• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

خطبة عن الرضا

خطبة عن الرضا
جمال علي يوسف فياض

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 15/1/2026 ميلادي - 27/7/1447 هجري

الزيارات: 475

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة عن الرضا

 

الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علمًا وهو على كل شيء قدير، وجعل لكل شيء قدرًا وأجَلًا مطابقًا لعلمه وحكمته وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الألوهية والخلق والتدبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المعاد والمصير، وسلم تسليمًا.

 

أما بعد أيها الناس:

فاتقوا الله تعالى وآمِنوا به، وآمِنوا بقضائه وقدره؛ فإن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان، فلن يتم الإيمان حتى يؤمن العبد بالقدَر خيرِه وشرِّه.

 

إخوة الإسلام والإيمان، إن الرضا بالقضاء والقدر هو باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبِّين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين، وهذا هو حديث خطبتنا اليوم، واللهَ أسأل أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

أولًا: معنى الرضا:

قال ابن عطاء: "الرضا سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل؛ فيرضى به".

 

وليس من شرط الرضا ألَّا يُحِسَّ العبد بالألم والمكاره، بل ألَّا يعترض على الحكم ولا يتسخَّطه.

 

ففي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ((دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القَين[1]، وكان ظِئرًا[2] لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم، فقبَّله، وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان،[3] فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا بنَ عوف إنها رحمة، ثم أتْبَعَها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))[4]، فها أنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم يبكي وتدمع عيناه، ومع ذلك فهو سيد الراضين بقضاء الله وقدره، وفي الحديث جواز البكاء على المريض والحزن، وأن ذلك لا يخالف الرضا بالقدر، بل هي رحمةٌ جعلها الله في قلوب عباده، وإنما المذموم الندب والنِّياحة، والويل والثبور، ونحو ذلك من القول الباطل؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((ولا نقول إلا ما يرضي ربنا))[5]، فوجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضا، كرضا المريض بشرب الدواء الكريه، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها.

 

فالرضا بقضاء الله تعالى وقدره يسيِّر العبد إلى الله، وهو مستلقٍ على فراشه، فيصبح أمام الركب بمراحلَ، فيسبق كثيرًا ممن اجتهد في عبادات الجوارح الظاهرية؛ وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه: "أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر".

 

وقال أبو عثمان الحيري رحمه الله: "منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته"، فمن رضيَ بالله ربًّا رضِيَه الله له عبدًا، والرضا بالمقدور من سعادة ابن آدم، وسخطه من شقاوته؛ كما جاء من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سعادة ابن آدم استخارة الله عز وجل، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله))[6].

 

والرضا – أيها الإخوة – ثلاثة أنواع:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قال كل يوم: رضِيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، إلا كان حقًّا على الله أن يُرضيه يوم القيامة))[7].

 

فها هنا ثلاثة أمور: الرضاء بالله، والرضا عن الله، والرضا بقضاء الله.

فالرضا به فرض، والرضا عنه - وإن كان من أجَلِّ الأمور وأشرف أنواع العبودية - فلم يُطالَب به العموم؛ لعجزهم ومشقته عليهم.

 

فاختيار الرب تعالى لعبده نوعان:

أحدهما:اختيار ديني شرعي؛ فالواجب على العبد ألَّا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، فاختيار العبد خلاف ذلك منافٍ لإيمانه وتسليمه، ورضاه بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا.

 

النوع الثاني:اختيار كونيٌّ قدَريٌّ، لا يسخطه الرب، كالمصائب التي يبتلي الله بها عبده، فهذا لا يضره فراره منها إلى القَدر الذي يرفعها عنه، ويدفعها ويكشفها، وليس في ذلك منازعةٌ للربوبية، وإن كان فيه منازعة للقَدَرِ بالقدر.

 

فهذا يكون تارة واجبًا، وتارة يكون مستحبًّا، وتارة يكون مباحًا مستويَ الطرفين، وتارة يكون مكروهًا، وتارة يكون حرامًا.

 

وأما القدَر الذي لا يحبه ولا يرضاه - مثل قدَر المعائب والذنوب - فالعبد مأمور بسخطها، ومنهيٌّ عن الرضا بها.

 

ثانيًا: ثمرات الرضا:

الرضا من أجَل أعمال القلوب وأعظمها، وأعمال القلوب أعظم أجرًا من أعمال الجوارح، فأعمال القلوب لا ينتهي تضعيف ثوابها، وأما أعمال الجوارح فلها حدٌّ تنتهي إليه، وتقف عنده، فيكون جزاؤها بحسب حدها، وأما أعمال القلوب فهي دائمة متصلة، وإن توارى شهود العبد لها.

 

ومثال ذلك: أن المحبة والرضا حال المحب الراضي، لا تفارقه أصلًا، وإن توارى حكمها، فصاحبها في مزيدِ أجرٍ وثواب متصل، فأجر المحب الراضي متصل بدوام هذه الحال له؛ فهو في مزيدٍ من الأجر، ولو فترت جوارحه، بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيدِ كثيرٍ من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما، ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده في حال نومه أكثر من مزيد كثير من أهل القيام، وأكله أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع.

 

ومن أجَلِّ ثمرات الرضا التي يجنيها الراضي بقضاء الله وقدره أنَّ:

♦من ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ الله صدره غنًى وأمنًا وقناعة، وفرَّغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضا امتلأ قلبه بضدِّ ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه، فالرضا يفرغ القلب لله، والسخط يفرغ القلب من الله.

 

♦من رضيَ بالقضاء والقدر نجا من مزالق الشيطان؛ فإن الشيطان إنما يظفَر بالإنسان غالبًا عند السخط والشهوة، فهناك يصطاده، ولا سيما إذا استحكم سخطه؛ فإنه عندئذٍ يقول ما لا يُرضي الرب، ويفعل ما لا يرضيه، وينوي ما لا يرضيه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم: ((يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول إلا ما يرضي الرب))، فإن موت البنين من العوارض التي تُوجِب للعبد السخط على القدر.

 

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا يقول في مثل هذا المقام - الذي يسخطه أكثر الناس فيتكلمون بما لا يُرضي الله، ويفعلون ما لا يُرضيه - إلا ما يُرضي ربه تبارك وتعالى.

 

♦ الرضا عن الله في جميع الحالات يُثمر للعبد رضا الله عنه؛ فإن الجزاء من جنس العمل، وفي أثر إسرائيلي: "أن موسى عليه السلام سأل ربه عز وجل: ما يُدني من رضاه؟ فقال: إن رضايَ في رضاك بقضائي"، وفي أثر آخر: "إن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام أن يسأل ربه أمرًا، إذا هم فعلوه رضيَ عنهم، فقال موسى: ربِّ، إنك تسمع ما يقولون، فقال: قل لهم: يرضون عني حتى أرضى عنهم".

 

♦الرضا من أعمال القلوب، فهو نظير الجهاد من أعمال الجوارح؛ فإن كل واحد منهما ذروة سَنام الإيمان؛ قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "ذروة سنام الإيمان: الصبر للحكم، والرضا بالقدر".

 

ثالثًا: كيف أرضى؟

أخي الكريم، وبعد أن عرفتَ معنى الرضا وثمراتِه العظيمة، لعلك تسأل وتقول: كيف أرضى؟ كيف أدرِّب نفسي على الرضا بالقضاء والقدر؟ فأقول لك:

أخي، لا تتسخط على الله إذا منعك شيئًا؛ فإنَّ منعَ الله سبحانه وتعالى لعبده المؤمن المحب عطاء، وابتلاءه إياه عافية.

 

قال سفيان الثوري رحمه الله: "منعُه عطاء"؛ وذلك أنه لم يمنع عن بخلٍ ولا عدم، وإنما نظر في خير عبدِه المؤمن فمَنَعَه اختيارًا وحسنَ نظر، وهذا كما قال؛ فإنه سبحانه لا يقضي لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، ساءه ذلك القضاء أو سرَّه، فقضاؤه لعبده المؤمن المنعَ عطاءٌ، وإن كان في صورة المنع، ونعمةٌ وإن كانت في صورة محنة، وبلاؤه عافية، وإن كان في صورة بليَّة.

 

ولكن لجهل العبد وظلمه لا يُعَد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذَّ به في العاجل، وكان ملائمًا لطَبعِه، ولو رُزق من المعرفة حظًّا وافرًا لعدَّ المنع نعمةً، والبلاء رحمة، وتلذَّذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية، وتلذَّذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى، وكان في حال القلة أعظم شكرًا من حال الكثرة؛ وقد قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وقد قال بعض العارفين: ارضَ عن الله في جميع ما يفعله بك، فإنه ما منعك إلا ليُعطيك، ولا ابتلاك إلا ليُعافيَك، ولا أمرضك إلا ليشفيك، ولا أماتك إلا ليُحييك؛ فإياك أن تفارق الرضا عنه طرفة عين؛ فتسقط من عينه.

 

ومن أعظم الأسباب التي تُعينك على الرضا:

♦أن تلزم ما جعل الله رضاه فيه؛ فإنه يُوصلك إلى مقام الرضا ولا بدَّ، قيل ليحيى بن معاذ: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ فقال: "إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يُعامِل به ربه، فيقول: إن أعطيتني قبِلت، وإن منعتني رضِيت، وإن تركتني عبدتُ، وإن دعوتني أجبتُ".

 

♦أن تفوِّض أمورك إلى الله تعالى، فالمفوِّض راضٍ بكل ما اختاره له من فوض أمره إليه، ولا سيما إذا علِم كمال حكمته ورحمته، ولطفه وحسن اختياره له.

 

♦أن تعلم أنه لا تبديلَ لكلمات الله، ولا رادَّ لحكمه، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو يعلم أن كلًّا من البليَّة والنعمة بقضاء سابق، وقدَر حتمٍ.

 

قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22، 23].

 

♦أن توقِن أنك ضعيف لا تعرف مصلحة نفسك من كل وجه، والرب تعالى يريد مصلحتك، وقد تكون مصلحتك على طريق تكرهه، فإن مصلحتك فيما تكره أضعاف أضعاف مصلحتك فيما تحب؛ قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

 

♦أن تعلم أنك إذا رضِيت بالقضاء والقدر، انقلب في حقِّك نعمة ومنحة، وخفَّ عليك حمله، وأُعِنتَ عليه، وإذا سخطت تضاعف عليك ثقله كله، ولم يزْدَد إلا شدة، فلو أن السخط يجدي عنك شيئًا، لَكان لك فيه راحةٌ أنفعُ له من الرضا به؛ فعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له))[8].

 

♦وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضيَ فله الرضا، ومن سخط فله السخط))[9].

 

أخي، ومما يُعينك على الرضا:

♦ أن تعلم أن السخط بابُ الهمِّ والغمِّ والحزن، وشتات القلب، وكسف البال، وسوء الحال، والظن بالله خلاف ما هو أهلُه، والرضا يخلِّصك من ذلك كله، ويفتح لك باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، والرضا يوجِب لك الطمأنينة، وبرد القلب، وسكونه وقراره، والسخط يُوجِب اضطراب قلبك، ورِيبته وانزعاجه، وعدم قراره.

 

♦ أن تعلم أن كلَّ قدرٍ يكرهه العبد ولا يُلائمه، لا يخلو: إما أن يكون عقوبةً على الذنب، فهو دواء لمرض، لولا تدارك الحكيم إياه بالدواء، لَترامَى به المرض إلى الهلاك، أو يكون سببًا لنعمة لا تُنال إلا بذلك المكروه، فالمكروه ينقطع ويتلاشى، وما يترتب عليه من النعمة دائمٌ لا ينقطع، فإذا شهِد العبد هذين الأمرين، انفتح له باب الرضا عن ربه في كل ما يقتضيه له ويقدِّره.

 

♦ أن تسأل الله أن يرزقك الرضا، فالنبي صلى الله عليه وسلم سأل الله الرضا بعد القضاء؛ كما في المسند والسنن: ((اللهم بعلمك الغيبَ، وقدرتك على الخلق، أحيِني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغِنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرةَ عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضرَّاء مُضرة، ولا فتنة مُضِلة، اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين))[10].

 

هذا، واستغفروا ربكم، وتوبوا إليه؛ إنه تواب رحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، فضَّل المؤمنين على المجرمين، ولم يسوِّ بين الصالحين والطالحين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله، وأصحابه الغر الميامين؛ أما بعد:

رابعًا: صور من حياة الراضين:

قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: "أصبحتُ وما لي سرور إلا في مواقع القدر".

 

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "الفقر والغِنى مطيَّتان ما أُبالي أيهما ركبت، إن كان الفقر فإن فيه الصبر، وإن كان الغِنى فإن فيه البذل".

 

أخي، إن المحبَّ راضٍ عن حبيبه في كل حالة، وقد كان عمران بن حصين رضي الله عنه استسقى بطنه[11]، فبقيَ ملقًى على ظهره مدة طويلة، لا يقوم ولا يقعد، وقد نُقب له في سريره موضعٌ لحاجته، فدخل عليه مطرف بن عبدالله الشخير، فجعل يبكي لما رأى من حاله، فقال له عمران: لمَ تبكي؟ فقال: لأني أراك على هذه الحال الفظيعة، فقال: لا تبكِ، فإن أحبه إليَّ أحبه إليه، وقال: أخبرك بشيء، لعل الله أن ينفعك به، واكتم عليَّ حتى أموت، إن الملائكة تزورني فآنَس بها، وتسلِّم عليَّ فأسمع تسليمها.

 

ولما قدِم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى مكة - وقد كُفَّ بصره - جعل الناس يُهرعون إليه ليدعو لهم، فجعل يدعو لهم، قال عبدالله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرَّفت إليه، فعرفني، فقلت: يا عم، أنت تدعو للناس فيشفون، فلو دعوت لنفسك لردَّ الله عليك بصرك، فتبسَّم، ثم قال: يا بني، قضاء الله أحب إليَّ من بصري.

 

وقال بعض السلف: لو قُرض لحمي بالمقاريض كان أحب إليَّ من أن أقول لشيءٍ قضاه الله: ليته لم يقضِه.

 

فالرضا – أيها الإخوة – بالقضاء والقدر أجره عميم، وصاحبه على خُلق عظيم، لأن الرضا بالله حُسن خلقٍ مع الله تعالى، والرضا يريح قلب العبد وباله، ويُرضي عنه مولاه؛ فمن رضيَ عن الله رضيَ عنه الله.

 

فنسأل الله أن يرضينا ويرضى عنا، ونسأله أن يصلح حال العباد والبلاد، وأن ينصر المستضعفين من المسلمين، وأن يفرِّج كربهم، ويُزيل همَّهم، ويسترنا وإياكم في الدنيا والآخرة.



[1] - يعني: الحداد.

[2] - الظِّئر: زوج المرضعة.

[3] - ذرفت العين: إذا جرى دمعها.

[4] - أخرجه البخاري (ح 1303)، ومسلم (ح 2315).

[5] - شرح النووي على مسلم 15/75.

[6] - أخرجه الحاكم في المستدرك (ح 1903)، وصححه ووافقه الذهبي.

[7] - أخرجه الترمذي (ح 3389) وحسنه.

[8] - أخرجه مسلم (ح 64).

[9] - أخرجه الترمذي (ح 2396) وحسنه.

[10] - أخرجه النسائي (ح 1305)، وهو حديث صحيح.

[11] - استسقى بطنه: أي: اجتمع في تجويف بطنه سائل مصليٌّ لا يكاد يبرأ منه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الرضا بالله تعالى ربا ( خطبة )
  • خطبة في الرضا بالقدر
  • معينات المبتلى على الصبر والرضا (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • العدل في الرضا والغضب (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الرضا بما قسمه الله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الكسوف(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الترف (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحقوق عند الله لا تضيع (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تكريم الشريعة للمسلمة (خطبة)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • خطبة: اليقين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل شهر شعبان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ثمرات تعظيم الله تعالى (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • قسوة القلب (خطبة) (باللغة البنغالية)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مبادرة تعليمية في بريطانيا لتوحيد رؤية الهلال محليا
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة
  • مسلمو توزلا ينظمون حملة إنسانية ناجحة للتبرع بالدم
  • المسلمون الأكثر سخاء في بريطانيا وتبرعاتهم تفوق المتوسط بأربعة أضعاف
  • تشوفاشيا تشهد افتتاح مسجد مرمم بحضور ديني ورسمي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 26/7/1447هـ - الساعة: 15:35
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب