• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مواقع المشرفين   مواقع المشايخ والعلماء  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة (الأوجاع والأوباء)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    سب الله تعالى وسب دينه (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الفكر والثقافة
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    نسوا ما ذكروا به، ونسوا حظا مما ذكروا به
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    الجمع بين الشرب والاغتسال من أثر العائن
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    حديث: إذا أمسك الرجل، الرجل وقتله الآخر
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الطاهرة العفيفة: مريم بنت عمران (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    التبذير من منظور اقتصادي
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (الدرس ...
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    جوهر أسس مناهج التربية
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    تنفيذ شروط الواقفين: من حفظ النص إلى تحقيق المقصد
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    قراءات اقتصادية (2) الاقتصاد عاريا: عرض طريف ...
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    صفات الداعي إلي الله
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    الصحابة.. رضي الله عنهم ورضوا عنه
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    حديث: من قتل في عميا أو رميا بحجر أو سوط أو عصا
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    المقدار الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم من ...
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
شبكة الألوكة / المواقع الشخصية / مواقع المشايخ والعلماء / د. محمود بن أحمد الدوسري / خطب
علامة باركود

التحذير من الافتتان بالدنيا (خطبة)

التحذير من الافتتان بالدنيا (خطبة)
د. محمود بن أحمد الدوسري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 26/7/2026 ميلادي - 12/2/1448 هجري

الزيارات: 9401

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

التحذير من الافتتان بالدنيا

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْثَالَ لِلدُّنْيَا مُوَهِّنًا لِأَمْرِهَا، مُحَقِّرًا لِشَأْنِهَا، مُدَلِّلًا عَلَى زَوَالِهَا وَانْقِضَائِهَا حَتَّى لَا يَفْتَتِنَ بِهَا الْعِبَادُ، وَيَغْتَرَّ بِهَا مَنْ جَهِلَ أَمْرَهَا، وَانْغَمَسَ فِي لَذَّاتِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ [الْكَهْفِ: 45]. شَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى الدُّنْيَا بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَسْتَقِرُّ فِي مَوْضِعٍ، كَذَلِكَ الدُّنْيَا لَا تَبْقَى عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ كَذَلِكَ الدُّنْيَا، وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَبْقَى وَيَذْهَبُ، كَذَلِكَ الدُّنْيَا تَفْنَى، وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَهُ وَلَا يَبْتَلَّ كَذَلِكَ الدُّنْيَا لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ دَخَلَهَا مِنْ فِتْنَتِهَا وَآفَتِهَا، وَلِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَ بِقَدْرٍ كَانَ نَافِعًا مُنْبِتًا، وَإِذَا جَاوَزَ الْمِقْدَارَ كَانَ ضَارًّا مُهْلِكًا، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا الْكَفَافُ مِنْهَا يَنْفَعُ وَفُضُولُهَا يَضُرُّ[1]. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الْمُرَادُ: قِلَّةُ بَقَاءِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا؛ كَقِلَّةِ بَقَاءِ هَذَا الْخَضِرِ)[2].

 

فَالدُّنْيَا سَرِيعَةُ الزَّوَالِ، وَشِيكَةُ الِارْتِحَالِ، مَعَ كَثْرَةِ الْأَنْكَادِ، وَدَوَامِ الْأَكْدَارِ؛ مِنَ الْكَدِّ وَالتَّعَبِ، وَالْخَوْفِ وَالنَّصَبِ، فَهِيَ جَدِيرَةٌ بِالزُّهْدِ فِيهَا، وَالْحَذَرِ مِنْهَا، وَأَلَّا يَفْتَخِرَ بِهَا عَاقِلٌ؛ فَضْلًا أَنْ يُكَاثِرَ بِهَا غَيْرَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الْحَدِيدِ: 20]. فَاللَّعِبُ: فِي سِنِّ الطُّفُولَةِ وَالصِّبَا، وَاللَّهْوُ: فِي سِنِّ الشَّبَابِ، وَالزِّينَةُ: فِي سِنِّ الْفُتُوَّةِ، وَالتَّفَاخُرُ: فِي سِنِّ الْكُهُولَةِ، وَالتَّكَاثُرُ: فِي سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ[3]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (هَكَذَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا؛ تَكُونُ أَوَّلًا شَابَّةً، ثُمَّ تَكْتَهِلُ، ثُمَّ تَكُونُ عَجُوزًا شَوْهَاءَ، وَالْإِنْسَانُ كَذَلِكَ؛ يَكُونُ فِي أَوَّلِ عُمُرِهِ وَعُنْفُوَانِ شَبَابِهِ غَضًّا طَرِيًّا لَيِّنَ الْأَعْطَافِ، بَهِيَّ الْمَنْظَرِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَشْرَعُ فِي الْكُهُولَةِ، فَتَتَغَيَّرُ طِبَاعُهُ، وَيَنْفَدُ بَعْضُ قُوَاهُ، ثُمَّ يَكْبَرُ فَيَصِيرُ شَيْخًا كَبِيرًا، ضَعِيفَ الْقُوَى، قَلِيلَ الْحَرَكَةِ، يُعْجِزُهُ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ)[4].

 

وَكَذَلِكَ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمِنْ فِتْنَتِهَا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

فَالدُّنْيَا حُلْوَةٌ فِي مَذَاقِهَا، خَضِرَةٌ فِي مَرْآهَا، فَأَطْيَبُ وَأَفْضَلُ مَا يُذَاقُ الْحُلْوُ، وَأَفْضَلُ الْأَلْوَانِ الْخُضْرَةُ، فَهَذِهِ الدُّنْيَا تَتَشَكَّلُ لِلنَّاسِ وَتَسْتَهْوِيهِمْ وَتَغُرُّهُمْ بِزُخْرُفِهَا فَتَبْدُو كَأَنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِلَّا فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَنْطَلِي عَلَى مَنْ عَرَفَ حَقِيقَةَ الدُّنْيَا، وَأَنَّهَا مَلْعُونَةٌ؛ لَكِنَّهَا تَبْدُو لِلنَّاسِ بِهَذَا الشَّكْلِ، حُلْوَةً خَضِرَةً.

 

فَيَنْبَغِي الْحَذَرُ مِنْهَا، وَعَدَمُ الِانْجِرَافِ إِلَى مَا أُودِعَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مُزَيَّنَةٌ لَنَا ابْتِلَاءً، هَلْ نَتَصَرَّفُ فِيهَا كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟ أَوْ نُسْخِطُهُ وَنَتَصَرَّفُ فِيهَا بِغَيْرِ مَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؟ وَلِذَا قَالَ: «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا» أَيْ: احْذَرُوا مِنَ الِاغْتِرَارِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ؛ فَإِنَّهَا فِي وَشْكِ الزَّوَالِ، وَاقْنَعُوا فِيهَا بِمَا يُعِينُكُمْ عَلَى حُسْنِ الْمَآلِ، فَحَلَالُهَا حِسَابٌ، وَحَرَامُهَا عَذَابٌ[5].

 

عَنْ وَبَرَةَ[6] رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَقَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ؟ فَقَالَ: «وَمَا يَمْنَعُكَ؟» قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ فُلَانٍ يَكْرَهُهُ، وَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ؛ رَأَيْنَاهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا» فَقَالَ: «وَأَيُّنَا - أَوْ أَيُّكُمْ - لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا؟» ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَسُنَّةُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعَ مِنْ سُنَّةِ فُلَانٍ؛ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ! فَإِذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ مَنْ هُوَ! يَرَى أَنَّهُ فُتِنَ بِالدُّنْيَا – وَهَذَا مِنْ تَوَاضُعِهِ – فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ مَقَامَهُ، وَيَصِلْ إِلَى مَنْزِلَتِهِ؟

 

وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ كَيْفَ يَلْتَجِئُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تُعَلَّمُ الْكِتَابَةُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ نُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

 

وَخَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا بَعْدَهُ؛ فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ فَقَالَ: «إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا، وَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» قَالَ عُقْبَةُ: فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فِيهِ إِنْذَارٌ بِمَا سَيَقَعُ، فَوَقَعَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمُ الْفُتُوحُ بَعْدَهُ، وَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَحَاسَدُوا وَتَقَاتَلُوا، وَوَقَعَ مَا هُوَ الْمُشَاهَدُ الْمَحْسُوسُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِمَّا يَشْهَدُ بِمِصْدَاقِ خَبَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ كَذَلِكَ وَأَنَّ أَصْحَابَهُ لَا يُشْرِكُونَ بَعْدَهُ، فَكَانَ كَذَلِكَ. وَوَقَعَ مَا أَنْذَرَ بِهِ مِنَ التَّنَافُسِ فِي الدُّنْيَا)[7].

 

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا؛ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ التَّنَافُسُ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّقَاتُلُ عَلَيْهَا وَقَعَ فِي عُصُورِ الْإِسْلَامِ الْأُوَلِ، فَكَيْفَ بِنَا نَحْنُ فِي هَذَا الْعَصْرِ، الَّذِي انْغَمَسَ فِيهِ النَّاسُ فِي الْمَادِّيَّاتِ وَالْمُلْهِيَاتِ، وَتَكَالَبُوا فِيهِ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ؟

 

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةَ الدُّنْيَا، وَأَنَّهَا لَا تُسَاوِي شَيْئًا مُقَارَنَةً بِالْآخِرَةِ؛ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ - فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَمْثَالِ؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ فَانِيَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ مُدَّتُهَا أَكْثَرَ مِمَّا هِيَ، وَالْآخِرَةُ أَبَدِيَّةٌ لَا انْقِطَاعَ لَهَا، وَلَا نِسْبَةَ لِلْمَحْصُورِ إِلَى غَيْرِ الْمَحْصُورِ)[8].

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. وَمِنْ مَفَاسِدِ حُبِّ الدُّنْيَا: التَّعَرُّضُ لِلْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التَّوْبَةِ: 55]. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مُحِبُّهَا أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا بِهَا، وَهُوَ مُعَذَّبٌ فِي دُورِهِ الثَّلَاثِ؛ يُعَذَّبُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْصِيلِهَا، وَالسَّعْيِ فِيهَا، وَمُنَازَعَةِ أَهْلِهَا، وَفِي دَارِ الْبَرْزَخِ بِفَوَاتِهَا، وَالْحَسْرَةِ عَلَيْهَا... قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يُعَذِّبُهُمْ بِجَمْعِهَا، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ بِحُبِّهَا، وَهُمْ كَافِرُونَ بِمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ فِيهَا)[9].

 

وَمِنْ مَفَاسِدِ حُبِّ الدُّنْيَا: الْهَمُّ الدَّائِمُ، وَالْفَقْرُ اللَّازِمُ، وَتَشَتُّتُ الشَّمْلِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ؛ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ؛ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» صَحِيحٌ - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَمِنْ أَبْلَغِ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا: تَشْتِيتُ الشَّمْلِ، وَتَفَرُّقُ الْقُلُوبِ، وَكَوْنُ الْفَقْرِ نُصْبَ عَيْنَيِ الْعَبْدِ لَا يُفَارِقُهُ، وَلَوْلَا سَكْرَةُ عُشَّاقِ الدُّنْيَا بِحُبِّهَا لَاسْتَغَاثُوا مِنْ هَذَا الْعَذَابِ)[10].

فَلَا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيَا وَزِيْنَتُهَا
وَانْظُرْ إِلَى فِعْلِهَا فِي الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ
وَانْظُرْ إِلَى مَنْ حَوَى الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا
هَلْ رَاحَ مِنْهَا بِغَيْرِ الزَّادِ وَالْكَفَنِ[11]


وَالدُّنْيَا لَا تُتْرَكُ كُلُّهَا، وَلَا تُهْمَلُ؛ بَلْ يُسْتَمْتَعُ بِمَلَاذِّهَا وَنِعَمِهَا بِحَيْثُ لَا يَثْلِمُ دِينَ الْمَرْءِ، وَلَا يَضُرُّ بِآخِرَتِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [الْقَصَصِ: 77].

 

وَالِاعْتِدَالُ وَالتَّوَسُّطُ فِي كُلِّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَضْمَنُ لِلْعَبْدِ السَّلَامَةَ فِيهَا، وَالتَّحَرُّزَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي فِتَنِهَا، وَالِانْغِمَاسِ فِي شَهَوَاتِهَا؛ لِيَبْقَى لَهُ دِينُهُ، وَيَسْلَمَ مِنَ الزَّيْغِ عَنْهُ.



[1] انظر: تفسير القرطبي، (10/ 412).

[2] اجتماع الجيوش الإسلامية، (2/ 71).

[3] انظر: تفسير ابن عاشور، (27/ 401).

[4] تفسير ابن كثير، (13/ 428).

[5] انظر: مرقاة المفاتيح، (5/ 2045)؛ تحفة الأحوذي، (6/ 356).

[6] هُوَ: وَبَرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو خُزَيْمَةَ، الْحَارِثِيُّ، كُوفِيٌّ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ. انظر: الطبقات الكبرى، (6/ 312).

[7] فتح الباري، (7/ 320).

[8] عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، (ص450).

[9] المصدر نفسه، (ص433).

[10] إغاثة اللهفان، (1/ 57).

[11] موارد الظمآن لدروس الزمان، (5/ 126).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ونحن الوارثون (خطبة)
  • بقرة بني إسرائيل: آداب وأحكام (خطبة)
  • التحذير من فتنة المال (خطبة)
  • قطوف من سيرة أبي الحسنين (خطبة)
  • مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (خطبة)
  • مناقب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (خطبة)
  • المهدي: صفاته وعجائب زمانه (خطبة)
  • يأجوج ومأجوج (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • التحذير من الافتتان والاغترار بالدنيا الفانية والإعراض عن الآخرة الباقية(مقالة - موقع الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله)
  • التحذير من فصل الدين عن أمور الدنيا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التحذير من التشديد والتعسير (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • التحذير من خطورة الطلاق (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التحذير من فتنة الابتداع (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • التحذير من فتنة الزوجات والأولاد (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • التحذير من سم الأفاعي في وسائل التواصل الاجتماعي (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التحذير من صفات المنافقين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التحذير من الاحتفال بعيد النصارى (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • سلسلة تعرف على نوادر الرسائل والكتب (7) التحذير والإنذار من عقوبة إسبال الإزار(مقالة - ثقافة ومعرفة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 13/5/1448هـ - الساعة: 8:56
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب