• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | أسرة   تربية   روافد   من ثمرات المواقع   قضايا المجتمع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    لماذا ينبغي لأطفالنا أن يهجروا وسائل التواصل ...
    زهير رزق الله
  •  
    من يتحكم بالإنسان العقل أو العاطفة؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    يكبر الأب… وتكبر معه مطالب الأبناء!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    الوقاية وسد الذرائع
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    لا تضار والدة بولدها: نظرة إسلامية لحماية الأطفال ...
    محمد حسين حسن
  •  
    الثقة بالله: فله جنود السماوات والأرض {ولله جنود ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    أبناؤنا والذكاء الاصطناعي: كيف نربيهم على ...
    أحمد النمر
  •  
    كيف تنجو من الخسران
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    أهمية المبادرة إلى علاج الانحراف السلوكي
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    أسئلة ابنتي التي أعادتني إلى نفسي
    د. ابتهال محمد علي البار
  •  
    كبارنا .... غرباء في مجالسنا!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    فقه القلوب.. حين يصبح الأسلوب رسالة
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    تحريم عضل المرأة عن الزواج بالكفء لمصالح شخصية أو ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    آثار الانحراف السلوكي على الفرد ، الأسرة ،
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    الروغان الإبراهيمي.. فقه المبادرة في شخصية خليل ...
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    العلم اليقيني يصدر عن خبرة {ولا ينبئك مثل خبير}
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / العلم والدعوة
علامة باركود

الأدب في طلب العلم (خطبة)

الأدب في طلب العلم (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 15/10/2026 ميلادي - 5/5/1448 هجري

الزيارات: 202

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الأَدَبُ فِي طَلَبِ العِلْمِ


الحمدُ للهِ الذي خضعَ كلُّ شيءٍ لإرادتِهِ، وذلَّ كلُّ شيءٍ لعزتِهِ، وتواضعَ كلُّ شيءٍ لكبريائِهِ، واستسلمَ كلُّ شيءٍ لقدرتِهِ، الحمدُ للهِ القائلِ في محكمِ التنزيلِ: ﴿ يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، أولٌ بلا ابتداءٍ وآخرٌ بلا انتهاءٍ، الوترُ الصَّمَدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، القائلُ كما في حديثِ عثمانَ رضى اللهُ عنهُ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ)، فاللهُمَّ صلِّ وسلمْ وزدْ وباركْ على النبيِّ المختارِ وعلى آلهِ وأصحابِهِ الأطهارِ الأخيارِ وسلمْ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ.


وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني
وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيب
كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ؛فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا بِدِينِ الإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، فَإِنَّ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].


عِبَادَ اللَّهِ: ((الآدابُ الإسلاميةُ في ضوءِ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويةِ)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ، تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ الرَّصِينِ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ المُؤَثِّرِ، نُقَدِّمُهَا لِحَضْرَاتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ؛ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الآدَابِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الإِسْلَامُ، رَاجِينَ مِنَ اللهِ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِنَيْلِ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنَ الأَسْبَابِ الْمُنْجِيَةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَالسَّبِيلِ إِلَى مُزَاحَمَةِ الأَكَابِرِ وَالصَّالِحِينَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأَنْ تُسَاهِمَ فِي تَرْبِيَةِ النُّفُوسِ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ كَرِيمٍ وَأَدَبٍ جَمِيلٍ. وَلِنَأْخُذَ مِنْ أَنْوَارِهَا مَا يُضِيءُ لَنَا دُرُوبَ الْحَيَاةِ، وَنَسْتَنْشِقَ مِنْ عِبَرِهَا عِطْرًا يُحْيِي النُّفُوسَ وَالْقُلُوبَ وَالأَرْوَاحَ.


(الأَدَبُ فِي طَلَبِ العِلْمِ)، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

❖ أَوَّلًا: مَاذَا تَعْرِفُ عَنِ العِلْمِ؟

❖ ثَانِيًا: كَيْفَ نَتَأَدَّبُ فِي طَلَبِ العِلْمِ؟

❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي دِرَاسَةِ العِلْمِ.


أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: الأَدَبِ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَرَى طُلَّابَ الْعِلْمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ، جُرْأَةً عَجِيبَةً فِي التَّطَاوُلِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَجُرْأَةً عَجِيبَةً فِي حُبِّ الظُّهُورِ، وَجُرْأَةً عَجِيبَةً فِي التَّصَدِّي لِلْمَشْهَدِ، وَالتَّصَدِّي لِلْفَتْوَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَخَاصَّةً والعِلْمُ نُورٌ يَهْدِي الإِنْسَانَ إِلَى الحَقِّ، وَيَرْفَعُ مَكَانَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِهِ تَتَقَدَّمُ الأُمَمُ وَتَزْدَهِرُ المُجْتَمَعَاتُ. وَقَدْ حَثَّ الإِسْلَامُ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾، وَخَاصَّةً أَنَّ التَّفَوُّقَ فِي مُخْتَلِفِ الْمَجَالَاتِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ، وَوَطَنِيٌّ، وَإِنْسَانِيٌّ، وَلَا مَجَالَ لِبِنَاءِ دَوْلَةٍ قَوِيَّةٍ بِغَيْرِ الْعِلْمِ وَالتَّفَوُّقِ. وَخَاصَّةً أَنَّنَا نَرَى الْعَالَمَ الْيَوْمَ يَتَقَدَّمُ بِعُلَمَائِهِ فِي جَمِيعِ الْمَجَالَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَخَاصَّةً أَنَّ الْعَالَمَ الْيَوْمَ وَقَفَ حَائِرًا أَسِيرًا بِسَبَبِ فَيْرُوسِ كُورُونَا، وَبَيَّنَ ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا، خَاصَّةً فِي مَجَالِ الطِّبِّ وَالْعِلَاجِ وَالدَّوَاءِ. وَخَاصَّةً أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ الْعِلْمَ النَّافِعَ طَرِيقًا مُوصِلًا إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَسَبِيلًا يُوصِلُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَبِرٍّ، وَهُدًى؛ لِذَا كَانَ مِنْ دُعَائِهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَصْبَحَ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا»؛ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه.


وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

فَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً
تَجَرَّعَ ذُلَّ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ حَالَ شَبَابِهِ
فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا لِوَفَاتِهِ

أَوَّلًا: مَاذَا تَعْرِفُ عَنِ العِلْمِ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ: اعْلَمُوا أَنَّ دِينَكُمْ دِينُ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَثَقَافَةٍ، وَلَيْسَ دِينَ جَهْلٍ وَتَخَرُّصٍ أَوْ خُرَافَةٍ، وَكُلَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُ أَكْثَرَ عِلْمًا بِدِينِهِ كَانَ أَحْرَى أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ وَيَثْبُتَ عَلَيْهِ.وَالْعِلْمُ أَعَزُّ مَطْلُوبٍ، وَأَشْرَفُ مَرْغُوبٍ، تَسَابَقَ الْفُضَلَاءُ لِطَلَبِهِ، وَتَنَافَسَ الْأَذْكِيَاءُ لِتَحْصِيلِهِ، مَنِ اتَّصَفَ بِهِ فَاقَ غَيْرَهُ، وَمَنِ اتَّسَمَ بِهِ بَانَ نُبْلُهُ، وَرَفَعَ اللَّهُ أَهْلَهُ دَرَجَاتٍ، وَنَفَى الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ كَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ.


قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «الْعُلَمَاءُ فَوْقَ الْمُؤْمِنِينَ مِائَةَ دَرَجَةٍ، وَمَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ. الْعِلْمُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعِلْمُ؟ الْعِلْمُ سَبَبٌ لِتَقَدُّمِ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ، فَلَا سَعَادَةَ، وَلَا فَلَاحَ، وَلَا تَقَدُّمَ، وَلَا رُقِيَّ، إِلَّا بِالْعِلْمِ. فَبِالْعِلْمِ تُبْنَى الْأَمْجَادُ، وَتُشَيَّدُ الْحَضَارَاتُ، وَتَسُودُ الشُّعُوبُ، وَتَقِلُّ الْأَمْرَاضُ وَالْأَوْبِئَةُ. فَالْعِلْمُ هُوَ الرَّكِيزَةُ الْعُظْمَى لِأَيِّ نَهْضَةٍ فِي قَدِيمِ التَّارِيخِ وَحَاضِرِهِ. وَحَيْثُ كَانَتِ النَّهْضَةُ كَانَ التَّعْلِيمُ، وَحَيْثُ كَانَ التَّعْلِيمُ كَانَتِ النَّهْضَةُ. فَكَمْ مِنْ أُمَمٍ نَهَضَتْ بِسَبَبِ تَعْلِيمِهَا، وَكَمْ مِنْ أُمَمٍ تَقَدَّمَتْ بِسَبَبِ تَعْلِيمِهَا، وَكَمْ مِنْ أُمَمٍ تَفَوَّقَتْ بِسَبَبِ تَعْلِيمِهَا، وَكَمْ مِنْ أُمَمٍ تَأَخَّرَتْ بِسَبَبِ جَهْلِهَا، وَكَمْ مِنْ أُمَمٍ سَادَ فِيهَا الظَّلَامُ، وَحَلَّتْ بِهَا الْأَمْرَاضُ وَالْأَوْبِئَةُ بِسَبَبِ جَهْلِهَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.


**الْعِلْمُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعِلْمُ؟ مَنْزِلَةُ الْعِلْمِ رَفِيعَةٌ عَالِيَةٌ، لَا تُسَاوِيهَا مَنْزِلَةٌ مِنَ الْمَنَازِلِ، وَلَا تُقَارِبُهَا مَكَانَةٌ مِنَ الْمَقَامَاتِ، وَمَا مِنْ إِنْسَانٍ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعِلْمِ، وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ تَعَالَى أَخْرَجَنَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِنَا لَا نَعْلَمُ شَيْئًا، وَلَا نَعْرِفُ شَيْئًا. قَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ، وَوَصَلَ إِلَى النِّهَايَةِ، فَقَدْ أَخْطَأَ وَضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا، فَكُلُّ مَا عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ قَلِيلٌ عَلَى كَثْرَتِهِ وَتَنَوُّعِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. لِذَا حَثَّنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى الْعِلْمِ، وَبَيَّنَ مَنْزِلَةَ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَالثَّوَابَ الْعَظِيمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [الْمُجَادِلَةِ: ١١].فَلَمْ يَقُلْ جَلَّ وَعَلَا: الَّذِينَ أُوتُوا جَاهًا أَوْ مَالًا أَوْ وَلَدًا، بَلْ قَالَ ـ بَعْدَ تَحْقِيقِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ ـ: ﴿ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ دَرَجَاتٍ. فَكَيْفَ يُعْقَلُ بِكَ ـ أَخِي الْحَبِيبُ ـ أَنْ تَنْأَى عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَتُعْطِيَ لَهُ ظَهْرَكَ؟!


وَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِالِاسْتِزَادَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مِنَ الْعِلْمِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طَه: ١١٤]. وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا لِلْعِلْمِ مِنْ أَثَرٍ فِي حَيَاةِ الْبَشَرِ، فَأَهْلُ الْعِلْمِ هُمُ الْأَحْيَاءُ، وَسَائِرُ النَّاسِ أَمْوَاتٌ.وَالْعِلْمُ مِيرَاثُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».وَالْعِلْمُ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ، كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ».


الْعِلْمُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعِلْمُ؟ سُئِلَ أَحَدُ السَّلَفِ: أَجَمْعُ الْمَالِ أَفْضَلُ أَمْ جَمْعُ الْعِلْمِ؟ فَقَالَ: بَلْ جَمْعُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَنْقُصُ بِالْإِنْفَاقِ، وَالْعِلْمَ يَزْدَادُ بِالْبَذْلِ وَالتَّعْلِيمِ، وَلِأَنَّ مَنْ جَمَعَ الْعِلْمَ يَزْدَادُ أَحِبَّاؤُهُ، وَمَنْ جَمَعَ الْمَالَ يَزْدَادُ أَعْدَاؤُهُ. فَالْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ؛ فَالْعِلْمُ يَحْرُسُكَ، وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ.


بَلِ اسْتَشْهَدَ اللَّهُ بِالْعُلَمَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ عَلَى أَجَلِّ مَشْهُودٍ، وَهُوَ تَوْحِيدُهُ، وَقَرَنَ شَهَادَتَهُمْ بِشَهَادَةِ الْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَارِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨]. فَانْظُرْ كَيْفَ بَدَأَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِالْمَلَائِكَةِ، وَثَلَّثَ بِأُولِي الْعِلْمِ، وَنَاهِيكَ بِهَذَا شَرَفًا وَفَضْلًا.


وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزُّمَرِ: ٩].

 

عِلْمُ الْعَلِيمِ وَعَقْلُ الْعَاقِلِ اخْتَلَفَا
مَنْ ذَا الَّذِي مِنْهُمَا قَدْ أَحْرَزَ الشَّرَفَا؟
فَالْعِلْمُ قَالَ: أَنَا أَحْرَزْتُ غَايَتَهُ
وَالْعَقْلُ قَالَ: أَنَا الرَّحْمَنُ بِي عُرِفَا
فَأَفْصَحَ الْعِلْمُ إِفْصَاحًا وَقَالَ لَهُ
بِأَيِّنَا الرَّحْمَنُ فِي قُرْآنِهِ اتَّصَفَا؟
فَبَانَ لِلْعَقْلِ أَنَّ الْعِلْمَ سَيِّدُهُ
وَقَبَّلَ الْعَقْلُ رَأْسَ الْعِلْمِ وَانْصَرَفَا

 

الْعِلْمُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعِلْمُ؟ الْعِلْمُ أَعْظَمُ مَا تَنَافَسَ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ، وَأَغْلَى مَا غُبِطَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمُرَادُ بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَةُ، وَهِيَ أَنْ يَتَمَنَّى الْمَرْءُ مِثْلَ مَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ.وَالْعِلْمُ يَبْقَى أَثَرُهُ لِلْإِنْسَانِ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَيَخْلُدُ ذِكْرُهُ عِنْدَ الْوَرَى وَإِنْ كَانَ تَحْتَ التُّرَابِ مَدْفُونًا.وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.


أَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءٌ، وَأَهْلُ الْجَهْلِ أَمْوَاتٌ، وَلِلَّهِ دَرُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-:

مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُمُ
عَلَى الْهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ
وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ
وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حَيًّا بِهِ أَبَدًا
النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ

 

❖ ثَانِيًا: كَيْفَ نَتَأَدَّبُ فِي طَلَبِ العِلْمِ؟

أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ مِنْ أَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، وَبِهِ تُعْرَفُ أَوَامِرُ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، وَيَعْبُدُ الْمُسْلِمُ رَبَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ.

 

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْعِلْمِ فَهَذِهِ أَمَارَةٌ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْخَيْرُ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاوِيَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». وَالْعِلْمُ طَرِيقُ الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ، وَسَبِيلُ النَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، فَمَهْمَا كَانَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَّةِ فِي الْعِبَادَةِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا يُحِبُّ اللَّهُ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ. يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».وَالْعِلْمُ يَبْقَى أَثَرُهُ لِلْإِنْسَانِ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».عَنْ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: «كَفَى بِالْعِلْمِ شَرَفًا أَنْ يَدَّعِيَهُ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ، وَيَفْرَحَ إِذَا نُسِبَ إِلَيْهِ، وَكَفَى بِالْجَهْلِ ذَمًّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ مَنْ هُوَ فِيهِ».وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: «طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ».وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «لَا شَيْءَ يَعْدِلُ الْعِلْمَ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ». قِيلَ: وَكَيْفَ تَصِحُّ نِيَّتُهُ؟ قَالَ: «أَنْ يَنْوِيَ بِهِ رَفْعَ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَرَفْعَ الْجَهْلِ عَنْ غَيْرِهِ». وَلَا يُمْكِنُ لِهَذَا الْجِيلِ أَنْ يَتَغَيَّرَ إِلَى الْأَفْضَلِ، لِيَحْصُلَ عَلَى حَالٍ أَرْقَى وَأَكْمَلَ، إِلَّا بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ فِي طَلَبِ العِلْمِ وَالتَّجَافِي عَنِ الدَّعَةِ والرُّقَادِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ بُلُوغَ الْقِمَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَالْفَوْزَ بِالْمَقْصُودِ؛ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ، وَمَتَى عَلَتِ الْهِمَّةُ فَلَا تَقْنَعُ بِالدُّونِ وَلَا تَرْضَى بِالْهَوَانِ، وَلَا تَسْتَسْلِمُ لِلْخَوَرِ وَلَا تَخْضَعُ لِلذُّلِّ وَالطُّغْيَانِ.

 

وَمِنْ أَهَمِّ مَا يَكُونُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَتَحَلَّى الْمُسْلِمُ بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَالْآدَابِ الْكَامِلَةِ، الَّتِي هِيَ عُنْوَانٌ لِفَلَاحِ صَاحِبِهَا؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ: «كَادَ الْأَدَبُ أَنْ يَكُونَ ثُلُثَيِ الدِّينِ». قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: «الَّذِي نَقَلْنَا مِنْ أَدَبِ مَالِكٍ أَكْثَرُ مِمَّا تَعَلَّمْنَا مِنْ عِلْمِهِ».

 

يَقُولُ مُعَاذٌ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ الْأَنِيسُ فِي الْوَحْدَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْخَلْوَةِ». وَقَالَ الْحَسَنُ: «لَوْلَا الْعُلَمَاءُ، لَصَارَ النَّاسُ كَالْبَهَائِمِ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَعْبُدُونَ، وَلَا كَيْفَ يَنْكِحُونَ».

 

وَهُنَالِكَ آدَابٌ عَامَّةٌ، وَآدَابٌ خَاصَّةٌ، يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا فِي حَضْرَةِ شَيْخِهِ، وَحَالَ مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُ مُسْتَفْسِرًا أَوْ مُخْبِرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَمِنْ تِلْكَ الْآدَابِ الْعَامَّةِ مَا نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ «إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ»، وَأَسْنَدَهُ إِلَى عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ:قَالَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ: «إِنَّ مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ أَلَّا تُكْثِرَ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ، وَلَا تُعَنِّتَهُ فِي الْجَوَابِ، وَلَا تُلِحَّ عَلَيْهِ إِذَا كَسِلَ، وَلَا تَأْخُذْ بِثَوْبِهِ إِذَا نَهَضَ، وَلَا تُفْشِ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ أَحَدًا عِنْدَهُ، وَلَا تَطْلُبَنَّ عَثْرَتَهُ، وَإِنْ زَلَّ قَبِلْتَ مَعْذِرَتَهُ، وَعَلَيْكَ أَنْ تُوَقِّرَهُ وَتُعَظِّمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، مَا دَامَ يَحْفَظُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَقْصِدُ بِهِ الرِّيَاسَةَ وَالْمَالَ وَالْجَاهَ وَمُمَارَاةَ السُّفَهَاءِ وَمُبَاهَاةَ الْأَقْرَانِ».

 

وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: أَنْ يُخْلِصَ لِلَّهِ فِي نِيَّتِهِ، فَلَا يَطْلُبَ الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ وَوَسَائِلَهُ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، طَلَبًا لِلثَّوَابِ، وَهَرَبًا مِنَ الْعِقَابِ، نَاوِيًا رَفْعَ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ؛ فَهَذِهِ هِيَ النِّيَّةُ النَّافِعَةُ. أَمَّا مَنْ طَلَبَهُ لِيَنَالَ بِهِ الدُّنْيَا، وَالشَّرَفَ، وَالشُّهْرَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ فِي طَلَبِهِ إِلَّا التَّعَبُ وَالنَّصَبُ.قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ مُحَذِّرًا مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ اللَّهِ: «مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ لِغَيْرِ اللَّهِ مُكِرَ بِهِ».إِنَّ مُعَالَجَةَ النِّيَّةِ وَاسْتِصْلَاحَهَا مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ، وَلَكِنْ مَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ وَجَاهَدَ نَفْسَهُ لَمْ يُخَيِّبْهُ اللَّهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ؛ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؛ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ؛ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ»

 

وَمِنْ آدَابِهِ: تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ؛ فَالتَّقْوَى وَالْعِلْمُ النَّافِعُ مُرْتَبِطَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾، أَيْ: يَهَبْ لَكُمْ عِلْمًا وَنُورًا وَبَصِيرَةً تُفَرِّقُونَ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَبَيْنَ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ وَشَرِّ الشَّرَّيْنِ.﴿ وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾، أَيْ: يَفْتَحُ لَكُمْ مِنْ أَبْوَابِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا يَكُونُ كَفَّارَةً لِسَيِّئَاتِكُمْ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ كَفَّارَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ.﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾، أَيْ: يُلْهِمُكُمُ الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ إِذَا زَلَّتْ أَقْدَامُكُمْ، فَإِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا التَّوْبَةُ.وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾.وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾.فَدَلَّتِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّ التَّقْوَى، الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ، سَبَبٌ عَظِيمٌ فِي التَّوْفِيقِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالزِّيَادَةِ فِيهِ، وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ.أَمَّا مَنْ تَعَلَّمَ ثُمَّ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ، فَوَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ، وَمِنْهُمْ رَجُلٌ عَالِمٌ، مَا تَعَلَّمَ وَعَلَّمَ إِلَّا لِأَجْلِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، فَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ.

 

نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ. وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ سُلِبَ الْعِلْمَ، وَمُحِقَتْ مِنْهُ بَرَكَتُهُ، وَارْتَدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾.

 

وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: تَوْقِيرُ مُعَلِّمِهِ، وَذَلِكَ بِحُسْنِ الْإِنْصَاتِ إِلَيْهِ إِذَا تَكَلَّمَ، وَحُسْنِ السُّؤَالِ عَمَّا يُشْكِلُ، وَالدُّعَاءِ لَهُ مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى مَعْرُوفِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا قَدْ يَكُونُ مِنْهُ مِنْ جَفَاءٍ أَوْ غِلْظَةٍ، وَاجْتِنَابِ مُعَامَلَتِهِ بِسُوءِ الْأَدَبِ وَمَرْذُولِ الْخُلُقِ. وَكُلَّمَا نَقَصَ أَدَبُ الطَّالِبِ مَعَ مُعَلِّمِهِ، كُلَّمَا أَثَّرَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي انْتِفَاعِهِ بِهِ.

 

وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: أَنْ يَخْتَارَ الصُّحْبَةَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي تُعِينُهُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ، وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، وَالَّتِي تُعِينُهُ عَلَى التَّحَلِّي بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِيهَا، وَتُعِينُهُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ؛ فَيُذَكِّرُونَهُ إِذَا نَسِيَ، وَيُعَلِّمُونَهُ إِذَا جَهِلَ، وَيُقَوِّمُونَهُ إِذَا مَالَ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ».وَلْيَحْذَرْ مِنْ صُحْبَةِ الْمُتَلَبِّسِينَ بِالْبِدَعِ؛ فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ صُحْبَةِ أَهْلِ الشَّهَوَاتِ وَالْبَطَالَةِ وَالْكَسَلِ؛ فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ عَلَيْهِ أَخْلَاقَهُ، وَيُضَيِّعُونَ عَلَيْهِ عُمْرَهُ وَأَيَّامَهُ.

 

وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: الْعِنَايَةُ بِالْوَقْتِ، فَيَسْتَغِلُّهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ حِفْظًا وَفَهْمًا وَمُرَاجَعَةً؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا أَعْطَيْتَهُ كُلَّكَ أَعْطَاكَ بَعْضَهُ، وَإِذَا أَعْطَيْتَهُ بَعْضَكَ لَمْ يُعْطِكَ شَيْئًا. وَإِذَا كَانَ لَدَيْهِ وَقْتُ فَرَاغٍ قَضَاهُ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِالنَّفْعِ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ.إِنَّ الْوَقْتَ أَعْظَمُ الْكُنُوزِ وَأَثْمَنُهَا، وَمَا ذَهَبَ مِنْهُ فَلَا يَعُودُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾.فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِالزَّمَانِ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ خَاسِرٌ، إِلَّا مَنْ اغْتَنَمَ زَمَانَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ.

 

وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: عِنَايَتُهُ بِكُتُبِهِ وَمُذَكِّرَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا كُتُبُ عِلْمٍ مُحْتَرَمَةٌ، فَلَا يَمْتَهِنُهَا بِعَبَثٍ أَوْ تَقْطِيعٍ أَوْ رَمْيٍ فِي الْمَزَابِلِ، أَوْ يَجْعَلَهَا مَقْعَدًا يَجْلِسُ عَلَيْهِ، لَا فِي أَوَّلِ الْعَامِ وَلَا فِي آخِرِهِ، بَلْ يُحَافِظُ عَلَيْهَا، وَإِذَا انْتَهَتْ حَاجَتُهُ مِنْهَا أَعْطَاهَا لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهَا، أَوْ أَحْرَقَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ؛ لِأَنَّ كُتُبَ الْعِلْمِ كُتُبٌ مُحْتَرَمَةٌ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ.

 

وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: مُحَافَظَتُكَ عَلَى الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَدْرَسَتِكَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَدَوَاتِ وَالْخِدْمَاتِ الَّتِي وُفِّرَتْ لِمَصْلَحَتِكَ وَمَصْلَحَةِ غَيْرِكَ. إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِلْكًا لَكَ لَمَا صَلَحَ أَنْ تُتْلِفَهَا دُونَ مُسَوِّغٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَاللَّهُ كَرِهَ لَنَا إِضَاعَةَ الْمَالِ.فَكَيْفَ بِمَنْ يُتْلِفُ مَا هُوَ مَنْفَعَةٌ مُشْتَرَكَةٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ؟

 

أَيُّهَا الطُّلَّابُ، اشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ؛ تَدْرُسُونَ بِالْمَجَّانِ فِي مَدَارِسَ مُكْتَمِلَةِ الْخِدْمَاتِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.وَإِنَّ عَبَثَكُمْ بِهَا مِنْ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ، وَإِنَّ كُفْرَانَ النِّعَمِ مِنْ أَسْبَابِ زَوَالِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾. ولله در الشافعي رحمه الله.

 

أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ
سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٍ وَحِرْصٍ وَاجْتِهَادٍ وَبُلْغَةٍ
وَصُحْبَةِ أُسْتَاذٍ وَطُولِ زَمَانِ

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَجَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.


❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي دِرَاسَةِ العِلْمِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: أَصْبَحَتِ الثَّقَافَاتُ الْإِلِكْتُرُونِيَّةُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْمَشَاهِيرِ، وَالْأَسْوَاقِ، وَالْكَمَالِيَّاتِ، وَالرِّيَاضَةِ، وَمَوَاقِعِ الدَّرْدَشَةِ، هِيَ السَّائِدَةَ فِي ثَقَافَةِ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ؛ مِمَّا كَانَ لَهُ الْأَثَرُ السَّلْبِيُّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ؛ لِذَا كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نُعَلِّمَهُمْ مَحَبَّةَ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالشَّغَفَ بِهِ، وَالتَّأَسِّيَ بِالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ فِي طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ، فَقَدْ كَانَ شَبَابُ الصَّحَابَةِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ـ يُدْرِكُونَ أَهَمِّيَّةَ الْعِلْمِ وَفَضْلَهُ، وَفَضْلَ الْعُلَمَاءِ. لذا عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ: أَنْ يُوَجِّهُوا أَوْلَادَهُمْ إِلَى حُسْنِ الطَّلَبِ وَالْأَدَبِ، وَأَنْ يُشَجِّعُوهُمْ عَلَى التَّفَوُّقِ وَالرِّيَادَةِ وَالنَّجَاحِ، وَنَفْعِ أَنْفُسِهِمْ وَدِيـنِهِمْ وَأُمَّتِـهِمْ لِلْوُصُولِ إِلَى غَايَةِ الظَّفَرِ وَالفَلَاحِ، وَيَغْرِسُوا فِي نُفُوسِ أَبْنَائِهِمْ وَبَنَاتِهِمُ الطَّلَبَـةِ وَالطَّالِبَاتِ حُبَّ الْمُعَلِّمِ وَتَقْدِيرَهُ، وَاحْتِرَامَهُ وَتَوْقِيرَهُ؛ فَمَا مِنْ مُهَنْدِسٍ وَلَا طَبِيبٍ، وَلَا مُوَظَّفٍ وَلَا أُسْتَاذٍ وَلَا خَبِيرٍ، وَلَا مَسْؤُولٍ وَلَا وَزِيرٍ؛ إِلَّا وَلِلْمُعَلِّمِ عَلَيْهِ فَضْلٌ وَمِنَّةٌ، فَلْنُقَابِلِ الْإِحْسَانَ بِالْإِحْسَانِ، وَلْنُجَازِ صَاحِبَ الْجَمِيلِ بِالشُّكْرِ وَالْعِرْفَانِ.وَ**أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ يُوصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقْصِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩].فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ؛ فَبِهِ تُعْرَفُ الْحَقَائِقُ، وَتُدْرَكُ الْمَقَاصِدُ، وَتُعْرَفُ طَرِيقُ الْهِدَايَةِ وَالسَّعَادَةِ.فَاللَّهَ اللَّهَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْمُثَابَرَةِ عَلَيْهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى تَحْصِيلِهِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يُنَالُ بِالتَّمَنِّي، وَلَا يُدْرَكُ بِالرَّاحَةِ وَالدَّعَةِ، وَلَكِنْ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَالْمُصَابَرَةِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ فِي عِبَادَةٍ مَا دَامَ يَطْلُبُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا فِي سَبِيلِهِ، وَكُلُّ وَقْتٍ يَبْذُلُهُ فِي تَعَلُّمِهِ، فَهُوَ ذُخْرٌ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فَاحْرِصُوا عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَعَلَى مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِمَا تَعَلَّمْتُمْ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ يَرْفَعُ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، وَنُورُ الْبَصَائِرِ، وَسَبِيلُ الْهُدَى وَالرَّشَادِ؛ فَبِهِ يَعْرِفُ الْعَبْدُ رَبَّهُ، وَيَعْرِفُ مَا يُرْضِيهِ، وَيَسْلُكُ طَرِيقَ الْحَقِّ عَلَى بَصِيرَةٍ.


فَاللَّهَ اللَّهَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، لَا تَجْعَلُوا أَعْمَارَكُمْ تَمْضِي فِي مَا لَا يَنْفَعُ، وَأَقْبِلُوا عَلَى مَجَالِسِ الْعِلْمِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ كُتُبِهِ، وَمُذَاكَرَةِ أَهْلِهِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ صَيْدٌ، وَالْكِتَابَةُ قَيْدُهُ، وَإِنَّ مَنْ جَدَّ فِي طَلَبِهِ بَلَغَ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَيْهِ ظَفِرَ.


عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ كَثْرَةَ مَعْلُومَاتٍ فَقَطْ، وَلَا حِفْظَ مَسَائِلَ فَقَطْ، بَلْ هُوَ عِلْمٌ يُورِثُ خَشْيَةَ اللَّهِ، وَيَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَيَزْجُرُهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾.


فَاحْرِصُوا عَلَى تَعْلِيمِ أَنْفُسِكُمْ، وَتَعْلِيمِ أَهْلِيكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ، وَاغْرِسُوا فِي نُفُوسِهِمْ حُبَّ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ ذُخْرٌ لَا يَفْنَى، وَرِفْعَةٌ لَا تَبْلَى، وَأَثَرٌ يَبْقَى لِلْإِنْسَانِ بَعْدَ رَحِيلِهِ.


فاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَقَلْبًا خَاشِعًا، وَعَمَلًا صَالِحًا، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ وَيُعَلِّمُونَهُ لِلنَّاسِ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • صفات المؤمنين في القرآن الكريم (خطبة)
  • مظاهر عناية الإسلام بالطفولة (خطبة)
  • سعد بن معاذ رضى الله عنه وأرضاه (خطبة)
  • الإمام أحمد بن حنبل (خطبة)
  • اسم الله: المتكبر (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • خطبة: الأدب مع الخالق ورسوله ومع الخلق فضائل وغنائم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مظاهر الأدب مع رسول الله (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • طلب العلم وتعليمه فضائل وغنائم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل طلب العلم وأهله ومسؤولية الطلاب والمعلمين والأسرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل العلم (خطبة)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • فضل العلم والتعليم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العلم صبر وأمانة (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • مع بداية العام الدراسي: مسؤولية العلم وحماية الفكر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العلم بداية نهضة الأمم وبداية العام الدراسي (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العلم نجاة وعصمة (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 4/5/1448هـ - الساعة: 15:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب