، ووفقّهم لزيارة بيته الحرام، وخصّهم بالشوق إلى تلك المشاعر العظام، وحطّ عن وفده جميع الأوزار والآثام. أحمدهُ سبحانه على جزيل الفضل والإنعام، وأشكره على ما أولاه من التوفيق والإلهام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق السلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير معلّم وإمام، اللهم صلّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وسلّم تسليما كثيراً.

 

أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى الذي اصطفى لكم الإسلام، وفضلكم به على كافة الأنام. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

 

عباد الله:

جاء موسم الحج وانطلق الحجاج إلى بيت الله الحرام ثم عادوا بعد أداء نُسُكهم نسأل الله أن يتقبل من الحجاج حجهم وأن ييسّر لنا الحج العام المُقبل.. آمين آمين.

 

انتهى موسم الحج لكن لن تنتهي الدروس والعبر والعظات من الحج، لا بد لنا أفراداً ومجتمعات والأمة أجمع أن نجعل الحج فُرصة لتغيير وإصلاح النفوس، فُرصة لإصلاح العلاقة مع الله عزو جل.

 

الحج، وما أدراك ما الحج تعال معي أخي الحبيب نتأمل في الحج ونعيش في رحابه.

 

أخي الحبيب:

أليس في قلبك شوق لبيت الله الحرام؟ ما هذا الجفاء لربك؟ اعزم واستعن بالله وانوي من الآن على الحج فإنك لا تدري ما يحصل لك.

 

عباد الله:

من الدروس ارتباط المسلمين بقبلتهم: التي يوَلّون وجوههم شطرها في صلواتهم المفروضة خمس مرات في اليوم. وفي هذا الارتباط سرٌ بديع، إذ يصرف وجوههم عن التوجه إلى غربٍ كافر، أو شرقٍ مُلحد، فتبقى لهم عزتهم وكرامتهم.

 

نتذكر أبانا إبراهيم الخليل - عليه السلام - نتذكر توحيده لربه، وهجرته في سبيله، وكمال عبوديته، وتقديمه محابَّ ربه على محابِّ نفسه. ونتذكر ما جرى له من الابتلاءات العظيمة، وما حصل له من الكرامات، والمقامات العالية.

 

بداية الحج هي الخروج من الأوطان والبلدان وسلوك هذه الفِجاج العميقة، ثم بعد ذلك يغتسل الشخص كما تُغْسلُ الجنازة، ثم يلبس إحرامه كما يُدرج في أكفانه، ثم يصلي كما يصلي المقرَّب للقتل، ثم يتهيأ بالتلبية لإجابة بارئه ومولاه، ويتذكر بذلك إجابته إذا دعاه حين الموت فإن الله سبحانه وتعالى يُرسل ملَك الموت ليقبض الأرواح، فتستجيب الأرواح دون تقدم ولا تأخر كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: 61-62]. فيتذكر الإنسان هنا إجابة هذه النفس لبارئها إذا دعاها بتلبيتها دعاء الله الذي أمر به خليله في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27] ويتجرّد الشخص من مهامه كلها، ومن أمور الدنيا كلها حتى من ملابسه؛ ابتغاء مرضاة مولاه سبحانه وتعالى، وبذلك يتم الإقبال عليه، وأول ما يُنادي بالتلبية يتذكر أن الناس في جواب الله تعالى لهم بهذه التلبية ينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول:الذين كتب الله لهم الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلا الجنة كما جاء في الصحيحين، وأراد أن يُباهي بهم ملائكته واختارهم ليكونوا من وفده الذي يفد إليه في هذه السنة، فهم ضيوف الرحمن المكرمون. فإذا لبّى أحدهم ناداه مُنادٍ من السماء لبيك وسعديك حجك مبرور، زادك حلال وراحلتك حلال.

 

القسم الثاني: الذين يَرُدُّ اللهُ عليهم عملهم ولا يتقبله –أجارني الله وإياكم- فيكون حظهم من حجهم التعب والنصب، إذا نادى أحدهم "لبيك" يُناديه منادي من السماء: « لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ورحلتك حرام، حجك غير مبرور وسعيك غير مشكور»، فيرد الله عليه حجه ولا يتقبله. كما ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم فيما يرويه عن ربه - عز وجل - أنه قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عَمِلَ عملاً فيه معي غيرك تركته وشركه »، فكثير يشرك مع الله تعالى غيره في عمله برياء أو سمعةٍ أو غير ذلك فلا يتقبل الله حجه ويرده، ويُنسب للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ­قوله:

إذا حججتَ بمالٍ أصله سُحُتٌ
فما حججتَ ولكن حجَّتِ العيرُ
لا يقبلَ الله إلاَّ كُلّ طيّبة
ما كلُّ من حجَّ بيتَ الله مبرورُ

 

طريق الأنبياء:

وإذا تجاوز نقطة البداية تذكر الشخص في مسيره إلى البيت الحرام أنه يسلك طريق الأنبياء فما من نبي بعد إبراهيم –عليه السلام- إلاَّ حج هذا البيت، وهذه النقطة نبّه عليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في طريق ذهابه إلى الحَجِّ مرتين كما في حديث ابن عباس في صحيح مسلم أن رسول الله– صلى الله عليه وسلم - لما مر بفج الروحاء سأل: أيّ وادٍ هذا؟ قالوا: وادي الأزرق. فقال: «كأني أنظر إلى موسى واضعاً إصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية مارًّا بهذا الوادي». ثم مر بثنية فقال: «أي ثنية هذه؟ » فقالوا: هرشى لِفْت (ثنية تقع بين مكة والمدينة). فقال: «كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء خطام ناقته ليف خُلْبَةٍ وعليه جبة من صوف مَارّاً بهذا الوادي ملبياً » [صحيح مسلم: ج1، ص152]، فالأنبياء جميعاً لبوا نداء الله وحجوا هذا البيت، وأنت تسلك آثارهم، وتريد عند الله ما يريدون، فلذلك عليك أن تلتزم بهديهم وسنتهم.

 

فيه آيات بينات:

إذا وصلت إلى مكة وقطعت التلبية ودخلت المسجد الحرام تذّكرت أن هذا البيت الحرام العتيق هو أولُ بيتٍ وضع للناس من هنا انطلقت حضارة العالم كله.

 

العبادة لله وحده:

وفي مكة نجد الحجر الأسود الذي هو آيةٌ من آيات الله، أُنزل من الجنة وما زال من عهد آدم إلى وقتنا هذا موجوداً، تمر عليه قرون الدنيا المتطاولة وهو باقٍ في مكانه، وقد أخرجه القرامطة إلى (الإحساء)، ومكث عندهم عشرين سنة، وعندما نقلوه من مكة نقلوه على خمسين بعيراً؛ يحملونه في الصباح على بعير، فإذا جاء وقت الزوال مات البعير، فيحملونه على آخر وهكذا، فمات تحته خمسون بعيراً من مكة الى الإحساء فلما انتزعه منهم الخليفة العباسي أعاده من الإحساء إلى مكة على بعيرٍ واحدٍ هزيل فحمله حتى أوصله إلى مكانه.

 

مقام إبراهيم:

مقام إبراهيم الذي فيه موطئ قدميه عندما كان يبني الكعبة، فيصعد به كلما تطاول البنيان، كأنه سُلمٌ كهربائي، ومن عصر إبراهيم إلى عصرنا هذا وهو موجود هنا.

 

الصفا والمروة:

إذا ذهب المسلم إلى الصفا والمروة فإنه يتذكر أنهما من شعائر الله و قال فيهما: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]. ولذلك قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - حين اقترب من الصفا «أبدأ بما بدأ الله به» [أخرجه مالك في الموطأ: ج1، ص372، ومسلم في الصحيح، ج4، ص40 في حديث جابر]. فإذا صعدتها تذكرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان محصوراً عليها في أربعين شخصاً هم المؤمنون على وجه الأرض، في دار الأرقم وأن الله وعدهم أن يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار وأن ينتشر حتى تخرج الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخاف أحداً إلا الله. وتذكر في هذه اللحظات أن الذين كانوا يُعادون هذه الدعوة، ويقفون في وجهها من صناديد قريش ومن سواهم لم تبق لهم باقية على هذه الأرض، أما محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين كانوا مستضعفين، فهم الذين كتب الله البقاء لدعوتهم وأيدهم بنصره، وأعلى منزلتهم في الأولين والآخرين، ونصرهم هذا النصر المبين، فلذلك تُثني على الله سبحانه وتعالى بهذا فتقول: «وهزم الأحزاب وحده».


عباد الله: بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

عباد الله: ما زلنا وإياكم مع مشاهد الحج المباركة والمشهد القادم هو:

وادي منى:

إذا ذهبت إلى منى رأيت هذا الوادي المبارك الضيّق الذي كان فيه إبراهيم خليل الله، وكان يطرد الشيطان ويرجمه بالحجارة. [أخرج ذلك البيهقي في السنن الكبرى: ج5، ص154].. وفيه كانت قصة الذبيح إسماعيل، وفيه منزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في مسجد الخيف حيث نزل ونظم الناس تنظيماً عجيباً فجعل في مقدمة المسجد المهاجرين والأنصار إشعاراً للناس بمنزلتهم في الإسلام، ثم جعل وراءهم من اسلم يوم الفتح، ثم وراءهم الأعراب فجعلهم في مؤخرة المسجد.

 

إلى عرفات:

ثم عندمَا تنطلق إلى عرفات تستشعر أن هذا الوادي هو الذي مسح الله فيه ظهر آدم بيده الكريمة فأخرج منه ذُريَّة فقال: أي ربِّ من هؤلاء قال خَلْقٌ من ذريتك خلقتهم للنار وبعمل أهل النار يعملون، ثم مسحه مرةً أخرى فأخرج منه ذُريّة فقال: أي ربَّ من هؤلاء: فقال خَلْقٌ من ذُريّتك خلقتهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ورد الحديث من طريق مرفوعاً وموقوفاً عن ابن عباس – رضي الله عنها، ثم دعاهم أجمعين فقال ألست بربكم؟ قالوا بلى جميعاً، هذا في عالم الذر، أما المؤمنون فقد بقوا على هذا العهد الذي أشهدوا الله عليه فما زالوا يجددون العهد في كل سنةيتوافدون إلى هذا المكان ليعلنوا أنهم يقرون لله تعالى أنه ربهم، يتذكرون أنه خاطبهم في هذا المكان بقوله: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ [الأعراف: 172].

 

فلذلك يجددون هذا العهد مع الله، وهو العهد الذي تجدده أنت في كل صباح ومساء بما أمرك به رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في حديث سيد الاستغفار «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت»... الحديث [أخرجه البخاري من حديث شداد بن أوس (رضي الله عنه)، ح: 6306.]، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت هو هذا العهد القديم الذي كان في عالم الذر الذي قال الله فيه: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187].

 

ثم تتذكر هذا الموقف العظيم الذي هو أعظم يوم في السنة ولم يمر على الشيطان يوم في السنة أخزى فيه منه، ولا على العباد يوم أكثر مغفوراً لهم فيه من هذا اليوم.

 

والناس فيه يتذكرون ذنوبهم وعثراتهم ويبكون ويتوجهون إلى الله بقلوبٍ خاشعة وفيهم المقبولون ومن سواهم.

 

في يوم عرفة نتذكر تجلي الباري سبحانه وتعالى ليُباهي بعباده ملائكته فيقول: «هؤلاء عبادي أتوني شُعثاً غُبراً أُشهدكم أني قد غفرت لهم»، تتذكر هذا الوادي المبارك والذكريات يوم خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - خُطبة حجة الوداع، ومعه مائة وعشرون ألف أو يزيدون وهم يحيطون به من كل جانب (صلى الله عليه وسلم) أجمعين.

 

المشعر الحرام:

ثم إذا وصلت إلى المشعر الحرام مزدلفة وأنت كنت في مشعر حلال (فعرفة هي المشعرُ الحلال لأنها خارج حدود الحرم، ومزدلفة هي المشعر الحرام لأنها داخل حدود الحرم) فتذكرت مبيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بها ووقوفه الموقف الذي ستقفه أنت بعد طلوع الفجر تكبر الله سبحانه وتعالى على ما هداك وما وفقك إليه من الحج، وتذكر أن أهل الجاهلية كانوا يذكرون آباءهم ويتفاخرون بأنسابهم في هذا المكان فتذكر الله أكثر مما كانوا يذكرون آباءهم. قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198].

 

حتى إذا أفضت إلى منى وأسرعت في بطن محسر (وهو وادي النار) تذّكرت أيضاً أنه المكان الذي انتقم الله فيه من أصحاب الفيل الذين كانوا يريدون هدم البيت العتيق ﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل: 3 - 5]. وجاءت هذه الطيور من جهة البحر الأحمر وكل طائر منها يحمل ثلاثة أحجار فيرمي ثلاثة رجالٍ فيهلكون حتى قُضى على آخرهم، ومات الفيل في هذا المكان، ومن السنة الإسراع في هذا المكان لأنه مكان غضب، ومخالفة للمشركين والنصارى الذين كانوا يقفون فيه.

 

ثم تصل إلى منىً بحمد الله، فإذا وصلت إليها ورميت جمرة العقبة، إنه رمي الشر والشياطين في كل مكان شياطين الإنس والجن؛ لأن شياطين الإنس أخطر على دين الله وعلى أمة الإسلام من شياطين الجن بمائة مرة ومرة، وهم أَولى بالرجم والمقاومة؛ إذ الخطر الداخلي أشد وأنكى من الخارجي.

 

العودة من رحلة الآخرة:

ثم بعد ذلك إذا بدأت التحلل تذكر نعمة الله تعالى عليك لأنه أُتيحت لك فُرصة جديدة بعد هذه الرحلة إلى الآخرة التي تُذكرك بالموت بكل ما فيه وبالمحشر حيث جُمع الناس في هذا المكان الضيّق في عرفات ورأيت أنواع البشرية وأجناسهم يجتمعون من كل فجٍّ عميق، وتذكرت أن الله سبحانه وتعالى لا يُعجزه حشرهم جميعاً يوم القيامة، إذ أرانا من قدرته أنه حشر هذه الخلائق التي لا حصر لها والتي يعجب الشخص إذا رآها كالسيول، الهادرة في هذه الأماكن الضيقة، فرأيت هذا العجب العُجاب وتذّكرت به النشأة الآخرة وأن الله سيناديهم فيخرجون من الأجداث سِراعاً ويجتمعون جميعاً في ارض تسمى الساهرة قاعاً صفصفا، حينما يناديهم المنادي:

أيها الناس: هلموا إلى ربكم، فيخرجون يلتقي أولهم مع آخرهم، وينسون كم لبثوا في قبورهم، فإذا اجتمعوا جميعاً جيء بجهنم تُقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك، فتحيط بالناس من كل جانب وتدنو الشمس حتى تصير كالميل على رؤوسهم، ويشتد العرق حتى يُلجم أقواماً ويصل إلى تراقي آخرين وإلى ثدي آخرين ودون ذلك، كلٌ بحس عمله في الدنيا، ويطول هذا الموقف حتى يكون كألف سنةٍ مما تعدون، ويبحث الناس فيه عن المخرج ولا يجدون المخرج إلاَّ إلى الأنبياء، ويختارون أولي العزم منهم فيمرون بهم مرورهم الذي أخبرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم في الآخر تكون المنزلة والرفعة لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - الذي هو الشافع المشفع وهذا هو المقام المحمود الذي ادخره الله له.

 

ربما كانت حجتك الأخيرة:

ثم تتذكر أن هؤلاء القوم الذين يجتمعون في هذا الحج سيتفرقون تفرقاً لا لقاء بعده إلا أن يشاء الله، فيا رُبَّ واقف بعرفة لن يقف بعدها بعرفة أبداً، ويا رُبَّ حاج في هذه السنة لا يأتي عليه هذا اليوم إلاّ وهو تحت التراب، ولا تدري لعلك تكون منهم، فلذلك حاول أن تنتهز الفرصة التي نلتها، فإن العبد يوم القيامة يتمنى أن يعود إلى الدنيا لعله يُغير شيئاً مما كان يعمله، فالمحسن يندم على ألاّ يكون زاد والمسيء يندم على أصل إساءته. كل الناس سيندمون يوم القيامة ويتمنون الرجعة إلى هذه الدنيا التي هي دار عملٍ ولا جزاء، ويتمنون لحظةً واحدةً يعودون فيها إلى هذه الدنيا لعلهم يُحسنون صُنعاً، وبذلك أخبرنا الله تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 10، 11]. وكذلك قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100].

 

فلذلك حاول أخي الحبيب أن تكون حياتك هذه فرصةً ذهبية بالنسبة إليك تُقدّم فيها لنفسك وتقرض الله قرضاً حسناً، وتتقي النار بأي شيءٍ حتى ولو بكلمةٍ طيبة، وحاول أن تجعل من بقية عمرك علاجاً لما سلف منه، فأنت تعلم ما قصرت فيه في جنب الله، وتتذكر ما فرطت فيه وتعلم أن الله يناديك فيقول: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [الزمر: 53 - 56].

 

هذا وصلوا - عباد الله: - على رسول الهدى فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: الحج قصة وذكرى وعبرة
  • فضل العشر الأولى من ذي الحجة
  • المبادرة إلى أداء فريضة الحج
  • رحلة القبول: كل ما يهمك معرفته عن الحج المبرور
  • فضل عشر ذي الحجة وكيفية استغلالها (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • من مشاهد رحمة الله(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • من مشاهد القبر وأحداث البرزخ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مشاهد من همة الصحابة في القيام بحق القرآن(مقالة - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • من مشاهد القيامة(مقالة - موقع الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله)
  • إدمان المواقع الإباحية(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • الصراط والمرور عليه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الشفاعة الكبرى ومقام النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الخوف والرجاء وأثرهما في استقامة القلب(مقالة - ملفات خاصة)
  • الحوض والكوثر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • النفخ في الصور وبداية أحداث القيامة(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مشاركة 150 طالبا في منتدى حول القيم الإسلامية والوقاية الفكرية بداغستان
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/11/1447هـ - الساعة: 16:42
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب