• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / محمد صلى الله عليه وسلم / مقالات
علامة باركود

تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم والسنة النبوية

تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم والسنة النبوية
د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 16/5/2026 ميلادي - 29/11/1447 هجري

الزيارات: 53

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم والسنة النبوية


مقدمة: مركزية مقام النبي صلى الله عليه وسلم في بنية الوحي:

الحمد لله. يحظى مقام النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام بمنزلةٍ فريدةٍ لا تُدانيها منزلة؛ إذ هو مهبط الوحي، وواسطة البلاغ، وأكمل الخلق خُلُقًا وهديًا، وقد انعكس هذا المقام الرفيع انعكاسًا بيِّنًا في خطاب القرآن الكريم، وفي بنية التشريع النبوي، وفي المنهج الذي رسمه الوحي لحفظ حرمة الرسالة وصيانة جناب النبوة.

 

فلم يكن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم في النصوص الشرعية مجرد توجيهٍ وجداني أو حثٍّ أخلاقي، بل جاء في صورة بناءٍ متكامل، تتداخل فيه الأساليب البيانية، والاختيارات التعبيرية، والأحكام العملية، على نحوٍ يُبرز سموَّ قدره، ويؤسس لمكانته في ضمير الأمة وتشريعها.

 

منهج المقال ومقصده:

وقد تنوَّعت أساليب القرآن في هذا الباب؛ فتارةً يظهر التعظيم في صيغة الخطاب، وتارةً في العدول عن المواجهة في مواضع مخصوصة، وتارةً في تقديم العفو، أو في الدفاع عنه، أو في ربط الإيمان الكامل بالتحاكم إليه والتسليم لحكمه. ثم جاءت السنة النبوية العملية لتُترجم هذا التعظيم إلى واقعٍ تشريعي، يضبط السلوك، ويقيم الأحكام، ويُبيِّن أن المساس بجناب النبي صلى الله عليه وسلم ليس شأنًا عاطفيًّا ولا مسألةً شخصيةً، بل قضيةٌ تمسُّ أصل الدين وهيبة الوحي.

 

يهدف هذا المقال إلى تتبُّع بعض مظاهر تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم، وبيان دلالتها، ثم الوقوف على دلالة السنة النبوية العملية في تقرير الأحكام المتعلِّقة بأذى النبي صلى الله عليه وسلم، مع إبراز الميزان المقاصدي الذي يحكم هذه التشريعات، ويمنع الغلو والتفريط معًا. وذلك من خلال قراءةٍ تأصيليةٍ تعتمد النصوص الثابتة، وتستنطقها في ضوء مقاصد الشريعة، ومآلات الأحكام، وسياقاتها الشرعية العامة.

 

أولًا: عناية القرآن الكريم بمقام النبي صلى الله عليه وسلم:

إنَّ المتأمِّلَ في كتاب الله تعالى، المتدبِّرَ لآياته من أوَّلها إلى آخرها، يقف وقفةَ إجلالٍ ظاهرة أمام عظيم عناية القرآن الكريم بمقام النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ امتلأ الكتاب العزيز بتعظيم قدره، والتلطُّف في خطابه، والتنويه بمنزلته، على وجهٍ يكشف عن رفعة شأنه، وسموِّ مكانته عند ربِّه جلَّ وعلا.

 

ومن تأمَّل أسلوب القرآن في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو في الحديث عنه، تبيَّن له من وجوه التوقير والإجلال ما يورث في القلب محبته وتعظيمه، ويزيد المؤمن يقينًا بجلالة قدره، وكمال منزلته[1].

 

ثانيًا: الأساليب القرآنية في توقير النبي صلى الله عليه وسلم

العدول عن المواجهة بالخطاب صيانةً لمقامه:

ومن تلك الأساليب القرآنية الدالّة على هذا التعظيم: أنَّ القرآن كثيرًا ما يصرف الخطاب المتعيِّن في حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، إذا كان في السياق ما لا يليق بمقامه الشريف، فيُنَزَّه صلى الله عليه وسلم عن مواجهته، ويُوجَّه الخطاب إلى غيره؛ زيادةً في الإكرام، وتمامًا في التوقير.

 

ويتجلَّى هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الأنفال: 43].

 

فالسياق كلُّه متعلِّق بالنبي صلى الله عليه وسلم، غير أن القرآن عدل عن مواجهته بالخطاب في موضع الفشل والنزاع، فصرفه إلى أصحابه، مع أن مقتضى الظاهر كان يقتضي توجيهه إليه، وذلك من باب اللطف الإلهي بحبيبه صلى الله عليه وسلم.

 

توجيه العتاب إلى غيره في المواطن المشتركة:

وكذلك يظهر هذا المعنى في آيات العتاب المتعلِّقة بأسرى بَدْر، قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67، 68].

 

فوجَّه العتاب إلى المؤمنين بقوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ﴾، ولم يواجه به النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن الواقعة كانت في عهده، فكان ذلك صيانةً لمقامه، وتعظيمًا لشأنه، كما بيَّنه الإمام الطبري رحمه الله؛ إذ قرَّر أن الله أراد لهم ما هو أزكى وأبقى، لا ما تميل إليه النفوس من متاع الدنيا.

 

التصريح بالنبوَّة عند مواضع الشبهة:

ومن وجوه تعظيمه صلى الله عليه وسلم أيضًا: أن القرآن يُصرِّح بمقامه النبوي في المواطن التي قد تُثار فيها شبهة، فيُبرز نبوَّته، ويرفع قدره، ويبرِّئ ساحته، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 50].

 

فجاء التصريح بالنبوة، وبيان الخصوصية، ورفع الحرج، تأكيدًا لمكانته، ودفعًا لكل شبهة.

 

صيانة خاطره من مواجهة الأذى:

ومن لطف الله بنبيه صلى الله عليه وسلم: أن القرآن لا يواجهه بشبهات المشركين ولا بأقوالهم الجارحة، بل يصرفها إلى سياق الحكاية عنها، حفظًا لخاطره، وصيانةً لقلبه الشريف، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ [القلم: 51، 52].

 

الجمع بين حقِّ الله وحقِّ رسوله صلى الله عليه وسلم:

ومن أبدع أساليب القرآن في تعظيمه صلى الله عليه وسلم: النظمُ الذي يمزج بين حقِّ الله تعالى وحقِّ رسوله مزجًا بديعًا، قال تعالى: ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفتح: 9].

 

فجاء التعزير والتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم، وجاء التسبيح لله تعالى، على ما قرَّره جمهور المفسرين.

 

تقديم العفو على العتاب:

ومن مظاهر هذا اللطف الرباني: تقديم العفو على العتاب، قال تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [التوبة: 43].

 

فابتدأ بالعفو قبل ذكر موضع المؤاخذة، حفظًا لقلبه الشريف، وإظهارًا لعلوِّ منزلته.

 

ربط الإيمان الكامل بالتحاكم إليه:

ومن تمام تعظيمه صلى الله عليه وسلم: أن الله جعل الإيمان الكامل متوقِّفًا على التحاكم إليه، مع خلوِّ الصدر من الحرج، والتسليم التام لحكمه، قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

 

مظاهر المدح والتشريف الخاص:

ومن وجوه المدح البالغ: وصفه بالأميَّة، وجعلها آيةً من آيات نبوَّته، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 157، 158].

 

وكذلك قدَّمه الله تعالى في الذكر على سائر الأنبياء، مع تأخُّره زمنًا عنهم، قال سبحانه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 7، 8].

 

بل تولَّى الله تعالى بنفسه الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم، وحشد لنصرته جنده من السماء والأرض، قال سبحانه: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾ [التحريم: 4، 5].

 

وختم الله تعالى هذا التعظيم بالقَسَم بحياته الشريفة، فقال جلَّ وعلا: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الحجر: 72]، ولا يُقسِم الله إلا بعظيم، فكان ذلك تشريفًا لم يُعْطَ لغيره، ودلالةً على سموِّ قدره، وعلوِّ مكانته، صلى الله عليه وسلم.

 

ثالثًا: من التعظيم القرآني إلى التشريع العملي:

إذا كان هذا التعظيمُ البالغُ لمقام النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا جليًّا في خطاب القرآن، وفي أساليبه، وتقديمه، ولطفه، والدفاع عنه، فإن هذا التعظيم لم يكن مجرد معانٍ تُتلى، ولا مبادئ تُقرَّر، بل تُرجم في واقع الأمة تشريعًا عمليًّا، وحكمًا نافذًا، وسلوكًا منضبطًا، تجلَّى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أحكامه، ومواقفه، وتعاملِه مع من آذاه، أو تعرَّض لجنابه الشريف.

 

فالسؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا البيان القرآني: كيف عبَّرت السنة النبوية العملية عن هذا المقام العظيم؟ وما الحكم الذي قرَّرته الشريعة فيمن تجرَّأ على أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا أو فعلًا؟

 

رابعًا: دلالة السنة العملية في حكم أذى النبي صلى الله عليه وسلم:

وهنا تنتقل بنا السنة المطهَّرة من مقام التقرير النظري إلى مقام التطبيق العملي، فتُبيِّن بوضوحٍ لا لبس فيه، أن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ليس شأنًا شخصيًّا، ولا مسألةً عاطفيةً، وإنما هو اعتداءٌ على أصل الدين، ومساسٌ بحرمة الرسالة، يستوجب من الأمة موقفًا يحفظ للنبي صلى الله عليه وسلم حقَّه، ويصون للدين هيبته، ويقيم ميزان العدل كما أراده الله ورسوله.

 

ومن خلال طائفةٍ من الوقائع الصحيحة الثابتة، نرى كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع صورٍ مختلفةٍ من الأذى، وكيف أقرَّ الأحكام، ووجَّه الأفعال، وبيَّن أن نصرة جنابه الشريف ليست خيارًا، بل واجبٌ شرعيٌّ تحكمه ضوابط الوحي، وتضبطه مقاصد الشريعة.

 

ومن هنا نعرض دلالة السنة العملية على حكم من آذى النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال هذه النصوص الثابتة التي تكشف بجلاءٍ عن الموقف الشرعي، بعيدًا عن الغلو، وبعيدًا عن التفريط.

 

أخرج البخاري في "صحيحه" (3141) عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بِغُلَامَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ، حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، قُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا، قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَكَانَا مُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ، وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ.

 

وأخرج البخاري في "صحيحه" (4037) عن جَابِر بْن عَبْدِاللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ. فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ: قُلْ. فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا، وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأَيْضًا وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ؟ فَقَالَ: أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ فَقَالَ: نَعَم، ارْهَنُونِي، قَالُوا: أَيُّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ، قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ، هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي السِّلَاحَ، فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو، قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ، قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ. قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: سَمَّاهُمْ عَمْرٌو؟ قَالَ: سَمَّى بَعْضَهُمْ. قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ. وَقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ أُشِمُّكُمْ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا؛ أَيْ: أَطْيَبَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ، قَالَ عَمْرٌو: فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشَمَّهُ، ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، قَالَ: دُونَكُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ".

 

وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" (982) عَنِ ابْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ، وَبَلَغَهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ لَهُ، وَكَانَ مَرَّ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ، قَالَ لِيَ: "اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُ لِي. قَالَ: "إِذَا رَأَيْتَهُ أَخَذَتْكَ قُشَعْرِيرَةٌ، لَا عَلَيْكَ أَنْ لَا أَصِفَ لَكَ مِنْهُ غَيْرَ هَذَا". قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَزَبَّ وَأَشْعَرَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ؛ صَلَاةُ الْعَصْرِ، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي لَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا أَنْ أُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي أُومِئُ إِيمَاءً نَحْوَهُ، ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا عَدَا أَنْ رَأَيْتُهُ اقْشَعْرَرْتُ، وَإِذَا هُوَ فِي ظُعُنٍ لَهُ - أَيْ فِي نِسَائِهِ - فَمَشَيْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَاكَ. فَقَالَ: إِنِّي لَفِي ذَاكَ. قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: سَتَعْلَمُ. قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حَتَّى بَرَدَ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَأَعْطَانِي مِخْصَرًا - يَقُولُ: عَصًا - فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ لِي أَصْحَابِي: مَا هَذَا الَّذِي أَعْطَاكَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: قُلْتُ: مِخْصَرًا. قَالُوا: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ مَاذَا؟ أَلَا سَأَلْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَ أَعْطَاكَ هَذَا؟ وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ عُدْ إِلَيْهِ، فَاسْأَلْهُ. قَالَ: فَعُدْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الْمِخْصَرُ أَعْطَيْتَنِيهِ لِمَاذَا؟ قَالَ: إِنَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقَلُّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْمُخْتَصِرُونَ. قَالَ: فَعَلَّقَهَا فِي سَيْفِهِ لَا تُفَارِقُهُ، فَلَمْ تُفَارِقْهُ مَا كَانَ حَيًّا، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَمَرَنَا أَنْ تُدْفَنَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُعِلَتْ وَاللهِ فِي كَفَنِهِ).

 

وأخرج الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (1054) عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ خَطَلٍ، وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ.

 

فَأَمَّا عَبْدُاللهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا - وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ - فَقَتَلَهُ.

 

وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ.

 

وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفَةٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ لِأَهْلِ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا، فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي فِي الْبَحْرِ إِلَّا الْإِخْلَاصُ فَمَا يُنَجِّينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنِّي آتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ فَلَأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، قَالَ: فَجَاءَ وَأَسْلَمَ.

 

وَأَمَّا عَبْدُاللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ عُثْمَانُ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايِعْ عَبْدَ اللهِ، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلَهُ؟ قَالُوا: وَمَا يُدْرِينَا يَا رَسُولَ اللهِ مَا فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ.

 

وأخرج الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (177) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ فِيهِ؛ فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ذَكَرَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَقَعَتْ فِيهِ، فَلَمْ يَصْبِرْ أَنْ قَامَ إِلَى الْمِغْوَلِ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَهَا، فَأَصْبَحَ طِفْلَاهَا بَيْنَ رِجْلَيْهَا مُتَلَطِّخَيْنِ بِالدَّمِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ فَجَمَعَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: "أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا لِي عَلَيْهِ حَقٌّ فَعَلَ مَا فَعَلَ لَمَا قَامَ "فَأَقْبَلَ الْأَعْمَى يَتَوَلْوَلُ، فَقَالَ: أَنَا وَاللهِ، يَا نَبِيَّ اللهِ صَاحِبُهَا، وَهِيَ أُمُّ وَلَدِي، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ بِي لَرَفِيقَةً لَطِيفَةً، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَذْكُرُكَ، فَتَسُبُّكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتِ الْبَارِحَةُ ذَكَرَتْكَ فَوَقَعَتْ فِيكَ، فَلَمْ أَصْبِرْ أَنْ قُمْتُ إِلَى الْمِغْوَلِ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ اتَّكَأْتُ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَشْهَدُ أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ.

 

وأخرج الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (547) عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَمَهَا.

 

خامسًا: الميزان المقاصدي في أحكام أذى النبي صلى الله عليه وسلم:

وقبل أن يُساء فهم هذه النصوص، أو تُنزَع من سياقها الشرعي، كان لزامًا أن نُبيِّن الميزان الذي جاءت به الشريعة في هذا الباب.

 

وإذا قرَّرت الشريعة هذا الحكم في حقِّ من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما قرَّرته صيانةً للدين، وحفظًا لمقام النبوَّة، وسدًّا لباب الاستهانة بالوحي، لا اندفاعًا لعاطفةٍ مجرَّدةٍ، ولا انتقامًا شخصيًّا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن حظوظ النفس، وأعظمهم حِلْمًا وعفوًا.

 

لكنَّ الشريعة - وهي تنظر إلى مآلات الأقوال والأفعال - علمت أن التهاون بجنابه الشريف يفتح باب الطعن في أصل الرسالة، ويُسقِط هيبة الوحي، ويجعل الدين عُرضةً للاستخفاف والامتهان، فكان هذا الحكم حراسةً لعقيدة الأمة، لا تشفِّيًا من شخص، ولا تجاوزًا لميزان العدل.

 

ولهذا كان هذا الحكم منضبطًا بضوابط الشرع، موكولًا إلى ولاة أمور المسلمين وإلى قضائها، لا إلى أهواء الأفراد، ولا إلى فوضى الغضب، ولا إلى ردود الأفعال المنفلتة؛ لأن الشريعة التي عظَّمت مقام النبي صلى الله عليه وسلم هي ذاتها التي حرَّمت الظلم، وسدَّت ذرائع الفتنة، ومنعت أن يُتَّخذ الدين ستارًا للفوضى أو العدوان.

 

فاجتمع في هذا التشريع تعظيمُ النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظُ الدين، وصيانةُ المجتمع، وإقامةُ العدل، على وجهٍ يقطع طريق الغلو، كما يسدُّ باب التفريط.

 

فإذا كان هذا هو مقام نبينا صلى الله عليه وسلم في كتاب الله وسُنَّة رسوله، فحقٌّ على الأمة أن تعظِّمه علمًا، ومحبةً، واتباعًا، ونصرةً، وأن تحذر أن تكون ممن يؤذيه بقول أو فعل، أو يفرِّط في جنابه باسم التساهُل أو التمدُّن.

 

خاتمة: تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بين الفهم والالتزام:

يتبيَّن من خلال هذا العرض أن تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام ليس معنًى مجرَّدًا، ولا خطابًا وعظيًّا منفصلًا عن التشريع، بل هو أصلٌ راسخٌ تضافرت عليه نصوص القرآن الكريم، وتجلَّى في أساليبه البيانية، ثم تأكَّد في السُّنَّة النبوية العملية بأحكامٍ واضحة، ومواقفَ منضبطة، تحرس مقام النبوَّة، وتصون حرمة الرسالة.

 

كما يظهر أن الأحكام التي قرَّرتها الشريعة في شأن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاءت في إطارٍ مقاصديٍّ محكمٍ، يوازن بين تعظيم جنابه الشريف، وحفظ الدين، وصيانة المجتمع، ومنع الفوضى والعدوان، فجعلت ذلك من اختصاص ولاة أمور المسلين وقضائها، لا من ردود الأفعال الفردية، ولا من الانفعالات المنفلتة. وبذلك سَدَّت الشريعة باب الغلو، كما أغلقت باب التفريط، وأقامت ميزان العدل كما أراده الله ورسوله.

 

إن استحضار هذا البناء المتكامل يعيد ضبط النظر في كثيرٍ من الإشكالات المعاصرة، ويُظهر أن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ليس شعارًا يُرفع، ولا حماسةً عابرةً، وإنما التزامٌ علميٌّ وتشريعيٌّ وسلوكي، يقوم على الفهم الصحيح للوحي، والوقوف عند حدوده، والانتصار له بالعلم والبصيرة قبل الانفعال.

 

وختامًا، فإن الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى تجديد هذا الفهم الرشيد لمقام نبيِّها صلى الله عليه وسلم؛ فهمًا يعظِّمه كما عظَّمه الله، وينصره كما شرع الله، ويحفظ سُنَّته من التحريف والتأويل الفاسد، لتبقى رسالة الإسلام مصونة، ومقام النبوة محفوظًا، والدين قائمًا على العدل والهدى إلى أن يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها.

 

وصلِّ اللهم وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



[1] لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع، يمكن الرجوع إلى مقال: "تعظيم القرآن للنبي - صلى الله عليه وسلم- تأملات في لطائف كلام القرآن عن النبيِّ وخطابه له" محمد يحيى جادو، مركز تفسير للدراسات القرآنية.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • دروس من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان ( فرصة عظيمة للتوبة والطاعات )
  • فضل صيام شعبان عند النبي صلى الله عليه وسلم: استعداد لرمضان وتقرب إلى الله
  • لماذا ضحك النبي صلى الله عليه وسلم عند دعاء الركوب؟
  • هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه؟
  • شبهة تلقي النبي صلى الله عليه وسلم من ورقة بن نوفل
  • من مائدة السيرة: خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف

مختارات من الشبكة

  • تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم للشعائر: دروس وعبر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: تعظيم الأشهر الحرم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم المساجد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم الأشهر الحرم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم شهر رمضان وحسن الاستفادة منه(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • تعظيم رب البريات في بيان حديث "إنما الأعمال بالنيات"(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ثمرات تعظيم الله تعالى (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • تعظيم بيوت الله (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم شأن الجمعة والتذكير ببعض أحكامها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم النصوص الشرعية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة متكاملة في القرم لإعداد حجاج 2026
  • دورة لتأهيل الأئمة والمعلمين للتعامل النفسي والتربوي مع الشباب المسلم في روسيا
  • مشاركة 150 طالبا في منتدى حول القيم الإسلامية والوقاية الفكرية بداغستان
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 29/11/1447هـ - الساعة: 11:53
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب