• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / محمد صلى الله عليه وسلم / خطب منبرية
علامة باركود

ثناء الله تعالى ونعمه على رسولنا الكريم في سورة الشرح (خطبة)

ثناء الله تعالى ونعمه على رسولنا الكريم في سورة الشرح (خطبة)
عبدالله بن عبده نعمان العواضي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 3/9/2026 ميلادي - 22/3/1448 هجري

الزيارات: 73

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

ثناء الله تعالى ونعمه على رسولنا الكريم في سورة الشرح[1]

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].

 

أيها الناس، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: بسم الرحمن الرحيم ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 1 - 8].

 

هذه سورة الشرح، أو الانشراح، أو ألم نشرح، سورة يتجلى فيها ثناء الله العظيم، على نبينا الهادي الكريم، بما منَّ سبحانه وتعالى عليه به من النعم التي ترفعه مكانًا عليًّا، وتبقي ذكره في الناس حسنًا نديًّا.

 

وقد نزلت هذه السورة الكريمة بعد سورة الضحى؛ لما بينهما من الارتباط الوثيق؛ فهي متممة لعبارات الثناء على سيد الأنبياء، وذاكرة نعمًا عليه مضافة إلى ما تقدم في سورة الضحى، وكل ذلك تدليل واضح على صدق نبوته، وبرهان مفصح عن صحة رسالته، وتثبيت له على الاستمرار في دعوة المشركين، إلى توحيد رب العالمين.

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سألت ربي مسألةً، وددت أني لم أسأله، قلت: يا رب، قد كانت قبلي رسل، منهم من سخرت له الرياح، ومنهم من كان يحيي الموتى، قال: ألم أجدك يتيمًا فآويتك؟ ألم أجدك ضالًّا فهديتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ ووضعت عنك وزرك؟ قلت: بلى، يا رب))[2].

 

وسورة الشرح -معشر الكرام- سورة مكية، عدد آياتها: ثماني آيات، وعدد كلماتها: ست وعشرون كلمة، وعدد حروفها: مائة وخمسون حرفًا.

 

يدور حديث هذه السورة الكريمة على موضوع واحد هو الحديث عن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، مبينة ما أنعم به عليه الكريمُ العلام؛ من إزالة الضيق عن نفسه، بإفساح صدره، ورفع الغم عنه في طريق دعوته، وإعلان حمده وذكره، وتبشيره بأن ما سيلقى من الحرج والعسر؛ سيتلوه الفرج واليسر، وأمره بأن ينشغل بعبادة ربه، ويجد فيما يقربه إليه، وأن يتضرع بين يديه، ويطلب حاجاته منه وحده لا من غيره.

 

أيها المسلمون، يقول الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ [الشرح: 1]، تأملوا في هذه الجملة القرآنية الوجيزة في مبناها، الفسيحة في معناها، إنها جملة امتنان من الرحيم الرحمن، يخاطب بها نبيه محمدًا.

 

يقول له: لقد علمت أني شرحت لك صدرك بالنور والمعرفة والإيمان، والحكمة والنقاء والقرآن، فصار قلبك رحبًا فسيحًا، لا يضيق بالهموم والضجر؛ لأنك بُعثت إلى الأسود والأحمر، والإنس والجن، فكان لا بد لهذا الهم الأكبر من قلب فسيح.

 

لهذا لما شرح الله صدر رسوله وسع صدره الشريف أخلاق الناس أجمعين، فصفح عن المخطئين، وحلم عن الجاهلين، ورحم الضعفاء والمساكين، وأعطى السائلين، وجاد على المؤملين، واحتمل إيذاء الأعداء، وثقل أهل الجفاء.

 

وقد تواترت عليه الهموم والأزمات فلم تسرق منه ابتسامه وانشراحه، وتكالبت عليه الحوادث والمصيبات فما ضيقت من قلبه الرحيب انفساحه.

 

وقد ظل مع كل ذلك متواضعًا رحيمًا، فلم يصر فظًّا غليظًا، ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159].

 

فيا سعادة من شرح الله صدره فاتسع للحق وانفسح، ولم تضيقه الغموم والمعضلات ولو عظمت وكثرت، يقول الله تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ [الأنعام: 125]، وقال: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 22].

 

ولا يبعد -معشر المسلمين- أن يكون من شرح الله صدر نبيه الكريم أيضًا: ما حصل من حوادث شق الصدر الشريف أربع مرات، في سنوات عمرية مختلفة.

 

وتأملوا -رعاكم الله- في قوله سبحانه: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾ إنه استفهام تقريري، خاطب الله به نبيه؛ تذكيرًا له بأمر عظيم يعرفه، فيه نعمة عظيمة عليه.

 

وقوله: ﴿ نَشْرَحْ ﴾ جاء هذا الفعل بنون العظمة؛ لبيان عظمة هذا الشرح وجلالة قدره؛ لأن عظمة النعمة بعظمة المنعم، فعندما يكون الانشراح من عند الله فإنه عظيم.

 

وقوله: ﴿ لَكَ ﴾ فيه تكريم للنبي الأمين بأنه فعل ذلك الشرح لأجله ونفعه، وتقديم الجار والمجرور على المفعول للمسارعة إلى إدخال السرور على قلب الرسول عليه الصلاة والسلام.

 

وهنا قال سبحانه: ﴿ صَدْرَكَ ﴾ ولم يقل: قلبك؛ لأن الصدر محل الوسوسة في الإنسان؛ كما قال تعالى عن الشيطان: ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾ [الناس: 5]، فالصدر حصن القلب، فمتى دخله الشيطان بث فيه الهموم والحرص فحينئذٍ يضيق القلب، فإذا دفع الشيطان عن أبواب الحصن استراح القلب.

 

وإذا نظرنا إلى قوله سبحانه: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ [الشرح: 1] نلاحظ أنه عطاء عظيم من الله تعالى لنبينا محمد جاءه من غير سؤال، وأما موسى عليه السلام فقد تعالى عنه: ﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ [طه: 25]، فكان في هذا مزية جليلة للمصطفى عليه الصلاة والسلام[3].

 

أيها المؤمنون، ثم يقول جل وعلا: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ [الشرح: 2، 3].

 

هذه نعمة جديدة من نعم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي: أن الله جل وعلا حين بعثه رسولًا أذهب عنه ثقل أعباء الرسالة وشدة عنائها، وعصمه من الذنوب وسوء آثارها، وأزاح عنه حيرة الجاهلية وبؤس أيامها، ولولا ذلك لأثقلت نفسه الكروب، وأرهقت روحه الذنوب.

 

فما أجَل نعم الله عليه، وما أجزل مننه الواصلة إليه قال تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ [الفتح: 1 - 3].

 

وفي حديث استشفاع الناس بالأنبياء والرسل يوم القيامة جاء في صحيح ابن حبان بسند صحيح: قال: ((... فيقول عيسى عليه السلام: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، عبدٌ غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، قال: فيأتوني، فأستأذن على ربي، فيأذن لي...))؛ [الحديث].

 

عباد الله، ثم يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 4]، ما أعظم هذا الوسام، وما أجل هذا الإكرام، الذي ناله نبينا عليه الصلاة والسلام؛ إنه وسام سامٍ من رب العالمين، وليس من أحد من المخلوقين، وقد ذكره بصيغة الفعل الماضي ليدل على تقدم هذا الرفع، وأنه سيبقى أبد الآباد، ثم أيضًا لم يأتِ النص القرآني العظيم فيقول: ورفعنا لك اسمك، بل جاء برفع الذكر الذي هو حسن الصيت؛ ليعم كل ما يخص رسولنا عليه الصلاة والسلام.

 

ومعنى رفع ذكره عليه الصلاة والسلام: إعلاء شأنه وقدره في العالمين، وجعله في المكان السامي بين المخلوقين، وتخليد ذكره في كل جيل يأتي إلى يوم القيامة، فيبقى بذلك معروفًا غير منكور، مشهورًا غير مجهول.

 

ومن رفعِ ذكره صلى الله عليه وسلم: ذِكر اسمه مقرونًا بذكر اسم الله، فلا يذكر الله إلا ذكر معه؛ كذكره في الأذان والإقامة للصلوات، وفي خطب الجمع والمناسبات، والدروس والمحاضرات، وغير ذلك؛ قال حسان رضي الله عنه:

أغر عليه للنبوة خاتم
من الله مشهود يلوح ويشهدُ
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه
إذا قال في الخمس المؤذن أشهدُ
وشق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود وهذا محمدُ[4]

 

ألا ترون -معشر المسلمين- أن صوت الأذان يتردد اليوم في كثير من بقاع الأرض، وأن الحديث عن رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام حاضر دومًا في كثير من اللغات التي يتكلم بها الأنام.

 

ومن رفع ذكره عليه الصلاة والسلام: أنه عُرف بين قومه قبل بعثته بطيب الخصال، وحسن الخلال، فلما بُعث لم يزدد من ذلك إلا طيبًا وحسنًا، فصار معروفًا بينهم بكل فضيلة، فلم يجد فيه أعداؤه مغمزًا، ولم يأخذوا عليه عثرة، ولم يعيروه بمسبة.

 

وصدق من قال:

وشمائل شهد العدو بفضلها
والفضل ما شهدت به الأعداءُ

ومن رفع ذكره عليه الصلاة والسلام: كثرة الصلاة عليه في كل موطن يذكر فيه صلى الله عليه وسلم؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

وكما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صلى عليَّ واحدةً صلى الله عليه عشرًا)).

 

عليه صلاة الله وسلامه عدد ما خلق، وعدد ما رزق.

 

ومن رفع ذكره عليه الصلاة والسلام: بقاء تلاوة حديثه الشريف وحفظه، ودراسة سيرته العطرة في كل بلاد، وعلى كل لسان.

 

ومن رفع ذكره عليه الصلاة والسلام: ذكره لدى الأنبياء السابقين؛ فقد كان معلومًا لديهم ولدى أتباعهم، بل أخذ الله على الأنبياء الميثاق أنه إذا بعث فيهم أن يؤمنوا به؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران: 81].

 

قال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيًّا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به وينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه[5].

 

ومن رفع ذكره عليه الصلاة والسلام: كثرة التسمي باسمه بين المسلمين، فقلَّ أن يوجد بيت مسلم يخلو من اسم محمد، لا سيما في البلدان العربية.

 

ومن رفع ذكره عليه الصلاة والسلام: الخصائص التي اختص بها عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء في الدنيا والآخرة، والخصائص التي اختص بها دون أمته كذلك في الدنيا والآخرة.

صلى عليه الله جل جلاله
ما ظل في الدنيا نهار مشرقُ
فهو السنا عمَّ الزمان بهاؤه
فترحل الليل البهيم المرهق

 

نسأل الله أن يجعلنا سائرين في صراطه المستقيم، وأن يميتنا على نهجه القويم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

أيها المسلمون، ثم يقول ربنا العظيم: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5، 6].

 

يقول الله تعالى لنبيه الكريم: إذا علمت ما تقدم فاعلم أن العسر إلى يسر، وأن الشدة إلى رخاء؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام رضي الله عنهم كانوا في مكة يعانون من الشدة والعسر بسبب إيذاء قريش وتسلطها؛ فكم سامت أهل الإيمان ألوان النكال، بل آذت رسول الله بالأقوال والأفعال.

 

فكان في هاتين الآيتين الكريمتين فتحٌ لباب الأمل المنير من ضيق الظلام الكبير؛ بأن العسر غير دائم، وأن اليسر لا بد قادم؛ من أجل أن يصبروا، حتى يأتي فرج الله الموعود؛ فامتثل النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام ذلك ثلاث عشرة سنة، حتى أذن الله بالهجرة إلى المدينة، وهناك جاء اليسر بعد العسر.

 

قال بعض المفسرين عند قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5]: كان أصحاب النبي عليه السلام في ضيق شديد، فأعلمهم الله أنهم سيوسرون، وأنهم سيفتح عليهم، ففتح الله عليهم، وأبدلهم بالعسر يسرًا[6].

 

وتأملوا –رحمكم الله- في تكرار العسر واليسر؛ فإن العسر ذُكر معرفًا بالألف واللام مرتين في الآيتين، وأما اليسر فقد ذكر مرتين كذلك، ولكنه ذكر منكَّرًا، فهل هناك فرق في الاستعمالين؟

 

يقول العلماء: إن الاسم إذا ذكر مرتين معرفًا فإن الثاني هو الأول، وإن ذكر منكرًا مرتين أيضًا فالثاني غير الأول غالبًا، بمعنى: أن العسر في الآيتين واحد، وأما اليسر فهو يسران، أي: أن العسر مصحوب بيسرين، لكي يخف؛ ولذلك قيل: لن يغلب عسر يسرين، ففي هذا بشارة بغلبة اليسر للعسر[7].

 

روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم، قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب، يذكر له جموعًا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل الله له بعده فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وأن الله يقول في كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200].

 

أيها المؤمنون، إن قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5، 6]، تطمين للمؤمن المبتلى بأي بلاء بأن بلاءه موعود بالعافية والفرج، ما دام على بلائه صابرًا محتسبًا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((... واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا))[8].

 

قال الشاعر:

إن الأمور إذا اشتدت مسالكها
فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلِق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا[9]


قال علي رضي الله عنه: عند تناهي الشدة تكون الفرجة، وعند تضايق البلاء، يكون الرخاء، ومع العسر يكون اليسر[10].

خفض الجأش واصبرن رويدًا
فالرزايا إذا توالت تولت[11]

أيها الإخوة الفضلاء، ثم يقول الله تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 7، 8].

 

هذه ختام هذه السورة الكريمة؛ فبعد أن عدَّد الله نعمه العظيمة على نبيه ومصطفاه، وبشره بحصول الرخاء والفرج بعد شدائده وبلاياه؛ أمره بشكره عمليًّا؛ وذلك بالإقبال على عبادته، وإدامة التقرب إليه، وتوجه رغبته واعتماده عليه.

 

فقال له سبحانه: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾ [الشرح: 7]؛ يعني: إذا انتهيت من أشغال دنياك فجدَّ واجتهد في العمل لأخراك، أو فرغت من طاعة من الطاعات فأقبل على طاعة أخرى، ولا تبقَ فارغًا؛ فإن الفراغ مهلكة.

 

وهذا فيه حث لنا -أيها الفضلاء- على استغلال الوقت فيما ينفعنا، وألَّا نكون من أهل إضاعة الوقت؛ فإن تضييعه إنما هو تضييع للعمر، فالوقت نعمة، وشكرها استغلالها في الخير.

 

وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)).

 

قال عمر رضي الله عنه: إني أكره الرجل أن أراه يمشي سبهللًا؛ أي: لا في أمر الدنيا، ولا في أمر آخرة[12].

 

ثم يقول الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 8]؛ يعني: اجعل رغبتك وتعلقك ورجاءك في الله وحده، لا في الخلق، فإذا كان المشركون يعلقون آمالهم بأصنامهم، ويطلبون منها حاجاتهم؛ فأنت معك الله الرب العظيم الكريم الغني، الذي بيده كل شيء.

 

وفي هذا تعليم للمسلم أن يكون رجاؤه دائمًا في الله تعالى لا في سواه، فإذا سأل فليسأل الله، وإذا استعان فليستعن بالله.

 

وكما قيل:

إليك وإلا لا تشد الركائب
ومنك وإلا فالمؤمل خائب
وفيك وإلا فالرجاء مخيب
وعنك وإلا فالمحدث كاذب

 

فيا عباد الله، تأملوا في سورة الشرح وتدبروها، واعلموا عظمة نِعم الله على رسوله فيها، لتزدادوا له تعظيمًا إلى تعظيمه، واستبشروا باليسر إذا أُعسرتم وصبرتم، وأقبلوا على طاعة الله إذا فرغتم، وعلقوا بالله وحده الرجاء إذا رجوتم ورغبتم.

 

نسأل الله أن يعيننا على فعل الخيرات، وترك المساوئ والمنكرات.

 

هذا، وصلوا على نبينا الهادي البشير...



[1] ألقيت في جامع الشوكاني في: 1 /3 /1448هـ، 14 /8 /2026م.

[2] رواه الطبراني في الأوسط، والطحاوي والبيهقي، وهو صحيح الإسناد.

[3] ينظر: المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (2/ 71)، رحمة للعالمين (ص: 611)، خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب (ص: 566)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (8/ 573)، السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية (ص: 187).

[4] ديوان حسان بن ثابت (ص: 42).

[5] تفسير ابن كثير (2/ 58).

[6] أمالي ابن الشجري (3/ 91).

[7] ينظر: بدائع الفوائد (2/ 155)، الإتقان في علوم القرآن (2/ 352).

[8] رواه أحمد، والبيهقي، والطبراني، وهو صحيح.

[9] البيان والتبيين (2/ 243).

[10] الفرج بعد الشدة للتنوخي (1/ 177).

[11] زهر الأكم في الأمثال والحكم (3/ 225).

[12] الآداب الشرعية والمنح المرعية (3/ 588).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • وما المرء إلا بأخلاقه (قصيدة)
  • فضل المحافظة على سنن الصلوات القبلية والبعدية (خطبة)
  • جل الله واهبه: قصيدة هائية في مدح شيخ الإسلام: أبي العباس أحمد ابن تيمية، رحمه الله تعالى
  • الاستعداد الصالح لرمضان "خمس خطط استراتيجية لإدراك خير رمضان" (خطبة)
  • زكاة المال وزكاة النفس: آداب وأحكام (خطبة)
  • حسن الظن بالله تعالى: حكمه، مواطنه، ثمراته (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • القريض في الثناء على الأب والأم في شعر الدكتور عبد الرحمن العشماوي(مقالة - حضارة الكلمة)
  • بين الثناء على البخاري ورد أحاديثه: تناقض منهجي في رؤية الكاتب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ثناء الأنبياء على الله تعالى (7) ثناء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على ربه سبحانه(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • ثناء الأنبياء على الله تعالى (6) ثناء جملة من الأنبياء على ربهم سبحانه(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • ثناء الأنبياء على الله تعالى (5) ثناء يعقوب ويوسف على الله تعالى(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • ثناء الأنبياء على الله تعالى (1) ثناء نوح عليه السلام على ربه سبحانه(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • الجزاء من جنس العمل (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ومضات نبوية: "أنتم شهداء الله في أرضه"!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اسما الله الحيي الستير: تأملات عقدية في الأسماء والصفات وأثرهما في العبودية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {ختم الله على قلوبهم..}(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 21/3/1448هـ - الساعة: 14:33
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب