• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / مواعظ وخواطر وآداب
علامة باركود

التقوى في رمضان

التقوى في رمضان
السيد مراد سلامة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 24/2/2026 ميلادي - 7/9/1447 هجري

الزيارات: 120

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

التقوى في رمضان

 

الحمد لله الذي جعل القرآن هدايةً للمقبلين، وجعل تلاوته بخضوعٍ تهل دمع الخاشعين، وأنزَل فيه من الوعيد ما يَهز به أركان الظالمين، وأخبَر فيه أن الموت نهايةٌ لعالمين، وأننا بعد الموت للحساب مبعوثون، وأننا سنحاسب عما كنا فاعلين، وسنقف بذل وخضوع بين يدي ربِّ العالمين، ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ [الفجر: 23]، ﴿ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴾ [إبراهيم: 49]، ليس هناك فرقٌ بين ملك معظَّم وإنسان مهين، هذا جزاء من أخلَص العمل لله ربِّ العالمين، وهذا عطاء رب الأرباب مالك يوم الدين.

 

سبحانه مِن إله عظيمٍ، أعزَّ الحق وأخرَس المبطلين، سبحانه عددَ ما دعاه عباده المساكين، سبحانه عدد ما انهمَرت دموع المنيبين، سبحانه جوَاد كريم قوي متين!

 

اعلَم - بارَك الله فيك - أن الغاية المنشودة من فريضة الصوم هي الوصول إلى التقوى، فهي غاية الغايات، الغاية من خلق الجن والإنس هي العبادة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾ [الذاريات: 56، 57].

 

الغاية من العبادة التقوى؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21].

 

تعريف التقوى:

يقول العلامة ابن القيم رحمة الله: "وأما التقوى، فحقيقتُها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالأمر، وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالنهي وخوفًا من وعيده؛ قال طلق بن حبيب: إذاوقعت الفتنة فأطفِؤوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمَل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله"[1]، وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى.

 

فإن كل عمل لابد له من مبدأ وغاية، فلا يكون العمل طاعة وقربة، حتى يكون مصدرة عن الإيمان، فيكون الباعث عليه هو الإيمان المحض، لا العادة ولا الهوى، ولا طلب المحمدة والجاه، وغير ذلك، بل لابد أن يكون مبدؤه مَحضَ الإيمان، وغايته ثواب الله وابتغاء مرضاته والاحتساب، ولهذا كثيرًا ما يُقرَن بين هذين الأصلين في مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا"، "ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا"[2].

 

"فالتقوى...... حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوقٍّ لأشواك الطريق...... طريق الحياة.... الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يَملِك إجابة رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعًا ولا ضرًّا".

 

فالصيام يُورث العبد التقوى؛ كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

 

وهذا ما أخبَرنا به النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصيام جُنةٌ وحصنٌ حصين من النار"[3]، هيَّا أيها الأحباب لنفتح هذا الكنز الذي هو غاية الغايات.

 

الجورة الأولى: المخرج من كل ضائقة والرزق من حيث لا يحتسب:

فالله تعالى وعد عبادة المتقين بأنه ملاذهم في الأزمات والنكبات، وأنه يفتح لهم الأبواب المغلقة، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق 2 - 3].


يقول ابن كثير رضي الله عنه: وقال ابن أبي حاتم..... عن عبد الله بن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ﴾ [النحل: 90]، وإن أكبر آية في القران فرجًا: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾.....

 

وقال علي بن طلحة عن ابن عباس: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾، يقول: ينجيه من كل كربٍ في الدنيا والآخرة، ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾، وقال الربيع بن خثيم: ﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾؛ أي: من كل شيء ضاق على الناس".


فتلك هبات الرب إلى العبد، فهو حبيب مَن تحبَّب إليه، فمن تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا، ومن تقرب منه زراعًا تقرب منه باعًا، ومن قام إليه مشى الله إليه، ومن مشى إلى الله هرول الله إليه، فسبحانه مِن رَبٍّ قدير، وسبحانه مِن رَبٍّ عليم، هو أقربُ إلى عباده من حبل الوريد، واسمع إلى كلام أولي الألباب: من كانت التقوى لباسهم، وخشية الله شعارهم، وهم يكشفون لنا عن حقيقة الفرج بعد الشدة، وانكشاف الضر والبأساء.


روى ابن أبي الدنيا عن محمد بن إبراهيم قال:

إذا اشتملت على البأس القلوب
وضاق لما بها الصدرُ الرحيب
وأوطنَت المكاره واطمأنَّت
وأرسلت في أماكنها الخطوب
ولم ترَ لانكشاف الضر وجهًا
ولا أغنى بِحِيلته الأريب
أَتاك على قنوطٍ مِن غوثٍ
يَمُنُّ به اللطيفُ المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهَت
فموصولٌ بها الفرجُ القريب


وتأمَّل أخي الحبيب تضرُّع أولي الألباب، وانتظارهم الفرج بعد الشدة، والوقوف على باب رب الأرباب.

 

الجوهرة الثانية: محبة الله عز وجل وملائكته والقبول في الأرض:

وهذه من أعظم الأرباح، وأغلى الثمار التي ينالها أُولو الألباب، أن يُحبهم مولاهم جل وعلا، فالأمر ليس هينًا ولا سهلًا، إنما يناله المتقون الذين أيقنوا وآمنوا بالله، وكأنهم يرونه، فأورثهم ذلك محبته سبحانه وتعالى، فليس العجب من قوله: ﴿ يُحبونه ﴾، إنما العجب من قوله: ﴿ يُحبهم ﴾، يقول سبحانه: ﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 76].


وتأمَّل ثمرة المحبة؛ كما جاء في الحديث القدسي: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ قَالَ: «‌مَنْ ‌عَادَى ‌لِي ‌وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»[4].

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "‌إِذَا ‌أَحَبَّ ‌اللَّهُ ‌الْعَبْدَ، قَالَ لِجِبْرِيلَ قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا، فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ"، قَالَ مَالِكٌ: «لَا أَحْسِبُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ» [5].


قال مسلم أبو عبد الله: ما تلذَّذ المتقون بشيء في صدورهم ألذ من حب الله عز وجل، ومحبة أهل ذكره.


الجوهرة الثالثة: البركات من السماء والأرض:

اعلَم علَّمني الله وإياك أن الله وعد عباده المتقين، بل وعد الخلق جميعًا، إنهم متى حقَّقوا التقوى أن يفتح عليهم بركات السماء وبركات من الأرض؛ يقول الله سبحانه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96].


ولكن لَما نبذت الأمة كتاب ربها، وتخلَّت عن منهج نبيها، ولم تحقق الشرط المذكور في الآية، ألا وهو التقوى، أصابهم ما أصابهم من فقرٍ وفاقةٍ، فأصبحنا نشتكي من كثرة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والصحية والعسكرية، وغيرها كثير..... فحق علينا قول ربِّنا: ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾.


فمن استقام على طريق الإيمان، أقامه الله في مواطن الفلاح، ورزَقه من حيث لا يحتسب؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن: 16].


الجوهرة الرابعة: حفظ الذرية:

واعلم زادك الله حرصًا على الخير - أن من فوائد التقوى تأمين مستقبل الأجيال وحفظهم ورعايتهم من قبل المولى سبحانه وتعالى؛ يقول سبحانه: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: 9].


يقول القاسمي - رحمه الله -: وفي الآية إشارة إلى إرشاد الذين يخشون ترك ذرية ضعاف بالتقوى في سائر شؤونهم؛ حتى تُحفَظ أبناؤهم وتغاث بالعناية منه تعالى، ويكون في إشعارها تهديدٌ بضياع أولادهم إن فقدوا واتقوا الله، وإشارة إلى أن تقوى الأصول تحفظ الفروع، وأن الرجال الصالحين يحفظون في ذريتهم الضعاف؛ كما في الآية: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: 82]، فإن الغلامين حُفِظا ببركة صلاحِ أبيهما في أنفسهما ومالهما.


وقال ابن المنكدر: إن الله ليحفَظ بالرجل الصالح ولدَه وولد ولده، وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ الله وستره!


وقال ابن المسيب لابنه: "يا بني، إني لأَزيد في صلاتي من أجلك رجاء أن أُحفَظ، وتلا هذه الآية: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحً ﴾ [الكهف: 82].


دخل مقاتل بن سليمان على المنصور يوم أن بويع بالخلافة، فقال له المنصور: "عِظني يا مقاتل، فقال أَعظك بما رأيت أم بما سمعت؟ قال بما رأيت، قال: يا أمير المؤمنين، عمر بن عبد العزيز أنجب 11 ولدًا، وترك 18 دينارًا، كُفن بخمسة دينارات، واشتَرى له قبرًا بأربعة دينارات، ووُزِّع الباقي على أولاده 9 / 11 دينار، وأنجب هشام 11 ولدًا أيضًا، وكان نصيب الولد من التركة مليون دينار، وورثت إحدى زوجاته 800000 دينار غير الضياع والقصور، والله يا أمير المؤمنين، لقد رأيت في يوم واحد ولدًا من أولاد عمر يحمل مائة فرس للجهاد في سبيل الله، وولدًا من أولاد هشام يسأل الناس في الطريق، يستجدي!".


الجوهرة الخامسة: معية الله تعالى للمتقين:

قال الله - عز وجل -: ﴿ وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾[البقرة: 194]، وقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، وهذه معيَّة التوفيق والتسديد، والنصرة، والتأييد، والإعانة، والحماية، كما قال الله - عز وجل - حكاية عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وقوله لأبي بكر - رضي الله عنه -: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]، وأمَّا المعيَّة العامَّة فهي معيَّة شاملة لكل شيء، بسمعه وبصره وعلمه؛ قال تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾[الحديد: 4].


الجوهرة السادسة: حصول البشرى في الدنيا والآخرة:

اعلموا عباد الله أن مِن ثمرات التقوى في الدنيا والأخرة - أنها سبب لحصول البُشرَى في الحياة الدنيا، سواء بالرؤيا الصالحة أو بمحبَّة الناس له والثناء عليه؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس: 63، 64].


قال الإمام أحمد عن أبي الدرداء عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى ﴾، قال: «الرُّؤيا الصَّالحة، يراها المسلم أو تُرَى له».


وعن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل ويَحمَده الناس عليه، ويثنون عليه به، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تلك عاجل بُشرَى المؤمن».


الجوهرة السابعة: النجاة من هول الصراط ومن نار جهنم:

وفي يوم القيامة تمر الخلائق مِن على الصراط، وكلٌّ يقول: نفسي، نفسي، وشعارهم: اللهم سلِّم، سلِّم، وعندها تظهر ثمرات التقوى، فينجي الله تعال أهلها؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴾ [مريم: 71، 72]؛ قال ابن كثير: (عن عمرو قال: أخبرني مَن سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول، فقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ [الأنبياء: 98]، وردوا أم لا؟ وقال: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ﴾ [هود: 98]، أوردوها أم لا؟ يعني أن قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾؛ أي: إنه لن يبقى أحدٌ من الناس إلا وسيدخل النار، ثم قال ابن عباس لنافع: أما أنا وأنت فسنَدخلها، فانظر: هل تخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مُخرجك منها بتكذيبك، فضحك نافع)؛ ا.هـ.

 

وأخرج الإمام أحمد بسنده عن سليمان بن مرة رضي الله عنه قال: (صُمَّتَا - يعني أذنيه - إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يبقى برٌّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، حتى إنَّ للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًّا)؛ ا هـ.

 

الجوهرة الثامنة: الأمن من هول الفزع الأكبر:

في ذلك اليوم العصيب الرهيب يوم الطامة ويوم الصاخة، يُحشر الناس حفاةً عراةً، ويُلقَى الرعب والفزع في قلوب المخلوقات، فترى الناس سكارى وما هم بسكارى، شاب الرضيع، عمَّ الخوف والهلع، لكن هناك طائفة من البشر في أمن وأمانٍ، لا يَفزَعون إذا فزِع الناس، ولا يخافون إذا خاف الناس، إنهم أهل التقوى؛ قال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾ [يونس: 62 - 64].

 

قال ابن كثير رحمه الله: وأمَّا بُشراهم في الآخرة، فكما قال تعالى: ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 103].

 

الجوهرة التاسعة: ميراث الجنة لأهل التقوى، فهم أحق الناس به:

وفي ذلك اليوم يوم الميراث الأعظم؛ حيث يرث أهل الإيمان والتقوى الجنة بما كانوا يعملون؛ قال تعالى: ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 63]، وقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].

 

قال أهل التفسير في الآية الأولى: (أي نورثها للمتقين، ونجعلها منزلهم الدائم الذي لا يظعنون عنه، ولا يبغون عنها حولًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ ﴾ الآية.

 

قال تعالى متحدثًا عن أهل الجنة: ﴿ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 43]، قال بعض السلف: أهل الجنة نجوا من النار برحمة الله، واقتسموا المنازل، وورثوها بالأعمال الصالحة، وهي من رحمة الله، بل من أعلى أنواع رحمته، وقال تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ [الزخرف: 67، 68] إلى أن قال: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الزخرف: 72].

 

قال ابن كثير: (ثم قيل لهم - أي لأهل الجنة - على وجه التفضيل والامتنان: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾؛ أي: أعمالكم الصالحة كانت سببًا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يُدخِلُ أحدًا عملُه الجنةَ، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات تُنال، ويحصُل تفاوتُها بحسب الأعمال الصالحات، وقال ابن أبي حاتم - بسنده - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل أهل النار يرى منزله من الجنة حسرةً، فيقول: ﴿ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزمر: 57]، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقول: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف: 43]، فيكون له شكرًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد إلا له منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 43]؛ اهـ.

 

الجوهرة العاشرة: الأتقياء لا يحشرون إلى الجنة سيرًا على الأقدام، بل يحشرون إليها ركبانًا مكرمين معززين، جعلنا الله منهم:

أيها الأحباب، هذا هو يوم التكريم؛ حيث يُكرم الله تعالى المتقين؛ حيت تتلقاهم النجائب ليركبوهم، والناس في ذلك اليوم في كربٍ شديدٍ مِن هول ما يرونه من أهوال؛ قال تعالى: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴾ [مريم: 85].

 

قال القرطبي: (في الكلام حذفٌ؛ أي: إلى جنة الرحمن ودار كرامته؛ كقوله: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الصافات: 99]، وكما في الخبر: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)، والوفد اسم للوافدين؛ قال الجوهري: (يقال: وفد فلان على الأمر؛ أي: ورد رسولًا، فهو وافد).

 

وقال علي: لَما نزَلت هذه الآية، قلت: يا رسول الله، إني رأيت الملوك ووفودهم، فلم أر وفدًا إلا ركبانًا، قال: يا علي، إذا كان المنصرف من بين يدي الله، تلقََّت الملائكة المؤمنين بنوق بيض، رحالها وأزمتها الذهب، على كل مركب حلة لا تساويها الدنيا، فيلبس كلُّ مؤمن حُلة، ثم تسير بهم مراكبهم، فتَهوي بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة، فتتلقَّاهم الملائكة: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزمر: 73].

 

قال القرطبي: وهذا الخبر ينص على أنهم لا يركبون ولا يلبسون إلا من الموقف، وأما إذا خرجوا من القبور، فمشاة حفاة عراة غُرْلًا إلى الموقف، بدليل حديث ابن عباس قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، فقال: (يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلي الله حفاة عراة غُرْلًا)[6]، قال ابن عباس: ركبانًا يُؤتون بنوق من الجنة عليها رحائلُ من الذهب، وسروجُها وأَزِمَّتُها من الزَّبرجد، فيُحشرون عليها.

 

وقال علي: (ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق رحالها من ذهب، ونُجب سروجها يواقيتُ، إن همُّوا بها سارت، وإن حرَّكوها طارت)، وقيل: (إنما قال: (وفدًا)؛ لأن من شأن الوفود عند العرب أن يقدموا بالبشارات، وينتظرون الجوائز، فالمتقون ينتظرون العطاء والثواب)[7]؛ اهـ.

 

قال الشنقيطي في أضواء البيان: (ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين كانوا يتقونه في دار الدنيا، بامتثال أمره واجتناب نهيه، يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونه وفدًا، والوفد على التحقيق جمع وافد؛ كصاحب وصحب، راكب وركب... والوفد من يأتي إلى الملك مثلًا إلى أمر له شأن، وجمهور المفسرين على أن معنى قوله: (وفدًا)؛ أي ركبانًا، وبعضهم يقول: يُحشرون رُكبانًا على صور من أعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة) اهـ.

 

الجوهرة الحادية عشرة: منح الأجر مرتين:

اعلموا أنَّ المتقين تُضاعَف أجورهم وحسناتهم؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحديد: 28]، وكِفلين: يعني أجرين، والله تعالى كريمٌ حليم.



[1] أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 473، وأبو نعيم في الحلية ج 3 ص 64، وسنده صحيح.

[2] أخرجه البخاري رقم 214.

[3] رواه أحمد بإسناد حسن والبيهقي، صحيح الترغيب برقم (980)، وصحيح الجامع برقم (3880).

[4] أخرجه البخاري "6502" في الرقاق: باب التواضع.

[5] «مسند أحمد» (16/ 394 ط الرسالة)، «وأخرجه البخاري (3209)».

[6] أخرجه البخاري ومسلم.

[7] من القرطبي (11 /151).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • بين يدي رمضان
  • الوصايا العشر للإمام في رمضان
  • العشر الأواخر من رمضان سلوك وتربية
  • وداع رمضان استصحاب روحه - الخطبة الأخيرة من رمضان
  • هل قبل صيامك وقيامك؟
  • لماذا نصوم رمضان؟ (خطبة)
  • رمضان شهر الإيمان وصناعة الرجال

مختارات من الشبكة

  • رمضان.. واحة التقوى وفرصة المستغفرين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: فضائل التقوى(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • الحديث السابع والعشرون: فضل تقوى الله جل جلاله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: المحبة في زمن الغفلة: استقبال رمضان بقلب حي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أقسام الأخلاق الإسلامية (التقوى)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • التقوى زاد المؤمن (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من درر العلامة ابن القيم عن التقوى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التقوى خير زاد(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قراءة القرآن في رمضان وتلاوته آناء الليل والنهار(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • التفاف الرعية بالراعي ونبذ الفرقة والشقاق (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مجالس قرآنية يومية لتعزيز الوعي الديني للمسلمين في أمريكا اللاتينية خلال شهر رمضان
  • برامج دينية وخيرية ومبادرات تطوعية تميز رمضان بمنطقة مترو ديترويت
  • كيغالي تشهد حفلا ضخما لتخريج 70 ألف حافظ وحافظة لكتاب الله
  • أكثر من 400 امرأة يشاركن في لقاء نسائي تمهيدي لرمضان بكرواتيا
  • استعدادات رمضانية تنطلق بندوة شبابية في أوسلو
  • مبادرة رمضانية في ميشيغان لإطعام الأسر المحتاجة
  • تدريب عملي للطلاب المسلمين على فنون الخطابة والتواصل الفعال
  • لقاءات علمية واستعدادات رمضانية في تتارستان

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 6/9/1447هـ - الساعة: 14:49
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب