• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / حدث في رمضان
علامة باركود

غزوة بدر.. أمل في زمن الانكسار (خطبة)

غزوة بدر.. أمل في زمن الانكسار (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/3/2026 ميلادي - 21/9/1447 هجري

الزيارات: 191

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

غزوة بدر أمل في زمن الانكسار

 

الحمد لله القوي المتين، الملك الحق المبين، أحمده حمد الشاكرين، وأسأله معونة الصابرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، ناصر المؤمنين ببدرٍ يوم الفرقان المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى على جميع المرسلين، والمنصور بالملائكة المنزلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، وسلم تسليمًا إلى يوم الدين؛ أما بعد:

 

أهمية الحديث عن غزوة بدر:

أيها المسلمون: ها نحن نعيش شهرنا الكريم بخيره وخيراته، ونوره وهداياته، تذوق فيه القلوب طعم الإيمان، ولذة العبادة، وحلاوة الطاعة، ولئن كان رمضان موسم التقوى والقرآن، والعمل والإحسان، فهو أيضًا شهر العز والنصر والرفعة والتمكين، تجلَّت يوم بدر يوم انتصر التوحيد على الشرك، وظهر الحق المبين، وبددت أنوار الهداية ظلمات الجاهلين، رسم المسلمون لوحة خالدة، حروفها العز والرفعة والغلبة والتمكين.

 

قلِّبوا معي النظر في مسارب التاريخ، لنرى أن الانتصارات الحاسمة لأمة الإسلام، والتي شهدت تحولاتٍ في تاريخها، وفي موقف ومكر أعدائها، كانت في رمضان، سلوا صحائف الزمان، متى تنزلت ملائكة الرحمن، فصُفت مع كتائب الإيمان، وقاتلت يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، تجيبكم أن ذلك كان في رمضان.

 

حديث القرآن والسنة عن غزوة بدر ورفعة الأمة فيه:

أيها المسلمون: لقد تنوعت الأدلة من القرآن والسنة التي تؤكد عن رفعة هذه الأمة وتمكينها، وتؤكد على وعد الله لرسله وأتباعهم بالنصر والتمكين؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123]، وقال الله سبحانه: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]، وقال: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 171 - 173]، وقال الله تعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45]، وقال: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33].

 

ويؤكد القرآن على فشل أعداء الإسلام في محاولاتهم لإطفاء نور الله؛ قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 32]، وقال في الكافرين: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [آل عمران: 12]، وقال في المنافقين: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 60 - 62].

 

وحذر القرآن من الهوان والهزيمة خاصة في أوقات الهزيمة المؤقتة كما هو واقعنا اليوم؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، وعاب القرآن الكريم على المشككين بموعود الله؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: 12].

 

وبيَّن القرآن أن الغلبة والتمكين إنما يكون من عند الله وحده؛ قال الله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [آل عمران: 13]، وفي السنة النبوية عن فضل من شهد بدر، ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأصله في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))؛ قال ابن حجر: "وهي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم".

 

يوم بدر رفعة في زمن الانكسار:

أيها المسلمون: في ثنايا هذا الشهر المبارك، وفي مثل هذا اليوم، في صبيحة يوم الجمعة[1] السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، كانت معركة بدر، نستلهم منها عبرة من العبر.

 

يومٌ خاضه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان والثبات واليقين، خاضه مع الصحب الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين؛ ثلاثمائة وأربعة عشر رجلًا، ما على وجه الأرض يومها أحب إلى الله منهم، أقدامهم حافية، وثيابهم مرقعة بالية، وأحشاؤهم ظامئة خاوية، ولكن قلوبهم نقية زاكية، وهممهم شريفة سامية عالية، أتم الله عليهم المحبة والرضا.

 

أيها الأحِبة الكرام: إن الحديث عن غزوة بدر في ظل الواقع المرير الذي تعيشه الأمة في هذا الزمان، لهو جدير بأن يزرع الأمل في النفوس المؤمنة والعقول النِّيرة التي تنتصر لقضايا الحق والعدل، وتبذل الغالي والنفيس من أجل إعلاء كلمة الله، ونشر العدل والسلام والمحبة في العالم.

 

لقد كان المنهج القرآني التربوي قبل غزوة بدر يتمثل في تكوين المؤمن الصالح المصلح، والعبد الرباني الذي يحمل همَّ الدين ليبلغ رسالة ربه إلى الناس أجمعين، ويرتفع الحق ويعم العدل، وينعم الناس بالأمن والسلام في العالمين، فكانت آيات سورة الأنفال هي الموجه الأساسي في هذا الجانب التربوي الإيماني، بنداء الاستجابة لله وللرسول أولًا لما فيه من الحياة الكريمة، والمسارعة إلى ذلك قبل كل شيء؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 24]، ثم اتقاء الفتنة التي تصيب الظالم وغيره؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 25]، وتذكير الأمة بفضل الله تعالى ونعمه لشكرها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: 26]، ثم التحذير من الخيانة وتضييع الأمانة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]، والركون إلى المثبطات من مال وولد؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 28]، والأمر بالتقوى وقطف ثمارها؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 29]، هكذا كان الملمح التربوي الإيماني الذي أراد الله غرسه في نفس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ولما علم الله صدق التوجه من النبي وأصحابه الكرام، وصدق الاستجابة لأمر الله، وأن التربية القرآنية قد نضجت ثمارها، جاءت هذه المواجهة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، من غير استعداد من أهل الإيمان استعدادًا حسيًّا، وفُوجئوا بتحدي صناديد قريش وأبطالها لهم؛ ولم يكن بدٌّ من قبول هذا التحدي، وواجه النبي صلى الله عليه وسلم الموقف بما يتطلبه من إيمان وثقة، غير أن بعض المسلمين تساءل: كيف يواجه هذا العدو الذي لم يستعد له؟ قال الله تعالى حاكيًا عنهم: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ [الأنفال: 5، 6]، وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴾ [الأنفال: 7]، ولكن قدر الله الذي يريده أن يكون سيتحقق، فقد جمع بين الفريقين على غير موعد؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ [الأنفال: 42]، ويغري كليهما بالآخر، ويجعله يرى عدد كل منهم قليلًا مقابل الآخر؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [الأنفال: 44]، ويبعث الشيطان لينفخ الغرور في أتباعه، وليصيح بينهم: ﴿ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ﴾ [الأنفال: 48]، وتتطور مواقف أهل الإيمان بسرعة عجيبة، فيتتابع المهاجرون على التضحية بالنفس، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا نقول لك كما قال قوم موسى: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ [المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون)).

 

ثم نظر النبي إلى أصحابه فرأى التعب والكدح وضيق العيش على وجوههم، فبطونهم فارغة وأجسادهم عارية حفاة الأقدام، فقراء، فرفع أكف الضراعة واتصل بالواحد الديان، وقال: ((اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم))، ففتح الله له، فانقلبوا وما منهم رجل إلا قد رجع بجمل أو جملين، واكتسوا، وشبعوا؛ [حسنه الألباني في صحيح أبي داود عن عبدالله بن عمرو]، ونظر صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلًا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يده وجعل يهتف بربه: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض))، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبلًا القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ [القمر: 45، 46]؛ [البخاري عن ابن عباس]؛ فقال الله بعد هذه الاستغاثة: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 9، 10]، وعلم الله منهم التعب والمشقة فأنزل عليهم النعاس والمطر ليأمنهم وأنهم بحفظه ورعايته؛ قال الله تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11].

 

أيها الأحبة: لقد كانت المعركة بمعية الله وليست بقوة الملائكة ولا بعدد المسلمين؛ قال الله تعالى: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴾ [الأنفال: 12 - 14]، ثم يأتي التوجيه الرباني للمؤمنين بعد التوجيه الرباني للملائكة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [الأنفال: 15، 16]، ويوجه النبي وأصحابه إلى عظيم فضله عليهم في تسديد رميهم؛ قال الله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾ [الأنفال: 17، 18]، ثم يحذر أهل الإيمان من البطر والغرور؛ فقال الله لهم: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [الأنفال: 47]، وفي نهاية المشهد يتوجه بالخطاب إلى أولئك الذين شاقوا الله ورسوله: إن هذا الذي حلَّ بهم في الدنيا من الرعب والهزيمة ليس نهاية المطاف، ولا أمر هذه الحياة الدنيا بمفردها، إنه أمر ممتد إلى ما وراء هذه الأرض، وإلى ما بعد هذه الحياة؛ قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴾ [الأنفال: 14]، وبعد النصر المبين والفرقان العظيم؛ قال الله لهم: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنفال: 41].

 

أيها الأحبة: إن الصورة تشبه الصورة، والحال مطابق للحال، إلا أن الطائفة المؤمنة في بدر كان عندها من اليقين والإيمان والتوكل على الله تعالى ما استجلب نصر الله تعالى ومدده بملائكة يقاتلون مع المؤمنين، بعكس حال كثير من المسلمين في هذا العصر؛ إذ ركنوا إلى الذين ظلموا، وضعف يقينهم بالله تعالى، وتوكلهم عليه، وجزعوا على دنياهم، ولم يخافوا على دينهم أن يبدل؛ فوكلهم الله تعالى إلى أنفسهم، وإلى من ركنوا إليهم، فأذلوهم واستضعفوهم، ولم يرقبوا فيهم إلًّا ولا ذمة.

 

إن ما تعانيه الأمة الآن ليس ضعفًا في العدد أو الإمكانات؛ بل ضعف في الإرادة الموحدة، والقيادة الرشيدة، والإنتاج الحضاري، والتأثير السياسي الفاعل، هذه الكثرة الكاثرة تصبح عالة على نفسها أو متفرقة لا يجمعها هدف؛ فكأن وجودها وعدمها سواء أمام التحديات.

 

فالطريق إلى نزع الذل والانكسار ليس في زيادة العدد، بل في استئصال الوهن من القلب والرجوع إلى حقيقة المنهج وقوته وعزته، ولا مخرج للمسلمين من هذه الأزمة العظيمة، وهذا الوضع الراهن إلا بصدق اللجوء إلى الله تعالى، والتوكل عليه، والتعلق به، وبدايات ذلك التوبة من الذنوب، ومجانبة العصيان.

 

وإنكم تستقبلون عشرًا مباركة هي فرصة لتجديد العهد مع الله تعالى، والتوكل عليه، وكثرة دعائه، والالتجاء إليه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في بدر.

 

وسيظل التدافع بين الحق والباطل والكفر والإيمان إلى يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251]، وقال أيضًا: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40].

 

واجبنا في رفعة الأمة وتمكينها:

أيها المسلمون: إن مما يجب على أمة الإسلام فعله والقيام به أفرادًا وجماعات في زمن الانحطاط والقهر والانكسار الذي نعيشه اليوم، ثمة واجبات شرعية، تتمثل فيما يلي:

الواجب الأول: الاعتصام بالله جل وعلا، وأعني به التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، من خلال تطهير وتخلية القلب من أدران الشرك والرياء، ثم تحليته بمعين التوحيد الصافي، ثم ترك المنهيات، والقيام بالواجبات ما استطاع العبد إلى ذلك سبيلًا، بدافع الانقياد والتقرب إلى الله، والطمع بما عنده من فضل وثواب؛ فالقيام بهذا الواجب أصل أصيل، وحصن حصين في خلاص الأمة من همومها ومحنها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101]، وقال سبحانه: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 103].

 

الواجب الثاني: ترك النزاع والشقاق الموقعان في الفشل والهزيمة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].

 

الواجب الثالث: حسن الظن بالله، والمراد به وجوب اعتقاد العبد بفرج الله للأمة وتمكينها، مهما كان حالها ومهما وصلت إليه من ضعف وقهر وانحطاط وانكسار؛ لأن هذا هو موعود الله، بصريح القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 5].

 

الواجب الرابع: التراحم؛ حيث إن تراحم المسلمين وتعاطفهم فيما بينهم دليل على صدق إيمانهم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم؛ قال الله تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29].

 

الواجب الخامس: الكف عن نقل الشائعات المخذلة، وعدم الخوض فيها بين المسلمين، وهذا ما سماه الله في كتابه الكريم بالإرجاف وحذر منه، وجعل عاقبته اللعن والطرد من رحمته؛ فقال في محكم كتابه: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ﴾ [الأحزاب: 60، 61].

 

الواجب السادس: الشعور بالمسؤولية؛ شعور المسلم بالمسؤولية تجاه دينه وأمته شيء من الإيمان ودليل صادق عليه، ومن ذلك أن جعل الحق سبحانه وتعالى خلاص الأمة ونجاتها من بؤسها وشقائها منوطًا بتعاون جميع أفرادها على تغيير حالهم والعمل الجماعي في تخليصها مما قد يصيبها؛ فقال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 53].

 

الواجب السابع: الدعاء، وهو الواجب الذي لا يجوز لمسلم تركه في شدته أو رخائه، إذ به يظهر العبد ضعفه لربه وحاجته المطلقة لخالقه ومعبوده، ويكون آكد في شدائده ومحنه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60].



[1] الرحيق المختوم الشيخ صفي الرحمن المباركفوري.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • المسلم بين النضوج والإهمال (خطبة)
  • فقه العمل الصالح (خطبة)
  • فقه التسامح (خطبة)
  • السعادة في البيوت العامرة (خطبة)
  • رمضان سباق نحو الجنان (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • غزوة بدر الكبرى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك(مقالة - آفاق الشريعة)
  • غزوة بدر الكبرى، وبعض الدروس المستفادة منها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الجامع لغزوات نبينا صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (10)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (9)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: غزوة بدر الكبرى في رمضان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • غزوة الأحزاب وتحزب الأعداء على الإسلام في حربهم على غزة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • غزوة بني قينقاع: دروس وعبر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (7)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • طلاب القرم يتعلمون قيم الرحمة عبر حملة خيرية تعليمية
  • تعرف على مسجد فخر المسلمين في شالي أكبر مسجد في أوروبا
  • مسلمو تايلر يفتحون أبواب مسجدهم لتعريف الناس بالإسلام في رمضان
  • مبادرة رمضانية لمسلمين تقدم علاجا وغذاء مجانيا في سان خوسيه
  • انطلاق مسابقة تعليم وإتقان الأذان للفتيان في تتارستان
  • بعد 30 عاما دون ترميم مسجد أرسك المركزي يعود بحلة حديثة في رمضان
  • انطلاق الأعمال التمهيدية لبناء مركز إسلامي رئيسي في كاستيلون
  • مسجد العتيق: معلم إسلامي تاريخي في البوسنة يستعيد دوره الديني

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 21/9/1447هـ - الساعة: 15:2
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب