• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | أسرة   تربية   روافد   من ثمرات المواقع   قضايا المجتمع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أب معلم ومرب حكيم: قصة ابنة مع أبيها
    د. ثمينة خانم
  •  
    من هي الأم؟
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    مقدمة في علم الرياضيات وأهميتها في الحياة - للصم ...
    د. خالد فايز السليمان
  •  
    درجات الانحراف السلوكي من المنظور الشرعي والتربوي ...
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    مهارات ذهبية للاتزان العاطفي
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    تقلب الأحوال سنة إلهية جارية
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    درب نفسك على التغافل: التغافل خلق إسلامي وذكاء ...
    د. فاطمة صالح عبيد باهميم
  •  
    المنهج النبوي في الوقاية من الانحرافات السلوكية
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    لماذا ينبغي لأطفالنا أن يهجروا وسائل التواصل ...
    زهير رزق الله
  •  
    من يتحكم بالإنسان العقل أو العاطفة؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    يكبر الأب… وتكبر معه مطالب الأبناء!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    الوقاية وسد الذرائع
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    لا تضار والدة بولدها: نظرة إسلامية لحماية الأطفال ...
    محمد حسين حسن
  •  
    الثقة بالله: فله جنود السماوات والأرض {ولله جنود ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    أبناؤنا والذكاء الاصطناعي: كيف نربيهم على ...
    أحمد النمر
  •  
    كيف تنجو من الخسران
    نورة سليمان عبدالله
شبكة الألوكة / مجتمع وإصلاح / أسرة / آباء
علامة باركود

أب معلم ومرب حكيم: قصة ابنة مع أبيها

أب معلم ومرب حكيم: قصة ابنة مع أبيها
د. ثمينة خانم

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 25/10/2026 ميلادي - 15/5/1448 هجري

الزيارات: 109

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أبٌ معلِّم ومُرَبٍّ حكيم: قصَّة ابنةٍ مع أبيها

 

حينما جلستُ أسترجع ذكرياتي مع أبي الراحل -أسكنه الله فسيح جناته- لأنقل بعضًا منها على صفحة القِرطاس، وجدتُ أن هذه الذكريات تحتل حيِّزًا كبيرًا من حياتي؛ فهي تبدأ من مرحلة مبكرة من عمري، وتمتد على فترة غير قصيرة منه؛ لأن الوقت الذي قضيته معه كان الأطول مقارنة بالوقت الذي قضاه أشقائي.


ومن خلال هذه الورقة، حاولتُ استرجاع جزءٍ يسيرٍ من ذكرياتي معه، وعلى الأخص الذكريات التي تلامس النواحي التعليمية والتربوية، لأشارككم اليوم بعضًا منها.


فتبدأ قصتي هذه من اللحظة التي جاء أبي بي فيها إلى مدينة دلهي، وأنا بنتُ عشر سنين أو فوقها، في حين كانت أمي وأشقائي مقيمين في القرية مع جدي وجدتي -رحمهما الله-، وذلك ليُشرف بنفسه على تعليمي وتثقيفي. وإن دلَّ هذا على شيء، فإنما يدلُّ على عنايته البالغة وحرصه الشديد على تعليم أولاده وتربيتهم تحت إشرافه المباشر.


وقد قسمتُ القصة على محورين؛ المحور الأول يُسلِّط الضوء على الخطة التعليمية التي وضعها أبي لتعليمي المنزلي، والمنهج الذي اتخذه في تزويدي بمختلف العلوم الدينية والعصرية؛ كمنهجه في تحفيظي أجزاءً من القرآن الكريم والأدعية المأثورة، وتدريس مختلف المواد الدراسية من الأُرْدية والعربية والإنكليزية والهندية وغيرها. والمحور الثاني يشير إلى نقاط بارزة مستخلصة من منهجه التعليمي والتربوي، كان يركز عليها ويهتم بها بشكل أكبر.


المحور الأول: الخطة التعليمية والمنهج التربوي لأبي في تزويدنا بالعلوم الدينية والعصرية:

أعدَّ أبي لتعليمي المنزلي خطةً تعليميةً بيِّنةَ الأهداف واضحةَ المعالم، اشتملت على تحفيظي الجزأين الأخيرين من القرآن الكريم فضلًا عن بعض السور الأخرى، بما فيها الآيات الثلاث من نهاية سورة البقرة، وسورة يس كاملة[1]، وتحفيظي الأدعيةَ المأثورةَ التي كان قد اختارها من ثنايا الكتب، ورتَّبها لنا في شكل كتيِّب مع التشكيل والعناوين، وسمَّاها "مذكرة الأدعية (لأبنائي وبناتي)"، وتدريس اللغة الأُرْدية والهندية ثم العربية والإنجليزية وقواعد اللغتين (العربية والإنجليزية) ومبادئ علم الحساب، وتكليفي بكتابة صفحة واحدة في هذه اللغات الأربع الآنفة الذكر يوميًّا دون انقطاع لتحسين الخط والإملاء. أما المنهج الذي اختاره أبي للتدريس فيمكنني توزيع مفرداته كما يلي:

أ- تحفيظ القرآن الكريم والأدعية المأثورة:

الطريقة التي اتخذها أبي لتحفيظي ما تيسَّر من القرآن الكريم أنه كان يكلِّفني بحفظ ثلاث أو خمس آيات يوميًّا بحسب طولها وقصرها، وفي اليوم التالي يُسمِّعُها لي، ثم يعطيني الآيات التي تليها كدرسٍ جديد، ليُسمِّعها لي في اليوم التالي مع ربطها بالآيات التي أتقنتُ حفظها سابقًا. وهكذا يتدرج معي حتى أبلغَ نهاية السورة، فأحفظ السورة كاملةً بعدما يكون قد قسمها لي إلى أجزاء يسيرة سهلة. ثم يعطيني مهلة يومين أو ثلاثة أيام -بالنظر إلى حجم السورة طولًا وقِصرًا- لمراجعتها كاملةً، وفي اليوم الأخير من المهلة يُسمِّع لي السورة كاملةً دفعةً واحدةً؛ فإن تأكد من حفظي لها وإتقانها إتقانًا تامًّا، سمح لي بالانتقال إلى سورة جديدة، وإلَّا أمر بالمراجعة مرة أخرى لأُحكِمَ حفظها إحكامًا. والطريقة نفسها اتخذها لتحفيظي الأدعيةَ المأثورةَ الطويلةَ؛ كدعاء الجِنازة ودعاء القنوت وغيرهما.


أما السُّوَر والأدعية القِصار فكنتُ أحفظها كاملةً دفعةً واحدةً، ثم أُسمِّعُها له، وفي اليوم التالي أراجعها وأُسمِّعُها مرةً أخيرةً لأنتقل إلى سورة جديدة أو دعاء جديد.


ب- تدريس الكتب المدرسية واللغات (العربية، والإنجليزية، والهندية، والأُرْدية):

بدأ تدريسي باللغتين الأُرْدية والهندية ثم العربية وأخيرًا الإنجليزية، ولم يبدأ بها كلها دفعةً واحدةً، بل كان بعد تمكني من قراءة إحداها إلى مستوى مقبول، يبدأ باللغة الأخرى. وكان من عادته أنه كلما اختار كتابًا جديدًا لتدريسي إيَّاه، سجَّل في الصفحة الأولى منه اسمي وتاريخ بداية قراءتي له مع توقيعه، وإذا انتهيتُ منه سجَّل تاريخ الانتهاء، وإذا راجعتُه سجَّل عدد المراجعات أيضًا.


وقد قرأتُ عليه من الكتب العربية: "منهاج العربية"، و"القراءة الراشدة"، و"القراءة الرشيدة"، و"قصص النبيين للأطفال" بأجزائها الكاملة، ومن الكتب الإنجليزية درَّسني كتاب "القلم إنكلش ريدر" (جميع الأجزاء). والمنهج الذي تبنَّاه في تدريس هذه الكتب أنه كان يأمرني بمطالعة الدرس المطلوب قراءتُه بنفسي -صفحة أو نصف صفحة- بمساعدة المعاجم؛ فأقرأ النص العربي بنفسي، وأستخرج منه الكلمات الجديدة الواردة فيه، وأنقلها إلى دفترٍ سمَّاه "دفتر معاني الكلمات العربية" (أو "دفتر معاني الكلمات الإنجليزية" حين أطالع الدرس الإنجليزي)، ثم أبحث عن معاني تلك الكلمات في المعاجم مثل "مصباح اللغات" و"القاموس الجديد"، وأكتبها إزاء كل كلمة في الدفتر، ثم أحاول ترجمة النص العربي إلى اللغة الأُردية بحسب استطاعتي.


فإذا حان موعد الدرس وجلس للتسميع، كنتُ أوَّلًا أقرأ عليه النص العربي وأترجمه إلى الأُردية في ضوء المعاني المستخرجة من المعاجم ترجمةً مكسورةً، فيصحِّح الأخطاء ويقوِّم الترجمة، وكنتُ أقرأ عليه النص العربي مرتين اثنتين مع الترجمة الأُرْدية، ومرة ثالثة أقرأ النص فقط دون الترجمة، مراعيةً نطق الكلمات وتهجئتها الصحيحة والتشكيل الصحيح، ثم يفحص دفتر المعاني، ويصحح الأخطاء لأحفظ المفردات والتعابير المكتوبة فيه بعد انتهاء الدرس.


وأحيانًا كان يحدث معي أنني لا أجد كلمة عربية في المعاجم رغم بذل الجهد قدر المستطاع؛ وذلك لعدم قدرتي حينَها على تمييز حروفها الأصلية من الزوائد، فإذا قرأتُ عليه الدرس وتوقفتُ عند تلك الكلمة غيرَ قادرةٍ على ترجمتها وسألني عن معناها، أقول له بكل ثقة: "إنني حاولتُ البحث عن معناها في المعجم، لكنه لم يذكر هذه الكلمة البتة!"، فيستمع إليَّ، ويأمر فورًا بإحضار المعجم الذي راجعتُه للبحث عن الكلمة مرةً أخرى بين يديه، فإذا بي أجدها في أقل من دقيقة، بعدما كنتُ قد قضيتُ في أثناء مطالعتي من خمس إلى عشر دقائق في البحث عنها دون جدوى! فكنت أقول بلسان حالي: "يا للمصيبة! كيف لم يقع نظري عليها من قبل"؟!

 

والطريقة نفسها كان قد اتخذها لتدريس الكتب الإنجليزية والهندية والأُرْدية؛ فلم يكن ليُدرِّسني أيَّ مادةٍ دون أن أطالعها بنفسي، وأُحضِّر الدرس أولًا قبل أن أجلس لقراءته وتقديمه بين يديه.


وكان البحث عن معاني الكلمات والمفردات الجديدة في المعاجم واختيار المعنى القريب إلى المدلول لتطبيقه على الكلمات الواردة في الدرس من أكبر المشكلات لي في تلك الفترة من الزمن، وكان هذا يستغرق وقتًا غير قليل من يومي، وكان أكبر همي آنذاك أن أتمكَّن من العثور على معاني جميع الكلمات الجديدة بأي طريقة، وإلَّا فسيكون هناك استجواب!


ج- منهجية تدريس القواعد النحوية والصرفية (العربية والإنجليزية):

درستُ عليه من كتب القواعد: "تمرين الصرف"، و"تمرين النحو"، و"تحفة الصرف"، و"تحفة النحو" بأجزائها الكاملة، مع حفظ قواعدها وحل تمارينها. والطريقة أني كنتُ أقرأ عليه يومًا درسًا، فيوضح القاعدة الواردة فيه ويشرحها ويبسطها لي بأبسط الكلمات وأسهل العبارات لأفهمها، ثم أحفظها مع الأمثلة، وأقوم بحل التمارين المتنوعة التابعة للدرس في دفتري، وفي اليوم التالي يُسمِّعُ لي أولًا تلك القاعدة، ثم يفحص التمارين التي حللتُها في الدفتر ويوضح ما فيها من أوجه الخطأ والصواب، وبعد ذلك ننتقل إلى قاعدة جديدة ودرس جديد.


وما زلتُ أتذكر أنه لما شرح لي -أول مرة- الفعلَ وأقسامَه من الماضي والمضارع والأمر، وعرَّفني بعد ذلك تصريف الفعل الثلاثي المجرد الصحيح للماضي المثبت المعلوم المشتمل على أرْبَعَ عَشْرَةَ صيغةً: (فَعَلَ، فَعَلَا، فَعَلُوا... إلى آخرها)؛ فشرحه لي ثم أمرني بحفظ هذا التصريف. كان ذلك عملًا شاقًّا تطلَّب منِّي جهدًا إضافيًّا، وعلى كل حال فقد حفظتُها بعد جهد، ولكن لما أسمعتُه التصريف، قال: "أسمِعيني التصريف الكامل من "فَعَلَ" إلى "فَعَلْنَا" في نَفَسٍ واحدٍ دون انقطاع!"؛ ولم يسمح لي بالمضيِّ قدمًا حتى تدرَّبتُ على ذلك جيدًا، وكان قد استغرق هذا التدريبُ يومين أو ثلاثة أيام بحسب ما أتذكر.

 

ولم يكن يكتفي بتحفيظي التصاريفَ الواردة في دروس الكتاب حفظًا جافًّا، بل كان يقدِّم التطبيقَ العمليَّ لها من خارج الكتاب؛ بحيث يضع أمامه نسخة من المصحف الشريف، ويُقَلِّبُ صفحاته، ثم يلتقط أفعالًا متنوعةً من سور مختلفة، ويسألني عن وزنها، وصيغتها، وحالتها، وحروفها الأصلية، ويتوقع مني أن أردَّ على أسئلته كلها في لمح البصر كأنني في مسابقةٍ محدودة الوقت! وكان يقول لي: "لتَكُن ممارستُكِ قويةً ومكثفةً إلى درجةِ أن تكوني قادرةً على تصريف أيِّ فعلٍ أُعطيكِ إياه على وزنه النموذجي بسرعة بديهةٍ دون ضياع ثانيةٍ واحدةٍ، حتى وإن كان الفعل كلمةً أرْدِيَّة مثل (سَرَكْ - شارع)؛ فقومي بتصريفها على الفور مثل: سَرَكَ، سَرَكَا، سَرَكُوا... إلى آخرها!".

 

ولا يفوتني الإشارة هنا إلى أن جهوده تلك في سبيل تعليم القواعد العربية وتسهيلها -ولا سيَّما التصاريف المختلفة للفعل الثلاثي والرباعي (المجرد والمزيد فيه) من الأفعال الصحيحة والمعتلة، واختيار الأوزان الأكثر استخدامًا لكل نوعٍ منها لتثبيتها في أذهاننا بتصاريفها الكاملة إثباتًا ونفيًا، ورفعًا ونصبًا وجزمًا وتأكيدًا- كانت هي الحجر الأساس. فمن خلال التعرف على نقاط القوة والضعف لدينا بكوننا من الناطقين بغير العربية، وتحديد مواضع الانزلاق فيها لنا، واستنباط الحلول الكفيلة بالتغلب عليها بعد تجريبها عليَّ أولًا وعلى أشقائي فيما بعد؛ شكَّلت هذه التجربة النواة الأولى لإحدى أهم مؤلفاته في علم الصرف، والتي أصدرها لاحقًا بعنوان "تيسير الصرف" (باللغة الأُرْدية)، و«Arabic Morphology Made Easy» (باللغة الإنجليزية). وقد خصَّنا بإهداء هذا الكتاب واصفًا إيانا بـ "القُرَّاء الأوَّلين له"، ومؤكدًا أن رغبته الشديدة في تعليمنا العربيةَ كانت هي الدافع والمحفِّز الذي منحه الجُرأة والشجاعة للخوض في هذا المضمار.

 

هكذا كان منهج أبي وطريقته في التدريس والتلقين، والإرشاد والتوجيه. ويجدر بي الإشارة هنا إلى أنه كانت لدروسه مواعيدُ ثابتةٌ يوميًّا لم تكن تؤثِّر فيها تقلبات الأيام والليالي؛ فقد كان يُخصِّص وقته بعد صلاة العصر عمومًا للدرس، وأحيانًا يجلس بعد صلاة المغرب، وكان الدرس يستغرق ساعةً أو أكثر، بحسب تمكُّني من تحضيره وسرعة أدائه أمامه. وكان لزامًا عليَّ إذا حان الموعد أن أجلس بكتبي ودفاتري وأقلامي ودواتي، فأراجع دروسي وأذاكرها، وما إن يحل الوقت حتى ينادي باسمي؛ فأحضر بين يديه حضور تلميذة مجدَّة أمام معلم صارم، فأقرأ عليه المواد الدراسية المختلفة واحدةً تِلْوَ الأخرى، في جوٍّ يُضاهي أجواء الفصول الدراسية انضباطًا وجديةً، يكسر هدوءَه عباراتُ التشجيع والثناء، أو كلماتُ الزجر والتوبيخ بحسب الموقف الحاصل. وإذا انتهيتُ من الدروس عادت المياه إلى مجاريها، فنخرج معًا للنزهة المسائية كأب حنون وابنة مُدلَّلة.

 

وَقِسْ مدى التزامه بهذه المسؤولية -مسؤولية تدريسي بنفسه- وإخلاصه تجاهها، بأنه لم يكن يسمح لنفسه بأدنى تقصيرٍ أو تهاونٍ فيها، كما لم يكن يرضى بأن يعترض هذه الدروسَ أيُّ خللٍ يُعرقل سيرَها مهما كان مصدره؛ فنادرًا ما غاب عنها، وإن اضطرَّته الضرورة القصوى أحيانًا للغياب، ففي اليوم التالي كان يتدارك غيابه ذاك ويعوِّض ما فات منها كأنه دَيْنٌ في عنقه يجب الوفاء به! على سبيل المثال، لو تزامن موعد أحد البرامج الأكاديمية -التي كانت جزءًا لا يتجزأ من حياته المهنية- مع وقت دروسي المعتاد، كان يبكِّر بالدرس ساعةً أو ساعتين؛ حرصًا منه على ألَّا يفوتني درسٌ ولا يفوته واجبٌ مهني. أما أنا، فلم أكن أختلفُ عن سائر التلاميذ في مراحل التعليم الابتدائية الذين يبتهجون لغياب المعلم ويتجهَّمون لحضوره، وفي بعض الأحيان يتمنَّون في قرارة أنفسهم أن يُصاب بوعكةٍ تحول دون قدومه! وكنتُ أنتظر على أحرَّ من الجمر وصول بطاقات الدعوة إليه لحضور المؤتمرات والندوات والبرامج الأكاديمية الأخرى، وأتسلل خُفيةً إلى مكتبه بين الحين والآخر، فأقلِّب أوراقه بحثًا عن بطاقة جديدة، وإذا ما عثرتُ على إحداها فتحتُها بلهفةٍ ونظرتُ إلى التاريخ المحدد مُقدِّرةً ما إذا كانت ستُخلصني من عبء الدروس، فإن وافق التوقيتُ أمَلي، رقص قلبي طربًا: "إنه سيكون مشغولًا بالبرنامج، فسأحظى بيوم عطلةٍ ألهو فيه وأمرح!"، لكن ما إن يحل اليوم الموعود حتى ينقلب فرحي إلى خيبةٍ مريرة؛ إذ يُباغتني صوته الحازم: "يا بنيتي، عليَّ اليوم حضور برنامجٍ في وقت دروسكِ، فتعالي نجلس لها قبل الموعد بساعةٍ لنُنجز الدرس، ثم أنصرف إلى واجبي!".

 

وكذلك في بعض الأيام، إذا تأخَّرتْ عودته من الجامعة إلى أن ينقضي وقت دروسي المعتاد، فكنتُ أطير فرحًا بأنني قد نجوتُ من القراءة والكتابة اليوم، وحيث إن الوقت المحدد للدروس قد مضى فالعطلة مؤكَّدةٌ اليوم، ولكن لا يدوم سروري هذا إلا سويعات؛ إذ يعود متأخرًا ويعلن أنه بعد استراحة قصيرة سوف يجلس للدرس في الساعة كذا وكذا، فأرجع إلى كتبي ودفاتري على كُرْهٍ، وقد تبخَّرت أحلامي بعطلة مفاجئة! نعم، هكذا كان في انضباطه، وإخلاصه، والشعور بالمسؤولية، وأداء الواجب المنوط به في حياته الشخصية والمهنية كلتيهما. وبالمقابل كان يتوقَّع منا المستوى نفسه من الجدية والاجتهاد والانضباط والالتزام؛ فكان يُثير غضبه أيُّ تقصيرٍ أو إهمالٍ في الدرس؛ فلم يكن يغضب ويُوَبِّخُ فحسب، بل كان أحيانًا يلجأ إلى الصفع أيضًا إذا ثارت ثائرته! وحينذاك لم يكن يتجرَّأ أحدٌ أن يحول بينه وبين من يوبِّخه أو يصفعه سوى جدتي -رحمها الله- (إذا كانت موجودة بيننا)، والغريبُ أنه حينما كان يَزْجُرُنا ويُوَبِّخُنا على أخطائنا في الدروس، لم يكن يسمح لنا بأن نذرف الدموع أو نتوقف عن القراءة؛ إذ كان ذلك يزعجه فيزيده غضبًا! بل كان يتوقع منا أن نواصِلَ القراءة والتسميع دون ذرف الدموع بعدما ينالنا منه شيء، كأنْ لم يحدث شيء! وقد سمعتُ من جدتي أن هذه العادة سَرَتْ إليه من أبيه (جدي)؛ حيث كان هو أيضًا لا يتحمل أيَّ إهمالٍ أو تقصيرٍ في الدراسة.

 

ولي ولأشقائي في تلك الفصول المنزلية ذكرياتٌ لا تُنسى وحكاياتٌ لا تُحصى؛ فمنها ما يشتمل على قصص إهمالنا للدروس وتقصيرنا في كتابة الواجبات، والذي تسبَّب في إثارة حفيظته فانهال علينا عتابًا وتقريعًا، ومنها ما يحتوي على قصص تفوقنا وإجادتنا في الدروس، والتي أدخلت الفرح والبهجة إلى قلبه فربَّت على أكتافنا مشجِّعًا ومحفِّزًا.. لو شرعتُ في سردها لطال بنا الكلام وضاق المقام!

 

المحور الثاني: إضاءاتٌ بارزة من منهجه في التعليم والتربية:

كان أبي معلمي الأول، وكنتُ تلميذته الأولى التي وضع لها منهجه التعليمي والتربوي أول مرة إعدادًا وتشكيلًا، وجرَّبه عليها تطبيقًا عمليًّا؛ فهو الذي خطوتُ -ممسكةً بيده الحانية- أولى خطواتي على درب العلم والمعرفة، وهو الذي غرس في فؤادي بذور الشغف بالقراءة والكتابة، وقد بذل الغالي والنفيس في سبيل تعليمي وتنشئتي. وحقًّا، لقد حظيتُ بأوفرِ نصيبٍ من خالص عنايته ووقته وجهده، ما لم يحظَ به أحدٌ من أشقائي؛ نظرًا لاشتغاله فيما بعد وتضاعف مسؤولياته الشخصية والوظيفية وتراكمها.

 

والآن، يجدر بي أن أشير إلى بعض الجوانب التي كان يهتمُّ بها بشكلٍ خاصٍّ في منهجه التعليمي والتربوي، وهي كالتالي:

أولًا: كان يركز تركيزًا خاصًّا على أن نقرأ النصوص العربية والإنجليزية قراءةً سليمةً منذ البداية؛ فيستمع إلى الدرس منا مرتين اثنتين مع الترجمة، ومرةً ثالثةً دون ترجمة؛ وذلك لتدريبنا على النطق الصحيح للكلمات والمفردات في كلتا اللغتين. وكذلك كان يُعنى بقواعد اللغة العربية اعتناءً بالغًا، قائلًا: "يجب أن يكون البنيان قويًّا متينًا لا يبقى فيه ضَعْفٌ ولا عِوَجٌ؛ لأنَّ الصرح الذي يُقام على بنيان ضعيف أو معوج، لا يمكن تقويمه فيما بعد مهما بُذِلت الجهود؛ لذا علينا أن نحاول إتقان أساسيات القواعد العربية جيدًا".

 

وكان أحيانًا، إذا رجع من إحدى المقابلات (المقابلات الشفهية أو لجان الامتحان)، وكان قد شاهد فيها أخطاءً في القواعد النحوية والصرفية لدى المتقدمين، يُعيد علينا الأسئلة التي طُرحت على الممتحَنين خلال المقابلة لنردَّ عليها، ثم يوضِّح لنا وجه الخطأ والصواب فيها.

 

ثانيًا: كما ذكرتُ فيما مضى، فقد اهتم بتخصيص أجزاءٍ يسيرة من القرآن الكريم لتحفيظنا إياها؛ لتكون عونًا لنا في أداء صلواتنا الخمس المفروضة، ولم يكن ليحفِّظنا إياها ثم يتركنا على حالنا، بل كان دومًا حذِرًا يقظًا تجاه ما حفظناه، فلم يغفل عنه حتى في الفترة التي قضيتها بعيدةً عنه في السكن المدرسي، فكلما زارني في مدرستي سألني: هل أراجعها باستمرار أم أهملتُها؟ وإذا رجعتُ في عطلة الصيف إلى بيتي، ما كدتُ أستمتع بعطلتي ليومين أو ثلاثة أيام حتى يكلفني بمراجعة تلك الأجزاء المحفوظة ويُسمِّعها لي؛ ليتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا منها بسبب انشغالي بالدروس الصيفية، وكان ينصحنا دائمًا بأن نهتم بتلاوة كل ما نحفظه من القرآن الكريم في صلواتنا الخمس لكي نُحكم حفظه. وعلمتُ فيما بعد أنه ورث هذه العادة عن والده (جدي) -رحمهما الله-؛ حيث كان هو أيضًا يقرأ القرآن كلَّه بالترتيب طوال السنة في صلواته جماعةً ومنفردًا كي لا تخونه ذاكرته فيه، رحمهما الله رحمةً واسعةً، وجعل القرآن شفيعًا لهما يوم تقوم الساعةُ.

 

ثالثًا: كان -رحمه الله- قد أُشْرِبَ قلبُه حُبَّ اللغة العربية، وكان دائمًا يحثنا ويشجعنا على بذل الجهود في سبيلها قائلًا: "يا أبنائي، إذا تعلمتم أيَّ لغةٍ من اللغات ربحتم في هذه الدنيا فحسب، ولكن إذا أتقنتم اللغة العربية فستُدِرُّ عليكم خيرًا وافرًا في هذه الدنيا وما بعدها؛ لأنها لغة القرآن والسُّنَّة، وفيها الخير الكثير والبركة الوفيرة". ولم يكن هذا محضَ توجيهٍ وإرشادٍ، بل قدَّم تجسيدًا عمليًّا له؛ فنرى أن جُلَّ اهتماماته كانت تتمحور حول هذه اللغة: تدريسًا وتعليمًا، وترويجًا وتعميمًا، وتبسيطًا وتحبيبًا إلى قلوب المتعلمين من غير الناطقين بها، وتُعَدُّ مؤلفاته خيرَ شاهدٍ على عمق اهتمامه بهذه اللغة، وفكره المستنير في نشرها داخل البيت وخارجه.

 

رابعًا: كان يحثُّنا على الجد والمثابرة وتكثيف الجهود في سبيل طلب العلم قائلًا: "نحن جيلٌ حفرنا البئر بأنفسنا حتى وصلنا إلى الماء، وأنتم محظوظون للغاية؛ لأنكم وجدتم البئر محفورةً جاهزةً، فما بالكم تتكاسلون في شرب الماء؟!"، وكان يكرر من حين لآخر: "من يتعب في صغره يسترح في كبره"، وقد أدرج هذه الجملة وأمثالها في مواضع متعددة من مؤلفاته ضمن التدريبات والتطبيقات.

 

ولم يكن يُعير اهتمامًا يُذكر للدرجات والشهادات المجرَّدة؛ بل كان يقول لنا: "ليس المهم عندي الدرجات التي تحصلون عليها في الامتحانات حتى أختبركم بنفسي بطريقتي الخاصة"، ويضيف قائلًا: "كما تعرف أُمُّكم نُضْجَ الأرز من عدمه بفحص حبةٍ واحدةٍ من القِدْر، كذلك تكفيني عبارة عربية قصيرة غير مشكولة تقرؤونها أمامي؛ لتقييم استيعابكم للقواعد وقدرتكم على تطبيقها عمليًّا؛ فهي الكفيلة ببيان الحقيقة: هل حفظتم تلك القواعد حفظًا مجردًا، أم أتقنتم توظيفها وتطبيقها بالكامل!".

 

خامسًا: كان ضابطًا لوقته إلى أقصى درجات الانضباط؛ لذا كان تعليمنا المنزلي يجري بانتظام صارم يشبه نظام الفصول الدراسية في الدقة والالتزام، لا متسع فيه للعشوائية ولا للارتجالية، لا من جانبه ولا من جانبنا. وكذلك كان يسعى ألَّا يضيع من عمره وقتٌ قدر المستطاع؛ فيستغل الوقت الذي يستغرقه السفر بالقطار أو الطائرة -أو حتى وقت انتظارهما في المحطة أو المطار- بالقراءة والمطالعة. وكان لكل عمل عنده وقتٌ محددٌ من الصباح إلى المساء لا يغيِّره إلا لطارئٍ عاجلٍ.

 

كما وجدناه شديد الالتزام بالمواعيد؛ فيصل إلى مقصده في الوقت المحرَّر تمامًا، ويتوقع من الآخرين الالتزام نفسه. وكان إذا عزم على السفر يغادر البيت إلى المحطة أو المطار قبل الموعد بساعةٍ أو ساعتين؛ تجنبًا لأي تأخير قد تسببه حركة المرور، ويأمرنا نحن أيضًا بالمغادرة إلى مراكز الامتحانات قبل الوقت المحدد بساعةٍ على الأقل، ولا يقرُّ له قرارٌ حتى نبرح البيت بالفعل! بل إن كان خارج المدينة إبان أيام امتحاناتنا، يظل يتصل بنا عبر الهاتف مرارًا لتأكيد خروجنا قبل الموعد بساعة. ولا يفوتني أن أذكر هنا أنه رافقني بنفسه إلى مقر انعقاد اختبار الأهلية الوطنية (NET) قبل موعده بيوم؛ امتثالًا للإرشادات التي توصي المرشحين بزيارة المركز لمعاينته مسبقًا، وتجنبًا لأي عائق يُربك الوصول يوم الاختبار.

 

سادسًا: كان كثير البرِّ بأبويه حتى بلغ برُّه بهما وإحسانُه إليهما درجةً يُغبط عليها، وكان في ذلك مثالًا يُحتذى؛ إذ كان مستعدًّا دومًا للتضحية بكل غالٍ ونفيسٍ في سبيل إسعادهما وإدخال السرور على قلبيهما. والجديرُ بالذكر أن شدَّ الرحال إلى القرية وقضاء الوقت معهما في كنفهما كان أحبَّ إليه من كل الأشغال، وكانت تلك الوجهة أثيرةً إلى قلبه أكثر من أي بقعةٍ أخرى على وجه الأرض؛ لأنها احتضنت روحين طاهرتين. وكان يخطط لزياراته لهما بدقة متناهية سنة كاملة، منتزعًا الفرص من بين تراكم الارتباطات الأكاديمية والوظيفية، ومحددًا اليوم والتاريخ، حتى إن أصدقاءه كانوا يمازحونه بقولهم: "إنه يحمل في جيبه تذكرةً ثانية للسفر إليهما حتى قبل أن يسافر بالتذكرة الأولى!". وكان يوصينا دائمًا بخدمتهما وقضاء الوقت معهما إذا كانا موجودَيْن معنا في المدينة أو كنا في زيارة لهما بالقرية، كما يوصينا بالاتصال بهما هاتفيًّا باستمرار للاستفسار عن حالهما، إذا كانا بعيدَيْن عنا، قائلًا: "إن المرء في هذه المرحلة من العمر يحتاج إلى العطف والرعاية وحُسْن المعاملة من أبنائه وأحفاده أكثر من أي وقت مضى".

 

وأذكرُ ذات مرة أنه كان ينصحني بهذا الصدد كعادته معنا، فساءتني كثرة نصيحته قليلًا، فسألته: "أنت تنصحني بمثل هذا بين الحين والآخر، ألا تعلم أنني أهتم بهما بنفسي دون حاجةٍ للتنبيه؟!"، فأجابني بكل هدوءٍ: "بلى! ولكن ألا تتلين قول الله تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 55]!

 

سابعًا: لم يكن ثمة تضادٌّ بين قوله وعمله، بل كان يقرن العلم بالعمل، ويُجسِّد ما يعظ به الآخرين قولًا وفعلًا؛ فما وجدناه يأمر بشيءٍ ويتخلَّف عنه، ولا ينهى عن أدبٍ ويأتي بمثله! على سبيل المثال، كان ينصرف عن مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد للأطفال، ويتحفظ على منح الهواتف الذكية للأبناء حتى بلوغ مرحلة معينة، كما كان يحرص على تعويدهم الملابس المحتشمة منذ الصغر لتتجذَّر في سلوكهم؛ فطبَّق كل ذلك علينا أولًا قبل أن يدعو إليه أحدًا؛ فلم يكن يسمح لنا بالمشاركة في احتفالات أعياد الميلاد مع أترابنا وزملائنا بأي حال، ولم نحظَ بهواتف شخصية إلا بعد تجاوز سن معينة. كما كان شديد الاحتياط في مسائل الحلال والحرام في شؤون الحياة اليومية، ويتحرى الوضوح التام والشفافية في معاملات الأخذ والعطاء مع الناس، ينأى بنفسه عن التظاهر والتفاخر، ويتجنب الرياء والمباهاة في كل مظاهر حياته، ومائلًا بطبعه إلى البساطة والاستقامة.

 

وأخيرًا لا يسعني إلا أن أقول: حقًّا، لقد كان -رحمه الله- أبًا مثاليًّا سلك نهجًا فريدًا في التعبير عن محبَّته ومودَّته لأبنائه؛ فاهتمَّ بتعليمنا وتثقيفنا، واستثمر فينا وقته وجهده، واختصَّنا بعنايته ورعايته ونُصْحه، وتولَّى تدريسنا بنفسه إلى مرحلة معينة قبل أن يُدخلنا المدارس والكليات؛ دينية كانت أو عصرية؛ فقد تحمَّل وحده مسؤولية تعليمنا، مُؤْثِرًا ذلك على إلحاقنا بالكتاتيب والمدارس أو الاستعانة بمعلم خاص. وكان بوسعه أن يسلك السبيل الـمُيسَّر والطريق الـمألوف الذي يسلكه أغلب الآباء؛ فيُلحقنا بالمدارس ويُتابع شؤوننا التعليمية عن بُعد، لكنه آثر أن يشقَّ طريقًا وعرًا غير معبَّدٍ نسبيًّا، وواصل الليل بالنهار في تذليل صعابه وتمهيده لفلذات أكباده.

 

وفي تلك الأيام، لم تكن عقولنا الغضَّة تُدرك الحكمة من وراء هذا الاختيار؛ فكنَّا نتساءل في دواخلنا: "لِمَ ندرس في البيت على يد أبينا؟ لِمَ لا يُلحقنا والدنا بمدرسةٍ كسائر أقراننا؟ أليس في الأمر شيءٌ من الغرابة؟!"، تساؤلاتٌ كانت تجول في خواطرنا دون أن نجرؤ على البوح بها! ثم مرَّت الأعوام، وتجاوزنا عتبة الطفولة، ونضجتْ عقولنا شيئًا فشيئًا، فأدركنا أنَّ ذلك كلَّه لم يكن إلا تجسيدًا لحبِّه العميق وحرصه الشديد علينا؛ فقد كان يقطع يوميًّا مسافة خمسة وعشرين كيلومترًا ذهابًا إلى عمله، ويقضي ساعاتٍ طوالًا في أداء واجبه الوظيفي، ثم يعود قاطعًا الـمسافة ذاتها، وفي الـمساء يجلس إلينا بكامل نشاطه وحيويته، يستمع إلى ما حفظنا من الدروس ويُصحِّح ما كتبنا من الواجبات، دون أن تبدو عليه أمارات الكَلَل أو الـمَلَل! وكان مداومًا على روتينه هذا طوال السنة صيفًا وشتاءً.. فما الذي كان يدفعه لهذا الجهد الدؤوب والعطاء الـمتواصل؟! لم يكن سوى الحبِّ الخالص والحرص الأبوي الصادق على أن ينشأ أبناؤه تحت رعايته الـمباشرة، غير آبهٍ بما يتكبَّده من عناءٍ ومشقَّةٍ في سبيل ذلك.

 

رحم الله والدنا الغالي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنَّاته، وجعل ما قدَّمه لنا من علم ومعرفة في ميزان حسناته؛ فقد كان نِعم الأب، ونِعم الـمعلِّم، ونِعم القدوة. ونحن لن نوفيه حقه إلا بالتزام ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»؛ فالدعاء هو الصلة التي لا تنقطع، وستبقى كلماته نجومًا نهتدي بها دائمًا.



[1] وزاد عليها لأخَوَيَّ بعض السور من الجزء الثامن والعشرين إلى جانبسورة فصلت (حم السجدة)، وسورة ق، وسورة الحجرات وغيرها من السور.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • حقيبة ذكريات تهمس: "عزيزتي.. سلمها ربها"
  • سفر بلا عودة.. وانتظار لم يتحقق

مختارات من الشبكة

  • ملامح تربية الأجداد للأحفاد(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • كيف أعد نفسي للتربية الإسلامية؟(استشارة - الاستشارات)
  • دور الآباء في تربية الأبناء في ضوء الكتاب والسنة النبوية(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • أبناؤنا والذكاء الاصطناعي: كيف نربيهم على الاستخدام الواعي والمسؤول؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • أهل زوجي يتدخلون في تربية ابنتي(استشارة - الاستشارات)
  • الجدية في تربية الأبناء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تربية الأبناء والاختبارات.. بدع نهاية العام(محاضرة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • خطبة: مهمة تربية الأبناء(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • تربية الأبناء في الإسلام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خمسون قاعدة في تربية الأبناء (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • «الاستعداد للحياة الزوجية»: ورشة إسلامية لتعزيز الاستقرار الأسري في فيينا
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 14/5/1448هـ - الساعة: 16:27
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب