• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات   بحوث ودراسات   إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم   الدر الثمين   سلسلة 10 أحكام مختصرة   فوائد شرح الأربعين   كتب   صوتيات   مواد مترجمة  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    شرح (صفوة أصول الفقه) لابن سعدي - رحمه الله - ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    التعليق على رسالة (ذم قسوة القلب) لابن رجب (PDF)
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    10 مسائل مهمة ومختصرة في: شهر الله المحرم
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    10 مسائل مهمة ومختصرة في الأضحية (PDF)
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    10 مسائل مهمة ومختصرة في 10 ذي الحجة (PDF)
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    الدعاء لمن أتى بصدقة
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    حديث: صدقة لم يأكل منها
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    حديث: هو لها صدقة، ولنا هدية
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    باب: (ترك استعمال آل النبي على الصدقة)
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    حديث: «كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    شرح حديث: سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    التعريف بالخوارج وصفاتهم
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    حديث: ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / عقيدة وتوحيد / التوحيد / في أسماء الله
علامة باركود

اسم الله: السلام (خطبة)

اسم الله: السلام (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 24/9/2026 ميلادي - 13/4/1448 هجري

الزيارات: 2805

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

اسْمُ اللَّهِ: السَّلَامُ


الحَمْدُ للهِ القائلِ في محكمِ التنزيلِ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة: 208)، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ وليُّ الصالحين، وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وصفيُّهُ مِن خلقهِ وحبيبُه، القائلُ كما في حديثِ ثَوْبان رضي اللهٌ عنه قال: كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إذَا انْصَرَفَ مِن صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقالَ: « اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ »؛ رواه مسلم، فاللهم صلِّ وسلمْ وزدْ وباركْ على النبيِّ المختارِ وعلى آلهِ وصحبهِ الأطهارِ وسلمْ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ.


أَمَّا بَعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ! فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا بِدِينِ الإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، فَإِنَّ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].


عِبَادَ اللهِ:

((نَفَحَاتٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلْيَا)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، نَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ، لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَقُدْرَتِهِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَتَسْلِيمِ الأَمْرِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَلِنَأْخُذَ مِنْهَا شُمُوسًا تُوقِدُ لَنَا دُرُوبَ الحَيَاةِ، وَنَتَنَشَّقُ مِنْ عِبَرِهَا عِطْرًا يُحْيِي النُّفُوسَ وَالْقُلُوبَ وَالأَرْوَاحَ.


(اسْمُ اللَّهِ: السَّلَامُ): عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا..

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: وَمَا أَدْرَاكَ مَا اسْمُ اللَّهِ السَّلَامُ؟!

ثَانِيًا: نَفَحَاتٌ فِي اسْمِ اللَّهِ السَّلَامِ

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَثَرُ اسْمِ اللَّهِ السَّلَامِ فِي حَيَاتِنَا


أَيُّهَا السَّادَةُ:

بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: اسْمِ اللَّهِ السلامِ خاصةً مِنْ أَجَلِّ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَأَعْظَمِهَا وَقْعًا عَلَى الْقُلُوبِ: اسْمُ اللَّهِ السَّلَامُ، ذَلِكَ الِاسْمُ الَّذِي يَمْلَأُ النُّفُوسَ طُمَأْنِينَةً، وَيَبْعَثُ فِي الْأَرْوَاحِ الْأَمْنَ وَالسَّكِينَةَ. وخاصة وهناك حربٌ دائرةُ على الإسلام ِمن آنٍ لآخر بأنه دينُ الإرهاب ِوبأنه دينُ التطرفِ دين ٌالغلو ولا حولَ ولا قوةَ إلّا باللهِ العليِّ العظيمِ، وخاصةً ونحن في حاجةٍ إلى سلامٍ مع النفسِ ومع الأسرةِ ومع الجيرانِ بل ومع المجتمعِ الدولِي كلِّه لننعمَ في الدنيا ولنسعدَ في الآخرةِ، لنعيشَ حياةً طيبةً حياةً آمنةً، وخاصةً ونحن نعيشُ زمانًا ضاعَ فيه السلامُ والراحةُ والاستقرارُ والطمأنينةُ في المجتمعات، بسببِ الطمعِ والجشعِ والأنانيةِ وحبِّ الذاتِ وعدمِ احترامِ الآخر والحروبِ والخرابِ والدمارِ، ولا حولَ ولا قوةَ إلّا باللهِ العليِّ العظيمِ، فكلُّنَا في حاجةٍ إلى سلامٍ واستقرارٍ ولا يتأتًّى هذا إلّا لأصحابِ النفوسِ الزكيّة الصافية، التي لا تعرفُ سوى طريق الخيرِ والحقِّ، وأصحابِ العقولِ الواعية التي تفهمُ سننَ اللهِ (عزّ وجلّ) في كونهِ، فتؤمنُ بحقِّ التنوعِ والاختلافِ، واحترامِ آدميةِ الإنسانِ كإنسانٍ بغضِّ النظرِ عن دينهِ أو عِرقهِ أو جنسهِ أو لغتهِ أو لونهِ، وخاصةً وأنَّ الأممَ على اختلافِهَا تحتاجُ إلى السلامِ، فالبشرُ لا يمكنُ لهم الحياةُ في محيطٍ يفتقدُ السلامَ والأمنَ.


أَوَّلًا: وَمَا أَدْرَاكَ مَا اسْمُ اللَّهِ السَّلَامُ؟!

أَيُّهَا السَّادَةُ:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ» (مُسْلِمٌ)، فَالسَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فِي قَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: 23]. وَاسْمُ اللَّهِ السَّلَامُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلَامَةِ، فَهُوَ -سُبْحَانَهُ- السَّالِمُ مِنْ مُمَاثَلَةِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَالسَّالِمُ مِنَ النَّقْصِ، وَمِنْ كُلِّ مَا يُنَافِي كَمَالَهُ -سُبْحَانَهُ-، وَاللَّهُ -تَعَالَى- أَوْلَى وَأَحَقُّ بِهَذَا الِاسْمِ مِنْ كُلِّ مُسَمًّى بِهِ؛ لِسَلَامَتِهِ -سُبْحَانَهُ- مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهُوَ سَلَامٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وَسَلَامٌ فِي أَفْعَالِهِ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَظُلْمٍ وَفِعْلٍ وَاقِعٍ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ، وَحَيَاتُهُ -سُبْحَانَهُ- سَلَامٌ مِنَ الْمَوْتِ وَمِنَ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ، وَقَيُّومِيَّتُهُ وَقُدْرَتُهُ سَلَامٌ مِنَ التَّعَبِ وَاللُّغُوبِ، وَعِلْمُهُ سَلَامٌ مِنْ عُزُوبِ شَيْءٍ عَنْهُ أَوْ عُرُوضِ نِسْيَانٍ، وَإِرَادَتُهُ سَلَامٌ مِنْ خُرُوجِهَا عَنِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَكَلِمَاتُهُ سَلَامٌ مِنَ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ، وَغِنَاهُ سَلَامٌ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَمُلْكُهُ سَلَامٌ مِنْ مُنَازِعٍ أَوْ مُعَاوِنٍ، وَإِلَهِيَّتُهُ سَلَامٌ مِنْ مُشَارِكٍ، وَحِلْمُهُ وَعَفْوُهُ وَصَفْحُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَتَجَاوُزُهُ سَلَامٌ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَنْ حَاجَةٍ أَوْ مُصَانَعَةٍ، وَعَذَابُهُ وَانْتِقَامُهُ وَشِدَّةُ بَطْشِهِ وَسُرْعَةُ عِقَابِهِ سَلَامٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ ظُلْمًا أَوْ تَشَفِّيًا أَوْ غِلْظَةً أَوْ قَسْوَةً، وَقَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ سَلَامٌ مِنَ الْعَبَثِ وَالْجَوْرِ، وَعَطَاؤُهُ سَلَامٌ مِنْ كَوْنِهِ مُعَاوَضَةً، وَاسْتِوَاؤُهُ عَلَى عَرْشِهِ سَلَامٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إِلَى مَا يَحْمِلُهُ، وَنُزُولُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا سَلَامٌ مِمَّا يُضَادُّ عُلُوَّهُ، وَكَمَالُهُ سَلَامٌ مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَهَّمُهُ مُعَطِّلٌ أَوْ مُشَبِّهٌ... (بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ لِابْنِ الْقَيِّمِ)؛ فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ لِاسْمِ اللَّهِ السَّلَامِ.


أَمَّا الْمَعْنَى الثَّانِي: فَهُوَ أَنَّهُ -سُبْحَانَهُ- مَصْدَرُ السَّلَامِ وَالْأَمْنِ، وَكُلُّ مَنِ ابْتَغَى السَّلَامَةَ عِنْدَ غَيْرِهِ -سُبْحَانَهُ- فَلَنْ يَجِدَهَا، وَهَلْ يَضُرُّ أَحَدٌ مَنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ؟! كَلَّا، وَحَاشَا لِلَّهِ، قَالَ -تَعَالَى-: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107].


أَمَّا الْمَعْنَى الثَّالِثُ لِاسْمِ اللَّهِ السَّلَامِ فَهُوَ الَّذِي سَلَّمَ مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ الْخَلَلِ وَالْفُطُورِ وَالْعَيْبِ؛ أَوَمَا قَالَ -تَعَالَى-: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: 3]، وَقَالَ عَنِ الْخَلْقِ عَامَّةً: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7]، فَاسْمُ اللَّهِ السَّلَامُ يَتَجَلَّى فِي كُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا الْإِنْسَانُ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ يَوْمِ خَلْقِهِ إِلَى يَوْمِ وَفَاتِهِ، وَكُلُّ ذَرَّةٍ فِي الْكَوْنِ تَشْهَدُ بِسَلَامَتِهِ مِنَ التَّفَاوُتِ وَالْخَلَلِ وَالِاضْطِرَابِ؛ أَفْلَاكٌ تَدُورُ مُنْذُ مَلَايِينِ السِّنِينَ فِي نِظَامٍ ثَابِتٍ لَا يَضْطَرِبُ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]، فَالشَّمْسُ تُحَافِظُ عَلَى بُعْدٍ ثَابِتٍ مِنَ الْأَرْضِ لَا تَتَجَاوَزُهُ بِالنُّقْصَانِ وَلَا بِالزِّيَادَةِ، وَلَوِ اقْتَرَبَتْ مِنَ الْأَرْضِ لَاحْتَرَقَ كُلُّ مَا عَلَيْهَا، وَالسَّلَامُ: الْحِلْمُ وَقَوْلُ الْخَيْرِ وَالسَّدَادِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «أَيْ: إِذَا سَفِهَ عَلَيْهِمُ الْجُهَّالُ بِالسَّيِّئِ، لَمْ يُقَابِلُوهُمْ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، بَلْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ، وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خَيْرًا». وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]؛ يَعْنِي: قَالُوا: سَدَادًا. وَمِنْ جَمِيلِ مَا وَجَّهَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْجَاهِلِينَ: ﴿سَلَامًا﴾، قَوْلُهُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ذُلُلٌ، ذَلَّتْ مِنْهُمْ -وَاللَّهِ- الْأَسْمَاعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجَوَارِحُ، حَتَّى يَحْسَبَهُمُ الْجَاهِلُ مَرْضَى، وَإِنَّهُمْ لَأَصِحَّاءُ الْقُلُوبِ، وَلَكِنْ دَخَلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ». وَقَالَ: «حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونَ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا وَلَمْ يَسْفَهُوا، هَذَا نَهَارُهُمْ، فَكَيْفَ لَيْلُهُمْ؟! خَيْرُ لَيْلٍ، صَفُّوا أَقْدَامَهُمْ، وَأَجْرَوْا دُمُوعَهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي فِكَاكِ رِقَابِهِمْ». وَالسَّلَامُ: الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ؛ قَالَ تَعَالَى فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]؛ أَيْ: سَالِمَةٌ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَضُرٍّ، لَا يُقْضَى فِيهَا إِلَّا الْخَيْرُ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، هِيَ خَيْرٌ كُلُّهَا». وَيَصِحُّ الِابْتِدَاءُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ﴾ [القدر: 4، 5]، قَالَ قَتَادَةُ: «﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ﴾ [القدر: 4، 5]؛ أَيْ: هِيَ خَيْرٌ كُلُّهَا إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ». وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: «أَيْ: هِيَ سَلَامٌ، جَعَلَهَا سَلَامًا؛ لِكَثْرَةِ السَّلَامِ فِيهَا، قِيلَ: لَا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا وَلَا مُؤْمِنَةً إِلَّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَالَ مَنْصُورٌ وَالشَّعْبِيُّ: سَلَامٌ، بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ؛ أَيْ: تُسَلِّمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ». وَالسَّلَامُ: الْأَمَنَةُ وَالْحِفْظُ؛ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33]، قَالَ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «يَقُولُ: وَالْأَمَنَةُ مِنَ اللَّهِ عَلَيَّ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنْدِهِ يَوْمَ وُلِدْتُ أَنْ يَنَالُوا مِنِّي مَا يَنَالُونَ مِمَّنْ يُولَدُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ». وَالَّذِي اتَّبَعَ هُدَى اللَّهِ عَاشَ سَالِمًا مِنْ كُلِّ كَرْبٍ، مُعَافًى مِنْ كُلِّ هَمٍّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: 47]؛ أَيْ: سَلِمَ مِنْ كَرْبِ الدُّنْيَا وَغَمِّ الْآخِرَةِ، قَالَ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَيْ: مَنِ اتَّبَعَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَاهْتَدَى بِالشَّرْعِ الْمُبِينِ، حَصَلَتْ لَهُ السَّلَامَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». وَلَوِ ابْتَعَدَتْ لَتَجَمَّدَ كُلُّ مَا عَلَيْهَا، كُلُّ ذَلِكَ لِتَعِيشَ الْكَائِنَاتُ فِي سَلَامٍ. وَلِأَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- هُوَ السَّلَامُ، فَقَدْ دَلَّ عِبَادَهُ عَلَى مَا فِيهِ سَلَامَتُهُمْ، وَحَذَّرَهُمْ مِمَّا فِيهِ هَلَاكُهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ إِلَيْهِمُ الْكُتُبَ الَّتِي تُرْشِدُهُمْ وَتَهْدِيهِمْ إِلَى سُبُلِ السَّلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: 16].


وَهَؤُلَاءِ الرُّسُلُ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ قَدْ حَفِظَهُمْ وَسَلَّمَهُمْ مِنْ كُلِّ سُوءٍ؛ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59]، وَقَالَ -عَزَّ مِنْ قَائِلٍ-: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 181].


ثُمَّ إِنَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- وَصَفَ لَيْلَةَ نُزُولِ الْقُرْآنِ -خَاتَمِ كُتُبِهِ- بِأَنَّهَا «لَيْلَةُ سَلَامٍ»، فَقَالَ -تَعَالَى- عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5].


وَهَذَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ -الَّذِي نَزَلَ فِي لَيْلَةِ السَّلَامِ- هُوَ دُسْتُورٌ لِلسَّلَامِ؛ فَلَنْ يَتَحَقَّقَ سَلَامٌ حَقِيقِيٌّ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا مَا لَمْ يُطَبَّقْ هَذَا الْقُرْآنُ وَاقِعًا حَيًّا مَلْمُوسًا، وَسَتَظَلُّ الْبَشَرِيَّةُ مُعَذَّبَةً حَائِرَةً تَتَخَبَّطُ فِي أَوْدِيَةِ التِّيهِ وَالضَّيَاعِ حَتَّى تَفِيءَ إِلَيْهِ فَتَحْيَا بِهِ وَعَلَيْهِ.


وَمَنْ أَقَامَ هَذَا الْقُرْآنَ لَمْ يَفُزْ بِالسَّلَامِ فَقَطْ فِي دُنْيَاهُ؛ بَلْ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ أَهْلِ السَّلَامِ، قَالَ -تَعَالَى-: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]، فَهُوَ الْآمِنُ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: 103]. ثُمَّ مَصِيرُهُمْ وَمَأْوَاهُمْ هِيَ الْجَنَّةُ دَارُ السَّلَامِ، هَكَذَا سَمَّاهَا اللَّهُ حِينَ قَالَ: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 127]. وَمَا سَمَّاهَا -عَزَّ وَجَلَّ- دَارَ السَّلَامِ إِلَّا لِأَنَّهَا مُبَرَّأَةٌ مِنْ كُلِّ الْعُيُوبِ، وَسَالِمَةٌ مِنْ كُلِّ مُتَاعِبِ الدُّنْيَا وَهُمُومِهَا وَأَحْزَانِهَا وَآفَاتِهَا، فَمَنْ دَخَلَهَا يَعِيشُ فِيهَا فِي سَلَامٍ مِنْ كُلِّ مَا يَقْطَعُهُ عَنِ التَّنَعُّمِ بِهَا مِنْ مَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ مَلَلٍ أَوْ خُرُوجٍ مِنْهَا… فَهِيَ دَارُ السَّلَامَةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ وَلَا تَتَنَغَّصُ.

دِينِي هو الإسلامُ دينُ محبَّةٍ
دِينُ السلامَةِ سَالِمُ البُنيَانِ
دِينُ المَودَّةِ والتسامُحِ والهُدَى
شَتَّانَ بين الحَقِّ والبُهتَان

 

ثَانِيًا: نَفَحَاتٌ فِي اسْمِ اللَّهِ السَّلَامِ

أَيُّهَا السَّادَةُ:

دِينُنَا هُوَ دِينُ السَّلَامِ، وَنَبِيُّنَا هُوَ نَبِيُّ السَّلَامِ، وَشَرِيعَتُنَا هِيَ السَّلَامُ، وَقُرْآنُنَا هُوَ قُرْآنُ السَّلَامِ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ السَّلَامُ، وَالْجَنَّةُ هِيَ دَارُ السَّلَامِ، وَتَحِيَّتُنَا هِيَ السَّلَامُ، وَشِعَارُ أَهْلِ الْإِيمَانِ: السَّلَامُ. وَحَاجَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى السَّلَامِ غَرِيزَةٌ فِطْرِيَّةٌ، وَضَرُورَةٌ بَشَرِيَّةٌ، وَمَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ؛ إِذْ لَا بِنَاءَ وَلَا إِعْمَارَ، وَلَا رُقِيَّ وَلَا ازْدِهَارَ، وَلَا تَنْمِيَةَ وَلَا ابْتِكَارَ إِلَّا بِالسَّلَامِ، وَضِدُّهُ الدَّمَارُ وَالْخَرَابُ وَالْهَلَاكُ وَالْبَوَارُ… يَا رَبِّ سَلِّمْ. وَتَأَمَّلُوا أَيُّهَا السَّادَةُ: إِلَى قِمَّةِ الرَّحْمَةِ وَالسَّلَامِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِ الْأَصْفِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِيهِ قَرْيَةُ نَمْلٍ قَدْ أَحْرَقْنَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُعَذِّبُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَعَزَّ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا خَالِقُهَا»، وَقَالَ: «وَمَرَرْنَا بِشَجَرٍ فِيهَا فَرْخَا حُمَّرَةٍ، فَأَخَذْنَاهُمَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تُعَرِّشُ، فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِفَرْخِهَا؟! رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَ»، فَرَدَدْنَاهُمَا. وَكَيْفَ لَا؟! وَالْإِسْلَامُ دِينُ السِّلْمِ وَالسَّلَامِ، وَالْوِفَاقِ وَالْوِئَامِ، وَالْأُخُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ. وَكَيْفَ لَا؟! وَكَلِمَةُ السَّلَامِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَكَيْفَ لَا؟! وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا جَمَعَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْأُخُوَّةِ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، فَالْمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا كَأَنَّهُمْ رُوحٌ وَاحِدَةٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَصَدَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ يَقُولُ -كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّلَامَ هَدَفٌ أَسْمَى لِلشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ كُلِّهَا، وَمِنْ أَهَمِّ غَايَاتِهَا فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَتِ الرِّسَالَاتُ مُؤَكِّدَةً ضَرُورَةَ الْمُعَامَلَةِ فِي ضَوْءِ السِّلْمِ النَّفْسِيِّ وَالْأُسَرِيِّ وَالْمُجْتَمَعِيِّ. فَهَذَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُخَاطِبُهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: 48]. وَهَذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا وَصَلَ مَعَ أَبِيهِ إِلَى نُقْطَةٍ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا الِاتِّفَاقُ، وَأَصَرَّ أَبُوهُ عَلَى طَرْدِهِ، فَمَا نَالَ مِنْهُ أَوْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ كَمَا قَالَ الْقُرْآنُ: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 46-47]. فَمَعَ كُلِّ هَذَا الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ مِنْ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمْ يُقَابِلْهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا بِالسَّلَامِ؛ سَلَامٍ مَعَ النَّفْسِ، وَسَلَامٍ مَعَ الْآخَرِ، وَسَلَامٍ مَعَ الْكَوْنِ كُلِّهِ، وَمُقَابَلَةِ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ.


وَهَذَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُلْقِي السَّلَامَ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33].


وَكَيْفَ لَا؟ ! وَالسَّلَامُ هُوَ الشِّعَارُ الْأَوَّلُ لِلْإِسْلَامِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 208]. وَالسَّلَامُ هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ وَالسَّكِينَةُ وَالِاسْتِقْرَارُ وَالرَّاحَةُ وَالْهُدُوءُ، وَالسَّلَامُ هُوَ أَمَانُ الْفَرْدِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَالسَّلَامُ هُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ الْعُبُودِيَّةَ لِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَيُؤْمِنُ بِهِ سُبْحَانَهُ رَبًّا خَالِقًا رَازِقًا لَا مَعْبُودَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَالسَّلَامُ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، السَّلَامُ مِنْ رَبِّ الْبَشَرِ إِلَى الْبَشَرِ، وَالسَّلَامُ هُوَ الْإِسْلَامُ. قَالَ رَبُّنَا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. وَالسَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، قَالَ رَبُّنَا: ﴿هُوَ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: 23] وَالسَّلَامُ مَعْنَاهُ: ذُو السَّلَامَةِ الَّذِي يَمْلِكُ السَّلَامَ؛ أَيْ: سَلِمَ فِي ذَاتِهِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَفِي صِفَاتِهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَآفَةٍ، وَفِي أَفْعَالِهِ عَنْ كُلِّ شَرٍّ..وَالْجَنَّةُ هِيَ دَارُ السَّلَامِ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: 25]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 127]. وَتَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23-24]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10]. وَحَيَاةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ سَلَامٌ، كَمَا وَصَفَهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: 25-26]. بَلْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]؛ أَيْ: سَلِيمٍ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ يَا سَادَةُ. وَالْيَهُودُ يَحْسُدُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى السَّلَامِ؛ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ». وَتَحِيَّةُ أَهْلِ الدُّنْيَا السَّلَامُ، رَوَى الشَّيْخَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ». فَالسَّلَامُ أَمَانٌ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَدُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ وَالسَّلَامَةِ لِمَنْ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ، وَتَحْقِيقُ الِاطْمِئْنَانِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.


لِذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» رواه مسلم. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ الَّتِي أَنَارَتْ وَاسْتَنَارَتْ بِقُدُومِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي وأحمد بإسناد صحيح.


وَمِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ السَّلَامُ، رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ». وَقَالَ عَمَّارٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ» ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ. وَالسَّلَامُ وَالْمُصَافَحَةُ سَبَبٌ فِي تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَمَحْوِ الْخَطِيئَاتِ؛ فَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» رواه أبو داود والترمذي وأحمد بإسناد صحيح. وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ الْمُؤْمِنَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا، كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» رواه الطبراني في الأوسط. فاللهَ اللهَ في السلامِ، اللهَ اللهَ في الإسلامِ!!

أنا مُسلمٌ والسِّلمُ فِي وِجْدَانِي
سِلْمًا مِن الإرهابِ والعُدْوَانِ
رَبِّي السَّلامُ تقَدَّسَتْ أسمَاؤُهُ
ذُو الفَضلِ والإكرامِ والإحسَانِ

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ


الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا


ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَثَرُ اسْمِ اللَّهِ السَّلَامِ فِي حَيَاتِنَا

أَيُّهَا السَّادَةُ:

إِذَا تَأَمَّلْنَا اسْمَ اللَّهِ السَّلَامِ، وَطَبَّقْنَا هَذَا الِاسْمَ فِي حَيَاتِنَا؛ عِشْنَا فِي سَلَامٍ دَائِمٍ، وَاسْتِقْرَارٍ نَفْسِيٍّ. وَنُحَقِّقُ السَّلَامَ بِسَلَامٍ مَعَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَالسَّلَامُ مَعَ اللَّهِ هُوَ أَنْ تَأْتِيَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، وَتَجْتَنبَ مَا نَهَاكَ اللَّهُ عَنْهُ، فَاللَّهُ أَمَرَكَ فَائْتَمِرْ، وَنَهَاكَ فَانْتَهِ، وَالسَّلَامُ مَعَ اللَّهِ يَكُونُ بِفِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ، وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ. وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ السَّلَامَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالِاسْتِقْرَارَ النَّفْسِيَّ مَطْلَبٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، فَالْكُلُّ يَبْحَثُ عَنِ السَّلَامِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ؛ لِيَحْيَا حَيَاةً طَيِّبَةً، قَالَ رَبُّنَا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وَنُحَقِّقُ السَّلَامَ بِسَلَامٍ مَعَ النَّاسِ، فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ فِي سَلَامٍ مَعَ أُسْرَتِهِ، وَسَلَامٍ مَعَ عَائِلَتِهِ، وَسَلَامٍ مَعَ جِيرَانِهِ، وَسَلَامٍ مَعَ زُمَلَائِهِ، وَسَلَامٍ مَعَ أَصْدِقَائِهِ، وَسَلَامٍ مَعَ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، وَسَلَامٍ مَعَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ. وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا بِتَطْهِيرِ النُّفُوسِ وَالْقُلُوبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْبَغْضَاءِ وَالْكَرَاهِيَةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. وَنُحَقِّقُ السَّلَامَ بِسَلَامٍ مَعَ النَّفْسِ، بِزَجْرِهَا، وَعَدَمِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَمُحَاسَبَتِهَا قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. فَالنَّفْسُ -كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ-: إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ شُغِلَتْ بِالْبَاطِلِ، إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالطَّاعَةِ شَغَلَتْكَ بِالْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْقُرْآنِ شَغَلَتْكَ بِالْغِنَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِذِكْرِ اللَّهِ شَغَلَتْكَ بِذِكْرِ النَّاسِ. فَالنَّفْسُ كَالدَّابَّةِ؛ إِنْ رَكِبْتَهَا حَمَلَتْكَ، وَإِنْ رَكِبَتْكَ قَتَلَتْكَ… يَا رَبِّ سَلِّمْ. فَحَاسِبْ نَفْسَكَ الْآنَ مُحَاسَبَةَ الشَّرِيكِ الشَّحِيحِ لِصَاحِبِهِ؛ لِتَفُوزَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي السَّمَاءِ مَحْكَمَةً قَاضِيهَا الْإِلَهُ، مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِهَا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].


وأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ سَلِيمَ الْقَلْبِ فَلَا يَحْمِلُ حِقْدًا، وَلَا حَسَدًا، وَلَا غِلًّا لِأَحَدٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]. فَأَصْحَابُ الْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ هُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ رَاحَةً وَطُمَأْنِينَةً. وأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ مَصْدَرَ أَمْنٍ لِلنَّاسِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: « الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ». فَلَا يُؤْذِي، وَلَا يَظْلِمُ، وَلَا يَغْتَابُ، وَلَا يَخُونُ فالْمُسْلِمُ الصَّادِقُ يَحْمِلُ السَّلَامَ حَيْثُمَا حَلَّ، فِي بَيْتِهِ، وَعَمَلِهِ، وَمُجْتَمَعِهِ.


وأَنْ نُرَبِّيَ أَبْنَاءَنَا عَلَى السَّلَامِ وَالرَّحْمَةِ فَنُعَلِّمَهُمُ الرِّفْقَ، وَالْعَفْوَ، وَاحْتِرَامَ النَّاسِ، وَتَرْكَ الْعُنْفِ وَالسُّخْرِيَةِ وَالتَّنَمُّرِ. لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَغِيبُ عَنْهُ السَّلَامُ؛ يَكْثُرُ فِيهِ الْخَوْفُ وَالْقَلَقُ وَالتَّفَكُّكُ.


وأَنْ نُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ: فَنَقُولُ بِيَقِينٍ وَخُشُوعٍ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ. وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُنْزِلَ السَّلَامَ عَلَى قُلُوبِنَا، وَبُيُوتِنَا، وَأَوْطَانِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ دَارِ السَّلَامِ.


وَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ السَّلَامُ؛ امْتَلَأَ قَلْبُهُ طُمَأْنِينَةً وَأَمْنًا وَسَكِينَةً، وَعَلِمَ أَنَّ السَّلَامَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُطْلَبُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ، وَلَا يُلْتَمَسُ إِلَّا عِنْدَهُ، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِاللَّهِ سَلِمَ، وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَمِنَ، وَمَنْ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ اطْمَأَنَّ وَاسْتَقَرَّ. وَمِنْ أَعْظَمِ آثَارِ اسْمِ اللَّهِ السَّلَامِ أَنْ يَعِيشَ الْمُسْلِمُ فِي سَلَامٍ مَعَ رَبِّهِ؛ بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ، وَصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالِاسْتِسْلَامِ لِأَوَامِرِهِ، وَالِابْتِعَادِ عَنْ مَعَاصِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].


وَمِنْ أَثَرِهِ: أَنْ يَعِيشَ الْمُؤْمِنُ فِي سَلَامٍ مَعَ نَفْسِهِ؛ فَلَا يَحْمِلُ حِقْدًا، وَلَا غِلًّا، وَلَا حَسَدًا، وَلَا بَغْضَاءَ، بَلْ يَكُونُ قَلْبُهُ سَلِيمًا نَقِيًّا، يُحِبُّ لِلنَّاسِ الْخَيْرَ، وَيَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيَصْفَحُ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ الْمُسْلِمُ بَيْتَ سَلَامٍ، وَالْأُسْرَةُ أُسْرَةَ مَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ، وَالْجِيرَانُ فِي أَمْنٍ وَوِئَامٍ، وَالْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ مُجْتَمَعَ تَعَاوُنٍ وَمَحَبَّةٍ وَتَرَاحُمٍ. وَمِنْ أَعْظَمِ آثَارِ هَذَا الِاسْمِ الْكَرِيمِ: أَنَّهُ يُورِثُ الْعَبْدَ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ، وَالصَّبْرَ عَلَى بَلَائِهِ، فَيَعِيشُ الْمُؤْمِنُ مُسْتَقِرَّ النَّفْسِ، هَادِئَ الْقَلْبِ، مُوقِنًا أَنَّ تَدْبِيرَ اللَّهِ كُلَّهُ خَيْرٌ وَسَلَامٌ. وَمِنْ أَثَرِ اسْمِ اللَّهِ السَّلَامِ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ دَاعِيَةً إِلَى الْإِصْلَاحِ، سَاعِيًا فِي جَمْعِ الْكَلِمَةِ، وَإِطْفَاءِ نَارِ الْفِتَنِ، وَنَشْرِ الْمَحَبَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].


عِبَادَ اللَّهِ:

إِنَّ الْعَالَمَ الْيَوْمَ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى السَّلَامِ الْحَقِيقِيِّ، السَّلَامِ الَّذِي يَنْبُعُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالِاسْتِمْسَاكِ بِدِينِهِ، وَالْعَمَلِ بِكِتَابِهِ، وَالِاقْتِدَاءِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَيَا مَنْ تُرِيدُ السَّلَامَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، الْزَمْ بَابَ السَّلَامِ، وَاعْمُرْ قَلْبَكَ بِذِكْرِ السَّلَامِ، وَعِشْ فِي سَلَامٍ مَعَ اللَّهِ، وَمَعَ نَفْسِكَ، وَمَعَ النَّاسِ، تَفُزْ بِدَارِ السَّلَامِ.


أَلَا فَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ السَّلَامِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • اسم الله (المؤمن)
  • اسم الله (المهيمن)
  • اسم الله الجبار
  • اسم الله الخالق
  • اسم الله اللطيف
  • اسم الله السميع
  • اسم الله الخبير
  • اسم الله: المتكبر (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • اسم الله (الرحمن) و(الرحيم) (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الرحمن الرحيم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: اسم الله الرزاق، وأنواع الرزق(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اسم الله الوهاب (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الغفار (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله السميع (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الجبار (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الستير (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الفتاح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الرازق الرزاق (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو
  • ندوة إسلامية في فوشتري تستعرض سيرة النبي وتعاليمه
  • المركز الإسلامي في فيينا يستضيف ندوة لتعزيز الوعي حول الإسلام
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا
  • بعد 8 سنوات من البناء... مسجد جديد يفتح أبوابه بمدينة سومور الفرنسية
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 23/4/1448هـ - الساعة: 13:27
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب