• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / مواعظ وخواطر وآداب
علامة باركود

الصبر في رمضان

الصبر في رمضان
السيد مراد سلامة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 25/2/2026 ميلادي - 8/9/1447 هجري

الزيارات: 178

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الصبر في رمضان

 

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مُقدِّر الأقدار، مُصرِّف الأمور، مُكوِّر الليل على النهار؛ تبصرةً لأولي القلوب والأبصار، الذي أيقَظ مِن خلقه مَن اصطفاه، فأدخلَه في جُملة الأخيار وَفْق مَن اختار مِن عبيده، فجعله من الأبرار، وبصَّر مَن أحبَّه للحقائق، فزهِدوا في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهُّب لدار القرار، واجتناب ما يُسخطه، والحذر من عذاب النار، وأشهد أنْ لا إله إلا الله إقرارًا بوحدانيته، واعترافًا بما يجب على الخلق كافة من الإذعان لربوبيته.

يا ربِّ إن ذنوبي في الورى كثُرت
وليس لي عملٌ في الحشر يُنجيني
وقد أتيتُك بالتوحيد يَصحَبُه
حبُّ النبي وذاك القدر يكفيني


وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه............

 

أخي المسلم، أختي المسلمة، مِن كنوز شهر رمضان أنه شهر الصبر؛ لأن المسلم يَصبِر ويُصابر على أمور كثيرة سنَذكُرها لك بالتفصيل، والله سماه شهر الصبر، ففي قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة:45].

 

قال مجاهد: الصبر الصوم، ومنه سُمي شهر رمضان شهر الصبر، وذلك لأن الصوم يُزهده في الدنيا، والصلاة تُرغِّبه في الآخرة[1].

 

فاشتمل رمضان على أنواع الصبر كلها؛ قال ابن القيم رحمه الله: (والنفس فيها قوتان: قوة الإقدام، وقوة الإحجام، فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكًا عما يَضُرُّه، ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به، وثباتُه عليه - أقوى من صبره عما يضره، فيصبر على مشقة الطاعة، ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نُهي عنه، ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات، ومنهم من لا صبرَ له على هذا ولا ذاك، وأفضل الناس أصبرهم على النوعين، فكثيرٌ من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد، وعلى مشقة الصيام، ولا يَصبِر عن نظرة محرَّمة، وكثير من الناس يصبر عن النظر وعن الالتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعف شيء عن هذا وأعجزُه، وأكثرهم لا صبر له على واحد من الأمرين، وأقلهم أصبرهم في الموضعين))؛ اهـ[2].

 

وقال أيضًا: (فالإنسان منا إذا غلب صبرُه باعثَ الهوى والشهوة، الْتَحق بالملائكة، وإن غلب باعثُ الهوى والشهوة صبرَه الْتحَق بالشياطين، وإن غلب باعثُ طبعه من الأكل والشرب والجماع صبرَه، التحق بالبهائم))[3].

 

قال أهل العلم: الصبر في الآية: الصوم، وهو خيرُ مُعين للعبد في هذه الحياة؛ ليتجاوز كل الحواجز النفسية والحسية التي تَعوقه عن الله والدار الآخرة، التي تعوقه عن معالي الأمور؛ ليصبح عبدًا لله لا عبدًا لشهوته وهواه، إن الإخلاد إلى الأرض والانغماس في الملذات، هو من أعظم المعوقات عن الوصول إلى أعلى الدرجات، وأعلى المقامات في العبادة والبذل والإنفاق، والجهاد في سبيل الله، وأداء ما أوجب الله، وتطهير القلوب وتهذيب السلوك، كل هذا طريقه والسر إلى الوصول إليه، لن يكون إلا من بوابة الصبر، ولا شيء غير الصبر، ومن أُعطي الصبر فقد أُعطي الخير كله، فهو سرٌّ عجيب، وأساس رِفعة الإنسان وتميُّزه عن سائر الحيوان، فلا عجب أن يكون أجره كما قال جل وعلا: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].

 

وقد أمَر الله بالصبر وأثنى على الصابرين، وأخبَر أن لهم المنازل العالية والكرامات الغالية في آيات كثيرة من القرآن، وأخبر أنهم يُوفَّون أجرَهم بغير حساب؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:200]، وقال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة:45]، وقال سبحانه: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة:155ـ 157]، وقال تعالى: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة:177]، وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة:153]، وقال تعالى في جزاء الصابرين وأجرهم: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر:10].

 

فصبرُ العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبرُه أتَمَّ، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، فإن من باشَر قلبه الإيمان بقيام الله عليه، ورؤيته له، وتحريمه لما حُرِّم عليه، وبُغضه له، ومَقته لفاعله، وباشَر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار، امتنَع من ألا يعمل بموجب هذا العلم [4].

 

فالصوم يرسِّخ تلك القاعدة الإيمانية التي هي بمنزلة الْجُنَّةِ التي تَحمي المجاهد من الأعداء، وهذا ما أوضحه لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ألا أدُّلك على أبواب الخير؟"، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "الصومُ جنةٌ، والصدقةُ تطفئُ الخطيئة كما يطفئُ الماءُ النارَ"[5].


عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام جُنةٌ وحصنٌ حصين من النار"[6]؛ قال النووي: هو بضم الجيم، ومعناه سُترةٌ ومانع من الرفث والآثام، ومانع أيضًا من النار، ومنه الْمِجَن وهو التُّرس، ومنه الجنُّ لاستتارهم [7]، وقال ابن الأثير: "معنى كونه جُنة: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات"[8].

 

وقال العلامة الألباني رحمه الله تعالى: وإنما كان الصوم لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات كما في الحديث الصحيح: "حفَّت الجنة بالمكاره، وحفَّت النار بالشهوات"[9].

 

هيا هيا أيها الكرام لنفتح كنز التوبة لنرى ونَقتني ما فيه من مجوهرات:

الجوهرة الأولى: فرح الله بتوبة العبد حين يتوب إليه:

وهذه من أعظم المجوهرات وأنفسِها أن يَنال العبد هذه المنزلة التي يفرَح بها ربُّ العالمين، فلو لم يكن في التوبة سواها، لكان حريًّا بكل عبد أن يقضي أنفاسه في اللهج بالتوبة والاستغفار، إن العطية هي فرح رب البرية؛ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «‌لَلَّهُ ‌أَشَدُّ ‌فَرَحًا ‌بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهاَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» [10].

 

يقول ابن عثيمين رحمه الله: في هذا الحديث فوائد؛ منها: أنه دليلٌ على فرح الله عز وجل بالتوبة من عبده إذا تاب إليه، وأنه يُحب ذلك سبحانه وتعالى محبة عظيمة، ولكن لا لأجل حاجته إلى أعمالنا وتوبتنا، فالله غني عنا، ولكن لمحبته سبحانه للكرم؛ فإنه يحب سبحانه وتعالى يفرح، ويغضب، ويكره ويحب، لكن هذه الصفات ليست كصفاتنا؛ لأن الله يقول: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، بل هو فرح يليق بعظمته وجلاله، ولا يُشبه فرح المخلوقين.

 

وفيه دليل على أن الإنسان إذا أخطأ في قول من الأقوال ولو كان كفرًا سبق لسانُه إليه؛ فإنه لا يؤاخذ، فهذا الرجل قال كلمة كفر [11].

 

الجوهرة الثانية: إن الله تعالى يحب التوابين:

أيها العاصي، وكل ذلك العاصي، فليس أحد منا معصومًا من الخطأ، تُبْ إلى الله ربِّك ومولاك، يُحبَّك الله تعالى، ولَمَّا كانت التوبة من أهم مقامات الدين وأعلاها منزلةً، أخبرنا الله تعالى أنه يحب التوابين، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222].

 

التَّوَّاب: هو المكثر من فعل ما يسمَّى توبةً، وقد يقال: هذا في حقِّ الله تعالى؛ من حيث إنه يُكثِرُ من قبول التَّوبة، فإن قيل: ظاهر الآية يدلُّ على أنَّه يحبُّ تكثير التَّوبة مطلقًا، والعقل يدلُّ على أن التَّوبة لا تليق إلاَّ بالمذنب، فمن لم يكن مذنبًا، لا تجب منه التَّوبة، فالجواب من وجهين:

الأول: أن المكلَّف لا يأمن البتَّة من التَّقصير.

 

والثاني: قال أبو مسلمٍ: التَّوبة في اللُّغة عبارة عن الرُّجوع، ورجوع العبد إلى الله في كلِّ الأحوال محمودٌ.

 

واعترضه القاضي بأن التَّوبة - وإن كانت في أصل اللغة الرُّجوع - إلا أنها في عرف الشَّرع عبارةٌ عن النَّدَم على الفعل الماضي، والتَّرك في الحاضر، والعزم على ألا يفعل مثله في المستقبل، فوجب حمله على المعنى الشَّرعيِّ دون اللُّغوي.

 

ولأبي مسلم أن يُجيب بأن مرادي من هذا الجواب أنه إن أمكن حمل اللَّفظ على التَّوبة الشَّرعيَّة، فقد صحَّ اللَّفظ، وإن تعذَّر ذلك، حملناه على التَّوبة بحسب اللُّغة الأصليَّة [12].

 

الجوهرة الثالثة: التوبة سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة:

اعلَم - زادك الله علمًا وفَهمًا - أن التوبة هي السبيل الموصل إلى الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، وإلا كان العبد مصرًّا على المعصية، يتنزل عليه في الدنيا الخزي والعناء، وفي الآخرة العذاب والنكال؛ قال الله تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور الآية: 31].

 

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وهذه الآية في سورة مدنية خاطَب الله بها أهل الإيمان، وخيار خلقه - أن يتوبوا إليه، بعد إيمانهم وصبرهم، وهِجرتهم وجهادهم، ثم علَّق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه، وأتى بأداة "لعل" المشعرة بالترجي إيذانًا بأنكم إذا تبتُم كنتُم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبين.... جعلنا الله منهم آمين)؛ اهـ[13].

 

الجوهرة الرابعة: التوبة تكفر السيئات وتكون سببًا في دخول الجنة:

يا كثيرَ الأوزار، هو الله رب العالمين يرغِّبك في التوبة والرجوع؛ ليبدِّل السيئات إلى حسنات، ويرفعك إلى أعالي الدرجات، خفِّف الأوزار، وقِف بباب العزيز الغفار، واهتف وقل: ﴿ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ [يوسف: 88].

 

يقول ابن الجوزي رحمه الله: لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الانكسار، ورفعوا قصص الاعتذار مضمونها: ﴿ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ [يوسف: 88] - لبرَز لهم التوقيع عليها: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92].

أشكو إلى الله كما قد شكى
أولادُ يعقوب إلى يوسف
قد مسَّني الضرُّ وأنت الذي
تعلَم حالي وترى موقفي
بِضاعتي المزجاةُ مُحتاجة
إلى سماحٍ مِن كريمٍ وفي
فقد أتى المسكينُ مُستمطرًا
جُودَك فارحَم ذُلَّه واعطف
فأَوفِ كَيلي وتصدَّق على
هذا المقِلِّ البائس الأَضعف[14]


قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾[التحريم: 8].

 

قال القرطبي: كأنه قيل: توبوا يوجِب تكفير سيئاتكم، ويُدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار"، وقد وردت أحاديثُ كثيرة تدل على أن التوبة سببٌ في تكفير السيئات؛ منها: ما رواه أبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثًا، غُفر له وإن كان فرَّ من الزحف)[15].

 

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جلس مجلسًا فكثُر فيه لَغطُه، فقام قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك الله وبحمدك، أشهد أنْ لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك)[16].

 

الجوهرة الخامسة: إن جميع سيئاتك التي كُتبت عليك مهما كثُرت فهي ستُقلَّب لك حسنات؛لهذا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ [الفرقان: 70]، ألا يكون ذلك دافعًا لنا جميعًا أن نتوب عن معاصينا؛ حتى تُقلب لنا ملايين السيئات إلى حسنات؟ وإن كان ذلك كذلك، فأبشِروا بالخير يأتِكم من كل جانبٍ، فلو كانت تلك السيئات على المغفرة فقط، لكان ذلك ربحًا عظيمًا، فكيف والأمر يزيد على المغفرة أنها أيضًا تبدَّل إلى حسنات؟ فهنيئًا للتائبين!

 

الجوهرة السادسة: إن الملائكة الكرام يدعون ويستغفرون للتائبين:

حيث يقول الله تبارك وتعالى عنهم أنهم يقولون: ﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ﴾ [غافر: 7 - 9]، فللتائبين الاستقرار، والنجاة من النار، ودخول الجنان، والدعاء أيضًا يشمل الآباء والأزواج والذرية.

 

كلُّ هذا من دعوات الملائكة لك أخي الكريم إذا تبتَ، فهل يفرِّط في تلك المكاسب العظيمة عاقلٌ حصيف بسبب تسويل من الشيطان في معصية يفعَلها أو يقولها؟ واللهِ ثم والله، إن واحدة مما سبَق مِن فرح الله تعالى، وتبديل السيئات إلى حسنات، ودعاء الملائكة - لكافيةٌ في أن يتوب ويرجع، فكيف بها كلِّها مجتمعةً؟!



[1] تفسير البغوي (1/ 89).

[2] عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 37).

[3] نفس المرجع (ص: 44).

[4] ابن القيم، طريق الهجرتين، ص 275.

[5] رواه الترمذي في حديث وصححه، وقال الألباني: صحيح لغيره، صحيح الترغيب برقم (983)، وصحيح الجامع برقم (5136).

[6] رواه أحمد بإسناد حسن والبيهقي، وقال شيخنا الألباني رحمه الله: حسن لغيره، صحيح الترغيب برقم (980) ، وصحيح الجامع برقم (3880).

[7] شرح النووي (8/ 25).

[8] النهاية في غريب الحديث.

[9] صحيح الترغيب (1/ 575).

[10] أخرجه: البخاري 8/ 84 (6309)، ومسلم 8/ 93 (2747) (7) و(8).

[11] شرح رياض الصالحين (1/ 102).

[12] اللباب في علوم الكتاب (4/ 76).

[13] مدارج السالكين (1/ 178).

[14] لطائف المعارف لابن رجب (ص: 205).

[15] أخرجه أبو داود (1517) والترمذي (3577) صحيح التعليق الرغيب 269 / 2 ، صحيح سنن أبي داود 1358.

[16] أخرجه أحمد (2/ 369)، والترمذي (3433)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (397)؛ صحيح الترغيب والترهيب (2/ 101).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الوصايا العشر للإمام في رمضان
  • هل قبل صيامك وقيامك؟
  • التقوى في رمضان

مختارات من الشبكة

  • شهر رمضان شهر الصبر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دروس من قصة أيوب عليه السلام(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • خطبة عن الصبر وفضله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل الصبر على البلاء(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • الصبر وثمراته (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المحطة التاسعة عشرة: الصبر(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • وقفات مع القدوم إلى الله (15)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الصبر في قصائد ديوان (مراكب ذكرياتي) للدكتور عبد الرحمن العشماوي(مقالة - حضارة الكلمة)
  • فضائل الصبر في السنة النبوية المباركة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رمضان شهر الصبر (3)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • أكاديميون من روسيا وتتارستان يناقشون أحكام الصيام في ندوة علمية
  • مجالس قرآنية يومية لتعزيز الوعي الديني للمسلمين في أمريكا اللاتينية خلال شهر رمضان
  • برامج دينية وخيرية ومبادرات تطوعية تميز رمضان بمنطقة مترو ديترويت
  • كيغالي تشهد حفلا ضخما لتخريج 70 ألف حافظ وحافظة لكتاب الله
  • أكثر من 400 امرأة يشاركن في لقاء نسائي تمهيدي لرمضان بكرواتيا
  • استعدادات رمضانية تنطلق بندوة شبابية في أوسلو
  • مبادرة رمضانية في ميشيغان لإطعام الأسر المحتاجة
  • تدريب عملي للطلاب المسلمين على فنون الخطابة والتواصل الفعال

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 7/9/1447هـ - الساعة: 16:20
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب