• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | أسرة   تربية   روافد   من ثمرات المواقع   قضايا المجتمع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تقلب الأحوال سنة إلهية جارية
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    درب نفسك على التغافل: التغافل خلق إسلامي وذكاء ...
    د. فاطمة صالح عبيد باهميم
  •  
    المنهج النبوي في الوقاية من الانحرافات السلوكية
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    لماذا ينبغي لأطفالنا أن يهجروا وسائل التواصل ...
    زهير رزق الله
  •  
    من يتحكم بالإنسان العقل أو العاطفة؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    يكبر الأب… وتكبر معه مطالب الأبناء!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    الوقاية وسد الذرائع
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    لا تضار والدة بولدها: نظرة إسلامية لحماية الأطفال ...
    محمد حسين حسن
  •  
    الثقة بالله: فله جنود السماوات والأرض {ولله جنود ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    أبناؤنا والذكاء الاصطناعي: كيف نربيهم على ...
    أحمد النمر
  •  
    كيف تنجو من الخسران
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    أهمية المبادرة إلى علاج الانحراف السلوكي
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    أسئلة ابنتي التي أعادتني إلى نفسي
    د. ابتهال محمد علي البار
  •  
    كبارنا .... غرباء في مجالسنا!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    فقه القلوب.. حين يصبح الأسلوب رسالة
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    تحريم عضل المرأة عن الزواج بالكفء لمصالح شخصية أو ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
شبكة الألوكة / مجتمع وإصلاح / تربية / مقالات ودراسات تربوية
علامة باركود

تقلب الأحوال سنة إلهية جارية

تقلب الأحوال سنة إلهية جارية
د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 20/10/2026 ميلادي - 10/5/1448 هجري

الزيارات: 13

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تقلب الأحوال سنة إلهية جارية

﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾ [الواقعة: 3]


تمهيد:

إن تقلُّب أحوال الناس في هذه الحياة، من غنى إلى فقر، ومن رفعة إلى خَفض، ومن صحة إلى سقمٍ، سنة ماضية من سنن الله في خلقه، لا تتبدل ولا تتخلف، وهي تدبير إلهي قائمٌ على الحكمة والعدل؛ قال الله تعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن: 29]، وقد فسَّر السعدي رحمه الله هذه الآية بقوله: "يغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويعطي قومًا، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ويرفع ويخفض"[1].

 

مما يدل على أن تغيُّر الأحوال وتبدُّل الأقدار، أمرٌ دائم في كل لحظة، وهو من دلائل قدرة الله وعظمته وتدبيره المطلق، وهذا التغير من سمات الحياة الدنيا، فإنها لا تستقر على حال، ولا تدوم لأحد؛ كما قال تعالى: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ [الانشقاق: 19]، قال الحسن البصري رحمه الله: "أي: حالًا بعد حال، رخاءً بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنًى بعد فقر، وفقرًا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقمًا بعد صحة"[2].

 

وليس هذا التقلب قاصرًا على الحياة الدنيا، بل يمتد أثره إلى يوم القيامة؛ حيث تتغير أحوال الناس، وتتبدل من حال إلى حال، فقد أشار الرازي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾: "إن الناس تنتقل أحوالهم يوم القيامة عما كانوا عليه في الدنيا؛ فمن وضيع في الدنيا يصير رفيعًا في الآخرة، ومن رفيع يتضع، ومن متنعم يشقى، ومن شقي يتنعَّم، وهو كقوله: ﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾ [الواقعة: 3]"[3].

 

وفي ضوء ما تقدم يتبيَّن أن تقلب الأحوال سنة إلهية جارية في الدنيا والآخرة، تُظهر عظمة تدبير الله وعدله، وتدعو الإنسان إلى التأمل في حاله، والتعلق بربه، والاستعداد لما هو آت؛ إذ لا دوام لحال، ولا أمن من تبدُّل، ﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾.

 

أقوال العلماء في تفسير الآية محل الموضوع:

ذكر الثعلبي رحمه الله في تفسيره الكشف والبيان عن تفسير القرآن عدة أقول لمعنى قوله تعالى: ﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾، فقال: "أي: تخفض قومًا إلى النار، وترفع آخرين إلى الجنة، وقيل: خفضت الصوت، فأسمعت مَن دنا، ورفعت الصوتَ فأسمعت من نأى، يعني: أنَّها أسمعت القريب والبعيد، وقيل: خفضت المتكبرين، ورفعت المستضعفين، يعني: رفعت قومًا كانوا مُذللين فرفَعتهم إلى أعلى عِليين، ووضعت قومًا كانوا في الدنيا مرتفعين، فوضَعتهم إلى أسفل السافلين، وقيل: خفضت قومًا بالعدل ورفعت آخرين بالفضل"[4].

 

وقال ابن عاشور رحمه الله: "أي: يحصل عندها خفضُ أقوام كانوا مرتفعين، ورفع أقوام كانوا منخفضين، وذلك بخفض الجبابرة والمفسدين الذين كانوا في الدنيا في رِفعة وسيادة، وبرفْع الصالحين الذين كانوا في الدنيا لا يَعبؤون بأكثرهم، وهي أيضًا خافضةُ جهاتٍ كانت مرتفعة كالجبال والصوامع، رافعة ما كان منخفضًا بسبب الانقلاب بالرجَّات الأرضية"[5].

 

الملامح التربوية المستنبطة من الآية محل الموضوع:

جاءت الآية الكريمة ﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾ [الواقعة: 3] في سياق وصف أهوال يوم القيامة، وما يشهده ذلك اليوم العظيم من انقلابات مروِّعة في أحوال العباد ومصائرهم، ومن هذا المنطلق تتوجه الملامح التربوية المستنبطة من هذه الآية المباركة إلى التركيز على مشاهد القيامة، وما تَحمِله من معانٍ عظيمة تستحثُّ القلوب على التذكر والخشية، وتدعو النفوس إلى الاستعداد لهذا اليوم بالمحاسبة والإصلاح، وسأَبذل جهدي المتواضع في عرض بعض هذه الملامح، رجاء النفع والتذكير، مع التنبيه إلى أن هذا الموضوع متعدِّد الجوانب، ومن أراد التوسُّع فيه فليُراجع ما كتبه العلماء، ومن الكتب النافعة في ذلك: "العاقبة في ذكر الموت والآخرة" للأشبيلي رحمه الله المتوفى (581 هـ)، و"التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" للقرطبي رحمه الله المتوفى (671هـ)، ومن المؤلفات المعاصرة: "القيامة الصغرى والقيامة الكبرى والجنة والنار" لعمر سليمان الأشقر رحمه الله المتوفى (1433هـ)، وإليكم الآن الملامح التربوية:

أولًا: يُعرَّف يوم القيامة بأنه: "هو يوم البعث والقيام من القبور، وهو اليوم الآخر الذي لا يوم بعده، وهو يوم يقوم فيه الخلق بين يدي الحي القيوم؛ ليحاسبهم ويجازيهم بما عملوا؛ إما بدار النعيم، وإما بالعذاب الأليم"[6].

 

وقد وصَفه الله تعالى في كتابه بأنه يوم عظيم، لِما فيه من أهوال تقصر العقول عن تصوُّرها؛ قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1، 2]، وعلَّق الأشبيلي رحمه الله على هذه الآية بقوله: "وما ظنك بيوم عبَّر الله تبارك وتعالى عن بعض ما يكون فيه بشيء عظيم، وماذا عسى أن يقول القائل فيه؟ وماذا عسى أن يصفه الواصف به؟ الأمر أعظم والخطب أكبرُ، والهول أشنع"[7].

 

كما أن شدة هول هذا اليوم قد عبَّر عنها القرآن الكريم بتشبيه بليغ، إذ تشيب له رؤوس الولدان؛ كما قال عز وجل: ﴿ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴾ [المزمل: 17]، وقد قال الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: "يعني يوم القيامة، وإنما تشيب الولدان من شدة هوله وكربه"[8]، فدلَّ ذلك على أن هوْل ذلك اليوم يفوق كلَّ وصف، ويتجاوز حدود التصور البشري.

 

ثانيًا: من أعظم صور التعظيم ليوم القيامة أن يُقسم الله جلَّ وعلا به، كما جاء في مطلع سورة سُمِّيت باسمه؛ قال تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [القيامة: 1]، وقد تناول علماء التفسير هذا القسم بالبيان والتوضيح، مُبرزين ما فيه من دلالات عظيمة على أهمية ذلك اليوم وخطورته، فقال ابن عاشور رحمه الله: "افتتاح السورة بالقسم مؤذنٌ بأن ما سيذكر بعده أمر مهم؛ لتستشرف به نفس السامع، وكونُ القَسَم بيوم القيامة براعةُ استهلال؛ لأن غرض السورة وصف بيوم القيامة"[9]، ويضيف القاسمي رحمه الله: "إن المراد بالقسم تأكيد تعظيم المقسَم به، إذ لا يقسم بالشيء إلا إعظامًا له، وهذا التأكيد إنما يُؤتى به رفعًا لتوهُّم كون هذه الأشياء غير مستحقة للتعظيم، وللإقسام بها، فيُزاح هذا الوهم بالتأكيد"[10].

 

أما المراغي رحمه الله، فقد قال: "قسمه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيم شأنه، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه"[11]، وهو ما أكده أيضًا الشنقيطي رحمه الله بقوله: "يُجمع المفسرون أن لله تعالى أن يُقسم بما شاء من مخلوقاته؛ لأنها دالة على قدرته، وليس للمخلوق أن يَحلف إلا بالله تعالى"[12]، فدل هذا الإقسام على عِظم قدر هذا اليوم في ميزان الشريعة، وعلى وجوب التهيؤ والاستعداد له؛ إذ لا يُقسم العظيم إلا بعظيم.

 

ثالثًا: قد يتساءل القارئ الكريم عن الحكمة في تسمية هذا اليوم العظيم بـ"يوم القيامة"، ولا شك أن ما يقع فيه من أحداث جِسام وأهوال عِظام، له صلة وثيقة باسمه ودلالته، وقد بيَّن ابن عثيمين رحمه الله أن يوم القيامة سُمِّي بهذا الاسم لقيام أمور ثلاثة فيه، وهي:

الأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 5، 6].

 

الثاني: قيام الأشهاد الذين يشهدون للرسل وعلى الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51].

 

الثالث: قيام العدل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [الأنبياء: 47][13] ، وهكذا جاءت هذه التسمية معبِّرة عن جوهر ذلك اليوم؛ فهو يومٌ يقوم فيه الخلق، ويقوم فيه الشهود، ويقوم فيه ميزان العدل الإلهي، فيتحقق تمام الحساب والجزاء.

 

رابعًا: نظرًا لعظمة يوم القيامة وشدة أهواله، فقد ورد له في القرآن الكريم عددٌ كبير من الأسماء، اهتم العلماء بجمعها وبيان دلالاتها؛ إذ إن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمَّى وخطورته، وقد ذكر عمر سليمان الأشقر رحمه الله في كتابه "القيامة الكبرى" جملةً من أبرز أسمائه؛ منها: "يوم القيامة، اليوم الآخر، الساعة، يوم البعث، يوم الخروج، القارعة، يوم الفصل، يوم الدين، الصاخة، الطامة الكبرى، يوم الحسرة، الغاشية، يوم الخلود، يوم الحساب، الواقعة، يوم الوعيد، يوم الآزفة، يوم الجمع، الحاقة، يوم التلاق، يوم التناد، يوم التغابن، ثم أضاف رحمه الله: وقد أورد بعض العلماء أسماءً أخرى غير ما ذكرناه، وهذه الأسماء أخذوها بطريق الاشتقاق بما ورد منصوصًا، فقد سَمَّوْه بيوم الصدر أخذًا من قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا ﴾ [الزلزلة: 6]، ويوم الجدال أخذًا من قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ﴾ [النحل: 111]، وسَمَّوْه بأسماء الأوصاف التي وصف الله بها ذلك اليوم، فقالوا من أسمائه: يوم عسير، ويوم عظيم، ويوم مشهود، ويوم عبوس قمطرير، ويوم عقيم"[14].

 

وهذه الأسماء والأوصاف مجتمعة تُبرز ما لهذا اليوم من رهبة وهيبة، وتدعو العبد إلى التأمل والتفكر في مصيره، والاستعداد للوقوف بين يدي ربه جل جلاله.

 

خامسًا: إن تعدُّد أسماء يوم القيامة وتنوُّعها، ليس أمرًا عرضيًّا، بل له دلالات بليغة في لغة العرب، ولفتات تربوية ذات مغزى عميق، وقد أشار العلماء إلى هذا المعنى، فقال الأشبيلي رحمه الله: "واعلم أن العرب قد تُسمي الشيء بأسماء كثيرة، وتجعل له ألقابًا عديدة، تعظيمًا لشأنه وإكثارًا لأمره، وقد سمى الله تعالى يوم القيامة بأسماء كثيرة، ولعله من هذا، وهو تبارك وتعالى أعلم"[15].

 

وفي السياق نفسه يؤكد القرطبي رحمه الله هذا المعنى بقوله: "وكل ‌ما ‌عظُم ‌شأنه ‌تعدَّدت ‌صفاته، وكثرت أسماؤه، فالقيامة لَمَّا عَظُمَ أمرُها، وكثُرت أهوالها، سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة"[16].

 

سادسًا: يتصف يوم القيامة بأهوال عظيمة ومشاهد مفزعة، تَقْشَعِرُّ لها الأبدان وتضطرب لها القلوب، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود سور من القرآن الكريم، تصوِّر ذلك اليوم تصويرًا حسيًّا، حتى كأن القارئ يشهده رأيَ العين، فقال: "‌من ‌سَرَّه ‌أن ‌ينظرَ ‌إلى ‌يومِ ‌القيامةِ كأنه رأيُ العين؛ فليقرأ: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ [التكوير: 1]، و﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ [الانفطار: 1]، ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ [الانشقاق: 1]"[17].

 

وقد أوضح الفيومي رحمه الله سرَّ اختصاص هذه السور الثلاث بوصف القيامة، فقال: "إنما كانت هذه السور الثلاث أخص بالقيامة، لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها، وتكوير شمسها، وانكدار نجومها، وسائر كواكبها، إلى غير ذلك من أفزاعها وأهوالها، وخروج الخلق من قبورهم إلى سجونهم أو قصورهم، بعد نشْر صُحفهم وقراءة كتبهم، وأخذها بأيمانهم وشمائلهم، أو من وراء ظهورهم في موقعهم"[18].

 

فهذا الوصف القرآني العجيب لا يهدف إلى مجرد التصوير، بل يحمل في طيَّاته دعوة إلى اليقظة القلبية، والاستعداد الحقيقي لذلك اليوم العظيم الذي تتقلب فيه المصائر.

 

سابعًا: إن المتدبِّر لأسماء يوم القيامة، يجد فيها كثرة وتنوعًا، وقوة في الألفاظ والدلالات، كما أن التأمل في بعض مشاهد ذلك اليوم المهول، كما ورد في سور التكوير والانفطار والانشقاق، يُورِث في قلب المؤمن رعبًا وخشيةً عظيمة، لِما تحمله من صور كونية مروِّعة، واضطرابات كبرى في نظام العالم، ويبدو أن من الحِكَم البالغة في ذلك بثَّ الرهبة والتحذير في النفوس، حتى يكون الإنسان في حالة دائمة من الاستعداد لذلك اليوم، ملتزمًا بتقوى الله ظاهرًا وباطنًا، ممتثلًا أوامره، مُجتنبًا نواهيه، وقد أشار إلى هذا المعنى عدد من العلماء، منهم الشنقيطي رحمه الله؛ حيث قال: "إن يوم القيامة يختل فيه نظام العالم، والمراد الترغيب والترهيب، ليخاف الناس في الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة، فيطيعوا الله ويرغبوا في أسباب الرفع، فيطيعوه أيضًا"[19].


كما يؤكِّد بعض المفسرين في تفسيره للآية نفسها أن المقصود بها: "ترغيب الصالحين في الازدياد من العمل الصالح، لتُرفَع منزلتهم يوم القيامة، وترهيب الفاسقين من سوء المصير الذي ينتظرهم، إذا ما استمرُّوا في فِسقهم وعصيانهم"[20].

 

ويعضِّد هذا المعنى كذلك ابن عثيمين رحمه الله بقوله: "إن الحكمة من تعدُّد أوصافها وذكرها، ‌حتى ‌يكون ‌ذلك ‌أبلغَ في الإيمان بها، وأقوم للاستعداد لها"[21].

 

ثامنًا: تكرَّرت في القرآن الكريم ثلاث آيات تؤكِّد أن استحضار عِظم يوم القيامة وهَوْله، يُعدُّ من أقوى الزواجر التي تردع المؤمن عن الانحراف عن طاعة الله تعالى، وتثبِّته على طريق الاستقامة، وقد جاءت هذه الآيات في ثلاث سور بلفظ واحد؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأنعام: 15]، وقد قال الطبري رحمه الله في تأويل هذه الآية: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين العادلين بالله، الذين يدعونك إلى عبادة أوثانهم: إنَّ ربي نهاني عن عبادة شيء سواه ﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾، فعبدتها ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾، يعني: عذاب يوم القيامة، ووصفه تعالى بـ"العِظم"؛ لعظم هَوْله، وفظاعة شأنه"[22].

 

كما أشار الشوكاني رحمه الله إلى المعنى ذاته، فقال: "أي: إن عصيته بعبادة غيره أو مخالفة أمره أو نهيه، والخوف: توقُّع المكروه، وقيل: هو هنا بمعنى العلم؛ أي: إني أعلم إن عصيت ربي أن لي عذابًا عظيمًا"[23].

 

تاسعًا: إن الحُكْمَ بالخفض والرفع يوم القيامة، هو قضاء إلهي بحت، لا يشوبه تدخل أو تأثير بشري، فهو سبحانه صاحب السلطان المطلق، المتفرِّد بالحكم والتدبير في ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، قال القاسمي رحمه الله: "أي: إن له تعالى في ذلك اليوم السلطان المطلق والسيادة التي لا نزاع فيها، لا حقيقة ولا ادعاء، وإن العالم كله يكون فيه خاضعًا لعظمته ظاهرًا وباطنًا، يرجو رحمته، ويخشى عذابه"[24].

 

وبناءً على هذا المعنى يقرِّر القرطبي رحمه الله أن "الخافض والرافع على الحقيقة، إنما هو الله وحده، فرفع أولياءه في أعلى الدرجات، وخفَض أعداءه في أسفل الدركات"[25].


ويؤكد ذلك أيضًا ابن عثيمين رحمه الله في شرحه لقوله تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: 11]، فيقول: "فأهل العلم والإيمان هم الذين لهم الرِّفعة في الدنيا والآخرة، ومن سواهم فإنهم موضوعون بحسب بُعدهم عن الإيمان والعلم، وتَخفض أهل الجهل والعصيان، وكم من إنسان في الدنيا رفيع الجاه، معظَّم عند الناس، يكون يوم القيامة من أحقر عباد الله، والجبارون المتكبرون يُحشرون يوم القيامة كأمثال الذرِّ يَطؤهم الناس بأقدامهم، مع أنهم في الدنيا متبخترون مستكبرون، عالون على عباد الله، لكنهم يوم القيامة موضوعون مَهينون، قد أخزاهم الله عز وجل"[26].

 

عاشرًا: إن مشهد الخفض والرفع في الدنيا والآخرة، يُرسِّخ في قلب المؤمن حقيقة التوحيد، ويُعزِّز يقينه بأن الله وحده هو المدبِّر لأمر عباده في جميع أحوالهم؛ في الدنيا وفي البرزخ، وفي الآخرة، بقدرة كاملة وعلم شامل، لا يُدانيه فيها أحد، ولا يشاركه فيها شريك؛ قال تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ [يونس: 3]، وقد بيَّن ابن كثير رحمه الله معنى الآية بقوله: "أي: يدبِّر أمر الخلائق، ﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [سبأ: 3]، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال والبحار والعمران والقِفار، ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6]، ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59]"[27].

 

والخلاصة: أن على المؤمن أن يُوقن بأن كل ما يقع من خفضٍ أو رفعٍ، أو رزقٍ أو منعٍ، إنما هو بتقدير الله وتدبيره، وألا يلتفت إلى الأسباب دون ربِّ الأسباب، وهذا ما يعمِّق التعلق بالله وحده، ويجعل العبد في حالة دائمة من التسليم والرضا بحكمه وعدله سبحانه.

 

الحادي عشر: إن من أعظم أسباب الرِّفعة لزوم طاعة الله تعالى، ومن أقوى أسباب الخُسران اقتراف المعاصي، وقد أشار إلى هذا المعنى عدد من المفسرين، منهم الخازن رحمه الله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾: "قيل: تخفض أقوامًا بالمعصية، وترفع أقوامًا بالطاعة"[28].

 

وأكد ابن عادل رحمه الله المعنى نفسه بقوله: "أي: إنَّها تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطَّاعة"[29].

 

كما قال الرازي رحمه الله: "الخفض: معناه في اللغة نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة: ﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾؛ أي: إنها تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطاعات"[30].

 

وهذا المعنى يتكرَّر في القرآن الكريم في مواضعَ عدة، تؤكد أن الطاعة طريق الأمن والنجاة، بينما المعصية طريق الهلاك والعذاب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ [النمل: 89]، وقوله سبحانه: ﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النمل: 90]، ومن هنا تتأكد حقيقة مهمة يجب إدراكها، وهي: أن من أراد الرفعة في الدار الآخرة، فعليه بلزوم طاعة الله تعالى، وأن يتجنب المعاصي التي هي سبب الخزي والخِذلان، فإن الجزاء من جنس العمل، والله عدلٌ لا يظلم أحدًا.



[1] تفسير السعدي (ص: 830).

[2] تفسير ابن كثير (8/ 355).

[3] تفسير الرازي (31/ 102).

[4] تفسير الثعلبي (9/ 200).

[5] التحرير والتنوير (27/ 283).

[6] موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، 1423هـ.

[7] العاقبة في ذكر الموت، ص 249.

[8] تفسير الطبري (23/ 694).

[9] التحرير والتنوير (29/ 337).

[10] تفسير القاسمي (3/ 206).

[11] تفسير المراغي (29/ 146).

[12] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (8/ 442).

[13]مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، ‌‌باب ما جاء في منكري القدر، (10/ 1012).

[14] القيامة الكبرى، ص 29.

[15] العاقبة في ذكر الموت والآخرة، ص 251.

[16] القرطبي، التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، (ص: 544).

[17] الألباني، صحيح الترغيب والترهيب، الترغيب في قراءة ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾، وما يذكر معها، رقم: 1476.

[18] الفتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب، الترغيب في قراءة ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾، وما يذكر معها، رقم: 2269.

[19] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (7/ 510).

[20] التفسير الوسيط (14/ 159).

[21] مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، سؤال رقم: 188، (2/ 62).

[22] تفسير الطبري (11/ 285).

[23] فتح القدير للشوكاني (2/ 119).

[24] تفسير القاسمي (1/ 238).

[25] تفسير القرطبي (17/ 196).

[26] تفسير العثيمين، الحجرات - الحديد.

[27] تفسير ابن كثير (4/ 216).

[28] تفسير الخازن (4/ 234).

[29] اللباب في علوم الكتاب (11/ 489).

[30] تفسير الرازي (19/ 161).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • وصف القرآن الكريم لحال أكثر الناس بأنهم مشركون
  • وصف القرآن الكريم لحال أكثر الناس بأنهم لا يؤمنون
  • وصف القرآن الكريم لحال أكثر الناس بأنهم لا يشكرون

مختارات من الشبكة

  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ....}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة المجالس العائلية (1) (يوم تقلب وجوههم في النار)(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • تفسير قوله الله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: حرارة الصيف وسبل الوقاية من حرارة المحشر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أحوال تصحيح العقود: تصحيح العقد والمعقود عليه قائم بحاله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اختلافات الصحابة في فقه الأحوال الشخصية بين الأخذ بظاهر النص ومراعاة المقاصد الشرعية(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • أثر الأمراض المعدية في مسائل الأحوال الشخصية دراسة مقارنة بقانون الأسرة الماليزي(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • تغير الأحوال بين الماضي والحاضر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لمن يحترق قلبه حزنا لحال المسلمين(مقالة - موقع د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 9/5/1448هـ - الساعة: 14:16
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب