• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مواقع المشرفين   مواقع المشايخ والعلماء  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    مجلس سماع حديث: نزل القرآن على سبعة أحرف وما دل ...
    د. أحمد بن فارس السلوم
  •  
    المستفاد من قصة هود عليه السلام (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    عقائد الشيعة الاثني عشرية - سؤال وجواب (إسباني) ...
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    أسباب إيجاب الحجاب وتحريم نزع النقاب (PDF)
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    {الذين قالوا إنا نصارى}
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    البلاء.. وأنواعه
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    التربية النبوية بضرب الأمثال (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    حديث: قتل مسلما بمعاهد وقال: أنا أولى من وفى
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    قراءات اقتصادية (89) اقتصاد الفقر.. بؤس وأزمات
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    الرقية من الحمة
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    خطبة (الأوجاع والأوباء)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    سب الله تعالى وسب دينه (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الفكر والثقافة
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    نسوا ما ذكروا به، ونسوا حظا مما ذكروا به
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    الجمع بين الشرب والاغتسال من أثر العائن
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    حديث: إذا أمسك الرجل، الرجل وقتله الآخر
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / رجالات الإسلام
علامة باركود

الإمام أحمد بن حنبل (خطبة)

الإمام أحمد بن حنبل (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 1/10/2026 ميلادي - 20/4/1448 هجري

الزيارات: 4401

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

 

الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ

 

الحمدُ للهِ علّمَ القرآنَ، خلقَ الإنسانَ علّمَهُ البيانَ، الحمدُ للهِ الذي علَّمَ بالقلمِ، علَّمَ الإنسانَ ما لم يعلمْ، الحمدُ للهِ، القائلِ في محكمِ التنزيلِ: ﴿ يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة:11]، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، أولٌ بلا ابتداء، وآخرٌ بلا انتهاء، الوترُ الصَّمَدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ القائلُ كما في سننِ الترمذِي مِن حديثِ عثمانَ رضى اللهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ ».


 

وللهِ درُّ حسانَ رضى اللهُ عنهُ:

 

وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني
وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيبٍ
كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

 

صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ.


أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَخُذُوا مِنْ شَبَابِكُمْ لَهرَمِكُمْ، وَمِنْ صِحَّتِكُمْ لِسَقَمِكُمْ، وَمِنْ فَرَاغِكُمْ لِشُغْلِكُمْ، وَمِنْ حَيَاتِكُمْ لِمَوْتِكُمْ؛ فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ مَوْتًا وَقَبْرًا وَبَعْثًا وَحِسَابًا وَجَزَاءً: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾[الزَّلزلة:7-8].


عِبَادَ اللهِ: ((أَئِمَّةُ الهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، أَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، عَلَى الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ وَالقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ (( الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ))، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا..


عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: الإِمَامُ ابْنُ حَنْبَلٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا ابْنُ حَنْبَلٍ؟!!

ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!!


أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وخاصةً وَ إِنَّ الإِمَامَةَ فِي الدِّينِ إِنَّمَا تُنَالُ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، كَمَا قَالَ رَبُّ الْعَالَمِينَ: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السَّجْدَةِ: 24]. وَإِنَّ فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ عُلَمَاءَ رَبَّانِيِّينَ، وَأَئِمَّةً مَهْدِيِّينَ، قَامُوا بِالإِسْلَامِ وَلِلإِسْلَامِ، يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى، وَيُبْصِرُونَ بِهِ أَهْلَ الْعَمَى، وَيُرْشِدُونَ بِهِ مَنْ ضَلَّ مِنْهُمْ إِلَى الْهُدَى. وَإِنَّ تَعْطِيرَ الْقُلُوبِ بِسِيَرِهِمْ يُورِثُ الْإِحْسَاسَ بِالْعِزَّةِ، وَالشُّعُورَ بِالْقُوَّةِ، وَيَهْدِي إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْحَقِّ، وَالسُّمُوِّ فِي الْخُلُقِ. حَدِيثُنَا عَنْ عَالِمٍ عَطَّرَتْ سِيرَتُهُ الكُتُبَ وَالْمَكْتَبَاتِ، وَمَلَأَتْ أَخْبَارُهُ مَجَالِسَ العِلْمِ وَالذِّكْرِ وَالأَدَبِ. هُوَ عَالِمٌ اسْتَثْمَرَ شَبَابَهُ فِيمَا يَنْفَعُهُ، فَعَادَ نَفْعُهُ عَلَيْهِ بِالذِّكْرِ الطَّيِّبِ، وَالرِّفْعَةِ وَالْمَجْدِ، وَعَادَ عَلَى أُمَّتِهِ بِعِلْمٍ غَزِيرٍ تَنْهَلُ الأُمَّةُ مِنْهُ مُنْذُ قُرُونٍ وَلَمْ يَنْفَدْ. حَدِيثُنَا عَنْ إِمَامِ زَمَانِهِ، وَفَقِيهِ العَصْرِ، وَشَيْخِ الفُقَهَاءِ؛ حَدِيثُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ جَلِيلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الأَمِينِ. وَعَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا التَّافِهِينَ وَالتَّافِهَاتِ، وَلَا المُغَنِّينَ وَالمُغَنِّيَاتِ، لِتَسْعَدُوا وَلِتَفْرَحُوا بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وخاصةً وَسِيَرُ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ طَيِّبَةٌ لِعُمُومِ الأُمَّةِ، حَوَتِ الْمُثُلَ الْعُلْيَا فِي وَقْتٍ قَلَّتْ فِيهِ الْقُدْوَةُ، بَلْ وَقُدِّمَ فِيهِ الْفَارِغُونَ وَالتَّافِهُونَ لِيَكُونُوا الْقُدْوَةَ وَالْمِثَالَ. أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَحَدُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ الْهُدَى وَالدِّينِ، الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ الْعِلْمِ الرَّاسِخِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ وَالْمِحَنِ، فَكَانَ مِثَالًا يُقْتَدَى بِهِ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ.


أَوَّلًا: الإِمَامُ ابْنُ حَنْبَلٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا ابْنُ حَنْبَلٍ؟!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ فِي تَارِيخِ الْعُظَمَاءِ لَعِبَرًا، وَإِنَّ فِي سِيَرِ الْعُلَمَاءِ لَعِظَاتٍ، وَإِنَّ فِي أَحْوَالِ النُّبَلَاءِ لَمُدَّكَرًا. وَأُمَّتُنَا الإِسْلَامِيَّةُ أُمَّةُ أَمْجَادٍ وَحَضَارَةٍ، وَتَارِيخٍ وَأَصَالَةٍ، وَقَدِ ازْدَانَ سِجِلُّهَا الْحَافِلُ عَبْرَ التَّارِيخِ بِكَوْكَبَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الْعِظَامِ، وَالْعُلَمَاءِ الأَفْذَاذِ الْكِرَامِ، مَثَّلُوا عِقْدَ جِيدِهَا وَتَاجَ رَأْسِهَا، وَدُرِّيَّ كَوَاكِبِهَا كَانُوا فِي الْفَضْلِ شُمُوسًا سَاطِعَةً، وَفِي الْعِلْمِ نُجُومًا لَامِعَةً، فَعُدُّوا بِحَقٍّ أَنْوَارَ هُدًى، وَمَصَابِيحَ دُجًى، وَشُمُوعًا تُضِيءُ بِمَنْهَجِهَا الْمُتَأَلْلِئِ، وَعِلْمِهَا الْمُشْرِقِ الْوَضَّاءِ غَيَاهِبَ الظُّلَمِ، وَتُبَدِّدُهَا بِأَنْوَارِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ وَكَانَ مِنْ أَجَلِّ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ، وَمِنْ أَفْضَلِ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ، جَبَلٌ أَشَمُّ، وَبَدْرٌ أَتَمُّ، وَحَبْرٌ بَحْرٌ وَطَوْدٌ شَامِخٌ، فَرِيدُ عَصْرِهِ، وَنَادِرَةُ دَهْرِهِ، قَلَّ أَنْ يَجُودَ الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ. إِنَّهُ عَالِمُ الْعَصْرِ، وَزَاهِدُ الدَّهْرِ، وَمُحَدِّثُ الدُّنْيَا، وَعَلَمُ السُّنَّةِ، وَبَاذِلُ نَفْسِهِ فِي الْمِحْنَةِ، قَلَّ أَنْ تَرَى الْعُيُونُ مِثْلَهُ.


كَانَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالأَثَرِ، ذَا عَقْلٍ رَزِينٍ، وَصِدْقٍ مَتِينٍ، وَإِخْلَاصٍ مَكِينٍ، انْتَهَتْ إِلَيْهِ الإِمَامَةُ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَالإِخْلَاصِ وَالْوَرَعِ. قَالَ فِيهِ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «رَأَيْتُ بِبَغْدَادَ شَابًّا، إِذَا قَالَ حَدَّثَنَا قَالَ النَّاسُ كُلُّهُمْ صَدَقَ». وَقَالَ: «خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ، فَمَا خَلَّفْتُ رَجُلًا أَفْضَلَ وَلَا أَعْلَمَ وَلَا أَفْقَهَ وَلَا أَتْقَى مِنْهُ». وَقَالَ عَنْهُ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «عَالِمُ الْعَصْرِ، وَزَاهِدُ الدَّهْرِ، وَمُحَدِّثُ الدُّنْيَا، وَعَلَمُ السُّنَّةِ، وَبَاذِلُ نَفْسِهِ فِي الْمِحْنَةِ، قَلَّ أَنْ تَرَى الْعُيُونُ مِثْلَهُ، كَانَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالتَّمَسُّكِ بِالأَثَرِ، ذَا عَقْلٍ رَزِينٍ، وَصِدْقٍ مَتِينٍ، وَإِخْلَاصٍ مَكِينٍ، انْتَهَتْ إِلَيْهِ الإِمَامَةُ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالإِخْلَاصِ وَالْوَرَعِ، وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُمْدَحَ بِكَلِمِي، أَوْ أَنْ أَفُوهَ بِذِكْرِهِ بِفَمِي».


أَتَدْرُونَ عِبَادَ اللَّهِ مَنْ تُعَطِّرُونَ أَسْمَاعَكُمْ بِذِكْرِ سِيرَتِهِ؟ إِنَّهُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ، الإِمَامُ الْفَذُّ، وَالْعَالِمُ الْجِهْبِذُ، الإِمَامُ الْمُفَضَّلُ، وَالْعَالِمُ الْمُبَجَّلُ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. مَنْ عَرَفَتْهُ الدُّنْيَا، وَذَاعَ ذِكْرُهُ، وَشَاعَ صِيتُهُ فِي الآفَاقِ؛ إِمَامًا عَالِمًا، فَقِيهًا مُحَدِّثًا، صَابِرًا شَاكِرًا، لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، يَتَحَمَّلُ الْمِحَنَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالدِّفَاعِ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَيُقَارِعُ الْبَاطِلَ بِحِكْمَةٍ نَادِرَةٍ، لَا تُزَعْزِعُهُ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَمِيدُ بِهِ الْعَوَاصِفُ، حَتَّى عُدَّ قِمَّةَ عَصْرِهِ، وَأُجْمِعَ عَلَى جَلَالَتِهِ وَقَدْرِهِ. هَذَا الإِمَامُ الْجَلِيلُ، وَالْعَالِمُ النِّحْرِيرُ، وُلِدَ فِي بَغْدَادَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، عَاشَ يَتِيمًا، تُوُفِّيَ وَالِدُهُ وَعُمُرُهُ ثَلَاثُ سِنِينَ، اللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهُ الدَّرْسُ مِنْ هَذِهِ الْوِلَادَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَالثَّرْوَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْهِمَّةِ الْقَوِيَّةِ، إِنَّهَا الْعِصَامِيَّةُ الْمِثَالِيَّةُ. نَعَمْ، الْعِصَامِيُّ الَّذِي شَرُفَ بِنَفْسِهِ، فَنَالَ الْعُلَا بِكَدِّهِ، وَنَبَغَ بِاجْتِهَادِهِ وَذَكَائِهِ، وَفِي الْمَثَلِ أَيُّهَا الرِّجَالُ: كُنْ عِصَامِيًّا وَلَا تَكُنْ عِظَامِيًّا، أَيْ: اشْرُفْ بِنَفْسِكَ لَا بِآبَائِكَ، وَبِالاكْتِسَابِ لَا بِالانْتِسَابِ.


يَتِيمُ الأَبِ، لَكِنَّهُ عَلَا وَجَدَّ وَطَلَبَ، وَهَذَا دَرْسٌ مِنْ سِيرَتِهِ، حَيْثُ تَرَبَّى فِي أَحْضَانِ وَالِدَتِهِ الصَّالِحَةِ، فَرَبَّتْهُ وَعَلَّمَتْهُ وَأَدَّبَتْهُ الآدَابَ النَّاجِحَةَ، فَلَمْ يَكُنْ فَقْدُ الأَبِ عَائِقًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلأُمِّ وَحْدَهَا نَقْصًا مَانِعًا، بَلِ الْمَرْأَةُ مُخَرِّجَةُ الأَجْيَالِ، وَمَدْرَسَةُ الأَبْطَالِ، وَصَانِعَةُ الرِّجَالِ. أَلَا فَلْتَسْمَعِ النِّسَاءُ، فَتُرَبِّي الْبَنَاتِ وَالأَبْنَاءَ عَلَى الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى، وَالْعَفَافِ وَالْحِشْمَةِ وَالْحَيَاءِ، وَالصَّلَاحِ وَالْهُدَى، فَالأُمُّ الصَّالِحَةُ مَدْرَسَةٌ، وَفِي أَحْضَانِهَا الْفَوَائِدُ النَّافِعَةُ.


حَفَّظَتْهُ أُمُّهُ أَعْلَى الْعُلُومِ، وَمَا فِيهِ الذَّكَاءُ وَذَكَاءُ الْفُهُومِ، إِنَّهُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ مِنَ الزَّمَانِ. كَانَتْ أُمُّهُ تُلْبِسُهُ اللِّبَاسَ الْجَمِيلَ، وَتُوقِظُهُ فِي اللَّيْلِ، وَتُدَفِّئُ لَهُ الْمَاءَ قَبْلَ الْفَجْرِ لِيَتَوَضَّأَ، ثُمَّ تَخْرُجُ مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَتَجْلِسُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَنْتَهِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، لِتَعُودَ هِيَ وَإِيَّاهُ فِي أَمْنٍ وَأَمَانٍ، هَذَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهَا كَالْعَصْرِ وَالظُّهْرِ؟! وَهَذَا مِنَ الدُّرُوسِ وَتَهْذِيبِ النُّفُوسِ.


وَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الأُمِّ الْحَنُونِ كَيْفَ تُرَبِّيهِ عَلَى الصَّلَاةِ؛ لِعِلْمِهَا أَنَّهُ لَا حَيَاةَ، وَلَا نَجَاةَ، وَلَا سَعَادَةَ، وَلَا تَرْبِيَةَ إِلَّا بِالصَّلَاةِ، فَبِدُونِهَا لَا عَيْشٌ وَلَا هَنَاءٌ، وَلَا تَرْبِيَةٌ لِلأَبْنَاءِ، فَأَيْنَ الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ فِي تَرْبِيَةِ النَّشْءِ عَلَى الصَّلَاةِ؟!


وَلَمَّا بَلَغَ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ أَرْسَلَتْهُ لِطَلَبِ الْحَدِيثِ، وَرَغَّبَتْهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالأَخْذِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، بَلْ جَهَّزَتْهُ وَزَوَّدَتْهُ لِسَفَرِهِ وَالرِّحْلَةِ فِيهِ. أَتَدْرُونَ مَاذَا زَوَّدَتْهُ فِي رِحْلَتِهِ ذَاتِ الشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ؟ لَقَدْ كَانَتْ لَا تَمْلِكُ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا شَيْئًا، امْرَأَةً فَقِيرَةً، وَضَعَتْ لَهُ مَا يُقَارِبُ عَشَرَةَ أَرْغِفَةٍ، وَوَضَعَتْهَا فِي جِرَابٍ مِنْ قُمَاشٍ، وَقَالَتْ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ الْمُؤَثِّرَةَ وَالتَّوْجِيهَاتِ الْمُؤَصِّلَةَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتُودِعَ شَيْئًا لَا يُضِيعُهُ أَبَدًا، اسْتَوْدَعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ. فَذَهَبَ مِنْ بَغْدَادَ، عَاصِمَةِ الدُّنْيَا فِي وَقْتِهَا، وَدَارِ السَّلَامِ فِي زَمَانِهَا، وَهَاجَرَ وَرَحَلَ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ وَقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ إِلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهِمَا، فَطَافَ الْبِلَادَ، وَجَمَعَ وَكَتَبَ وَحَفِظَ، وَنَفَعَ الْعِبَادَ، فَأَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَ أُمِّهِ بِصَلَاحِهِ وَعِلْمِهِ وَإِمَامَتِهِ، فَهَنِيئًا لَهَا فِي الصَّحِيفَةِ: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». فَأَخَذَ وَتَتَلْمَذَ وَسَمِعَ عَلَى أَئِمَّةِ الإِسْلَامِ، سَمِعَ عَلَى سُفْيَانَ، وَبِشْرٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَهُشَيْمٍ، وَوَكِيعٍ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ. كَمَا أَنَّهُ تَتَلْمَذَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ عَنْهُ فُحُولُ الْعُلَمَاءِ، وَعُظَمَاءُ الدُّنْيَا، كَالْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَابْنَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَصَالِحٍ، وَخَلَائِقَ لَا حَصْرَ لَهُمْ، حَتَّى ذَكَرَ الْحُفَّاظُ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَمِعُ فِي مَجْلِسِهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ. فَرَبَّتْهُ أُمُّهُ، وَشَبَّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، ولَمْ تَكُنْ بَغْدَادُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا هِيَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، كَانَتْ بَغْدَادُ حَاضِرَةَ الْعَالَمِ الإِسْلَامِيِّ، وَمَهْدَ الْعُلُومِ وَالْحَضَارَةِ، تَمُوجُ بِأَنْوَاعِ الْفُنُونِ وَالْمَعَارِفِ، وَقَدْ تَمَيَّزَ عَصْرُ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِنُضُوجِ الْفِقْهِ وَظُهُورِ الْمَدَارِسِ الْفِقْهِيَّةِ، وَتَمَيَّزَ بِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْحَالَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَكَثْرَةِ الْفِتَنِ، فَكَانَ تَوَجُّهُ الإِمَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَلُزُومِ السُّنَّةِ، فَلَمْ يُحَرِّضْ عَلَى فِتْنَةٍ، وَلَمْ يُوَاجِهْ ذَا سُلْطَانٍ، مَعَ قُوَّةٍ فِي الْحَقِّ، وَحُبٍّ لِلْخَلْقِ، وَذَبٍّ عَنِ السُّنَّةِ، وَتَحْذِيرٍ مِنَ الْبِدْعَةِ. أَقْبَلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ يَنْهَلُ مِنَ الْعِلْمِ، فَحَفِظَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْحَدِيثِ وَالأَثَرِ، حَتَّى حَفِظَ مِئَاتِ الأُلُوفِ مِنَ الأَحَادِيثِ، وَمَا كِتَابُهُ الْعَظِيمُ «الْمُسْنَدُ» إِلَّا دَلِيلٌ عَلَى طُولِ بَاعِهِ فِي عِلْمِ السُّنَّةِ، وَسَعَةِ حِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ، فَقَدْ جَمَعَهُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، وَاسْتَغْرَقَ فِي جَمْعِهِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.


أَمَّا فِي الْفِقْهِ، فَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ حَرِيصًا عَلَى فِقْهِ السُّنَّةِ، وَالْعِنَايَةِ بِالدَّلِيلِ وَالأَثَرِ، وَالأَخْذِ بِفَتَاوَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَرَحَلَ إِلَى الْبُلْدَانِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ وَالْحَدِيثَ، فَسَافَرَ إِلَى مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ، وَكَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الإِسْلَامِ، وَاجْتَمَعَ بِالإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَأَخَذَ عَنْهُ.


عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَاهَا، وَالْبِدَعُ فَنَفَاهَا، كَانَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُعْرِضًا عَنِ الدُّنْيَا، مُقْبِلًا عَلَى الآخِرَةِ، زَاهِدًا قَانِعًا، فَلَمْ يَقْبَلْ هَدَايَا الْخُلَفَاءِ وَالسَّلَاطِينِ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ: «دَفَعَ إِلَيَّ الْمَأْمُونُ مَالًا فَقَالَ: اقْسِمْهُ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ فِيهِمْ ضَعْفًا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَ، إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ أَبَى». وَكَانَ يَقُولُ أحمدُ: «إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ هَانَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ دُونَ طَعَامٍ، وَلِبَاسٌ دُونَ لِبَاسٍ، وَإِنَّهَا أَيَّامٌ قَلَائِلُ، مَا أَعْدِلُ بِالْفَقْرِ شَيْئًا».


ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

أَيُّهَا السَّادَةُ: كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ مُحِبًّا لِلْفُقَرَاءِ، مُجْتَنِبًا لأَهْلِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: «لَمْ أَرَ الْفَقِيرَ فِي مَجْلِسٍ أَعَزَّ مِنْهُ فِي مَجْلِسِ أَحْمَدَ، كَانَ مَائِلًا إِلَيْهِمْ، مُقَصِّرًا عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا». وَيَتَحَدَّثُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ مُشَارَكَتِهِ لِلنَّاسِ فَيَقُولُ: «لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ حُضُورِ جَنَازَةٍ، أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَتْبَعُهُ»، وَتِلْكَ وَاللَّهِ مَقَامَاتُ الأَوْلِيَاءِ. وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ؛ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ لِلْحَمْلِ فِي الطَّرِيقِ، فَيَشْتَغِلُ حَمَّالًا وَهُوَ إِمَامُ زَمَانِهِ. وَعَنْ زُهْدِهِ قَالَ صَالِحٌ ابْنُهُ: «رُبَّمَا رَأَيْتُ أَبِي يَأْخُذُ الْكِسَرَ -الْخُبْزَ-، يَنْفُضُ الْغُبَارَ عَنْهَا، وَيَصِيرُهَا فِي قَصْعَةٍ، وَيَصُبُّ عَلَيْهَا مَاءً، ثُمَّ يَأْكُلُهَا بِالْمِلْحِ». وَعَنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: «كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ». وَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: «دَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَوَجَدْتُهُ مُتَرَبِّعًا يَبْكِي، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبِي، مَا شَأْنُكَ؟ لِمَ تَجْلِسُ هَذِهِ الْجِلْسَةَ وَتَبْكِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، أَتَفَكَّرُ فِي الْقَبْرِ وَأَهْوَالِهِ، أَتَفَكَّرُ فِي الْيَوْمِ الآخِرِ». وَكَانَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ بِأَسَانِيدَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةَ رَكْعَةٍ. قَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: «فَلَمَّا جُلِدَ -أَيْ أَيَّامَ الْمِحْنَةِ- كَانَ يُصَلِّي مِائَةً وَخَمْسِينَ رَكْعَةً». وَلَمْ تَشْغَلْهُ الْعِبَادَةُ، وَهُمُومُ الْعِلْمِ وَالدَّعْوَةِ وَالإِصْلَاحِ وَالْجِهَادِ، عَنْ أُسْرَتِهِ، وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ لأَهْلِهِ وَزَوْجِهِ. يَقُولُ الإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «تَزَوَّجْتُ أُمَّ صَالِحٍ، فَأَقَامَتْ مَعِي ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا اخْتَلَفْتُ أَنَا وَهِيَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ».


وَلَعَلَّ أَعْظَمَ مِحْنَةٍ وَفِتْنَةٍ تَعَرَّضَ لَهَا الإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هِيَ مِحْنَةُ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، وَصِفَاتُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، لَكِنِ اسْتَطَاعَ الْمُعْتَزِلَةُ إِقْنَاعَ الْخَلِيفَةِ الْمَأْمُونِ بِاعْتِقَادِهِمُ الضَّالِّ فِي الْقُرْآنِ، وَزَعْمِهِمْ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُحْمَلَ النَّاسُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَقِيدَةِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُبْتَدِعَةِ بِالْقُوَّةِ، وَأَمَرَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ بِبَغْدَادَ أَنْ يَمْتَحِنَ النَّاسَ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَطَلَبَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُمْتَحَنَ سَبْعَةٌ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ فِي بَغْدَادَ، فَأَجَابُوا بِالرُّخْصَةِ الَّتِي فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 28]، إِلَّا الإِمَامَ أَحْمَدَ وَمُحَمَّدَ بْنَ نُوحٍ، فَقَدْ رَفَضَا الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ أَنْ يُحْمَلَا إِلَيْهِ.


وَكَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ لَا يَرَى وَجْهَ الْمَأْمُونِ، وَفِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ جَاءَ رَجُلٌ يَقُولُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ مَاتَ الرَّجُلُ -يَعْنِي الْمَأْمُونَ-. وَتَوَلَّى الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ الْمُعْتَصِمُ، وَمَضَى عَلَى قَوْلِ الْمَأْمُونِ، وَقَدْ أَمَرَ بِإِحْضَارِ الْمُعَارِضِينَ، وَفِي الطَّرِيقِ مَرِضَ مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ وَمَاتَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَبَقِيَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَحِيدًا فِي هَذِهِ الْمِحْنَةِ، وَلَاقَى مِنَ الْعَذَابِ مَا لَاقَى، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُدَافِعًا عَنْ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.


وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَصِمُ بِحَبْسِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي بَغْدَادَ، فَسُجِنَ وَمَكَثَ فِي السِّجْنِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، ثُمَّ أُرْسِلَ مُثْقَلًا بِالْقُيُودِ، وَتَمَّتْ مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمَكَثُوا يُنَاظِرُونَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ وَحِيدٌ غَرِيبٌ، ثَابِتٌ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ، يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بِالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ.


فَقَالَ عُلَمَاءُ السُّوءِ لِلْخَلِيفَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ تَرَكْتَهُ قِيلَ: «إِنَّهُ غَلَبَ خَلِيفَتَيْنِ»، فَأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ، فَهَدَّدَهُ بِالْقَتْلِ، وَأَمَرَ بِأَدَوَاتِ الضَّرْبِ وَالتَّعْذِيبِ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ.


وَأَتَى الْمُعْتَصِمُ بِجَلَّادَيْنِ، كُلَّمَا ضَرَبَ أَحَدُهُمَا الإِمَامَ أَحْمَدَ سَوْطَيْنِ تَأَخَّرَ، وَتَقَدَّمَ الآخَرُ، وَصَارُوا يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْمَى عَلَيْهِ، فَيُفِيقَ، ثُمَّ يُعَادُ عَلَيْهِ الْكَرَّةُ. يَقُولُ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «فَذَهَبَ عَقْلِي عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ أُفِقْ إِلَّا وَقَدْ أُفْرِجَ عَنِّي»، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمَّا أَحَسَّ أَنَّ أَحْمَدَ سَيَمُوتُ مِنَ التَّعْذِيبِ، كَأَنَّهُ أَرْعَبَهُ ذَلِكَ فَأَطْلَقَهُ، ثُمَّ نُقِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى بَيْتِهِ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّيْرِ مِنْ شِدَّةِ مَا نَزَلَ بِهِ.


وَمَاتَ الْمُعْتَصِمُ، فَتَوَلَّى ابْنُهُ الْوَاثِقُ الْحُكْمَ، وَأَظْهَرَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَآذَى النَّاسَ عَلَيْهَا إِيذَاءً شَدِيدًا، وَجَاءَتْ رِسَالَةُ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ إِلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ وَفِيهَا: «إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ ذَكَرَكَ، فَلَا يُجْتَمَعَنَّ إِلَيْكَ، وَلَا يَأْتِيَنَّ إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَلَا تُسَاكِنِي بِأَرْضٍ وَلَا مَدِينَةٍ أَنَا فِيهَا، فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الأَرْضِ». فَاخْتَفَى الإِمَامُ أَحْمَدُ بَقِيَّةَ حَيَاةِ الْوَاثِقِ وَوِلَايَتِهِ، وَكَانَ فِي بَدَايَةِ الأَمْرِ مُخْتَفِيًا فِي غَيْرِ مَنْزِلِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ بَعْدَ سَنَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ مُخْتَفِيًا فِي الْبَيْتِ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا، حَتَّى هَلَكَ الْوَاثِقُ، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ الْمُتَوَكِّلُ، وَكَانَ سُنِّيًّا مُعَظِّمًا لِلْعُلَمَاءِ، مُحِبًّا لِلصَّالِحِينَ، فَأَذِنَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِكَشْفِ تِلْكَ الْكُرْبَةِ، وَأَظْهَرَ اللَّهُ السُّنَّةَ، وَقَمَعَ الْبِدْعَةَ، وَكَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ إِلَى النَّاسِ، وَيُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، وَيَحْضُرُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ. وَفِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ يَتَجَلَّى الْتِزَامُ الإِمَامِ أَحْمَدَ، إِذْ كَانَ آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ، نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، مُلْتَزِمًا بِالطَّاعَةِ، مُوَافِقًا لِلْجَمَاعَةِ. فَقَدِ اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ فِي وِلَايَةِ الْوَاثِقِ إِلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ الأَمْرَ قَدْ تَفَاقَمَ وَفَشَا -يَعْنُونَ إِظْهَارَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ- وَلَا نَرْضَى بِإِمَارَتِهِ وَلَا سُلْطَانِهِ. فَقَالَ لَهُمْ: «عَلَيْكُمْ بِالإِنْكَارِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَلَا تَخْلَعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، وَلَا تَشُقُّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ وَدِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَعَكُمْ، وَانْظُرُوا فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكُمْ، وَاصْبِرُوا حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ». ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأَحْزَابِ: 23]. يَقُولُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: «لَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلَامَ بِرَجُلَيْنِ: بِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ الْفِتْنَةِ، وَبِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يَوْمَ الْمِحْنَةِ». وَلَمْ يَكُنِ الإِمَامُ أَحْمَدُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُمَّةِ وَالْمُجْتَمَعِ، بَلْ كَانَ عَالِمًا عَامِلًا، آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ، نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، يَسْلُكُ مَسْلَكَ الرِّفْقِ وَالْحِكْمَةِ، مُلْتَزِمًا بِالطَّاعَةِ، مُوَافِقًا لِلْجَمَاعَةِ.


وَكَانَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ يَأْتِيهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ، فَأَنْشَدَ قَائِلًا:

قَالُوا يَزُورُكَ أَحْمَدٌ وَتَزُورُه
قُلْتُ الْفَضَائِلُ لَا تُفَارِقُ مَنْزِلَهْ
إِنْ زَارَنِي فَبِفَضْلِهِ، أَوْ زُرْتُه
فَالْفَضْلُ فِي الْحَالَيْنِ لَهْ.

 

قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ:

أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْتُ مِنْهُم
لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَةْ
وَأَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي
وَلَوْ كُنَّا سَوَاءً فِي الْبِضَاعَةْ

 

فَرَدَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ:

تُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَأَنْتَ مِنْهُم
رَفِيقُ الْقَوْمِ يَلْحَقُ بِالْجَمَاعَةْ
وَتَكْرَهُ مَنْ بِضَاعَتُهُ الْمَعَاصِي
حَمَاكَ اللَّهُ مِنْ تِلْكَ الْبِضَاعَةْ

هَكَذَا الْعُلَمَاءُ إِذَا صَحَّتْ قُلُوبُهُمْ، وَعَلَتْ هِمَمُهُمْ: تَوَاضُعٌ لِلْحَقِّ، وَخُضُوعٌ لِلْخَلْقِ، وَرَفْعٌ لِقَدْرِ الإِيمَانِ لا لِقَدْرِ النَّفْسِ. لَيْسَتِ الْكِبْرِيَاءُ فِي عُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ، وَلَكِنَّهَا فِي سُمُوِّ الْخُلُقِ، وَلَا الشَّرَفُ بِكَثْرَةِ الْكَلَامِ، وَلَكِنْ بِصِدْقِ الْأَعْمَالِ. تِلْكَ سِيرُ السَّلَفِ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْعِلْمَ إِذَا لَمْ يُزَكِّ النَّفْسَ صَارَ حُجَّةً عَلَيْهَا، وَإِذَا اقْتَرَنَ بِالْإِخْلَاصِ أَصْبَحَ نُورًا لِصَاحِبِهِ وَهُدًى لِغَيْرِهِ. هَكَذَا الْعُلَمَاءُ، هَكَذَا الْكِبَارُ: تَوَاضُعٌ لِلْحَقِّ، وَخُضُوعٌ لِلْخَلْقِ، وَسَمُوُّ نَفْسٍ لَا يَعْرِفُ الْكِبْرَ وَلَا الْغُرُورَ. فَكُلَّمَا ارْتَفَعَ الْعَبْدُ فِي الْعِلْمِ، ازْدَادَ لِلَّهِ خَشْيَةً، وَازْدَادَ لِلنَّاسِ لِينًا وَرَحْمَةً، وَتِلْكَ وَاللَّهِ مِيزَانُ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ. فَرَحِمَ اللَّهُ أُولَئِكَ الْأَئِمَّةَ، وَجَمَعَنَا بِهِمْ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ.


أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ للهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ… أَمَّا بَعْدُ،

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- نَقِيَّ الْقَلْبِ، يَعْفُو عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ حَنْبَلٌ: حَضَرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ -أَيْ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ-، وَأَتَاهُ رَجُلٌ فِي مَسْجِدِنَا، وَكَانَ الرَّجُلُ حَسَنَ الْهَيْئَةِ، ثُمَّ دَنَا مِنْهُ فَرَفَعَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، اجْعَلْنِي فِي حَلٍّ. فَقَالَ أَحْمَدُ: مِنْ مَاذَا؟ قَالَ: كُنْتُ حَاضِرًا يَوْمَ ضُرِبْتَ، وَمَا أَعَنْتُ وَلَا تَكَلَّمْتُ، إِلَّا أَنِّي حَضَرْتُ ذَلِكَ. فَأَطْرَقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَحْدِثْ لِلَّهِ تَوْبَةً، وَلَا تَعُدْ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، فَأَنْتَ فِي حِلٍّ، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَنِي إِلَّا مُبْتَدِعًا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَدْ جَعَلْتُ الْمُعْتَصِمَ -الْخَلِيفَةَ الَّذِي ضَرَبَهُ وَسَجَنَهُ وَأَهَانَهُ- فِي حِلٍّ، وَرَأَيْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النُّورِ: 22]. ثُمَّ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «الْعَفْوُ أَفْضَلُ، وَمَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ بِسَبَبِكَ، وَلَكِنْ لِتَعْفُ وَلْتَصْفَحْ عَنْهُ فَيَغْفِرَ اللَّهُ لَكَ كَمَا وَعَدَكَ». وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْخِرَقِيُّ: بِتُّ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لَيْلَةً، فَلَمْ أَرَهُ يَنَامُ إِلَّا يَبْكِي إِلَى أَنْ أَصْبَحَ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، كَثُرَ بُكَاؤُكَ اللَّيْلَةَ، فَمَا السَّبَبُ؟ فَقَالَ: «ذَكَرْتُ ضَرْبَ الْمُعْتَصِمِ إِيَّايَ، وَمَرَّ بِي فِي الدَّرْسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشُّورَى: 40]، فَسَجَدْتُ وَأَحْلَلْتُهُ مِنْ ضَرْبِي فِي السُّجُودِ».


عِبَادَ اللَّهِ: تُوُفِّيَ الإِمَامُ أَحْمَدُ نَهَارَ الْجُمُعَةِ، الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الأَوَّلِ، سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَإِحْدَى وَأَرْبَعِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَغْدَادَ.


وَفِي يَوْمِ وَفَاتِهِ حَدَثَتْ زِحَامٌ عَظِيمَةٌ، أُغْلِقَتْ بِسَبَبِهَا الطُّرُقَاتُ، وَتَرَكَ النَّاسُ أَعْمَالَهُمْ، وَخَرَجُوا يَسْأَلُونَ عَنْهُ، حَتَّى مَلَؤُوا السِّكَكِ وَالشَّوَارِعَ. فَلَمَّا كَانَ صَدْرُ النَّهَارِ قُبِضَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، فَعَلَتْ أَصْوَاتُ الْبُكَاءِ. وَحَضَرَ غُسْلَهُ مِائَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَخَرَجَ بِنَعْشِهِ إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ثَمَانُمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرِّجَالِ، وَسِتُّونَ أَلْفَ امْرَأَةٍ. تُوُفِّيَ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلَا زَالَتِ الأَلْسِنَةُ تَذْكُرُهُ، وَالْقُلُوبُ تُحِبُّهُ، وَقَدْ تَرَكَ لِلْأُمَّةِ تُرَاثًا عِلْمِيًّا وَمَذْهَبًا فِقْهِيًّا وَعِلْمًا يُقْرَأُ وَيُدْرَسُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ.


فَمَا الْفَخْرُ إِلَّا لأَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُم
عَلَى الْهُدَى لِمَنْ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حَيًّا بِهِ أَبَدًا
النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ

 

فَرَحِمَ اللَّهُ الإِمَامَ أَحْمَدَ، وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ، وَجَزَاهُ خَيْرَ مَا جَزَى عَالِمًا عَنْ عِلْمِهِ وَصَبْرِهِ وَدَعْوَتِهِ.


تِلْكَ أَيُّهَا الأَحِبَّةُ صَفَحَاتٌ نَاصِعَةٌ، وَإِشَارَاتٌ سَرِيعَةٌ مِنْ حَيَاةِ هَذَا الإِمَامِ الْجَلِيلِ، وَمَا أَرْوَعَ الْوُقُوفَ مَعَ أَمْثَالِ هَذَا الإِمَامِ؛ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْبُخَارِيِّ، وَالنَّوَوِيِّ، وَالسُّيُوطِيِّ، وَالذَّهَبِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَابْنِ الْقَيِّمِ، وَصَلَاحِ الدِّينِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَالْقَادَةِ النُّبَلَاءِ، وَالصَّالِحِينَ الأَتْقِيَاءِ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا وَرَضِيَ عَنْهُمْ-.فَمِنَ الْجَدِيرِ أَنْ نَقِفَ مَعَ سِيَرِهِمْ، وَنَنْهَلَ مِنْ شَمَائِلِهِمْ، وَنَرْبِطَ الْجِيلَ بِأَخْلَاقِهِمْ وَصِفَاتِهِمُ الَّتِي وَرِثُوهَا مِنَ الْمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ، وَاسْتَقَوْهَا مِنْ مَعِينِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَعَلَّنَا أَنْ نَنْهَضَ بِمَا نَهَضُوا بِهِ، وَنَتَّصِفَ بِمَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنْ عُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَسُمُوِّ النَّفْسِ، وَالتَّسَامِي عَلَى الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ، وَالتَّرَفُّعِ عَنِ السَّفَاسِفِ وَالتُّرَّهَاتِ. فَإِنَّ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةً لِأُولِي الأَلْبَابِ، وَفِي تَأَمُّلِ أَحْوَالِهِمْ إِصْلَاحًا لِلأَبْنَاءِ وَالشَّبَابِ.


أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِم             إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ.


أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، وَأَزْكَى الْبَشَرِيَّةِ...


صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى النَّبِيِّ الْمُرْتَضَى كَمَا أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأَحْزَابِ: 56].


وَنُؤْمِنُ أَنَّكَ خَيْرُ الْوَرَى
وَمِسْكُ الْحَيَاةِ وَخَيْرُ الأَنَامِ
تَفِيضُ بِحُبِّكَ أَرْوَاحُنَا
عَلَيْكَ الصَّلَاةُ، عَلَيْكَ السَّلَامُ.




حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الأدب في طلب العلم (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • أئمة بلغاريا يطورون مهاراتهم الدعوية ضمن الموسم السابع من «الإمام الفاعل»(مقالة - المسلمون في العالم)
  • ندوة لأئمة زينيتسا تبحث أثر الذكاء الاصطناعي في تطوير رسالة الإمام(مقالة - المسلمون في العالم)
  • القول المبين في بيان حقوق الإمام على المأمومين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • متن الزبد في علم الفقه على مذهب الإمام الشافعي للشيخ الإمام أحمد بن رسلان الشافعي(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • أعلام التفسير في أفغانستان: (1) الإمام الضحاك بن مزاحم(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • وفاة الإمام محمد بن جرير الطبري سنة عشر وثلاثمئة 310 هـ(كتاب - ثقافة ومعرفة)
  • تتمة الإنعام على رسالة فضل الإسلام للمجدد الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • مرويات الإمام عبد الله بن عباس المرفوعة منها والموقوفة (مبوبة وغير مكررة) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • المسائل التي خالف فيها الإمام محمد بن عبدالوهاب المذهب الحنبلي في كتابي الخلع والطلاق(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • مخطوطة مناقب الإمام مالك بن إنس (ج1 من النسخة الثانية)(مخطوط - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بمناسبة شهر التراث الإسلامي.. مسجد في مانيتوبا يعرف الناس بالثقافة الإسلامية
  • مبادرة خيرية لمركز إسلامي في فلوريدا لأكثر من 200 مستفيد
  • «الاستعداد للحياة الزوجية»: ورشة إسلامية لتعزيز الاستقرار الأسري في فيينا
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 16/5/1448هـ - الساعة: 16:37
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب