• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / محمد صلى الله عليه وسلم / خطب منبرية
علامة باركود

رسول الهدى في سورة الضحى (خطبة)

رسول الهدى في سورة الضحى (خطبة)
عبدالله بن عبده نعمان العواضي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 9/9/2026 ميلادي - 28/3/1448 هجري

الزيارات: 592

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

رسول الهُدَى في سورة الضُّحَى[1]

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب70 - 71].

 

أيها الناس، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى:1 - 11].

 

عباد الله، هذه سورة الضحى، بعد سورة (والليل إذا يغشى)، إنها سورة قليلة الآيات، كثيرة المعاني النيّرات، سورة كريمة مقصدها الأعظم: الحديث عن شخصية نبينا الأكرم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

حيث تتحدث عما حباه به ربُّه من النِّعم، وما وعده به من جليل العطايا والقِسَم.

 

فهي تبين حب الله العظيم له عليه الصلاة والسلام، وتؤكد استمرار نزول الوحي عليه بعد أن احتبس عنه عدة أيام، وترد على المشركين الذين زعموا انقطاع الوحي عنه في ذلك العام، وتخبره بأن الآخرة خير له من الدنيا، وتبشره بالعطاء الأخروي الجزيل الذي يرضيه عندما يصير إليها، وتذكّره بنعم الله عليه بأن كان يتيمًا فآواه، ضالًا عن شرائع الإسلام فهداه، فقيرًا من المال فأغناه، فيكون ذلك داعيًا له صلى الله عليه وسلم إلى إكرام اليتيم بلا قهر، وإعطاء السائل سُؤْله بلا نهر، والحديث عن نعم الله عليه في السر والجهر.

 

إنها سورة عظيمة نزلت بعد اشتياق، فكانت لمسة رحمة وحب من العظيم الخلّاق، فكم فرح رسولنا محمد بنزولها عليه؛ لشوقه إلى استمرار اتصال الوحي به، وإرغامًا لآناف المشركين الذين كانوا قد شمتوا بتأخر نزول جبريل إليه.

 

فما أجملَ أثرَ ذلك الضمادِ السماوي على مواجع القلب النبوي، وأحسنَ نزول ذلك التطمين والتسكين، بعد أن برّح برسول الله اللهفُ، وشدة الحنين!

 

هذه السورة الكريمة-معشر المسلمين-عدد آياتها: إحدى عشرة آية باتفاق، وهي أربعون كلمة، ومائتان وسبعون حرفًا، ولا ناسخ فيها ولا منسوخ، نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة قبل الهجرة، بعد سورة الفجر.

 

وفي سبب نزولها جاء حديث جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ [الضحى: 1-3]، هذه رواية مسلم، وفي رواية البخاري: قَالَ: (اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ - أَوْ ثَلاَثًا -)، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ [وهذه المرأة هي أم جميل زوج أبي لهب- فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ؛ لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ [الضحى: 1 - 3].

 

أيها المسلمون؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾، هذا قسم كريم من الرب العظيم؛ فقد أقسم سبحانه بالضحى، وبالليل حال سَجْوِه، ولله جل وعلا أن يقسم بما شاء من خلقه، أما الإنسان فلا يجوز له الإقسام إلا بالله تعالى فقط؛ ففي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلاَ يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ».

 

والضحى هو: وقت انبثاق نور الشمس من أول النهار، وهو وقت مبارك؛ ففيه صلاة الضحى التي هي من أفضل نوافل العبادات، وهو أول اليوم الذي ينشط فيه الناس إلى أسباب عيشهم في هذه الحياة.

 

وأما الليل فقد قيد الله تعالى القسم به في حال سجوه، وهو: سكونه وهدوءه وتغطيته الكون بظلامه، وذلك حين يخلد الناس إلى الراحة بالنوم، وتقِلُّ الأصوات فيه وذلك سكونه.

 

وتأملوا - حفظكم الله - في وجه القسم بالضحى والليل في هذه السورة التي أخلصت الحديث فيها عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالضحى أشرف النهار وألطفه، وصدره وأضوأه، والمقسَم لأجله هو: نبينا محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو أشرف الخلق وأسماهم، وأزكاهم في نفسه وأنقاهم. وكما أن الضحى نور محسوس لهداية الأبصار إلى مصالح الإنسان؛ فالوحي الذي عاود النزول نورٌ لهداية البصائر لعبادة الواحد الديان.

 

وأما الليل وتقييده بحال السجو فإن هذا الوصف إشارة إلى وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وهو الوقت الذي كان يسمع فيه المشركون قراءته من بيوتهم القريبة من بيته، أو من المسجد الحرام، عليه الصلاة والسلام[2].

 

أيها المؤمنون، ثم يقول تبارك وتعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ هذا جواب القسم، والرد القاطع على كل مشرك فيما زعم، بأن الله قد ترك سيد المرسلين، وأبغض حبيبه الأمين، فيقول الله لنبيه الكريم: ما تركك ربك ولا جفاك، ولا أبغضك منذ أن أحبك واجتباك؛ فأنت في المنزل السامي الكريم، من المحبة والمعية والتعظيم.

 

وإنما انقطع الوحي مدة يسيرة وها هو يعود إلى الحبيب إلى ربه، والمجتبى من خلقه.

 

فما أعظم هذه الجملة القرآنية المشرقة:﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾، وما أبردها على قلب سيد البشرية عندما نزلت عليه، كيف كان شعور رسولنا الكريم وهي تنزل على سمعه، فيحس بلذتها في نفسه، بعد أن سمع شماتة بعض المشركين بهذا الانقطاع اليسير. إنها لحظات سعيدة عاشها نبي الله عندما طرقت سمعه هذه الآية الكريمة، وفتحت له باب الشوق الكبير لمزيد من الاتصال بالملأ الأعلى، وتتابعِ نزول الوحي عليه من ربه جل وعلا.

 

أيها الإخوة الكرام، وبعد الخبر السعيد بعودة الوحي من جديد؛ بشّر الله تعالى رسوله الأمين ببشارتين عظيمتين، ووعده وعدين كريمين؛ فقال الله سبحانه: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾.

 

ففي هاتين الآيتين الكريمتين ترقية لرسول الله من السرور المتقدم برجوع الوحي إلى ما هو أعظم وأجل؛ فقال له: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ﴾ يعني: أن ما ادخره الله لك يوم القيامة من النعيم والخيرات، وجزيل الهبات والكرامات، وصور التفضيل في العرصات وفي منازل الجنات؛ هو خير لك من الدنيا وما فيها.

 

ولذلك كان رسولنا صلى الله عليه وسلم أزهدَ الناس في الدنيا، وأرغبهم في الأخرة، فلقد عاش حياة الرضا بالقليل، في طعامه ولباسه ومسكنه، وسائر شؤون حياته، ولم تكن عينه تمتد طمعًا إلى زهرة الدنيا، ومتاعها الفاني؛ ممتثلًا قول الله تعالى: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه:131].

 

وفي الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنه دخل على النبي عليه الصلاة والسلام فرأى الحصير قد أثر على جنبه، قال عمر: فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: (مَا يُبْكِيكَ؟) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ».

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا»[3].

 

وهكذا ينبغي أن يكون كل مؤمن بالآخرة، ومحبٍّ صادقٍ لنبيه عليه الصلاة والسلام؛ في رغبته عن الدنيا، واستعداده للآخرة؛ لأن الدنيا كما وصفها الله: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النساء: 77].

 

وعن الْمُسْتَوْرِدِ الفهري قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟»[4].

 

فما أعلى منازل الزاهدين، وأحسن حالهم في عبادة رب العالمين!؛ عن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: "طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، وَالرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ، أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا أَرْضَ اللَّهِ بِسَاطًا، وَتُرَابَهَا فِرَاشًا، وَمَاءَهَا طِيبًا، وَالْكَفَافَ شِعَارًا، وَالدُّعَاءَ دِثَارًا"[5].

 

وأحسن من اقتدى برسول الله في زهده عن الدنيا، ورغبته في الآخرة: صحابته رضي الله عنهم الذين رباهم بيده، وحرسهم بعينه؛ فعن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: "أَنْتُمْ أَكْثَرُ صِيَامًا، وَأَكْبَرُ صَلَاةً، وَأَكْثَرُ اجْتِهَادًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ, قَالُوا: لِمَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: كَانُوا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبَ فِي الْآخِرَةِ"[6].

 

ثم قال الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ فهذا وعد كريم بأن الله سيعطي نبيه من العطاء ما يرضيه.

 

فما أعظم هذا العطاء من ثلاث جهات: أولاها: أنه قال:( يعطيك ربك)؛ فإن العطاء على قدر المعطي، وعطاء الله أعظم عطاء وأسخاه، وأجزله وأوفاه، وإضافة العطاء إلى الرب فضل على فضل.

 

وثانيها: أنه لم يحدد نوع هذا العطاء الذي سيعطيه ولا قدره ولا صفته، وهذا لإفادة العموم؛ حتى يذهب الذهن في تقديره كل مذهب.

 

وثالثها: أن هذا العطاء الذي سيتفضل به عليه سينال كامل رضاه؛ لعِظمه، وحُسنه.

 

معشر المسلمين، إن هذا الوعد الذي وعد الله رسوله به على العموم في هاتين الآيتين من حسن الجزاء الأخروي؛ قد جاء تفصيل بعضه في نصوص أخرى؛ فقد وعده الله بالشفاعة الكبرى في عرصات القيامة لإقامة الحساب، وهو المقام المحمود، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾[الإسراء:79].

 

ومن ذلك أيضًا: إعطاؤه الوسيلةَ والفضيلة، وهي درجة عالية في الجنة لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ)[7].

 

ومن ذلك: ما تناله أمته عليه الصلاة والسلام من الخصائص يوم القيامة على سائر الأمم؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله عليه الصلاة والسلام بكى وقال: (اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي) فقال الله: (يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ).

 

أيها الفضلاء الكرام، وبعد هذا العطاء الموعود، من الرب المعبود؛ عدَّد الله تعالى على رسوله الكريم بعضَ نعمه إليه، وذَكرَ صورًا من فضله الواصل إليه؛ ليعلمه بذلك أنه غير تاركه ولا مودِّعه.

 

فقد اعتنى به في حال صغره، فكيف يتركه من رعايته في حال كبره وقد صار له نبيًا رسولا؟

 

لهذا ذكر له سبحانه ثلاث نعم مختلفة: نعمة تربوية، ونعمة دينية، ونعمة مالية.

 

وقد جاء ذلك بأسلوب الاستفهام التقريري، الذي قد استقر عند المخاطب به علمُه، فلا يبقى لديه إلا الاعتراف والإقرار به؛ فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾.

 

فما أعظم هذه النعم على الإنسان، وما أجمل أثرها على الأرواح والأبدان!

 

يقول سبحانه: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾[8] يعني: تذكّر يا رسول الله، أنك كنت يتيمًا لا تملك لنفسك كبير شيء ولا صغيره، فسخر لك من يقوم بحمايتك ورعايتك، وكفالتك وتربيتك.

 

فاليتيم محط الضعف والحاجة، ومظنة القهر والضياع، وقد مات عبدُ الله والد نبينا ورسولُ الله مازال جنينًا في بطن أمه، ثم توفيت أمه وهو ابن ست سنين، فآواه الله إلى جده عبد المطلب الذي كان يوليه محبته وعطفه، وحنانه وعنايته، بل كان يفتخر به، ويقدمه على سائر بنيه، فلم يلبث لدى جده العطوف إلا سنتين تزيد قليلًا أو تنقص قليلًا، حتى مات جده، فلم يضيع الله حبيبه ورسوله محمدًا، فنقل رعايته وتربيته إلى عمه الرؤوف أبي طالب، الذي لم يزل يحوطه ويحميه، وينميه ويربيه، إلى أن بعثه الله نبيًا ورسولا، فاستمر على نصرته حتى مات أبو طالب قبل الهجرة بثلاث سنين، وكل هذا الحفظ كان بتسخير الله وتقديره، وعنايته وتدبيره.

 

فلما تجرأ عليه سفهاء قريش بعد وفاة أبي طالب اختار الله له الهجرة إلى المدينة حيث الأنصار من الأوس والخزرج، فلقي هناك الأمن والمأوى، والمعونة والنصرة، والقوة والمنعة، إلى أن توفاه الله تعالى.

 

نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا.

 

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

أيها المسلمون، ثم يقول الله تعالى لرسوله الكريم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ يقول: لقد كنتَ غيرَ عالمٍ بمعالم الشريعة الغراء، جاهلًا بالنبوة التي حباك الله بها، فهداك حينئذ إلى معرفة شرائع الإسلام، وعلّمك ما فيه بإرسالك إلى جميع الأنام.

 

ويدل على هذا: قول الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[الشورى:52]، وقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف:3]، وقوله: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].

 

وليس المقصود بالضلال اتباع الباطل؛ فإن الأنبياء معصومون من ذلك قبل النبوة وبعدها، فلقد ألهم الله رسولنا الأمين المعرفة بضلال ما كان عليه قومه من الشرك وأعمال الجاهلية النكراء، فنشأ كارهًا لذلك، نائيًا عنه، حتى أرسله الله رحمة للعالمين.

 

ثم يقول له جل وعلا: ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ أي: كنت فقيرًا لا مال لك، فأعطاك الله ما يكفيك من المال، ففي صغرك كفاك بجدك وعمك، فكفياك الحاجة، وفي حال شبابك كفاك بالعمل في رعي الأغنام والتجارة في مال خديجة، وبعد زواجك بها كفاك بمالها لتتفرغ لدعوة الناس إليه، حتى منَّ عليك بعد ذلك بالغنائم.

 

وأغناك سبحانه بما هو أهم من ذلك كله ألا وهو غنى النفس، فعشت قنوعًا غير طموع، جوادًا غير هلوع.

 

والغنى الحقيقي إنما هو غنى النفس؛ ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ).

 

قال الشافعي رحمه الله:

رأيتُ القناعةَ رأسَ الغِنَى
فصِرْتُ بأذيالِها ممتَسِكْ
فلا ذا يرانِي على بابِهِ
ولا ذا يرانِي به منهَمِكْ
فصِرْتُ غنِيًّا بلا دِرْهَمٍ
أمُرُّ علَى الناسِ شبهَ الملكْ[9]


أيها المؤمنون، بعد أن عدَّد الله تعالى لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام شيئًا من آلائه عليه؛ أمره جل وعلا بشكر هذه النعم شكرًا عمليًا فقال له: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾، يعني: إذا أقررت بما تقدم ذكره من نعم الله عليك فاشكره سبحانه على ذلك؛ فقال له: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ أي: لا تذل اليتيم، ولا تظلمه، ولا تحقره، وهذا لا يمكن أن يكون من الرسول الكريم، الرؤوف الرحيم، وهو القائل-كما في صحيح مسلم-: (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ)، وإنما المقصود أمته؛ حتى يتقوا الله في اليتامى، ولاسيما من كان يتيمًا في صغره.

 

ثم قال له: ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ﴾ يعني: لا تزجر السائل إذا أتاك، ولا تسء إليه متى وافاك؛ فإن له حقًا من علمك إن كان سائلَ معرفةٍ، وحقًا من مالك إن كان سائل عطية، فمِن شكرِ الله على نعمة الهداية: تعليم الجاهل، وإجابة السائل، ومن شكر الله على نعمة الكفاية والغنى: إعطاء المحتاجين، وسد فاقة المساكين.

 

ثم قال له جل جلاله: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾، يعني: أخبرْ بنعمة الله عليك؛ اعترافًا بفضله ونعمته، وشكرًا له على كرمه وعطيته، من غير تفاخر ولا رياء إذا حدثت، ومن دون خشية مضرة متى أعلنت.

 

قال بعض أهل العلم: " وقال الحسن:" أكثروا من ذكر هذه النعم؛ فإن ذكرها شكر"، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى:11]، والله تعالى يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته؛ فإن ذلك شكرها بلسان الحال"[10].

 

عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا قَشِفُ الْهَيْئَةِ, فَقَالُ: (هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ)؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: (مِنْ أَيِّ مَالٍ)؟ قُلْتُ: مِنْ كُلٍّ قَدْ آتَانِيَ اللَّهُ مِنَ: الْإِبِلِ، وَالرَّقِيقِ، وَالْغَنَمِ, قَالَ: (إذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْك)[11].

 

فيا عباد الله، اقرأوا سورة الضحى وتدبروها، وتأملوا في نعم الله على رسوله فيها وعوها؛ حتى تزداد محبتنا لنبينا الكريم، ونصدق في سيرنا على منهاجه القويم، وكونوا من أهل الزهادة في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وأحسنوا إلى الأيتام والسائلين، والْهجوا بشكر الله رب العالمين.

 

جعلني الله وإياكم من المتدبرين لكتابه المبين، الصادقين في اتباع رسوله الأمين.

 

هذا وصلوا وسلموا على النبي المختار...



[1] ألقيت في جامع الشوكاني في: 24/ 2/ 1448هـ، 7/ 5/ 2026م.

[2] ينظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (22/ 101)، التحرير والتنوير (30/ 394).

[3] رواه الترمذي، والبيهقي، والبزار، وهو صحيح.

[4] رواه مسلم (2858).

[5] الزهد لابن أبي الدنيا (ص: 57).

[6] مصنف ابن أبي شيبة (7/ 106).

[7] رواه مسلم.

[8] يقال لفاقد الأب: يتيم، ولفاقد الأم: عجي، ولفاقدهما: لطيم. بيان المعاني (1/ 155).

[9] مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي (8/ 474).

[10] عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 120).

[11] رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، وإسناده صحيح.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تفسير سورة الضحى
  • تفسير سورة الضحى
  • تفسير سورة الضحى
  • حكم قراءة سورة الضحى عند فقد شيء أو ضياعه
  • وقفات تربوية مع سورة الضحى (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾(مقالة - موقع أ. د. فؤاد محمد موسى)
  • باب في محبة الله عز وجل(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حديث: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • حديث: يا رسول الله، إن ابني هذا كان في بطني له وعاء(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • يا رسول الله من أبر؟(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • حديث: يا رسول الله عندي دينار؟ قال: أنفقه على نفسك(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • تحريم سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تحريم سب نبي أو رسول عليهم الصلاة والسلام وحكم الشرع في الساب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لو كان رسول الله حيا! (قصيدة)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • حديثك يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • رغم صعوبات النقل مساعدات إسلامية مستمرة لمتضرري فيضانات نيبال
  • دورتان للفتيات والفتيان حول الزواج والحياة الأسرية في قازان
  • تتويج متميزين في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية للإسلام ببلغاريا
  • بعد 13 عاما حلم أسرة يتحول إلى أول مسجد في سوتوفو
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 28/3/1448هـ - الساعة: 15:34
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب